فلسفته

يدين «شو» بأن العقل هو وسيلتنا الوحيدة إلى فهم الحقائق والتفاهم عليها، ولكنه لا يدين بأن العقل وحده كافٍ لفهم جميع الحقائق؛ لأنه في رأيه قاصر عن فهم الحقائق الأبدية التي تتعلق بأصول الأشياء.

وفي رسائله التي جعل عنوانها «ست عشرة صورة ذاتية» يقول: «إن العقل يستطيع أن يبيِّن لك خير طريق — طريق الحافلة أو الترام أو السرداب أو سيارة الأجرة — للوصول من پيكادللي إلى پوتني، ولكنه لا يستطيع أن يبيِّن لك لماذا ينبغي أن تطلب الذهاب إلى پوتني بدلًا من البقاء في پيكادللي.»

فالعقل يبيِّن لك الطريق ولكنه لا يبيِّن لك البواعث التي تحركك إلى ذلك الطريق، أو بعبارة أخرى يبيِّن لك الوسائل ولا يبيِّن لك المبادئ والغايات.

ولم يشتهر شو بالفلسفة، في باب من أبوابها، بل اشتهر بكتابة المسرحيات والفصول الانتقادية اللاذعة، وبعض الأجوبة المستغربة التي يفضي بها حينًا بعد حين إلى الذين يسألونه عن أمرٍ من الأمور العامة، وقلما تخلو أجوبته هذه من السخرية والتقريع والولع بالمخالفة.

ولكنه في الواقع قد تناول مسائل الفلسفة بأجمعها، ومنها فلسفة «ما وراء الطبيعة» وفلسفة الاجتماع والأخلاق، وفلسفة السياسة وما يتصل بها من أنواع الحكومات والحكام.

تناول هذه المسائل في الحوار الذي يدور بين شخوص رواياته، كما تناولها في المقدمات المطولة التي يصدِّر بها تلك الروايات.

ولهذا يصعب استخراج مذهبه الفلسفي على التحقيق، أو يصعب تمييز ما يعتقده هو وما يلقيه على لسان شخص من شخوص الرواية، ويرد عليه بلسان شخص آخَر.

فأسلوب الكلام وحده هو الذي يميِّز لنا اعتقاده بما يتخلله من التوكيد أو التسخيف، فإذا وافق هذا الكلام آراءه التي يشرحها في مقدماته تبيَّنَ اعتقاده واعتقاد غيره، وأمكن الفصل بين أفكاره وسائر الأفكار التي يلقيها على ألسنة الشخوص الروائية في معرض المناقشة وتبادُل الأفكار.

ومن هذه المقابلة بين مقدماته وفصوله ومساجلاته نستخلص مذاهبه في الفلسفة بأنواعها، وأولها فلسفته في المسائل الأبدية: مسائل الخلق والتكوين والفكرة الإلهية وما إليها من المباحث التي اصطلحنا على تسميتها بفلسفة «ما وراء الطبيعة».

(١) فلسفة ما وراء الطبيعة

يتردد اسم الله كثيرًا في كتابات شو على اختلاف موضوعاتها، ولكنه لا يؤمن بإله مطلَق الإرادة، خالقٍ لجميع الأشياء.

كذلك لا يؤمن بالمادية المطلَقة، ولا يقول بأن الوجود كله مادة مسيطرة على الفكر والحياة.

بل يؤمن بقوة غير مادية يسميها «القوة الحيوية»، ويقول إنها تتطور بإرادتها، وإن المادة عدو لها في تطورها، وإن ارتقاء هذه القوة الحيوية في معارج الفكر إنما يأتي من طريق واحد، هو طريق الخطأ والتصحيح والتكرار والمثابرة، ولا نهاية للارتقاء الذي تبلغه الحياة من هذا الطريق، فإنها تسلكه وتتطلع في كل مرحلة من مراحله إلى القدرة المطلَقة والعلم المطلَق، وقد تبلغهما في زمنٍ من الأزمان بعد الملايين التي لا تُحصَى من السنين.

قال على لسان برانكلن في روايته الكبرى «العود إلى متوشالح»: «إن التقدم إلى القدرة المطلَقة والعلم المطلَق، إلى قدرة أكبر وعلم أكبر، هو المسعى الذي ندأب عليه ولو جازفنا في سبيله بالحياة وكل ما فيها من متاع. والتطور هو المسعى كله ولا شيء غيره، إنه هو السبيل إلى الإلهية، وما يترقى الإنسان عن الجرثومة الضئيلة إلا بمقدار تقدُّمه في هذا السبيل.»

وأول خطوة من خطوات التطور عنده أن القوة الحيوية تلبست بالأجساد المادية؛ لتعمل وتستفيد من معاركة المادة وإملاء إرادتها عليها، فأصبحت القوة الحيوية أفرادًا متفرقة بعد أن كانت جملة مجتمعة لا تفرق بين أجزائها.

وظهر «الفكر» وتقدَّمَ من علاج الإرادة الحية للمادة التي تقاومها وتعاديها.

فكل معالجة تتقرر فيها تجربة ثابتة، وكل تجربة ثابتة تجري مجرى العادة، وكل عادة تتجمع مع العادات الأخرى فتهتدي بها الحياة وتتعود التفكير.

ولكن المادة من طبعها أن تعوق الفكر وتصده عن الانطلاق بغير قيد ولا حائل، وينتهي هذا التعويق بتنبيه إرادة الحياة إلى طلب الخلاص من هذه العوائق واعتماد الحياة على «الفكر» المجرد مستقلًّا عن الأجسام، فلا تزال تطلب وتكرر الطلب، وتخطئ وتصحح الخطأ، وتثابر على الطلب والتصحيح حتى تبلغ ما تريد.

ويومئذٍ لا يبقى من هذه الأجساد الحية غير الفكر الحي المجرد المطلَق من جميع القيود.

قال في رواية «العود إلى متوشالح» أيضًا على لسان «القدامى» والمولود الجديد:

القديم : إننا ما دمنا مرتبطين بهذا الجسد المستبد، فنحن خاضعون معه لسلطان الموت، ولا تتحقق غايتنا من أجل هذا.
المولود الجديد : وما هي غايتك؟
القديم : أن أصبح خالدًا.
القديمة : سوف يأتي اليوم الذي لا يبقى فيه «أناس» ولا يبقى شيء غير «الفكر المجرد».
القديم : وهذه هي الحياة الأبدية.

وفي الكتاب الأول من الرواية بعينها يقول على لسان الحية وحواء:

الحية : التخيل بدء الإيجاد والتكوين. تتخيل أنك تشتهي، وتريد ما تتخيل، ولا تزال حتى تخلق ما تريد.
حواء : وكيف أخلق شيئًا من لا شيء!
الحية : كل شيء لا بد أن يُخلَق من لا شيء. انظري إلى هذه العضلة من اللحم الصلب على ذراعك. إنها لم تكن من قبلُ هناك. إنك لم تكوني قادرة على تسلُّق شجرة يوم رأيتك للمرة الأولى، ولكنك أردت وحاولت ثم أردت وحاولت، وإرادتك خلَقَتْ من لا شيء هذه العضلةَ في ذراعك لبلوغ ما اشتهيت.

وليس في مذهب شو مطلب بعيد على الإرادة، فسوف تتحقق الحياة بالفكر المجرد، كما تحقَّق الفكر نفسه، وكما تحقَّق الحس والنظر والسمع وسائر الحواس بالمحاولة بعد المحاولة، والتصحيح بعد التصحيح.

وفي مقدمة تلك الرواية يقول: «إن لم تكن لك عينان وأردت أن تنظر، وأصررت على محاولة النظر وُجِدت لك عينان، وإن كانت لك عينان وأردت كما أراد الخلد أو السمكة التي تعيش تحت الأرض أَلَّا تنظر فقدت عينيك.

وإذا كنت تحب طعم الأوراق الطرية على رءوس الشجرة، ويبلغ من حبك أن تجمع إرادتك كلها في عنقك لتمدها وتطيلها، فسوف تكون لك في النهاية عنق طويلة كعنق الزرافة. ويبدو هذا سخيفًا أول الأمر لمَن لا ينتبهون لما حولهم، ولكنها حقيقة في متناولنا جميعًا. ونشاهد تحقيق هذه المحاولة بعينها كلما شاهدنا الطفل المتعثر قد أصبح ولدًا يمشي على قدميه منتصب القامة، وكلما شاهدنا رجلًا مسلوخ الذقن أو مصدومًا في مؤخرة رأسه على الثلج قد أصبح من راكبي الدراجات أو البارعين في الانزلاق. وليست هذه الحركة مستمرة متصلة إذا كان التدريب وحده هو الذي يعمل عمله فيها؛ فإنك إن تقدَّمْتَ في ركوب الدراجة درسًا بعد درس لا تعود في الدرس الثاني إلى حيث انتهيت، بل تعود ظاهرًا إلى حيث ابتدأت أول مرة، وإذا بك أخيرًا قد نجحت كأنما قد نجحت فجأة بلا نكسة ولا رجعة. وأشبه من ذلك بالمعجزة أنك تباشر هذه القدرة الجديدة غير شاعر بها ولا ملتفت إليها …

لقد خُلِقت فيك قدرة جديدة، وخُلِق فيك بغير شك نسيج جسدي كعضوٍ تتلبس به تلك القدرة، وقد أتممت ذلك كله بمحض الإرادة، فليس هنا محل لانتخاب البيئة أو بقاء الأصلح؛ لأن الرجل الذي يتعلم ركوب الدراجة لا فضل له على غيره في معركة البقاء، بل على عكس ذلك، وإنما اكتسب عادة جديدة لغير سبب إلا أنه أرادها، وما زال يحاولها حتى أُضِيفت إلى تكوينه.»
figure
صورة شمسية من «صورة زيتية».

•••

وواضح من هذه المتفرقات أن «شو» يستمد فلسفته من مصدرين: أحدهما علمي وهو نظرية النشوء والارتقاء، والآخَر فلسفي وهو مذهب «برجسون» القائل بنظرية «التطور الخالق» أو ما يسميه في بعض الأحيان بدفعة الحياة.

والاعتراضات على فلسفة «شو» كثيرة كالاعتراضات على كلِّ مذهب من مذاهب الفلاسفة فيما يدور حول مسألة الخلق وأصول الأشياء خاصة.

ومن المعترضين مَن يعترف لشو بالأستاذية، ولكنه يخالفه في الفلسفة الإلهية على التخصيص، كالأستاذ «جود» الفيلسوف الإنجليزي المشهور.

وقد بنى اعتراضه على أسباب علمية، ولم يَبْنِهِ على أسباب فلسفية كما ينتظر من فيلسوف يتكلم في مسألة فلسفية، فاستند في نقض فلسفة شو على القانون الثاني من قوانين الحرارة والحركة Thermodynamics، وفحواه أن الحرارة في الكون تتسرب من الجسم الحار إلى ما دونه في الحرارة حتى تتساوى الأجزاء كلها في درجة الحرارة، فتبطل الحركة ويصاب الكون بالشلل، فلا يبقى فيه محل لمؤثرات الحياة أو غيرها من المؤثرات.

فإذا كانت القوة الحيوية جزءًا من الكون فلا نجاة لها من هذا المصير، وليس للحياة ولا للفكر شأن في النهاية غير شأن المادة والأجسام المادية. فكيف يترقى الفكر إلى الغاية التي تعلو على المادة وعلى الأجساد؟!

والاعتراض فيما نرى غير حاسم؛ لأنه لا مانع «أولًا» من استقلال الفكر المجرد ببقاءٍ غير بقاء الأجساد المادية.

ولا موجب «ثانيًا» للجزم بفناء الحركة في الكون بناءً على المعروف الآن من قوانين الحرارة؛ فإننا لا نعلم حتى الآن كيف بدأت الحركة والطاقة، وكل ما نعلمه عن الحرارة أنها حركة في وسط لا اختلاف بين أجزائه يسمونه بالأثير، وقد يسمونه أحيانًا بالفضاء؛ لأنهم لم يعرفوا فرقًا قَطُّ بين الأثير والفضاء، في الخواص والصفات.

فإذا جاز نشوء الحركة مع الأثير الساكن المستقر المتساوي الجوانب والأجزاء، فما هو الموجب للجزم بفناء الحركة عند تساوي الحرارة في أنحاء الكون؟

أليس الأثير متساويًا، وقد وُجِد فيه الضوء ووُجِدت فيه الحرارة والحركة؟

أليس من الجائز أن هذا الأثير المتساوي هو مصدر الحرارة الأول، وهو مصدرها الذي يعيدها كرة أخرى؟

أليس من الجائز أن التساوي في أنحاء الكون يناسب الفكر المجرد المطلَق من جواذب الحركة المادية؟

كل أولئك جائز.

وما لم يكن شيء منه مستحيلًا، فلا موجب للجزم ببطلان مذهب شو في تطور الحياة.

إنما الاعتراض القوي على مذهب شو يعتمد في اعتقادنا على سببٍ غير هذا السبب العلمي الذي اعتمد عليه الأستاذ جود.

وأحرى بنقض الفلسفة على أسباب فلسفية، وهي التي نعتقد أنها تزعزع مذهب شو وتتركه بغير سند متين.

فالمفهوم من كلام شو أنَّ قوةَ الحياة التي يقول بها قوةٌ ناقصةٌ متطورةٌ لا تشمل جميع الموجودات.

وما دامت كذلك فهي ليست واجبة الوجود بذاتها، وليست أزلية قائمة في الكون من قديم الأزل. فما الذي أوجدها، ومن أيِّ مادة كان إيجادها؟

يجوز أن يقول شو إنها وُجِدت من هذه المادة الكونية على سبيل الخطأ، وإنها مدينة بوجودها للمصادفة التي لم تقصدها المادة ولم تقصدها الحياة.

ولكن أصعب شيء على العقل أن يتصوره أن الخطأ هو مصدر كل خلق وكل حياة وكل فكر في هذا الوجود، وأنه هو الأصل الذي ترتد إليه جميع الأصول.

فليس من الصواب أن نبني كل شيء على الخطأ، وأن يكون التصحيح نفسه خطأ من أخطاء المصادفات!

(٢) الدين

وعلى أية حال يزعم شو أن التطور الخلَّاق صالح لأَنْ يصبح ديانة جديدة لأبناء القرن العشرين.

وكما قيل عن المعري إنه سئل عن قرآنه فقال: اتركوه حتى تصقله الألسنة في المحاريب. كذلك يقول شو عن ديانته هذه: إنها لا تشيع بين جمهرة الناس حتى تنشأ حولها أساطيرها وأماثيلها ومعجزاتها، ولكنها مع هذا خير من الديانات العتيقة، وخير من الشكوكية، وخير من المادية العمياء، ومن مذهب داروين القديم والحديث.

على أن «شو» يحترم الديانات التي يسميها بالديانات العتيقة، ويتكلم عن أنبياء الأمم بلهجة الإعجاب والتوقير، ويقول في مقدمة «مسرحياته السارة»: «هناك ديانة واحدة وإن تعددت منها مائة نسخة.»

وفي وصاياه التي سماها «دليل المرأة الذكية» ينصح الأمم أن تلقن طفلها سببًا ما، يقنعه بالاستقامة في سلوكه حين لا يشعر بأحد يراقبه ويحصي عليه غلطاته، ولا ضرر من إيمان الطفل بهذا السبب ولو أنكره عقله بعد ذلك. قال يخاطب الأمم: «إنَّكِ إذا قلتِ للصغير إنكَ مسئول أمام نفسكَ عن الكلام بالصدق لم يشعر قَطُّ بهذا الالتزام، وإذا قلتِ له إن الكذب يجعل الناس ينبذون كلامكَ ولا يصدقونكَ فهذه أكذوبة صارخة تزعمينها؛ إذ تعلمين جيدًا أن كثيرًا من الأكاذيب تروج وتنجح، وأن المجتمع الإنساني لن يخلو من أكاذيب شتى يتداولها بنية حسنة.»

ثم مضى يعلِّم الأم الذكية أن تخويف الطفل من الله وتأميله في حسن رضاه أجدى من هذه الحيل جميعًا في تربيته على الصدق والاستقامة.

وقال في مقدمة روايته «أندروكليز والأسد»: «إن الحكومة بغير دين مستحيلة … وإن الرجل الذي يريد أن يعقل كل شيء يموت ولا أثر له ولا صيت بعده.»

وفي كتابه «مرجع السياسة للجميع» يقول: «إنني — بما أعلمه من الدنيا — أرى أن السياسي ينبغي أن يتدين، ولكنه ينبغي كذلك أن ينبذ من ديانته كل تخصيص لا يصلح للتعميم.»

ثم يشفع ذلك بشرح التخصيص الذي يعنيه، وهو التخصيص الذي يستثني أناسًا دون آخرين، ويزيد الشرح فيتضح من جملة كلامه أن الديانة التي يؤثرها للساسة هي ديانة التطور الخلَّاق، أو هي ديانته التي سماها بديانة القرن العشرين. «فإذا جاز للسياسي أن يشخص العامل الخلَّاق في البيولوجي باسم الرب، فليس له أن يصبغه بالصبغة القومية كأنه هو يهوا أو الله أو بوذا أو برهما.

وينبغي فوق كل شيء أَلَّا يتطلع إلى الرب ليقوم عنه بأداء عمله، وإنما عليه أن يعتبر نفسه خادمًا غير معصوم لرب غير معصوم، عاملًا بالنيابة عن الرب، ومفكرًا بالنيابة عن الرب؛ لأن الرب — وهو لا ينجز مقاصده بغير أيدي أو رءوس — قد هَيَّأ لنا أن نرقي أيدينا ورءوسنا لنعمل باسمه ونفكر باسمه، ونوجز فنقول: إننا لسنا في أيدي الرب بل الرب في أيدينا. فليس للوالي أن ينادي نداء العجز: فَلْتكن مشيئتك. بل عليه أن يرسم هذه المشيئة وأن يبحث عن وسيلة إنجازها وأن ينجزها فعلًا وحقًّا. ولا يكونن إلهه كمالًا موجودًا مطلَق القدرة مطلَق المعرفة، بل مثلًا أعلى يسعى إليه التطور الخلاق، ويكون النوع الإنساني بالنسبة إليه أحسن محاولة من محاولاته حتى اليوم، ولكنها على هذا محاولة معيبة جدًّا معرَّضة في كل لحظةٍ للاستبدال إذا بدا للتطور الخلاق أنها محاولة ميئوس منها. وعليه، على السياسي أن يواجه الشر في الدنيا — وهو الذي يغض من الخير الإلهي ويجعله ظافرًا في حكم السخف والإحالة — كأنه بقية متخلفة من أخطاء حدثت بنية حسنة في أصلها، وأن ينظر إلى الحياة كأنها خالدة دائمة، ولكنه ينظر إلى معاصريه كأنهم خلائق زائلة لا حياة لها وراء القبر تعوضها عن أي ظلم لحق بها في دنياها.»

•••

وهكذا نخرج من كلام برنارد شو عن الدين في مواضعه المختلفة بنتيجتين عن ديانته هو وعن الديانات القائمة بين الجماعات البشرية.

فديانته هي إيمان التطور الذي يخطئ ويصيب من طريق المحاولة بعد المحاولة، وهو علامة على ارتقاء الإنسان في معارج التطور، يدين به طواعية بغير مثوبة ولا عقاب، ولكنها طواعية مستمدة من ضروريات «التطور الخلاق» والأمل في زيادة الارتقاء.

والديانات التي تؤمن بها الجماعات البشرية عامة لازمة محترمة في نظره وتقديره، ويغلب أن يكون لزومها عنده لزوم المصلحة الاجتماعية والنفسانية التي لا غنى عنها للجماعات أو الآحاد.

ولا يصلح الإنسان على كل حال بغير إيمان.

(٣) الفلسفة الاجتماعية

أما الفلسفة الاجتماعية التي يبشِّر بها شو فخلاصتها في كلمتين: إنها «الاشتراكية الفابية» أي الاشتراكية في صورتها المميزة عن الشيوعية الماركسية.

وتُنسَب الفابية إلى القائد الروماني القديم فابيوس Fabius المتوفى سنة ٢٠٣ قبل الميلاد.

وقد فوَّض إليه الرومان الحكم بأمره في سنة ٢١٧ قبل الميلاد بلقب «دكتاتور»، مكافأة له على بلائه في خدمة الدولة، وتزويدًا له بالسيطرة اللازمة لمحاربة هانيبال بأسلوبه المعروف.

وكان أسلوبه هذا قائمًا على الحرب المتقطعة والمناوشات المفاجئة، التي تنهك العدو وتحيره وتجره إلى المواقع التي لا ينتفع فيها بمزاياه العسكرية قبل الاشتباك معه في موقعة فاصلة.

وقد نُسِبت إليه الجماعة الفابية في إنجلترا؛ لأنها أرادت أن تجري على هذه الخطة في الدعوة إلى مبادئها ومحاربة العناصر التي تعاديها، فهي لا تعول على «الضربة القاضية» كما يعول عليها الماركسيون الشيوعيون، ولا تيأس من إصلاح المجتمع بالمناوشات والمساجلات في غير عنف ولا اضطرار إلى سفك الدماء.

والفابيون لا يؤمنون بالعداء بين الطبقات، ولا يرون ضرورة لإعلان الحرب بينها، وإثارة البغضاء في نفوس أبنائها، ومن تحقيقاتهم التي يسجلونها ويذيعونها أن أحوال العمال والأُجَرَاء تتحسن بالوسائل التشريعية والإصلاحية، ولا تسوء على الدوام كما يرى الماركسيون الشيوعيون.

تأسست الجماعة في سنة ١٨٨٤ وفيها نحو أربعين من نخبة الباحثين والمفكرين، ولم يزد عدد أعضائها قط على ألفين في وقت من الأوقات، وخير أعمالها الاجتماعية قائم على الدعوة وتمكين المجالس البلدية والنقابات من تحسين أحوال الأُجَرَاء والعمَّال.

وغني عن القول أن الاشتراكية الفابية — كغيرها من المذاهب الاشتراكية — هي حركة إصلاح في المجتمع والحكومة، وليست مجموعة من الآداب والوصايا تحض على الرحمة والعطف والبر بالفقراء والمحرومين، فهي كما قال في «الدليل أو المرجع السياسي للجميع»: «ليست صدقة ولا عاطفة من عواطف الرأفة والمحبة أو الشفقة على الفقير، وليست نزعة من نزعات الخير والاحسان في الأمة تنزع إلى إعطاء بعض الشيء لغير شيء بين الصدقة والتسول، ولكنها هي كراهية الاقتصادي للتلف والخلل، وكراهية صاحب الذوق للدمامة والقذارة، وكراهية القانوني للظلم والإجحاف، وكراهية الطبيب للعِلَل والآفات، وكراهية القديس للخطايا السبع الكبار.»

وأغراض هذه الاشتراكية كثيرة متشعبة، ولكننا إذا لخصناها على حسب دعوة «شو» أمكن أن تنحصر في غرض واحد تتبعه جميع الأغراض، وهو توفير المال في أيدي الجميع.

فالمال عند «شو» شيء مقدَّس مطلوب عميم النفع والوقاية، والاهتمام الشائع به هو علامة الأمل الوحيدة في حضارتنا والموضع السليم الوحيد في الضمير الاجتماعي، وهو — كما جاء في مقدمة روايته «ماجور بربارا» — أهم شيء في العالم، «يمثل الصحة والقوة والشرف والكرم والجمال تمثيلًا فيه من الكفاية ما في عدمه من تمثيل المرض والضعف والعار والخسة والدمامة، وليس أقل فضائله أنه يوبق الأردياء كما يحوط النبلاء بالمناعة والكرامة».

ولا تناقض بين نشدان المال ونشدان المتعة الروحية في عقيدة شو، ففي كتابه «بيت القلب الكسير» يجري هذا الحوار بين شخصين من شخوصها على هذا السياق:

إيلي : إن بعض الناس من الطراز العتيق يظنون أنك تستطيع أن تحتفظ بروح من غير مال، ويُخَيَّل إليهم أنه كلما قل النصيب من المال زاد النصيب من الروح، إلا أن «الشباب» في هذه الأيام أعرف منهم وأخبر، فإن الروح قنية عظيمة التكاليف، قنية أعظم كلفة من السيارة.
كابتن شوتوڤر : أهي كذلك؟ كم تأكل روحك إذن؟
إيلي : أوه! كثيرًا جدًّا. تأكل الموسيقى والصور والكتب، والجبال والبحيرات، وأشياء جميلة للكساء، وأناسًا لطافًا للمصاحبة والمعاشرة، ولا يسعك في هذه البلاد أن تنالها بغير مال، ومن أجل هذا أصيب أرواحنا بهذه المجاعة النكراء.
كابتن شوتوڤر : إن روح «مانجان» تعيش على طعام الخنازير.
إيلي : نعم، لأن المال يهال عليه، وأحسب أن روحه كانت جائعة وهو صغير، بَيْدَ أن المال لا يهال عليَّ أنا، وإنما أتزوج من أجل المال؛ لأنني أريد أن أنقذ حياتي الروحية، وكل امرأة سلمت من الحماقة تصنع هذا الصنيع …

ومن ثَمَّ كان تدبير المال للناس كافة أنجح وسائل الخلاص من الآفات الروحية والجسدية، فليست الاشتراكية برًّا بالفقراء؛ لأنهم قديسون أو ملائكة. كلا، إنه لمن خطأ العواطف الإنسانية في تقدير «شو» أنها إذا عطفت على مظلوم تخيلته من الملائكة أو القديسين، وقد يكون على نقيض ذلك من الشياطين والأشرار، بل قد يكون الفقير سيئًا رديئًا لأنه فقير، ومن هنا تجب العناية به وإنقاذه من السوء والرداءة، ولن يتأتى ذلك وهو فقير محروم.

ولم تكن الاشتراكية الفابية بدعًا بين المذاهب الاشتراكية على تعدُّد مناحيها في الحملة على نظام رأس المال، فإن هذا النظام الذي يميِّز طائفة من الأمة على سائر الطوائف بغير مميز، آفة لا هوادة معها في رأي جميع الاشتراكيين، ومنهم الفابيون.

وحَمْلَتُهم جميعًا على الاستعمار كحَمْلَتِهم جميعًا على رأس المال؛ إذ كان رأس المال هو القوة المسخرة الكامنة وراء كل استعمار.

ولم يُعرَف عن «شو» أنه شذ عن هذه القاعدة في غير موقفين اثنين أوشكا أن يُحدِثَا في الجماعة الفابية صدعًا لا يرأب، وهما ترشيحه للشاعر «كبلنج» في الانتخابات البرلمانية باسم «شاعر الإمبراطورية»، وتأييده للدولة البريطانية في غاراتها على البوير.

والعجيب أن الموقف الأول — موقفه في ترشيح كبلنج — كان أحرج له بين الجماعة الفابية من موقفه في حرب البوير؛ إذ كان المؤيدون للدولة البريطانية في حرب البوير كثيرين بين أعضاء الجماعة الفابية، وحجتهم في هذا التأييد المستغرَب من الاشتراكيين أن الاشتراكية ترمي إلى الوحدة في تدبير الثروة العالمية، وأن الدولة البريطانية هي أقرب نظام إلى هذه الوحدة في انتظار توحيد العالم، وتدبير ثروته على أساس الاتفاق والتفاهم بين جميع الشعوب والأقوام.
figure
في موقف وداع.

أما ترشيح نائب لأنه من دعاة الاستعمار والصولة الإمبراطورية، فهو الأمر الذي لا يسوغه الاشتراكيون، وعندهم مَن هو أولى بالترشيح والمساعدة من طلاب النيابة الإنجليز.

على أن المعتذرين لشو من هذا الموقف لم يَفُتْهم أن يلتمسوا له المعاذير من اضطراره إلى التذرع بذرائع النجاح في الدعوة الانتخابية، وأنه كان في دعوته هذه براء من المآرب الشخصية والشبهات النفعية، وأنه هو نفسه لم يتقدم لترشيح نفسه قَطُّ في انتخابات البرلمان، ولم يقبل الترشيح حين عرضوه عليه للانتفاع باسمه في معترك الأحزاب.

وأيًّا كان منزعه في الدعوة، فالواقع أن المجال كله مجال «نظريات وآمال» فيما تناولته الجماعة الفابية من المساعي والجهود، فإن آثارها في مجال العمل السياسي جد قليلة، ومعظم آثارها إنما كان تعليمًا مقبولًا بين الناشئين والمثقفين ممَّن لا يملكون في مساعيهم وجهودهم قوةً فعَّالةً أكبر من قوة الإقناع في هذا المجال المحدود.

وكان هذا من باب أولى نصيب «شو» في مساعيه وجهوده، فلا جرم يقل نصيبه من المشاركة العملية في الإصلاح السياسي، وهو يعلق الإصلاح كله على الأمل البعيد، أو الأمل في تطور «السوبرمان».

فما من إصلاح خليق أن يتم ويكتمل في عالمنا هذا قبل ظهور السوبرمان، واستلامه لزمام الحكم والإرشاد.

فلا غنى للمصلح العظيم عن العمر الطويل والتربية الكافية، ومتى تيَسَّرَ للإنسانية أن تنجب جيلًا من الساسة يعيش أحدهم ثلاثمائة سنة على الأقل، فقد حان موعد الإصلاح المفيد والسياسة الرشيدة. أما قبل ذلك فالمصلح يكاد أن يموت قبل أن يهتدي هو نفسه إلى مواطن الإصلاح وإلى الوسائل الفعَّالة التي تحقِّق له ما اهتدى إليه. وما كان مصلح راسخ القدم في عمله ليكتفي بأقل من مائة سنة للنمو، ومائة سنة للتجربة والمحاولة، ومائة سنة للعمل الثابت الآمن من عثرات التردد والمحاولات.

(٤) الفلسفة السياسية

وأول ما يخطر على البال عن فلسفة شو السياسية أنه يدين بالنظام الديموقراطي ولا يعدل به نظامًا من نُظُم الحكم الأخرى.

إلا أنه الخاطر الأول كما قلنا، وليس هو بالخاطر الصحيح.

والواقع أن شو لا يؤمن بالديموقراطية ولا يكتم إعجابه «بالدكتاتوريين»، أو الحاكمين بأمرهم سواء كانوا من معسكر الفاشية كموسيليني وهتلر، أو معسكر الشيوعية كلينين وستالين.

ولا داعي لاستغراب عقيدته هذه في السياسة، فإنها هي العقيدة الموافقة لجملة آرائه وميوله بعد مراجعتها والمقابلة بينها.

فمن جهة ينتمي شو إلى الجماعة الفابية، وهي مسماة باسم «دكتاتور» أو «حاكم بأمره قديم»، فلا تناقض بين الدكتاتورية وما يدعو إليه الفابيون، وبخاصة إذا ذكرنا أن معظم الاشتراكيين يسعون إلى ترميم المرافق العامة وإشراف الحاكم على إدارتها.

ومن جهة أخرى، يبشر «شو» بالسوبرمان، وينتظر اليوم الذي يطل فيه على العالم فيقبض على زمامه بيديه عنوةً، أو من طريق الحيلة القوية والتأثير الذي يجتاح ما يعترضه من العقبات.

والدكتاتور — أو الرجل القوي — هو البديل الموقوت من السوبرمان، ريثما يحين الأوان لظهوره واستسلام الشعوب إليه.

وليس «شو» ممَّنْ ينكرون حرية الرأي وحرية النقد وحرية الاجتماع، ولا هو ممَّنْ يجهلون جناية الحاكمين بأمرهم على هذه الحريات كلها حيث يحكمون ويتحكمون. فقد كتب وقال غير مرة: «إن الحضارة لن تتقدَّمَ بغير النقد، ولا مناص لها — إذا هي أرادت أن تتجنب العفن والركود — من إعلان حرية المناقشة.»

وقد كتب وقال غير مرة: «إن التقدم يتوقف على إبائنا أن نلجأ إلى وسائل العنف حتى حين تجدي وتفيد.»

ولكنه يرى مع هذا «أنه ليس في مقدور مجرم واحد أن يملك من أسباب الشر والتمادي فيها ما تملكه أمة منتظمة … فإنها تكسب جرائمها حقوق الشريعة المطاعة، وتزيِّف لها وثائق الصلاح والفضيلة، ولا تبالي أن تعذب كلَّ مَن يجسر على كشف حقيقتها وإظهار زيوفها».

فليس الكفر بالديموقراطية الحاضرة على الأقل مستغرَبًا من رجل يبشر بالسوبرمان، ويرى أن الحاكم بأمره سلف يعقبه ذلك الخلف المنظور مع الزمان.

ومن جهة غير هذه وتلك، يعرف القارئ من أقوال «شو» وكتاباته — كما لمحنا مما تقدَّمَ — أنه يسيء الظن بالدَّهْمَاء وقادة الدَّهْمَاء، ولا يصدق أن جمهرة الناخبين من هؤلاء الدَّهْمَاء يختارون مَن يريدون، أو أنهم يُحسِنون الاختيار إذا اتفق لهم أن يختاروا مَن أرادوه.

وفي زعمه أن الناخبين لا يمنحون أصواتهم أفضل المرشحين المستحقين للترشيح والنيابة، وإنما تتاح لهم الفرصة مرة بعد مرة لرفض أسوأ المرشحين، وتجربة غيرهم من جديد، ثم إعادة هذه التجربة في انتخابٍ بعد انتخابٍ على وتيرة واحدة.

أما الفرصة التي تتاح لهم، فهي من تدبير لجان الأحزاب وليست من تدبير دَهْمَاء الناخبين، ولا مَن يكون بينهم من ذوي النظر الثاقب والخلق الشريف.

ولجان الأحزاب ترشح الرجل المأمون في الدائرة المأمونة، والرجل المأمون عندها هو «النعجة» المنقادة التي لا تثور على رعاتها، ولا تقدر على الثورة إذا جنحت إليها، والدائرة المأمونة هي التي تضعف فيها المنافسة، ويقل فيها أمل المنافس من الحزب الآخَر في النجاح.

فإذا كان في الحزب أناس أقوياء قذف بهم الحزب في المعركة الحامية يكسبونها له أو ينخذلون فيها، فيستخدمهم في غير الأعمال البرلمانية إذا راضتهم الهزيمة واستكانوا للقادة والرؤساء.

ومَن هم القادة ومَن هم الدَّهْمَاء؟

إنهم كما قال في كتابه «الفاجنري الكامل»: «كلهم طائفة من الناس؛ بعضهم دجالون كبار، وبعضهم ساسة كبار، وبعضهم مزيج من هؤلاء وهؤلاء، وأكثرهم قادرون على قضاء مآربهم الشخصية غير قادرين على الإحاطة بالنظم الاجتماعية، أو تناول المشكلات التي تخلقها لهم معيشتهم في جماعات عظيمة. فإن كان معنى «الإنسان» هذه الكثرة، فالإنسان لم يتقدم، بل هو نقيض ذلك قد عمل على تعطيل التقدم، وهو في هذه الحالة لا يريد أن ينهض بتكليف شيء حتى تكاليف النُّظُم القائمة، وإنما تؤخذ منه هذه التكاليف خلسة من طريق الضرائب غير المباشرة …

إن هؤلاء الناس لا غنى لهم عن قوانين تحكمهم كتلك القوانين التي تحكم جبابرة ڤاجنر، ولا يتأتى إخضاعهم لتلك القوانين إلا بالتواطؤ على شحن نفوسهم بالتقاليد والأوهام وملء خيالاتهم بمظاهر الهيبة والتوقير. ومن البديهي أن الحكومة إنما يتولاها القلائل الذين يقدرون على حكم غيرهم، ولكنها متى انتظمت أدواتها وآلاتها فالغالب أن تجري شئون الحكم بغير روية على أيدي أناس من غير القادرين على تأسيسها، ويتصدى لها القادرون حينًا بعد حين لترميمها وإصلاحها كلما تخلفت طويلًا وراء خطوات الحضارة في تقدمها أو اضمحلالها …
figure
يطل من منزل جيرانه.

ولا تزال الحيرة جاثمة حتى يفتح الزمن على عقول الساسة بوحي البطولة، الذي يلهمهم أن عملهم لا ينحصر في تلفيق القوانين والنظم لكبح الدَّهْمَاء وضمان البقاء لغير الأصلح، وإنما الواجب عليهم تنشئة جيل يعتمد على إرادته وذكائه، لتحقيق رخاء المجتمع وصلاح أحواله طواعية في غير كلفة ولا مشقة.»

ولا يُفهَم من كل ما قاله «شو» في سخريته بالديمقراطية والنظم البرلمانية أنه يدعو إلى إلغاء «البرلمانات» والاستغناء عن الحكومة النيابية، فقد يكون وجودها أسلم من عدمها في تقديره، ولعلها وقاية للشعوب مما هو أخطر منها وأدهى، وحسبها عنده أنها منفس للتفريج عن الصدور بالمناقشة واختلاف الآراء وإقناع المختلفين بأنهم أحرار فيما يقولون ويعملون.

وقد استشاره «جود» الفيلسوف في ترشيح نفسه للنيابة، فكتب إليه يقول ما فحواه: إن الفلاسفة الذين دخلوا البرلمان غير قليلين — ومنهم ميل وبرادلو ووب الذي كان عضوًا في الوزارة — فهل صنعوا شيئًا هناك؟

وقال له إن تشرشل لم يكن عضوًا في البرلمان حتى الحرب العالمية، ثم ساقوه إلى دائرة انتخابية أخلوها له لأنهم في حاجة إليه، وأنه هو نفسه قد رفض النيابة يوم عرضوها عليه وكرروا العرض مرات، ثم لم يندم قَطُّ على الرفض والإصرار.

وقال له أخيرًا: إن ورق اللعب لا يزال أمامك على المائدة، فإن شئتَ فجرِّبْ حظَّكَ والعب ورقك … فلما مضى جود في عزمه، ولم تثنه عنه نصيحة أستاذه الأولى أرسل إليه تذكرة بريدية يقول فيها: «حسنًا، إنك سوف تتعلم على الأقل شيئًا واحدًا، وهو أن تعرف كيف لا يتم العمل» … ثم شفعها بتذكرة ثانية قال فيها: «امضِ في عزمك بكل وسيلة، فقد تحصل على تجربة مباشرة لا تخلو من فائدة للفلاسفة السياسيين.»

•••

لقد كان «شو» منطقيًّا في سماحه للمجالس النيابية بالبقاء، وسماحه لتلميذه «جود» بترشيح نفسه، فلو أنه أشار على الأمم بإلغاء المجالس النيابية، وسألوه عوضًا منها لما وجدوا عنده عوضًا غير «الدكتاتورية»، وهي شيء يحصل بالقوة، ولا يحصل على حسب الطلب بالانتخاب أو الاقتراح.

كان منطقيًّا في هذا وكان مجافيًا للمنطق في كل ما عداه؛ فقد نظر إلى الدكتاتورية كأنها تجربة مفتوحة، ونظر إلى الديمقراطية كأنها تجربة منتهية، فعكس الحقيقة في الحالتين، وأغلق حيث ينبغي أن يفتح وفتح حيث ينبغي أن يغلق.

فما كان حكم العصور الماضية على أغلبه وأعمه إلا حكمًا دكتاتوريًّا على وجه من الوجوه، فاستنفذ كلمته واستحق حكم التاريخ عليه، وما جرب حكم الحاكمين بأمرهم تجربة حديثة إلا جَرَّ البلاء عليهم وعلى بلادهم وعلى العالم بأسره. في حين أن الديموقراطية تبتدئ تجاربها في نطاقها الواسع، فتصلح تارة أو تسوء، فلا تهبط في السوء مهبطًا دون حكم الحاكمين بأمرهم إذا ساء.

(٥) الفلسفة الأخلاقية

والمفهوم بين نقاد «برنارد شو» أن فلسفته الأخلاقية أثبت وأوضح من فلسفته في أمور ما بعد الطبيعة، وفيما يدور على قواعد المجتمع وأنظمة السياسة.

وتقوم هذه الفلسفة على أُسُس ثلاثة، وهي: (١) أن الغريزة الإنسانية تضل وتخطئ، و(٢) أن إصلاح خطئها وضلالها من الممكنات ومن الواجبات، (٣) أن هذا الإصلاح يتم بالمعرفة والإيثار.

ففي كتابه «دليل السياسة للجميع» يقول: «إن العقل قد يخطئ أفحش الخطأ، ولكن هكذا تخطئ البصيرة مع الغباء، ولن يصل كلاهما إلى النتائج السليمة بغير الاعتماد على الوقائع الصحيحة. فإن الدلائل والتخمينات على السواء غير سليمة، على أن الوقائع لا تقودنا دائمًا إلى دلائل معقولة؛ إذ ربما هاجت فينا نقمة البغضاء أو ميول العاطفة، كما تهيج فينا الآمال والمخاوف والأوهام والمطامع، داعية إلى انفجار الخوالج النفسية التي تعصف بالسداد في العقول التي لم تتدرب على دقة الحكم ونزاهة الضمير، ولا بد للقائمين بأمر المدن من أن يكونوا مولودين لعملهم ومتعلمين إياه.»

وقال في مقدمة «على الصخور»: «إنه لا شيء هو أعظم قبولًا للتغيير كل التغيير من الطبيعة البشرية إذا بادر الموكلون بها مبكرين في تعهدها وتهذيبها.»

ومن أقواله التي يجريها كعادته بين الجد والفكاهة، كلمة يقول فيها من مقدمته «لحيرة الأطباء»: «إنني لم أُكبر آدم دائمًا. إنه انتظر حتى تغويه امرأة وحتى تغوي المرأةَ حيةٌ قبل أن يقطف التفاحة من شجرة المعرفة، ولو كنتُ في موضعه لأتيت على كل تفاحة في الشجرة أول ما أدار صاحب الحديقة ظهره إليَّ.»

ومهما يكن من شأن المعرفة أو الحكمة أو الخلق، فهي كلها تفاهة في عُرْف «شو» ما لم تكن حية جياشة تضطرب بالشعور والحركة، أو كما قال على لسان لوقا في رواية «السلاح والإنسان»: «إنك تنتزع الشجاعة كلها من نفسي بحكمتك الباردة.»

ومثل ذلك قوله في مقدمة روايته «سوء التوفيق»: «إن الرجل الذي لا يملك حرية المجازفة بعنقه طيارًا، أو بروحه مجتهدًا مخالفًا، ليس له نصيب من الحرية على الإطلاق، وحق الحرية لا يبتدئ في السنة الحادية والعشرين بل في الثانية والعشرين.»

يريد أنها حرية مولودة مع الإنسان تنمو معه بالنشأة والتجربة والتدريب، وغايتها القصوى هي البطولة التي تعلو على طبقات الناس المألوفة، وهي طبقة الإنسان المتوفِّز المستسلم لشهواته ومطامعه، وطبقة الإنسان البليد المطيع الذي يعبد الأقوياء وأصحاب المال، وطبقة الإنسان الذكي الموهوب صاحب الأخلاق الذي يدبر الأمور ويحكم أبناء جنسه … «الفاجنري الكامل».

والمشكلة هي أن طالب الكمال مطالَب بتحسين غيره، كما هو مطالَب بتحسين نفسه، فلا غنى له — كما قال في قضية المساواة — عن أن يرفع مستوى الحياة حوله إذا أراد أن يبلغ كماله، وكل تحسين يأتي بعد ذلك طواعية متى تم هذا التحسين.

ولا يؤخذ من هذا أن «شو» يوجب الإيثار وخدمة الآخرين على البطل دون غيره، فإن الأنانية وخدمة النفس في مذهبه الأخلاقي مسخ يضير كل حي يعنيه، سواء الخلق واجتناب العلل والآفات.

ويذكر القارئ أن «شو» يؤمن بالتطور الخلَّاق، ويعتقد أن سنة الوجود كله هي التقدم إلى غاية فوق حياة الفرد، وفوق ما يشغله من أهوائه ومنافعه «الفردية».

فإذا وجد إنسان ينحرف عن هذه السنة فهو ممسوخ مشوه، يحسن به أن يداوي نفسه من علة المسخ والتشويه، وجزاؤه الوحيد على الإيثار واجتناب الأثرة أنه يصحِّح تكوينه وينقذ جسده وروحه من شرور الزيغ والانحراف.

إلا أن خدمة الآخرين لا تنحصر في الرحمة والرفق على الدوام، فربما سمعنا من «شو» نغمات في تمجيد القوة والأقوياء والإنحاء على الضعف والضعفاء، تذكرنا بنيتشه في أعنف أقواله وأقسى وصاياه.

قال في كلامه عن تكاليف المعيشة في الجماعات: إذا كان الناس صالحين للحياة فدعوهم يعيشون العيشة اللائقة بالأحياء، وإذا كانوا غير صالحين لها فدعوهم يموتون الميتة التي تليق!

وقال أيضًا: «في اللحظة التي نواجه فيها الحقيقة، ننتهي حتمًا إلى الإيمان بحقِّ الجماعة في أن تفرض ثمنًا لحق الحياة.»

وقال في مقدمة «على الصخور»: «إذا أردنا طرازًا معلومًا من الحضارة والثقافة، فعلينا أن نستأصل أولئك الذين لا يوائمون ذلك الطراز.»

تلك شريعة الجماعة عنده، أما شريعته لنفسه فهي كما قال: «أقول لكم إنني طالما أدركت أمامي شيئًا خيرًا مني، لن أهدأ حتى أبلغه أو أمهِّد إليه الطريق، وذلك عندي هو قانون الحياة» …

على أن القارئ ينبغي أن يشك في كل تلخيص لمذاهب «شو» لا يقع فيه بعض التناقض والارتداد على ما يؤكده من القوانين والاراء.

مثال ذلك في سياقنا هذا أنه — كما أسلفنا — يقدِّس المال ويفرض حبه على كل عامل، ويحسبه سبيل الخلاص من جرائر الحرمان في المجتمعات البشرية، كما يفعل الكثيرون من الاشتراكيين.

لكن «شو» هذا بعينه هو الذي يقول في وصاياه للمرأة الاشتراكية: «إن أولي الأفكار جميعًا يؤكدون لك أن السعادة والشقاء مسألة بنية ومزاج لا شأن لها بالمال؛ إذ المال قد ينقذ من الجوع ولكنه لا ينقذ من الشقاء، والطعام قد يشبع شهوته ولكنه لا يشبع شهوة الروح.»

ويقول كذلك: «إن فينا شيئًا خفيًّا يُسمَّى الروح تقتله الرداءة المتعمدة، ولن تجدي مغانم المادة بغيره فتيلًا في احتمال الحياة … والسلوك الحسن لا يمليه العقل، بل تمليه بداهة إلهية فوق ذَرْع العقول.»

إلا أن الإنصاف يقتضي القارئ أن يعرف أعذار «شو» من التناقض ودواعيه التي توقعه فيه، وتوقع كل كاتب غيره في مثل هذا التناقض إذا كتب كما كتب وتوخى النهج الذي يتوخاه.

فمن اللازم أن نذكر أولًا أن «شو» يلقي وجهة نظره أحيانًا على لسان بطل أو بطلة في الرواية فيجعلها وجهة نظر من ناحية واحدة، ويبالغ فيها ليفسح مجال الرد عليها من الوجهة الأخرى، ومن أجل هذا تتعرض آراؤه للمناقضات كما تتعرض جميع المبالغات.

ومن اللازم أن نذكر ثانيًا أن الرجل قضى سبعين سنة يكتب في موضوعات شتى متعددة الجوانب متفرقة الشعاب، وأنه أعاد الكتابة فيها مرة بعد مرة على أضواء الحوادث الحاضرة أمامه في كل مرة، ولا أمان من تعدد الجوانب والوجهات في هذه الأحوال.

ولا يمنعنا ذلك كله أن نلقي التبعة على أطواره التي تسوقه إلى المناقضة عامة أو غير عامة، فهو مولع بالمخالفة، قادر على التماس حججها والبراعة في التماسها … ومَن برع في استعمال سلاح فقلما يسلم من الشطط في الإصابة به حيث أمكنه أن يصيب.

وهو صاحب «نظريات» لا يتحرى تطبيقها عملًا في فترة محدودة من الزمن أو في مدى حياة واحدة، ولو أنه سيم أن يطبق نظرياته لاضطرته الوقائع إلى القصد في المبالغات، وهي على الدوام معثرة المبالغين، وسائقتهم إلى التناقض والاضطراب.

وجملة ما يقال في هذا الصدد إنصافًا له وللحقيقة: إنه على كثرة مبالغاته ونقائضه يعطيك شيئًا مقرَّرًا، ولا يتركك بعد الاطلاع على مذاهبه جميعًا صفر اليدين.

فإذا قال مرة بقداسة الروح، وقال مرة أخرى بقداسة المال، فهو يقول في المرتين وفي كل مرة: إن الإيثار سنة الحياة، وإن السمو إلى المثل الأعلى قانون الخلق القويم. ومَن قال هذا فقد أعطانا على تناقضه قسطاسًا نزن به ما يطلبه من قداسة الروح وقداسة المال، ومَن أحب المال على سنة الإيثار فقد أحَبَّ الروح … ويطَّرِد هذا القياس في معظم نقائضه، على هذا النحو من الاطراد.

(٦) التربية والثقافة

والمنتظر بطبيعة الحال من رجل كبرنارد شو أن يعالج الثقافة والتربية معالجة عملية؛ لأنه اعتمد على نفسه في تثقيفها وتربيتها، ولم يكد يعول على شيء في تحصيل ما حصَّله غير جهوده ورغباته.

وهو عدو الحشو الذي يملأ الدماغ بالمعلومات، ولا ينفذ منه إلى الذوق والفطنة والمعرفة بحقائق الحياة، فمهما يحشو المرء في دماغه من المعلومات فهي ذرة ضئيلة إلى جانب المعلومات التي يجهلها ولا يتأتى له أن يحيط بلبابها ولا بقشورها.

قال على لسان نيوتن في رواية «أيام الملك شارل الذهبية» من حوار بينه وبين فوكس:

فوكس : إنني أتألم من فرط الخجل لما أنا عليه من الغباء.
نيوتن : إن الخجل لا يجديك شيئًا أيها القس. إنني قضيت عمري أتأمل محيط جهالتي الذي ليس له نهاية، وقد ازدهاني الغرور مرة فقلت إنني التقطت حصاة على شاطئ ذلك المحيط، وكان الأجدر بي أن أقول إنها ذرة من رماله.
وقال في مقدمة «سوء التوفيق» عن تعليم الجامعات:

إنهم يتكلمون على الثقافة ويفكرون في الثقافة وينتقدون فوق ذلك هذه الثقافة، فإذا كان هؤلاء القوم يتكلمون ويفكرون وينتقدون على أي جدوى، فمن اللازم أن يعرفوا الدنيا خارج الجامعة كما يعرفها على الأقل صاحب دكان في عرض الطريق، ولكن الواقع أن هذا هو الذي لا يفقهونه في الوقت الحاضر. ولك أن تقول عنهم مغزى كلمة كبلنج حين سأل: ماذا يعرف عن أفلاطون مَن لا يعرف غير أفلاطون؟ … فلو أن جامعاتنا أبعدت عنها كل طالب أو طالبة لم يدبر معيشته بجهوده سنتين على الأقل، لكانت آثارها أعظم جدًّا من آثارها الآن.

وهو لا ينكر «أن قليلًا من المعرفة خطر» … ولكنه يرى أنه الخطر الذي لا مناص منه ولا مفر من الإقدام عليه؛ لأن هذا القليل — كما قال في مقدمة الرواية جنيڤ — هو غاية ما تحمله أكبر الرءوس.

وحسب المرء من قليل معرفته ما يعنيه على الرياضة النفسية، والرياضة الذوقية، والرياضة الجسدية.

فالعلوم غير مجدية إن لم تهيئ لصاحبها هذه الرياضات، وهو يسخر بالعلم الحديث Science ومَن يجعلونه مفخرة للعصور الحديثة، فغاية شأنه أنه منافع ومرافق. وما من أحمق يعجز عن كشف من تلك الكشوف العلمية، أو كما قال السيد الشيخ في رواية «العودة إلى متوشالح»: «إنني يا سيدتي أجلُّ الكشوف الفخمة التي نحن مدينون بها للعلوم، ولكنه ما من أحمق يعجز عن كشف منها. فكل طفل في سنواته الأولى له كشوف تفوق في عددها كل ما كشفه في معمله روجر باكون.»

وجرى الحديث في بيت «شو» بينه وبين بعض جلسائه فقال: إن الألمان لو انتصروا لجردوني من كل ما أملك، ولكنني — لحسن الحظ — لا أحتاج إلى كثير.

قال جليسه ما فحواه: لست أنسى ماكس نورداو، وقد جاء يزورنا بعد الحرب العالمية الأولى، فطفق يشكو الحكومة الفرنسية التي جردته مما عنده حتى أوشكت أن تهبط به إلى التسول والاستجداء.

فقاطعه «شو» قائلًا: كلا، إنه من عملي أنا. إنني ضربته الضربة القاضية، وكنت الوحيد في هذه الديار الذي استطاع أن يخرجه من أعماقه ويتركه حيث يغرق …

فعقب محدثه قائلًا: إن تولستوي قد صنع بأستاذ نورداو مثل ما صنعت أنتَ بنورداو، فقد زاره لمبروزو في أوج عظمته، فراح يتحدث إليه في زهو وعظمة عن عصر العقل وتقدُّم العلوم، فأخذه تولستوي إلى بحيرة بجوار المزرعة وسأله: أتُحْسِنُ السباحة؟ وبدا لصاحبنا لمبروزو أنه ما من معرفة تخفى عليه، فغطس تولستوي وتبعه هو في أثره، وما هي إلا هنيهة حتى صاح في طلب النجدة، فأسرع إليه تولستوي وأخرجه من الماء، فخرج منه مبتلًّا ولكن متَّعِظًا … ووقع الدرس في موقعه، فعلم صاحبنا أن الرجل قد يتعرض لشرح جميع الأمور، ثم يفتقر بعد ذلك إلى العون والإنقاذ.

فأغرب «شو» ضحكًا، وقال في شيء من الشيطنة: لو كنت تولستوي لتركته يغرق؛ فإنني على يقين أن العظة قد ضاعت لديه.

ثم عطف قائلًا: أنت تعلم أن تولستوي — مثلي — لم تخدعه هذه الخرافات التي يسمونها بعلوم العلماء وطب الأطباء.

وقد أجمل شو غرضه من هذا الاستخفاف بالعلم في الحوار الذي أشرنا إليه آنفًا بين نيوتن وفوكس. فبعد أن شرح العالم المتصوف بعض الحقائق الفلكية للقس الحكيم قال هذا: الآن أنا من الحكمة بحيث كنتُ قبل أن أعلم ما شرحتُ … يريد أن معرفة الحقيقة العلمية لا تزيد الإنسان حظًّا من الحكمة أو الفطنة أو «الحقيقة الحية»، وهي أحق الحقائق بالتحصيل.

ولا يمنعك «شو» أن تقرأ ما تستطيع وتطَّلِع على كل ما في وسعك أن تطَّلِع عليه، ولكنه يحسبه كله عبثًا مضيعًا إن لم تستفد منه رياضة النفس ورياضة الذوق ورياضة الجسد، وقد يكون قليل من البصر بالفنون والخبرة الرياضية أجدر بصبغة الثقافة من معارف العلوم كلها بمعزل عن الذوق والرياضة.

أما مذهب «شو» في التربية، فمتفق مع مذهبه في الثقافة على النحو الذي أجملناه.

فهو ينهَى عن الضغط والقسر، ولكنه يحث على النظام والترويض، ومما قاله خلال كلامه عن المراهقة: «إنني على يقين أن كل نشاط غير طبيعي للدماغ ضار ككل نشاط غير طبيعي للجسد، وأن إكراه الناس على تعلُّم ما لا يحتاجون إلى تعلُّمِه كإكراههم على أكل النشارة.

وإن الحضارات ليتطرق إليها التهدم على الدوام من جرَّاء تعليم الطبقات الحاكمة ما يسمونه بالدراسة الثانوية، وهي الدراسة التي تثمر الغباء المطبق كما تثمر العته العقلي والخلقي بإساءة المعلمين توجيه القوى المدركة، وما من طفل يتعلم أن يمشي على قدميه أو يلبس نفسه لو حبست يداه وقدماه بحيث لا يتحرك، إلا إذا أراده على الحركة مربوه.»

وقال في «دليل السياسة للجميع»: «لا أتخيل فيما عدا قانون الجنايات عملًا أقسى ولا أضر من إكراه طفل رُزِقَ ملكاتِ العالم الطبيعي، أو الشاعر، أو الرسام، أو الموسيقي، أو الرياضي على استعباد نفسه لكرة القدم أو الكريكيت، حيث يحسن أن يتجول أو يشتغل بالتخطيط في الخلاء أو بالمطالعة أو العزف على آلة من الآلات، أو الإصغاء إلى المذياع والفِرَق الموسيقية.»

إلا أنه يوجب الاعتماد على نظام ما في التعليم، ويقول في الكتاب نفسه: «إن أي نظام للتعليم والتهذيب خير من عدم النظام على الإطلاق، وخطتنا الحاضرة في التعليم ينبغي أن تتبع حتى نستبدل بها ما هو أصلح منها.»

وعلى رأس كل نظام في رأي «شو» أن نعنى بتطبيع الأطفال على العقائد النبيلة والمثل العليا والطموح إلى الترقي بالنُّظُم القائمة إلى ما هو أشرف وأعلى.

وللأطفال حقهم في أسرارهم وخصوصياتهم، فإن أراد الآباء أن يرشدوهم فلا يكن ذلك بإقامتهم أنفسهم قدوة للسير على منهجها، بل بإقامتهم أنفسهم نذيرًا بسوء العاقبة.

ويحتاج الطفل كما قال في «دليل السياسة للجميع» إلى «وطن طفلي»، ولا تقتصر حاجته إلى المدرسة والمنزل. فيعيش في «وطنه الطفلي» مواطِنًا صغيرًا يتَّبِع قوانينه وحقوقه وواجباته ورياضاته التي تناسب كفاءة الطفولة كما تناسب قلة كفاءتها.

ومما يجعل «شو» خليقًا بفهم الأطفال أنه محب للأطفال خبير بكسب صداقتهم على اختلاف أعمارهم، وعنده كما قال في مقدمة «سوء التوفيق»: أن الطفل مولع بالصحة وينبغي أن يولع بها، «وإنني على يقين أن الناس لو خُيِّروا بين بيت لا تنقطع فيه ضجة الأطفال، وبيت لا تسمع فيه هذه الضجة على الإطلاق، لَفَضَّلَ كل إنسان سليم طيب النحيزة دوام الضجة على دوام السكون.»

وتتلخص التربية إذن في الحرية المنظمة التي تتجه بالطفل إلى المثل العليا، ولا يحول عرفانها بنقائص الطبيعة البشرية دون الإيمان بقدراتها على الصلاح والارتقاء.

•••

هذه خلاصة فلسفة «شو» في جميع ما تتناوله الفلسفة من مباحث ما وراء الطبيعة والدين أو مباحث الاجتماع والسياسة والثقافة.
figure
يجلس للمثَّال تروبتزكي.

وإذا قسمنا الفلسفة إلى أصلين كبيرين: أصل الفلسفة الروحية، وأصل الفلسفة المادية، فليس في وسعك أن تضع «شو» مع الروحيين ولا مع الماديين؛ إذ هو وسط بين الخالصين للعقيدة الروحية والخالصين للعقيدة المادية، وإنما نضعه في موضعه إذا حسبناه دائمًا من التقدُّميِّين المثاليين، وقسناه بمقاييس المستقبل الذي يبشر به وينتظره ويوصي العالم أن ينتظره ويطيل انتظاره، فليس من الإنصاف له أن نأخذه بحاضر أعماله، ولا من الإنصاف أن نأخذ أحدًا من أصحاب النظريات بهذه الأعمال، وهم فيما يدعون بشراء الغد القريب أو البعيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠