الفصل الثاني

موقف إنجلترا من امتياز قناة السويس (١٨٥٤–١٨٦٩)

كانت إنجلترا تنظر إلى مشروع قناة السويس كمشروع فرنسي قبل كل شيء من شأنه أن يجعل للفرنسيين نفوذًا كبيرًا في مصر يمكنهم من التحكم في طريق عالمية لخدمة أغراضهم الخاصة.

حقيقة كانت تربط إنجلترا بفرنسا في الخمسينات للقرن التاسع عشر في عهد الإمبراطور نابليون الثالث؛ صلات وُدٍّ وصداقة نَمَتْ فتحولت إلى تحالف متين الأواصر في حرب القرم؛ حين وقفت الدولتان جنبًا إلى جنب مع الدولة العثمانية ضد أطماع الروس، ولكنه بالرغم من وجود ذلك الحلف لم تنس الدولتان أبدًا تنافسهما القديم في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي ميدان الاستعمار.

ففرنسا ترى أن سواحلها الجنوبية تطل على ذلك البحر، وهذا يعطيها الحق في أن تعمل على تفوق نفوذها فيه، وخاصة في مصر والشرق الأدنى، فذكريات حروبها في ذلك البحر، وذكريات صليبييها ومعاهداتها بصفتها بنت الكنيسة الكبرى مع الدولة العثمانية، كل هذه تشير إلى مستقبل زاهر لفرنسا في ذلك البحر، وبصفة خاصة في مصر وفي شمالي أفريقيا، ولقد كانت مصر في نظر فرنسا هي الميدان الذي جاهد فيه لويس التاسع في حملته الصليبية، وجاء إليه أنبغ أبناء فرنسا من رجال الحرب بحملته المشهورة التي أيقظت مصر من سبات العصور الوسطى، ومصر هي البلاد التي احتلها الفرنسيون، وقاموا فيها بمشروعاتهم العظيمة، وأزاحوا الستار عن ماضيها المجيد، ومصر هي البلاد التي ساعدوا على نهضتها الحديثة في عهد محمد علي الكبير، وأبلى منهم بلاءً حسنًا رجال في خدمة ذلك المصلح الكبير، في تكوين جيشه وبناء أسطوله، وتدعيم التعليم في عهده.

وكانت سياسة لوي فيليب في الأربعينيات من القرن التاسع عشر عاملة بلا ريب على إحياء الدول الصغيرة في البحر المتوسط وربطها بفرنسا بحبال صداقة لا تنفصم، ففرنسا في ذلك الوقت ترى أن لها دالَّة على مصر وعلى ولاتها، ولها الحق أن تمتع بنفوذ متفوق في وادي النيل.

ولذا، فالبرغم من صلات الصداقة والود التي كانت تربط الدولة الفرنسية بإنجلترا في عهد لوي فيليب ونابليون الثالث، فلقد عملت الحكومة الفرنسية — بصفة غير رسمية — على مكافحة النفوذ الإنجليزي في كل مكان في البحر الأبيض المتوسط؛ في الدولة العثمانية، في شمال أفريقيا، وفي مصر بصفة خاصة.

وكيف تعمل فرنسا على نمو نفوذها في مصر؟ لا يكون ذلك باحتلال مصر، فبريطانيا واقفة لها بالمرصاد، ولن تسمح بذلك أبدًا، بل هي على قدم الاستعداد للدخول في حرب ضروس مع فرنسا إذا حاولت هذه المحاولة الجريئة، ثم إن نابليون الثالث الذي كان يدير شئون فرنسا الداخلية والخارجية في ذلك الوقت كان أبعد الناس تفكيرًا عن أن يقوم بأي عمل من شأنه إفساد علاقاته الطيبة بإنجلترا؛ فإنجلترا هي الدولة الكبرى التي رحَّبَتْ بمقدمه، وهي التي اعترفت رسميًّا بحكمه، ونسيت تاريخ وعداوة عَمِّه، ولم تثر عقبات في وجهه، وبعد ذلك فنابليون الثالث لا يرى أبدًا الدخول في حرب مع صديقته الأخرى؛ الدولة العثمانية صاحبة السيادة على مصر، وخاصةً بعد أن وقف في صفها وحارب بجانبها، وبعد أن أعلن إعلانا تمسكه بسياسة المحافظة على كيانها وسلامة ممتلاكتها.

ولكنه مع ذلك لم يكن لدى عاهل فرنسا الكبير مانع من أن يعمل الفرنسيون على زيادة نفوذ فرنسا في مصر بالطرق المشروعة، وذلك بالقيام بالأعمال والمشروعات العظيمة التي سترفع بلا ريب من مركز فرنسا في مصر والعالم.

ونابليون الثالث بعد ذلك رجل عواطف وخيالات، تملأ المشروعات ذهنه وتعترض كثير من الآمال الغامضة تفكيره، فهو تارة يفكر في إنشاء إمبراطورية عربية في شمال أفريقيا، وتارة تدور في خلده صور لسيطرة فرنسا على أهم الطرق العالمية التي تصل بين الشرق والغرب.

فلا عجب إذن إذا أولى مشروع دي لسبس عطفه وتمنى له النجاح، وبذل له كل تأييد سياسي ممكن، لا سيما وأن مشروع فردنند دي لسبس ليس مشروعًا حكوميًّا أخذت الحكومة الفرنسية على عاتقها تنفيذه، وإنما هو مشروع فردي خاص، يقوم به أحد الأفراد الفرنسيين، له ولعائلته من قبل صلات وثيقة سياسية وشخصية بالشرق الأدنى ومصر، وقد أعلن نابليون الثالث مرارًا في سنة ١٨٥٦ أنه قد اهتم بالمشروع وبدراسته، وأكد مرة لدي لسبس: «إنك تستطيع أن تعتمد على تأييدي وحمايتي.»

والواقع إنه لم يكد سعيد باشا يمنح دي لسبس فرمان امتياز القناة حتى تقدم نابليون الثالث فمنح سعيد باشا نيشان اللجيون دونور.

وشارك نابليون الثالث في عطفه على مشروع دي لسبس الصحافة الفرنسية التي أيدت المشروع كمشروع قومي، وكذلك الهيئات العلمية وخاصةً أكاديمية العلوم في باريس، وكان المشروع يجد كذلك كثيرًا من العطف خارج فرنسا من الدولتين النمساوية والروسية، فقد كانتا تؤمنان بقيمة المشروع.

وأما الحكومة الإنجليزية فلقد كانت تفهم جيدًا مرامي السياسة الفرنسية، وعملها على التفوق في الشرق الأدنى، بل وسعيها لتحويل البحر المتوسط إلى بحيرة فرنسية؛ ولذلك فالحكومة الإنجليزية تبذل جهودها لوقف ذلك النفوذ والعمل على تفوق النفوذ الإنجليزي، حقيقة لم تكن لإنجلترا سواحل مطلة على ذلك البحر، ولكن قوة إنجلترا وتفوقها البحري، وقواعدها الحصينة في جبل طارق ومالطة؛ وصلات الصداقة والتحالف التي كانت تربطها بالدولة العثمانية؛ كل ذلك جعل لها مركزًا قويًّا بل وممتازًا في ذلك البحر.

وإذا كانت فرنسا تعمل جاهدة على إنشاء دول صغيرة في البحر الأبيض المتوسط مدينة لفرنسا بوجودها واستقلالها؛ فلقد ناضلت إنجلترا بقوة هذه المحاولة ونجحت في ذلك نجاحًا مذكورًا، ظهر ذلك النضال في تأييد فرنسا لمحمد علي في حركته الاستقلالية التي كانت ترمي إلى الانفصال عن الدولة العثمانية في سنتي ١٨٣٩، ١٨٤٠، ووضع حدٍّ للسيادة التركية العتيقة البالية، وفي وقوف إنجلترا في طريقه وقضائها على آماله وآمال مصر في الاستقلال.

ولقد أخذ ممثلو إنجلترا في بلدان البحر المتوسط وقناصلها على عاتقهم تنفيذ هذه السياسة بحذافيرها، وغلَوْا في ذلك غلوًّا كبيرًا، واشتدت حماستهم، وقام بينهم وبين زملائهم الفرنسيين تنافس شديد بل ونضال حَمِي أوَارُه تُنُوسِيَتْ فيه في كثير من الأحيان آداب المجاملة الشخصية، ووصل الخصام بين الفريقين إلى حد أن قطعوا صلاتهم الشخصية، وكثرت تقاريرهم إلى حكوماتهم، وطالت، وامتلأت بالصور القاتمة والتهم الكثيرة، فيكتب القنصل الإنجليزي ريتشارد ود — وهو من القناصل الإنجليز الذين كافحوا بهمة ونشاط النفوذ الفرنسي مدة طويلة في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأحد الذين أثاروا الشغب على محمد علي الكبير في الشام — يكتب مذكرة مطولة إلى حكومته بتاريخ ٢٠ أغسطس سنة ١٨٥٩، يرسم فيها صورة قائمة لمشاريع فرنسا في البحر المتوسط، ففرنسا — في نظره — تبذل جهودًا مضنية في سبيل فصل مصر وتونس عن الدولة العثمانية، لتضم تونس إلى ممتلكاتها الجزائرية، ولتحتل مصر في أول فرصة مناسبة.

وحين يصف ذلك القنصل مركز فرنسا وإنجلترا في البحر الأبيض المتوسط؛ لا يجد في سياسة فرنسا الخارجية سوى محاولة إلحاق الضرر بمصالح إنجلترا، ووجد أن فرنسا قد أصبح لها مركز قوي في ذلك البحر، وخاصةً بعد احتلالها لإقليم الجزائر، وتركيزها لقوات بحرية وبرية كبيرة في شمال أفريقيا.

وهو يسطر في مذكرته المذكورة أن فرنسا إذا أرادت الإضرار بإنجلترا؛ فهي دائمًا تلتجئ إلى مهاجمة المصالح الإنجليزية في البحر المتوسط، وبيَّن أن ما يرمي إليه الفرنسيون من بذل هذه الجهود؛ هو أن يضعوا إنجلترا في مركز لا تستغني فيه عن صداقة الفرنسيين إذا أرادت المحافظة على ممتلكاتها في الهند، وقال إن الفرنسيين يستخدمون في سبيل الوصول إلى بغيتهم كل الوسائل مشروعة كانت أو غير مشروعة.

فإنجلترا إذن تكافح في سبيل منع الفرنسيين من الحصول على امتياز من والي مصر خاصٍّ بشقِّ القناة، وكلما ازدادت حماسة الفرنسيين في تعضيد مشروعهم ازدادت حماسة الإنجليز في معارضته، بل لقد وضعت إنجلترا مشروعًا منافسًا للمشروع الفرنسي، وهو مشروع إنشاء السكة الحديدية بين الإسكندرية والقاهرة والسويس، ونجحت في ذلك مع والي مصر عباس باشا الأول الذي لم ينسَ درس سنة ١٨٤٠ وعرف مقدار ما تستطيعه القوة البحرية الإنجليزية، تيقن عباس باشا الأول من أن إنجلترا لديها العزم على تنفيذ سياستها في الوقت الذي هددت فيه فرنسا وأنذرت، ثم أخيرًا تخاذلت عن نصرة مصر في أزمتها الشديدة سنة ١٨٤٠، رأى والي مصر أن يجامل إنجلترا ويؤجل المشروع الفرنسي، غير آبهٍ كثيرًا لإنذار فرنسا له بالعمل لدى الباب العالي على عزله عن ولاية مصر.

أرسلت إنجلترا تعليمات إلى قنصلها العام في مصر بأن يقنع عباسًا الأول بقيمة مشروع السكة الحديدية، وبأن مشروع القناة يكلف ما لا يطاق من الجهد والوقت والمال، فمال الوالي ناحية المشروع الإنجليزي وعمل على تنفيذه.

ولكن فردنند دي لسبس استطاع أن ينتهز فرصة تولي سعيد باشا فيسارع إلى مصر مذكرًا الوالي الجديد بصلاتهما الوثيقة القديمة، ويجد من الوالي الجديد ترحيبًا كبيرًا، وينجح في إقناعه بقيمة المشروع الفرنسي في فتح القناة البحرية وتوصيل البحرين، ولا يدري أحد بالدقة ماذا دار بينهما من حديث، وماذا وضع دي لسبس أمام سعيد باشا من آمال، ولا ندري بالضبط ماذا كان يدور بخلد والي مصر من دوافع لمنح مثل ذلك الامتياز، وإن كان البعض يظن أن غرض الوالي كان العمل على اكتساب صداقة فرنسا وتأييدها لاستقلاله إذا ما تأزمت الأمور بينه وبين الباب العالي صاحب السيادة على مصر.

يوافق سعيد باشا على منح فردنند دي لسبس الامتياز الخاص بمشروع فتح القناة البحرية التي تتصل فيها مياه البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويتم ذلك في ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٤.

ويُسقَط في يد إنجلترا، فلقد أخذ فردرك بروس ممثلها في مصر فجأة بتصميم سعيد باشا على منح ذلك الامتياز وتنفيذ ذلك المشروع ولم يفلح في تحويل الوالي عن رأيه؛ حتى بعد أن أعلن منذرًا بأن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع أن توافق على ذلك المشروع؛ فهو في نظرها مشروع خيالي وغير عملي، ولم يحِن الوقت ولا الظروف الملائمة لمحاولة تنفيذه، وأن خيرًا منه هو إتمام مشروع الطريق البرية الحديدي من القاهرة إلى السويس.

على أن الحكومة الإنجليزية لم تجد في ذلك الوقت أن تقدم إنذارًا رسميًّا للوالي ضد تنفيذ ذلك المشروع، فالعلاقات بينها وبين الحكومة الفرنسية كانت بصفة عامة جيدة، وتقديم مثل ذلك الإنذار معناه أن الحكومة الإنجليزية تحارب رسميا مصالح الفرنسيين ومشاريعهم، فالحكومة الإنجليزية لم تتخذ مثل هذه الخطوة، ولم ترد الذهاب إلى ذلك الحدِّ.

ثم إن منح سعيد باشا للامتياز ليس بذي أهمية كبيرة؛ إلا إذا وافقت عليه الدولة صاحبة السيادة على مصر، فعلى الحكومة الإنجليزية إذا أرادت عرقلة المشروع أن تبذل مساعيها لدى الباب العالي، فهو صاحب السلطة الرسمية في مصر، وأن تنصحه بعدم الموافقة على الامتياز أو على الأقل بتأجيل النظر فيه.

وكان سفير الحكومة الإنجليزية لدى البلاط العثماني ستراتفورد دي ردكليف — وكان يتمتع في الأستانة بنفوذ لا نظير له — كان يرى أن على إنجلترا أن تبيِّن للباب العالي خطر المشروع الفرنسي على الدولة العثمانية، فما تريده فرنسا من وراء ذلك المشروع هو فصل مصر عن الدولة العثمانية بممر مائي يصلح لأن يكون خطًّا دفاعيًّا حربيًّا، وإنشاء مستعمرة فرنسية في شرقي مصر، ثم السيطرة على كل مصر بعد ذلك؛ ولذا فخيرٌ للباب العالي ألَّا يصدق على الامتياز، ولم تقتصر محاولات ستراتفورد على ذلك، بل طلب تعليمات رسمية من حكومته تؤيد موقفه؛ ولذا وجد لورد كلارندن، وزير الخارجية البريطانية، ضرورة الاتصال بسفير الحكومة الفرنسية في لندن ليبين له وجهة نظر الحكومة البريطانية في مشروع القناة، فهذه الوجهة تتلخص فيما يلي:
  • (١)

    نظرًا لأن تنفيذ المشروع يستلزم نفقات كثيرة، فالغرض الواضح منه سياسي.

  • (٢)

    والمشروع يؤخر إتمام مشروع السكة الحديدية من الإسكندرية إلى السويس.

  • (٣)

    المشروع وليد سياسة عدائية بالنسبة لمصر من ناحية فرنسا.

ولم تجد محاولات فردنند دي لسبس في الاتصال بستراتفورد، وإقناعه بأهمية المشروع وعدم تعارضه مع المصالح الإمبراطورية الإنجليزية، وأن المسألة مسألة مصرية تركية قبل كل شيء، لا داعي فيها للتدخل الحكومي الإنجليزي أو الفرنسي.

ولقد نجح ستراتفورد دي ردكليف في نصحه للباب العالي، مما عقَّد الأمور لدي لسبس، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أرسل الباب العالي نتيجة لمساعي إنجلترا خطابًا شديد اللهجة إلى سعيد باشا في مصر يحذره فيها عواقب عمله الجريء.

ومع ذلك فقد قدر للمشروع الفرنسي البقاء نظرًا لتدخل الدولة النمساوية في صالح دي لسبس، فلقد كانت تعضد المشروع الفرنسي تعضيدًا كبيرًا.

ولقد اصطدمت المصالح الإنجليزية والفرنسية في هذا المشروع وهاجت بينهما الإِحَن القديمة إلى حد أن وجدت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية ضرورة المحافظة على تحالفهما وعلاقاتهما الطيبة، فاتفقتا فيما بينهما على أن تمتنعا عن التدخل الفعلي لا بتعضيد المشروع ولا بالعمل على فشله، ولكن هذا الاتفاق لم يمنع الحكومة البريطانية من أن تتابع خطتها في بَثِّ العقبات والعراقيل أمام المشروع الفرنسي، وهذا الموقف اضطر صاحب المشروع للقيام بالدعاية للمشروع في إنجلترا ذاتها.

وكان على رأس الوزارة في إنجلترا في ذلك الوقت لورد بامرستون، وهو يمثل الرجل الإنجليزي والسياسي الإنجليزي أصدق تمثيل، فهو مؤمن بتفوق إنجلترا، ويعمل لعظمتها وخدمة مصالحها قبل كل شيء، ويرى أنه من الواجب على الدول الأخرى أن تستمع لآراء إنجلترا بما لها من مركز ممتاز في العالم، وهو لا يتقيد كثيرًا بالخيالات ولا تؤثر فيه النواحي العاطفية إذا ما تعارضت مع مصالح إنجلترا الحقيقية، وهو مُلِمٌّ تمامًا بأمور السياسة الخارجية لا تفوته صغيرة ولا كبيرة من أمورها.

وهو من أكبر دعاة الإمبراطورية، ومن القائلين بضرورة حماية مواصلاتها وطرق تجارتها، وهو الذي وضع سياسة إنجلترا التقليدية في الشرق الأدنى، فليس إذن غريبًا أن يعارض هذا الرجل كل مشروع فرنسي، فهو لا يوافق على مشروع القناة؛ لأنه يرى أن المشروع يتعارض مع مصالح إنجلترا الإمبراطورية، وهو لا يثق كثيرًا في استقرار الأمور السياسية في فرنسا، وخاصةً ما يتعلق منها بنظام الحكم، ويرى أن إنجلترا يجب أن تتمسك بطريق الأطلنطي لأنها تستطيع الإشراف عليه، وهي مشرفة عليه بالفعل.

فهو يعترف بأن حكومة نابليون الثالث صديقة لإنجلترا، ولكنه لا يستطيع أن يضمن أن الحكومة التي تخلفها في المستقبل ستحافظ على ولاء إنجلترا، فقد تستغل هذه الطريق الجديدة لمناوأة النفوذ البريطاني ومحاربة المصالح الإنجليزية فيما وراء البحار.

ولذلك حين حاول دي لسبس الاتصال به لم يجد منه أذنًا صاغيةً، فلقد بيَّن بامرستون لصاحب المشروع بصراحة ووضوح، شأنه في كل تصريحاته السياسية، بأنه لا يوافق على ذلك المشروع فهو غير عملي ولا يمكن تنفيذه.

على أن موقف الحكومة الإنجليزية العدائي لم يدع دي لسبس إلى القنوط أو إلى التنازل عن فكرته؛ ولذا فهو يحاول الاتصال بالزعماء الإنجليز الآخرين من أمثال كوبدن، وجلادستون، وحاول كذلك الاتصال بالرأي العام الإنجليزي، يقنعه بقيمة المشروع من الناحية العملية ومن الناحيتين الحضارية والإنسانية، أرسل خطابات إلى أعضاء البرلمان الإنجليزي، وإلى إدارة شركة الهند الشرقية، وأصحاب السفن، وأعضاء الغرف التجارية، وكبار رجال الصناعة وأصحاب المصارف، يحاول أن يقنعهم بفائدة المشروع من الناحية العملية والمالية، ولم تذهب كل مساعي دي لسبس دون جدوى، فلقد أظهرت شركة الهند الشرقية عطفها على مشروعه، وكذلك بعض شركات خطوط الملاحة لا سيما شركة اﻟ P. & O..

والواقع أن الرأي العام البريطاني لم يكن مجمعًا على معارضة المشروع، كما كانت الحكومة الإنجليزية معارضة له، فلقد كان جانب منه محبذًا للناحية التجارية للمشروع، وهذا شجع دي لسبس على أن يسير قدمًا في مشروعه وفي طريقه، وأن يبين للرأي العام الإنجليزي أن المشروع ممكن تنفيذه من الناحية العملية، فأعلن أن تقارير المهندسين الفرنسيين من أمثال لينان بك وموجل بك قد أثبتت بطريقة لا تقبل الشك أن المشروع من الناحية الهندسية عملي وممكن تنفيذه.

ولم يقتصر دي لسبس على ذلك، فهو رجل جَمُّ النشاط ممتلئ بمشروعه، موقن بقيمته، كبير الأمل في تحقيقه، كوَّن دي لسبس لجنة دولية ضم إليها عددًا من كبار المهندسين الإنجليز أنفسهم لفحص المشروع ودراسته والتقرير عن إمكان تنفيذه.

ولقد بدأت اللجنة الدولية عملها في سنة ١٨٥٥، وانتهت من وضع التقرير في يناير سنة ١٨٥٦، ولو أنه لم ينشر إلا بعد ذلك، وفي ذلك التقرير أيدت اللجنة الدولية إنشاء القناة البحرية التي تصل ما بين البحرين، وبينت أن التنفيذ ليس صعبًا كما يتصور المعارضون، وأن النجاح في إنجاز المشروع ممكن.

وعلى أساس هذا التقرير الجديد، حاول دي لسبس في يوليو سنة ١٨٥٧ الإجابة على اعتراضات بامرستون، وبيَّن أن هذه الاعتراضات قائمة على أسس تجارية وفنية وسياسية، فمن الناحية التجارية قيمة المشروع لا تُقدَّر لإنجلترا، لا يحتاج ذلك إلى بيان، فطريق القناة — إذا تمت — أقرب الطرق إلى الشرق وفي هذا توفير للوقت والمال والجهد، وأما من الناحية العملية فهذا تقرير اللجنة الدولية التي تجمع بين أعضائها عددًا من كبار المهندسين الإنجليز يقول بأن المشروع عملي وممكن تنفيذه، وقد أيدت هذا التقرير أكاديمية العلوم في باريس والمعهد الإمبراطوري الفرنسي، وأما من الناحية السياسية فآراء لورد بامرستون قائمة على أساس أخطار وهمية على الهند والإمبراطورية العثمانية، ولا خطر على الدولة الإنجليزية من مشروع القناة طالما يملك الإنجليز جبل طارق ومالطة وعدن وجزيرة پريم، أما الدولة العثمانية فمركزها مضمون بالمعاهدات والمواثيق الدولية، بل إن فتح القناة سيجعل مصر بمنأًى عن أطماع الدول الأوربية إذ سيجعل لها مركزًا محايدًا، وفي هذا كما يرى دي لسبس تأييد لسياسة الإنجليز التقليدية في المحافظة على سلامة الدولة العثمانية.

كان دي لسبس يرى أن لهجة بامرستون متناقضة وغير منطقية وغير معقولة، فلا داعي في نظر دي لسبس لأن يعتقد بامرستون أن سياسة فرنسا مريبة، وأن فرنسا هي التي شجعت محمد علي على مناوأة إنجلترا، وأنَّ ذهب لوي فيليب ملك فرنسا هو الذي أنشأ قلاع الإسكندرية وأن مشروع القناة يرمي إلى مناوأة إنجلترا.

وعلى أي حال فلقد نال دي لسبس على أساس تقرير اللجنة الدولية من سعيد باشا امتيازًا جديدًا خاصًا بالقناة روعى فيه مقابلة بعض مخاوف إنجلترا، فلقد نصَّ فيه على حياد القناة، وأن معظم من سيقومون بالتنفيذ مصريون لا فرنسيون، كما نص فيه أيضًا على ضرورة موافقة الباب العالي، ولقد كان تكوين هذه اللجنة الدولية، والنتيجة التي وصلت إليها، من العوامل التي زادت ثقة دي لسبس في مشروعه، وضمت جانبًا كبيرًا من الرأي العام الإنجليزي والعالمي إلى صفه في مشروعه الجريء.

على أن الحكومة الإنجليزية استمرت في معارضتها للمشروع، وبررت ذلك الموقف بتعارض المشروع مع سياسة إنجلترا التقليدية إزاء الدولة العثمانية، وأنه سيوجد فاصلًا مائيًّا بين مصر وتركيا، وردد بامرستون هذا الرأي بصراحة تامة في مجلس العموم البريطاني في شهر يولية سنة ١٨٥٧، فلما ثار موضوع القناة في مجلس العموم البريطاني في يونية سنة ١٨٥٨، أعلن بامرستون أن تنفيذ المشروع سيعمل على انحلال الإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية، وأن السكة الحديدية بين القاهرة والإسكندرية تكفي لخدمة مصالح لإنجلترا أكثر بكثير من حفر القناة، وأبان جلادستون في الجلسة نفسها عن ضعف هذه الفكرة، وذكر أن القناة مجرى مائي، وإذا قدر لها أن تقع في يد أية دولة، فستقع في يد أقوى الدول البحرية وهي إنجلترا، وطلب من الأعضاء أن ينظروا إلى مشروع القناة لا كمشروع سياسي ولكن كمشروع تجاري قبل كل شيء، ولكن آراء جلادستون وإن تركت أثرًا في الرأي العام البريطاني إلا أنها لم تحول الحكومة البريطانية عن رأيها.

فلقد عبر لورد كلارندون وزير الخارجية إذ ذاك عن رأي الحكومة البريطانية في ضرورة الوقوف أمام المشروع، بل وأنذر الباب العالي بأنه إذا صدق على الامتياز الممنوح لدي لسبس، فيجب ألا ينتظر أن تستمر بريطانيا أو غيرها من الدول الكبرى الأوربية في سياسة المحافظة على الدولة العثمانية وعلى سلامتها، ولم تُجْدِ محاولات الإمبراطور نابليون الثالث لإقناع الحكومة البريطانية بالكف عن معارضتها.

ولم يمنع هذا دي لسبس من المضيِّ في تنفيذ مشروعه، فلو استطاع جمع المال اللازم لتنفيذ المشروع، لَهدَم هذا حجة قوية من حجج الحكومة الإنجليزية بأن المشروع غير عملي، وأنه لن يقبل على المساهمة فيه أحد؛ ولذا لما فتح دي لسبس باب الاكتتاب في المشروع تهافت عليه الناس في أوروبا، فكان نجاح الاكتتاب من عناصر تقوية المشروع وتأييده، وإن كان الإنجليز لم يكتتبوا في الأسهم التي كانت مخصصة لهم.

ولكن ما تطلبه تنفيذ المشروع من نفقات باهظة وما لاقاه من صعوبات في أول الأمر كاد يودي بكل المشروع، لولا العطف والتأييد الذي لاقاه من إمبراطور الفرنسيين ومن الحكومة الفرنسية والرأي العام الفرنسي.

إذ إنه في سنة ١٨٦٠ بعد أن تابعت شركة القناة أعمال الحفر، كتبت الصحف الإنجليزية مثل «الديلي نيوز» و«التيمز» تسخر من المشروع، وتبين أن من السهل حَفْر حُفَر في الصحراء وجمع أكوام من التراب الذي تذروه الرياح، فيغطى الحفر من جديد، وأبانت عن أن المشروع فاشل لا محالة وسيكلف كثيرًا من النفقات التي لا تستطيع القيام بها شركة خاصة، وردد هذا القول في البرلمان الإنجليزي، فقال بامرستون: إن المشروع مجرد جعجعة وخداع، وإنه سيكلف من الوقت والمال والعمل ما لا تستطيعه شركة القناة، وذكر في خلال كلامه أن والي مصر قد اضطر إلى الاقتراض من مصرف في مارسيليا للوفاء ببعض التزاماته إزاء شركة القناة.

وفي السنة التالية في مايو ثارت في البرلمان الإنجليزي المعارضة شديدة ضد المشروع الفرنسي، وتكرر نفس الطعن السابق، فالمشروع في نظر بعض الأعضاء غير عملي من الناحية التجارية، فهو كثير النفقات كبير الخسارة على المساهمين، وفوق كل ذلك فهو يعطي الشركة الفرنسية أراضي شاسعة في قلب مصر حول القناة، وأن الحكومة الفرنسية قد تستطيع استخدام هذه الأراضي لمصلحتها الخاصة والاستفادة من مركز المنطقة الاستراتيجي، وذكر بعض الأعضاء أن المشروع في نظر فرنسا له قيمته الاستراتيجية، وأنه لا يمكن اعتبار شركة القناة شركة خاصة، فهي شركة تتكلم باسم الشعب الفرنسي وتدَّعي أنها تمثل الحكومة الفرنسية وتطلب تأييدها في كل حين، وأشير إلى زيادة عدد الرعايا الفرنسيين في مصر، وطلب إلى الحكومة الإنجليزية أن تستوضح من الحكومة الفرنسية موقفها إزاء هذا المشروع.

وأجاب ممثل الحكومة البريطانية في البرلمان بأن سياسة بريطانيا لم تتغير، فهي تراقب الموقف بدقة متناهية، وهي لا تعترض على المشروع كمشروع تجاري ولكنها تنظر إليه بالنسبة لتركيا وإزاء مركز مصر السياسي، ونادى بعض الأعضاء بأنه يكفي إنجلترا المحافظة على بوسفور واحد، وأنه لا معنى لمشروع يضع إنجلترا بين يدي فرنسا؛ لأنه إذا نفذ المشروع؛ فعندئذٍ تستطيع فرنسا إرسال أساطيلها بسرعة، وقطع المواصلات بين إنجلترا والهند؛ ولذا فلا مناص لإنجلترا من معارضة المشروع.

ولجأت إنجلترا إلى عرقلة المشروع في دور التنفيذ من ناحية أخرى، فأثارت مسألة تسخير الفلاحين في أعمال الحفر، فهاجمت الصحف الإنجليزية تسخير الفلاحين على أساس أنه ليس إلا صورة من صور الرِّقِّ، ووصفت ما يلاقيه هؤلاء العمال من عذاب وقسوة، مثلهم في ذلك مثل الرقيق في الولايات الجنوبية للولايات المتحدة.

ولقد أثير مرارًا موضوع السخرة في البرلمان الإنجليزي، وطالب بعض النواب الحكومة الإنجليزية بأن تعمل ما في وسعها للتخفيف من آلام وشقاء هؤلاء البؤساء.

على أن محاولة الإنجليز عرقلة المشروع من هذه الناحية لم تنجح كثيرًا، فلقد أسرع دي لسبس في تنفيذ مشروعه ليضع الحكومتين العثمانية والإنجليزية أمام أمر واقع، والتنفيذ من شأنه أن يقنع الحكومة الفرنسية بضرورة تأييد المشروع وحماية أموال المساهمين الفرنسيين، وفي ١٨ أكتوبر سنة ١٨٦٢ وصلت مياه البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة التمساح، فالنجاح الذي أحرزه أعظم أبناء فرنسا من المغامرين في منطقة صحراوية، كان لها أثره المشهود على الرأي العام الأوربي والإنجليزي.

ولم يُحوِّل هذا الحكومة البريطانية عن رأيها وعن عدائها للمشروع ولتنفيذه، فعادت إلى الاحتجاج الشديد على شروط الامتياز، فهي شروط كما بينت مجحفة بحقوق السلطان وحقوق واليه على مصر، وأقنعت الباب العالي بضرورة إرجاء موافقته إلى أن تنتهي الشركة من تسخير الفلاحين المصريين.

ولقد كان الفلاحون المصريون يُجمَعون جمعًا، ويُساق بهم إلى أماكن الحفر كالأنعام أو كالرقيق الذليل، وذلك في أعداد كبيرة قد تصل إلى عشرين ألفًا طوال أيام السنة تقريبًا، وهناك يُسامون الخسف فلا يُعنى بصحتهم ولا بمعاملتهم كآدميين لهم حقوق الإنسان العادي، وكانت «المتاعب والآلام لا تقتصر على هؤلاء العمال وحدهم، بل كذلك على زوجاتهم وأطفالهم الذين كانوا يُتركون بغير عائل، وكثيرًا ما كانت الشركة تتوقف عن دفع أجورهم الزهيدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.» هذا ما قاله خصوم الفرنسيين في مجلس النواب البريطاني، والواقع أن العمال كان يُجمعون من كل أجزاء مصر، ويسيرون المسافات الطويلة حتى يصلوا إلى مناطق الحفر، ثم يقطعون المسافات الطويلة إلى القاهرة لصرف الصكوك المعطاة لهم، ويقاسون الأمرين في سبيل ذلك.

•••

ولم يؤثر موت سعيد باشا تأثيرًا كبيرًا في تصميم الشركة على إنجاز المشروع، وإن كانت الشركة قد فقدت فيه عونًا كبيرًا، ولكن إسماعيل باشا كان لحسن حظ الشركة، مؤيدًا من ناحية المبدأ للمشروع، فهو يرى أن المشروع إذا تم إنجازه فسيجعل لمصر مركزًا ممتازًا في العالم، وسيجعل لاسم حاكم مصر دويًّا لم يكن له من قبل.

ولكن إسماعيل باشا لم يكن يرضى عن كل شروط الامتياز، وخاصةً ما كان متصلًا منها بالسخرة، فلم يكن ليرضى عن تسخير الفلاحيين المصريين، ورأى مقدار الخسارة التي تحل بمصر والزراعة من جراء ذلك، إذ مصر في ذلك الوقت بلد زراعي قبل كل شيء، فضلًا عن أن تسخير الفلاحين المصريين بهذا الشكل يتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانية.

واستغلت إنجلترا هذا الموقف الجديد لصالحها، فما كانت الحكومة الإنجليزية ترى أن تترك مسألة تسخير الفلاحين المصريين تمر بسهولة لصالح الشركة، فلقد أرادت انتهاز هذه الفرصة لإرهاق الشركة وعرقلة المشروع، إن لم يكن القضاء المبرم عليه.

لقد استغلت الحكومة الإنجليزية الحركة الإنسانية التي شملت إنجلترا كما شملت غيرها من الدول، لخدمة مصالحها الخاصة في مصر، لبث العراقيل أمام المشروع الفرنسي، فاستمرت الصحافة والرأي العام الإنجليزي في مهاجمة الفرنسيين لاسترقاق الشركة للفلاحين المصريين، ورأت الحكومة الإنجليزية في هذه الحركة وسيلة لحرمان الشركة من الأيدي العاملة التي تعتمد عليها، وأجاب فردنند دي لسبس على ذلك بأن المسألة كلها مفتعلة وليس فيها إخلاص، فلقد نسيت إنجلترا أن السخرة قد استخدمت في إنشاء الخط الحديدي من الإسكندرية إلى القاهرة، فعلى أي أساس تحتج الحكومة الإنجليزية الآن؟!

ولقد تابعت الحكومة الإنجليزية السير في خطتها، فزار السفير الإنجليزي في استامبول، سير هنري بولور، مصر في أواخر عهد سعيد باشا ليطَّلع بنفسه على أمور الحفر في القناة، وقبل كل شيء، ليرى ما إذا كانت الشركة الفرنسية تقيم تحصينات في منطقة القناة، وليعرف إلى أي حد يسخر الفلاحون المصريون في شق القناة، وربما بالغ سير هنري بولور في وصفه لبعض الأمور في منطقة القناة، وأبدى خشيته من أن تتحول المدن التي تنشأ في منطقة القناة إلى مدن ومستعمرات فرنسية، كما كشف عن تخوفه من إشراف الفرنسيين على هذه المنطقة.

وأشار في غير مبالغة إلى كثرة عدد الفلاحين الذين ينزعون من حقولهم قسرًا، وينقلون في بعض الأحيان، وهم عشرات الألوف، إلى حيث يسخرون، ووصف سير هنري بولور قلة أجورهم، وسوء حالهم والبؤس الذي يعانون، والآلام التي يقاسونها، وكانت لآراء سير هنري بولور تأثير كبير على حكومة الباب العالي التي أسرعت من جانبها إلى مطالبة الحكومة المصرية بإلغاء السخرة.

وكذلك اتصلت الحكومة الإنجليزية بإسماعيل باشا نفسه، وبينت له الأضرار البليغة الناشئة عن تسخير الفلاحين، وأثر ذلك في الزراعة المصرية التي حرمت من جانب كبير من الأيدي العاملة التي تشتغل فيها؛ ولذا فإسماعيل باشا، وإن كان مؤيدًا لإنجاز المشروع، إلا أنه كان يرى إلغاء الشروط التي لم تراعَ فيها حقوق مصر، فهو إذن يرمي إلى إلغاء السخرة في حفر القناة تؤيده إنجلترا في ذلك، وثانيًا: هو يرى إلغاء امتلاك الشركة للأراضي الكبيرة التي أخذتها في منطقة القناة، فامتياز الأراضي يخول الشركة وضع جاليات أجنبية فيها لاستغلالها، وهذه الجاليات لها أن تتمتع بنفس الامتيازات التي يتمتع بها الأجانب في مصر، وكانت إنجلترا تؤيده في هذه الناحية لأنها تخشى أن تغدو هذه الأراضي مستعمرات فرنسية في منطقة القناة.

ولذا كان إسماعيل باشا يرمي من وراء إلغاء هذين الشرطين في الامتياز إلى مصلحة قومية، إلى رد اعتبار المصريين، ومعالجة نقص الأيدي العاملة في الزراعة، في فرصة لا بد من انتهازها، ولا سيما بعد قيام الحرب الأهلية الأمريكية، وزيادة الحاجة إلى القطن المصري الذي ارتفعت أسعاره ارتفاعًا كبيرًا، ثم إن إسماعيل باشا يطمح كذلك إلى إنشاء إمبراطورية كإمبراطورية جده العظيم، والجيش الذي يعتمد على الفلاحين هو أداتها الأولى، وإسماعيل باشا بعد ذلك قد أعلن صوته إلى جانب الحركة الإنسانية التي ترمي إلى إلغاء الرقيق، فكان عليه أن يقوم بمحاولة حاسمة لإلغاء تسخير الفلاحين في حفر القناة.

وأما إنجلترا فهي تهدف إلى منع الفرنسيين من إنشاء مستعمرات فرنسية لهم في مصر، وهي تريد في نفس الوقت توفير العدد اللازم من الفلاحين للاهتمام بزراعة القطن التي كانت مصانع إنجلترا في أشد الحاجة إليه نظرًا لقيام الحرب الأهلية الأمريكية، لقد ربط الإنجليز بين مشروع القناة والرق. وحاولوا الخفض من شأن مشروع القناة لاتصاله بمسألة تسخير الفلاحين، وأفلحوا في إحداث كثير من القلق والاضطراب في دوائر شركة القناة.

وسُرَّت إنجلترا للجفاء الذي ساء علاقة إسماعيل باشا بالقنصل الفرنسي العام دي بوفال، فذلك القنصل قد بذل كل جهد مستطاع في تأييد دي لسبس في كل ما قام به، وفي كل مطالبه من الحكومة المصرية بشأن القناة، ولم تحزن الحكومة البريطانية كثيرًا لسحب الحكومة الفرنسية له من مصر، وكانت إنجلترا تبني كثيرًا من الآمال على موقف إسماعيل بإزاء امتياز القناة، وترى في مطالب إسماعيل باشا بإلغاء السخرة وإرجاع ملكية الأراضي لمصر مسألة قد تؤدي إلى فشل المشروع الفرنسي وعدم إنجازه.

ولقد اعتقدت شركة القناة في وقت ما أن تفكير إسماعيل باشا الجدي في إلغاء السخرة وتأييد إنجلترا له ضربة قد تذهب بالمشروع كله، واضطربت لذلك دوائرها، وأخذت تفكر في تعديل سياستها إزاء العمال المصريين، ولقد وجدت الصحافة الإنجليزية في موقف إسماعيل باشا تأييدًا لتشديد مهاجمتها لمشروع القناة، وفعلًا انخفضت أثمان أسهم القناة، وساد الذعر بين المساهمين.

على أن دي لسبس لم يفقد الأمل في نجاح مشروعه، فهو يلتجئ إلى نابليون الثالث لحماية المشروع الفرنسي.

واضطر إسماعيل باشا إلى أن يلتجئ إلى الباب العالي يطلب تأييده أمام فرنسا، فهو يخشى بطبيعة الحال غضب الحكومة الفرنسية، والتجأ الباب العالي من جانبه إلى إنجلترا، فأبدى سفير إنجلترا في استامبول رأيه في أن الامتياز الممنوح لا قيمة له طالما لم يوافق الباب العالي عليه، ولكن الحكومة العثمانية لم تكن تجرؤ على اتخاذ مثل هذه الخطوة وتلغي الامتياز، وخاصةً بعد أن سار المشروع الفرنسي في دور التنفيذ مدة أربع سنوات، فالحكومة الفرنسية لا بد وأن تحتضن المشروع حتى تحافظ على مصالح وأموال رعاياها.

وانتهز السفير البريطاني فرصة وجود إسماعيل باشا في العاصمة التركية سنة ١٨٦٣ ليحضه هو وحكومة الباب العالي على الصمود أمام فرنسا، فإنجلترا لن تقوم بتأييد الاثنين إلا إذا حافظا على مصالحهما واستقلالهما، وبيَّن للفريقين أنه لا مناص من وضع حدٍّ لتسخير الفلاحين المصريين، ولا بد من أن تدفع الشركة أجورًا معقولةً لهم، ونبَّه إلى أن عقد الامتياز لا يصبح ملزمًا إلا إذا وافقت على كل شروطه الحكومة العثمانية، فهي إذن تستطيع تعديل الشروط التي تراها منافية لمصلحتها ولمصلحة مصر، وليس للحكومة الفرنسية إذن حق الاحتجاج، وأن على الدولة العثمانية اتخاذ كل التدابير لحماية مصالحها لا تخشى في ذلك لومة لائم، وأن تبلغ قراراتها للدول الكبرى، وقد ذكَّر السير هنري بلور الحكومة العثمانية أن الحكومة الإنجليزية لن ترضيها أن ترى سيادة الباب العالي وحكومة الوالي في مصر ستارًا لنفوذ دولة أجنبية، وكان الهدف الذي ترنو إليه الحكومة الإنجليزية من كل هذا هو أن توقع شركة القناة في أزمة مالية كبيرة وأن تقضي على الثقة فيها.

ولكن آمال إنجلترا في القضاء على المشروع انهارت حين علمت أن إسماعيل باشا حين رجع إلى مصر وصل إلى اتفاق مع شركة القناة، فهذا الاتفاق مع الشركة فيه اعتراف ضمني بمركزها وبقيمة المشروع، فلقد أخذت الحكومة المصرية على عاتقها حفر الترعة العذبة من القاهرة إلى وادي الطميلات في مقابل تنازل الشركة عن حقوقها في الأراضي الواقعة على جانبي الترعة، واتفق إسماعيل باشا أيضًا مع الشركة على تقصير المدد التي تدفع فيها الحكومة المصرية الأقساط المستحقة من ثمن الأسهم.

ثارت ثائرة إنجلترا لذلك، ووبخت الحكومة البريطانية قنصلها العام، وبذلت جهدها لإلغاء الاتفاقية، وأرسلت إلى إسماعيل تنذره بأن دي لسبس ينتقص من سلطة الوالي، وأن الخطر لا شك محدق بمركزه إذا استمر في هذه الخطوة واستمع للفرنسيين، ولكن إسماعيل باشا وجه لهذا الإنذار أذنًا صماء.

وحين أراد السلطان عبد العزيز زيارة مصر، عارضت إنجلترا في هذه الزياة خوفًا من أن تحاول الشركة الاتصال به في مصر والتأثير عليه، واهتمت إنجلترا بمراقبة المشرفين على أمور الشركة في مصر، ومعرفة مدى اتصالهم بحاشية السلطان، ولهذا الغرض أرسل السفير البريطاني في استامبول سكرتيره إلى مصر.

وكان المشرفون على الشركة في مصر من جانبهم يتوقون لزيارة السلطان العثماني منطقة القناة، فلقد كانت خطة الشركة في مثل هذه الظروف دعوة العظماء وأولي الأمر لرؤية المشروع وهو في دور التنفيذ وزيارة مناطق الحفر، وكانت ترى في ذلك دعاية لها وتقوية لمركزها في مصر والخارج.

ولقد حاول دي لسبس الاتصال فعلًا بحاشية السلطان، ولكن إنجلترا ارتاحت تمامًا لعدم زيارة السلطان مناطق الحفر، وكانت قد طلبت منه بالفعل عدم زيارة هذه المناطق، ولقد انقاد السلطان لمشورة إنجلترا، ولم يكتف بذلك، بل بعث بمذكرة سياسية إلى كلٍّ من الحكومتين الإنجليزية والفرنسية يبين فيه وجهة نظره فيما يختص بضرورة تعديل شروط الامتياز فيما يتعلق بالسخرة واسترداد الأراضي حول القناة من الشركة، وكما كانت الحكومة الإنجليزية تراقب الحالة بدقة عن كثب، كانت الحكومة الفرنسية متنبهة للموقف، فهي تحذر إسماعيل باشا عواقب القيام بعمل يمس مشروع القناة قبل أن يحيطها علمًا بذلك، وكان القنصل الفرنسي العام في مصر من ناحيته متيقظًا كل التيقظ يخابر حكومته في كل الأمور المتصلة بمشروع القناة، وما تقوم به الحكومة المصرية أو قنصل إنجلترا في مصر من خطوات قد تؤثر في مستقبل ذلك المشروع.

ولقد استمر النزاع قائمًا بين إسماعيل باشا وشركة قناة السويس إلى أن قبل إسماعيل باشا تحكيم الإمبراطور نابليون الثالث، ففضَّ ذلك النزاع، وذلك بأن أجيب والي مصر إلى تعديل الشرطين الخاصين بتسخير الفلاحين المصريين وبامتلاك شركة القناة للأراضي سالفة الذكر، نظير دفع إسماعيل باشا تعويضًا للشركة يبلغ ثلاثة ملايين من الجنيهات تدفع على خمسة عشر عامًا، وبذا رجع إلى حوزة مصر ١٨٠ ألف فدان وبقي للشركة ٣٠ ألفًا.

ولم تستطع إنجلترا أن تعارض في تحكيم إمبراطور الفرنسيين ولا في الحكم الذي أصدره، وبذا زاد مركز شركة القناة قوة، وزادت الثقة بها، وتمكنت من أن تسير في تنفيذ مشروعها حتى استطاعت أخيرًا إنجازه.

وبعد أن تم الاتفاق بين إسماعيل باشا والشركة، لم يجد الباب العالي — وخاصةً بعد أن أصلح إسماعيل باشا علاقته به — بدًّا من الموافقة على الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس، فأصبح مركزها بذلك قانوينًّا، ولم تعد إنجلترا بمستطيعة مهاجمة المشروع من هذه الناحية؛ وقَوِيَ مركز الشركة نتيجة لذلك، ووُضع حدٌّ نهائيٌّ لمحاولة إنجلترا عرقلة المشروع.

ولولا تأييد كل من فرنسا والنمسا للمشروع، ولولا صبر فردنند دي لسبس ومثابرته، ولولا عطف إسماعيل باشا على المشروع، لنجحت محاولات إنجلترا في القضاء نهائيًّا على المشروع.

وافتتحت القناة في سنة ١٨٦٩، وهنَّأ وزير الخارجية الإنجليزية لورد كلارندن دي لسبس، كما هنأ الشعب الفرنسي والحكومة الفرنسية، ومنحت الحكومة الإنجليزية دي لسبس النياشين، واستُقبل في لندن استقبالًا مشهودًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠