أقوال الناس فيه وأقواله في الناس

إننا نعرف الرجل من أقوال الناس فيه.

ولكننا نعرفه أكثر من ذلك من أقواله هو في الناس.

لأن الناس قد يغبنونه بعض حقه، وقد يعطونه فوق حقه، وقد يختلفون — بل لا بد أن يختلفوا — في النظر إليه.

أما أقواله في الناس فلن تظلمه شيئًا في الإبانة عن مبلغ فهمه، وطوية نفسه، وطبيعة خلقه، ومقياسه الذي يقيس به الرجال والأعمال من وحي تفكيره وشعوره وخلجات ضميره.

وفيما يلي طائفة من أقوال المشهورين في برنارد شو ومن أقواله هو في المشهورين، أوردناها لإتمام التعريف به من حكم الناس عليه وحكمه هو على الناس، وتوخينا فيها أن نعدِّد وجهات النظر بتعديد الناقدين والمنقودين في جوانب العلم والعمل ومناهج التفكير.

•••

فالعالم أينشتاين يقول له مهنئًا في عامه التسعين: «إنك قد أدركت حب الناس وإعجابهم المرح بك من طريقٍ قادت الآخرين إلى الاستشهاد، ولم تَعِظ الناس بمواعظ الأخلاق وكفى، بل اجترأت على السخرية من أشياء يحسبها غيرك فوق أن تُنَال. وما من أحد يقدر على عمل كعملك غير الفنان المولود لفنه، وقد فتحت صندوق لعبك فأخرجت منه دُمى لا عداد لها، تماثل الناس ولكنها مع هذه المماثلة ليست من لحم ودم، بل من روح وجمال، وهي في ناحية من النواحي الأخرى أصدق منا تمثيلًا للرجال والنساء، حتى لتجعلنا ننسى أنها لم تكن من خلقة الطبيعة، بل من خلقة برنارد شو.»

وقال شرشل السياسي المشهور: «أخذت أولادي يومًا لنشهد تمثيل ماجور بربارا، ومضت عشرون سنة منذ شهدناها، وهي أفظع عشرين سنة شهدتها الدنيا.

تغيَّرَ فيها على وجه التقريب كل نظام إنساني على أحسم ما يكون التغيُّر، وزالت معالم القرون، وبدَّلَ العلم أحوال حياتنا ومظاهر المدينة والقرية، وجرت في ركب هذه الفترة المرهوبة أمور جسام من التطور الاجتماعي الصامت، والانقلاب السياسي العنيف، والاتساع في أسس المجتمع، والإنطلاق الذي لا حد له من الضوابط والتقاليد، والتشكيل الجديد للآراء القومية والآراء الفردية، إلا أن الرواية لم تكن فيها شخصية واحدة تحتاج إلى تصويرها من جديد، وليس فيها كلمة واحدة أو إشارة واحدة يقال عنها إنها قد فات أوانها، وقد دهش أولادي حين علموا أنها قد كُتِبت قبل ميلادهم بأكثر من خمس سنوات.»

وقال الروائي بريستلي: «إنه في الواقع رجل من أندر ذوي الحس والفطنة في زماننا هذا وفي كل زمان، وهو كذلك مخلوق نبيل، واسع الأفق، كريم النحيزة، موفور الشرف والكرامة. وكل ما عُرِف به من قوة النقد الهادم وسخرية اللذع والتبكيت لم يَنْخُ به قَطُّ على آحاد من الناس؛ لأنه لا يكنُّ لآحاد الناس غير اللطف والمودة، بل هو قد أنحى به على الأنظمة والعادات والنماذج ومذاهب الرأي والشعور، وما كانت شدته إلا مظهرًا من مظاهر العلنية العامة.

أما في الحياة الخاصة فهو على حصافته لطيف ودود، وهو بالإيجاز رجل جدير بالحب إلى الحد الأقصى. وإذا كنا نراه على شبه بالأنبياء الأقدمين وكان مثلهم يعيش على الجراد (الخضر) والعسل البري، فقد رأينا المظاهر مرة غير خادعة ولا مرائية؛ إذ هو نبي من الطراز القديم.»

وقال بريستلي أيضًا: «كان شو ناقدًا فنيًّا، ومن خيرة الناقدين الذين عُرِفوا على الإطلاق، خلال عهد لم تكن فيه المسرحيات غير مهزلة صغيرة، أو بقية سخيفة من بقايا المجازات و(الأحلاميات). فرأى من النظرة الأولى أنه قادر على ما هو أفضل جدًّا من هذا الهراء، ومضى يعمله، فأفلح في عمله، كما نعلم لفرط سرورنا وارتياحنا، ولم يغيِّر قالب الدرام كما صنع شيخوف، بل غيَّرَ لبابه ومحتواه.

فكانت النتيجة حيرة للنقاد المعاصرين ونظارة التمثيل، وهي الحيرة التي تفسِّر لنا انتظاره الطويل للفوز في ميدان المسرح، إلا أنه حين أقبل وقت التقدير والاعتراف سحر الملايين بهذه المسرحيات ذات الحوار والمناظرة، وإنه لسحر سيظل باقيًا بعد عصرنا هذا بزمن طويل.»

وقال عنه روائي آخَر هو كمبتون ماكنزي: «أَدْعُ لغيري أن يؤدوا فروض التحية للكاتب صاحب الأسلوب الذي لم نعرف نظيره في السلاسة بعد أسلوب (سويفت) وللناقد الموسيقي والفيلسوف الاجتماعي، وحسبي أن أؤدي التحية للبداهة السليمة التي لم تخفق قَطُّ — منذ عرفت البداهة السليمة — في تقرير وجودها والإعراب عن نفسها …

وما من مؤلف هو أحق بالغبطة من المؤلف الذي يطول به العمر حتى يرى ما كان محسوبًا من الشطط المغرب في شبابه، أو محسوبًا من النقائص في رجولته، قد أصبح محسوبًا من البداهة السليمة، بل من الحقائق المفروغ منها في الجيل الذي تلاه، وإن برنارد شو لجدير بالغبطة، فما اتفق قَطُّ أن مؤلفًا ظفر بمثل ما ظفر به بين الشباب من طول التوقير والإعجاب.»

وقال العالم الأديب جلبرت موري: «يذكِّرني شو أحيانًا بالمثل الأعلى — في عرف أبيقور — للرجل الحكيم، وهو الرجل الذي يستطيع أن يشعر بالسعادة وهو على آلة العذاب؛ لأن روحه تنعم بحياة الفكر والتأمل، وقلما يزعجها الجسد بما يلقاه من بُرَحاء الألم والتعذيب. اتفق له في (هندهيد) حادث أليم تركه وهو أمشاج من الرضوض وفيه رسغ مكسور، ولا شك أنه كان في ألم واصب لا يطاق.

وذهَبْتُ أَعُودُه، فقيل لي إنه قد وُضِع على أرجوحة الحديقة، فبينا أنا أبحث عنه إذ سمعت قهقهة من وراء أجمة، وإذا بشو هناك ملفوفًا في الضمادات، إلا أنه مستغرق في الكتابة ويضحك مما يكتب. ولم يكن رسغه الأيمن لحسن الحظ هو المصاب، فكأن فرط الحياة في نشاطه الذهني قد جعله يحيا أبدًا على قدم السرعة الفائقة، طلقًا غير حافل بالمنغصات والمنافسات والمعارك التي تضني كثيرًا من الكتَّاب. ولقد خاض معارك شتى في سبيل القضايا التي لا علاقة لها في الأعم الأغلب بالشئون الشخصية، فخاضها مرحًا غير واهن ولا وانٍ، ولم يكن في جميعها متحرجًا من الإجحاف، كما يقول: مَن أنا حتى أستحق أن أكون عادلًا؟ … على أنه — مع ما وهبه من القدرة على السخر والهجاء — لم أسمع منه قَطُّ كلمة تشفُّ عن الحقد، أو تنمُّ على كراهية ينطوي عليها بعد المعركة لمَن حاربوه. وقد قيل إنه لم يصادق أحدًا إلا أن يكون قادرًا على الضحك منه، وقد أصابوه، ولكنه ضحك لا ضغن فيه.»

وقال ناقد صحيفة الإذاعة “The Radio Times”: «إنه — عدا نجاحه في مختلف الميادين — صاحب صوت من أحسن أصوات المذياع وقعًا في الأسماع.»
وقال ييتس “Yeats” الشاعر الأيرلندي: «إنه أحد أبناء النور الذين نشئوا بين أبناء الدنيا. إنه ينطق بلغتهم ويفكِّر مثلهم، ولكنه مأخوذ بطبيعة أرفع وأسمى.»

وقال عنه السياسي لورد بلدوين: «إنه ساحر غاية السحر مع جليس واحد، قلق مع جليسين، ويقف على رأسه مع أربعة جلساء!»

وقال ماسفيلد الشاعر يحييه في عامه التسعين من قصيدة شعرية: «أيتها الرءوس النيرة على هذا الكوكب كرِّميه وهو بقيد الحياة، وليأتِ ولاة الفن الجميل بعد قرون فَلْيأمروا له بالنصب والتماثيل، وحسبنا من الوفاء أن نسمي مجده — وهو بيننا — باسم العظيم.»

وروى مترجمه بيرسون عن سيدة من مضيفاته قالت: إنك تدعوه إلى بيتك، وتحسب أنه سيمتع ضيوفك ببراعة حديثه، وقبل أن تشعر بنفسك ترى أنه قد اختار مدرسة لولدك، وأملي عليك وصيتك، ونظَّم لك وجبات طعامك، واتخذ لنفسه وظائف وكيل أشغالك، وصاحب دكانك، وقسيسك، وطبيبك، وخائط ملابسك، وحلاقك، وناظر ضيعتك. فإذا فرغ من هذا التفت إلى الصغار فحرضهم على الثورة والتمرد، ثم ينصرف حين لا يجد أمامه ما يعمله أو يقوله، وينساك كل النسيان.

ومن طريف المناوشات بينه وبين أناطول فرانس أنه قال له بالفرنسية عند أول لقاء: أنا أيضًا عبقري مثلك … فقال له فرانس: حسن، حسن. إنه لمن حق المرأة اللعوب أن تقول عن نفسها إنها تاجرة سرور!

فلم يغضب شو. وعاد فرانس فقال لصحبه: «إنه لظرف من الفتى ومهارة، فإنه لم يعلن لي عبقريته بهذه الكلمات وكفى، بل هو قد منحني الثقة بعبقريتي كذاك.»

•••

أما أقواله هو في الناس فالغالب عليها أنها ميزان دقيق لأقدار الناس وملكاتهم، ولكن على شريطة واحدة، وهي أن نحسب حسابًا لصنجتين موضوعتين في الميزان على الدوام، وهما صنجة المبالغة التي يحق لنا أن نسميها صنجة القافية — إذا كانت القافية لا تعذر.
figure
يعزف لزوجته قبل أن تنام.

والأخرى صنجة الشطط في ادعاءاته لنفسه، فهو تارةً قد أنقذ شكسبير من الخمول بالحملة عليه، وهو تارةً قد دفن ماكس نورداو بعد أن قضى عليه بضربة واحدة، وهو في كلٍّ على حال على وزن أفعل التفضيل أو أفعل التفضيل مع الألف واللام.

ولا بد أن نلاحظ في هذا الشطط أمرين: أحدهما أنه في الواقع ثورة على عُرْف الرياء في زمنه، أو ثورة على التواضع الكاذب الذي تواضع عليه المقلدون الاجتماعيون في جميع الأزمان، وإيمان بأن رأي المرء في نفسه غير مستثنى من الصراحة الواجبة في جميع الآراء، وبخاصة حين يعم الإنكار المغرض لأقدار ذوي الأقدار.

والأمر الآخَر الذي يُلاحَظ على شططه في ادعاءاته لنفسه أن الناس يتقبَّلون تلك الادعاءات وعلى شفاهم ابتسامة وفي نفوسهم مسامحة وهوادة، كأنهم يستمعون إلى شيطنة طفل محبوب، أو إلى غرور شيخ طيب لا ضرر من مجاراته وتقبُّل غرائبه وبدواته، فهي عندهم أقرب إلى المزاح المحتمل منها إلى الجد المستنكر، ولا بأس من النظر إلى الميزان بعد إسقاط هذه «الصنجة» من الحساب، فإن وزنه بعد ذلك صحيح مفيد.

•••

قال عن غاندي في مناسبات عدة: إنه من العظماء الذين لا يجود التاريخ بأمثالهم إلا مرة في كل ألف سنة.

وقال عن ستالين: «إنهم يصورون ستالين دائمًا في صورة طاغية عبوس بليد، وأؤكد لك أننا وشيكون أن نعرفه على حقيقته، وحقيقته أنه سياسي على خبرة فذة، وأهم من ذلك أنني وجدت عنده حاسة فكاهية، وقد تعلم أن هتلر لم تكن عنده هذه الحاسة، وقد فاجأني من ستالين أنني لمحت له ابتسامة عجيبة، على شبه من ابتسامتي …!»

وذكر ستالين مرة أخرى في صدد الكلام على لورنس المشهور في القضية العربية، فقال: «إن لورنس بلاد العرب وقد عرفته معرفة جيدة؛ كان يؤثر عن عمد أن يظل منزويًا في أقل المراتب العسكرية، ويأبى أن تصدر عنه الأوامر ويسجل نفسه في قيد الأميين، وما كان يفعل ذلك لتواضع أو حياء أو تضحية، بل لاعتقاده أنه أقوى حيث هو من مكانه في وظيفتة الضابط أو القائد، وهي مفتوحة له على السواء. وقد سبقه ستالين في هذا المضمار؛ إذ ارتفع من حضيض المجتمع إلى قمة السيطرة السياسية في روسيا دون أن يلحق باسمه لقبًا من ألقاب السيطرة، ولو لقب وزير. ولم يعدل عن هذه الخطة إلا في آخِر الأمر يوم اضطرته الحال إلى توقيع المعاهدات وتدبير الحركات الحربية مع حلفائه الغربيين، فاتخذ لنفسه لقب رئيس وزراة ولقب قائد القواد.»

وقال عن كارل ماركس وداروين: لقد كانت في ماركس تلك الصفات التي لم تكن في داروين، وهي اللدد ولطف الملكة الأدبية المعهودة في أبناء جلدته اليهودية، وقوى هائلة من قوى المقت والكراهية والهجر والسخرية، وسائر خلائق المرارة التي خلفتها المقاومة والاضطهاد في طباع عبقرية مدلَّلة (كان ماركس طفلًا مدلَّلًا في أسرة ميسرة)، لفرط التنافر بين هذه العبقرية والبيئة التي نشأت فيها، ثم أعقبت تلك المرارة في سنواته الأخيرة مرارة النفي والفاقة.

وقال عن أثر رجال الأفكار في رجال الأعمال: إن فولتير وديدرو وروسو جعلوا روبسبير ونابليون ممكنين، ولاسال وماركس وإنجلز وريشارد فاجنر وستالين وأتاتورك بعدهم في حيز الإمكان، وأن ولز وشو وألدوس هكسلي وجود يفتحون باب من الإمكان في إنجلترا لمَن لا يدريه إلا الشيطان، ولعله مخلوق لا يقبله أحد من هؤلاء الحكماء … فلا غنى للديموقراطية من مستمعين غير الساخطين في عالم الأدب، أو أن تعد نفسها لمواجهة القلق منهم جهد ما تستطيع.

وتكلم عن علاقة العبقرية بالخبرة العملية أو خبرة الشغل — مستشهدًا بشكسبير — فقال:
إليك مثلًا حالة شكسبير، لقد هجر المدرسة مبكرًا ليساعد أباه، وكان متاجرًا لا بأس به من المتاجرين في ستراتفورد، ويبدو من سيرة شكسبير التالية أنه كان خليقًا بهذه الخبرة التجارية أن يربح في قريته ويعيش في رخاء، غير أنه انطلق مع رسالته الأدبية ومهمته التاريخية، فبرح قريته وذهب إلى لندن — كما ذهبت — حيث تمكَّنَ من توطيد مقامه على باب المسرح بتنظيم مواقف الجياد التي يمتطيها روَّاد المسرح من الفرسان، وقد كان مارلو صاحب القلم القدير ملك الكتَّاب المسرحيين يومذاك، فلما قضى نحبه أثبت شكسبير أنه لا يقدر على كتابة الروايات بالكيلة على نحوٍ يضارع قدرة مارلو في صناعة القلم وحسب، بل هو قادر على إيداعها نفحة المتعة والفطنة فوق ذلك، فطفق يُعِيد تأليف الروايات القديمة و«يمسرح» الحكايات المهجورة، وبلغ من إتقانه لصوغها أنه لم يحاول في عمره القصير (٥٢ سنة) غير مرة واحدة أن يضع رواية من مبتكراته. على أنه مع اعتباره التأليف حرفته الأولى لم يَنْسَ عادات (الشغل)، ولم يزل يقرنها بعمله حتى استطاع في الأربعين أن يعود إلى ستراتفورد وهو الجنتلمان وليام شكسبير صاحب الأرض المملوكة والدرع الضافية، بعد أن فارقها وهو الهارب شاكزبر Shaxper، وأقام هنالك في أجمل بيت على مشرع الطريق، وقد كان زملاؤه في كتابة المسرحيات فئة من أساتذة الجامعات لم تجبرهم الضرورة على إتقان عاداته العملية، وأتقنوا بدلًا منها تلك العادات التي لا جدوى لها في (الشغل) كتسطير التوجيهات المسرحية بلسان اللاتين؛ فابتلوا بالفاقة وعاشوا وماتوا — كما حدث لشاپمان أكبر منافسيه — عيشة ضنك ومتربة بالقياس إليه، ولو أن جون شاكسبير تسنَّى له أن يعلم ولده في الجامعة لشقي وليام بذلك التعليم.

وقال عما استفاده من موليير وديكنز: «ألفيت أن الوسيلة المثلى لبلوغ التأثير الذي يصطبغ بصبغة التجديد والابتكار أن أستحبي الأثر العتيق للخطب الطنانة المسهبة، وأن أتشبث بأسلوب موليير، وأنتزع الشخصيات كما هي من صفحات شارلز ديكنز.»

وقال عن سياسة أبسن: «لما كانوا يلحون على هنريك أبسن أن يتصل بهذا الحزب أو ذاك من الأحزاب السياسية، كان يقول إنني لا أنتمي إلى حزب من الأحزاب، فإنني أجمع في نفسي بين اليمين واليسار، ويرضيني أن أشعر بآرائي المستحدثة وهي تمتزج بآراء الأحرار والاشتراكيين والمحافظين ولا سيما العمال والنساء. إلا أنني لا أعنون نفسي بعنوان الحر أو المحافظ أو الاشتراكي أو المطالب بحق الانتخاب للنساء، فالقواعد الحزبية ليست بالقواعد الذهبية، وليست هنالك قاعدة ذهبية على الإطلاق.»

ثم قال: أراني في مثل الموقف الذي كان فيه أبسن من حيث العلاقة بالأحزاب.

وقال عن فاجنر الموسيقي العظيم: «إن العالم تحكمه الأعمال ولا تحكمه النيات، وإن خاطئًا واحدًا فعالًا ليساوي عشرة من القديسين والشهداء الفاشلين. ولقد كان لفاجنر — كسائر العباقرة — صفات الإخلاص الممتاز والتقدير الفائق للوقائع والطلاقة الممتازة من غواية الشهرة بين الحركات الشعبية، وكانت له فطنة ممتازة إلى حقائق السلطة السياسية بمعزل عن الدعاوى والوثنيات التي يكمن وراءها السادة الحقيقيون الذين يجذبون السلك ويحشون المدفع.»

وقال عن بيرون: «إن استغراقه في وساوس الفشل — فشل غيره وفشل نفسه — في المطابقة بين حياتهم وأمثلتهم العليا، وانغماسه من جراء ذلك في سوء الظن بالإنسانية، وثقته الصبيانية المطلَقة بصدق تصوراته وخبث هذه الدنيا التي لا توليها حقها من التصديق … كل أولئك أكسبه تلك السمة التي نصفها فاجع ونصفها مضحك، وغاص به في الوحشة الخفية التي توحي إليه صورة تاريخ غريب مفزع لم يعقب غير الحسرة والندامة.»

وقال عن نيوتن في سياق الكلام على العبقرية والمناصب الحكومية: «إن نيوتن كان وشيكًا أن يصل إلى حيث وصل أينشتاين، لو لم يشغلوه بمنصب ناظر المسكوكات.»

•••

ولبرنارد شو أقوال كثيرة في عظماء زمانه وعظماء سائر الأزمنة موزعة في رواياته وأحاديثه، ولا فرق في جوهرها وطبيعتها بينها على الجملة وبين الأمثلة التي أوردناها.

ولعله قد أعطانا فيها ميزانًا لنفسه لا يختلف كثيرًا عن الميزان الذي وزنه به ناقدوه، وهي — إذا رفعنا عن كفة الميزان بعض الصنجات كما تقدَّمَ — تعرضه لنا في صورة جمعت بين الطيبة والحصافة والإقدام، ولم تَخْلُ من شيطنة الحيوية أو الصبيانية، وما نحسب «الحيوية» قد خلت قَطُّ من شيطنة تلائمها، سواء منها حيوية الذهن وحيوية الغريزة وحيوية الطفولة … وما مصدر الشيطنة كلها في الطفل الصغير؟ إنها الحيوية النامية لا مراء!

ومن ثَمَّ ذلك الشبه الدائم بين العباقرة والأطفال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠