خطب العرب

(١) خطبة النبي

«لم يسمع الناس بكلامٍ قطُّ أعم نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مزجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه من كلام النبي

أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وآجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب.

وله أيضًا:

أيها الناس، كأن الموت فيها على غيرنا قد كُتب، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب، وكأن الذي نُشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون. نبوئهم أجداثهم، ونأكل من تراثهم كأنا مخلدون بعدهم، ونسينا كل واعظة وأمِنا كل جائحة. طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، طوبى لمن أنفق مالًا اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته، وطابت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة.

(٢) أبو بكر الصديق

أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(٣) علي بن أبي طالب

أغار سفيان بن عدي الأزدي على الأنبار وعليها ابن حسان فقتله، وأزال تلك الخيل عن مسالحها، فخرج علي حتى جلس على باب السدة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال:

أما بعد، فإن الجهاد من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وألزمه الصغار، وسِيم الخسف، ومُنع النَّصَف، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا سرًّا وإعلانًا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قوم قطُّ في عقر دارهم إلا ذلُّوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريًّا حتى شُنَّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقتل حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، وقتل منكم رجالًا صالحين، وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع أحجالها وقلبها ورعثها، ثم انصرفوا وافرين ما كُلِم رجل منها كَلْمًا، فلو أن امرءًا مسلمًا مات من بعدها أسفًا ما كان عندي ملومًا، بل كان عندي به جديرًا، فيا عجبًا من جدِّ هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم! فقبحًا لكم وترحًا حين صرتم غرضًا يُرمى وفَيئًا يُنهب! يُغار عليكم ولا تغيرون ولا تغزون، ويُعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في الحرِّ قلتم: حمارَّة القيظ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم: أمهلنا حتى ينسلخ عنا القرُّ. كل هذا فرارًا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال. وددت أن الله قد أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضني إلى رحمته من بينكم. والله لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة، والله جرت ندمًا وورثت صدري غيظًا، وجرعتموني الموت أنفاسًا، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان. حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم! وهل منهم أحد أشد لها مراسًا وأطول فيها تجربة مني؟! لقد مارستها وما بلغت العشرين، وقد نيَّفت فيها على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع.

(٤) معاوية بن أبي سفيان

لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشر ذلك بموتك، فقال: ويحك، ولِمَ؟ قال: لا أدري. قال: فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم. وأذِن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى ثم قال:

أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يُعدُّ فيه المحسن مسيئًا، ويزداد فيه الظالم عتوًّا. لا ننتفع بما علمناه، ولا نسأل عما جهلناه، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد إلا مهانة نفسه وكلال حده ونضيض وفره، ومنهم المصلت بسيفه المجلب بخيله ورجله والمعلن بشره قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده أو منبر يقرعه، ولبئس المتجران تراهما لنفسك ثمنًا ولمالك عند الله عوضًا، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، فقد طامن من شخصه، وقارب خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية، ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه وانقطاع سببه فقصرت به الحال عن أمله؛ فتحلى باسم القناعة، وتزيَّن بلباس الزهد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد نافر، وخائف منقمع، وسائق مكلوم، وداعٍ مخلص، وموجع ثكلان قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم بحر أجاج، أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظة وقراضة الجلمين، واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من كان بعدكم، فارفضوها ذميمة فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم.

(٥) عتبة بن أبي سفيان

وهو يومئذ أمير مصر، وقد بلغه عن أهلها أمورًا أن صعد المنبر، وقال:

يا حاملي ألأم أنوف ركبت بين أعين. إنما قلمت أظافري عنكم لِيلِينَ مسِّي إياكم وسألتكم صلاحكم لكم؛ إذ كان فسادكم راجعًا إليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على الأمراء، والعتب على السلفاء والخلفاء، فوالله لأقطعن بطون السياط على ظهوركم، فإن حسمت مستثيري دائكم وإلا فالسيف من ورائكم، فكم من عظة لنا قد صمت عنها آذانكم، وزجرة قد مجَّتها قلوبكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم علينا بالمعصية، ولا مؤيسًا لكم من المراجعة إلى الحسن إن صرتم إلى التي هي أبر وأتقى.

(٦) زياد بن أبي سفيان

قدم زياد البصرة واليًا لمعاوية، وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة كثير فاشٍ ظاهر، فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها، قال:

أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله؟ ما هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدو غير قليل، ألم تكن فيكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟ قربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون عن المختلس، كل امرئ منكم يذب عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبته، ولا يرجو معادًا.

ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسًا من مكانس الريب. حرام عليَّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا.

إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذ الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انجُ سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم.

إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه، فإياي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم.

وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم إحداثًا لم يكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرَّق قومًا غرقناه، ومن أحرق قومًا أحرقناه، ومن نقَب بيتًا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفناه حيًّا فيه، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عاملكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مسيئًا فلينزع من إساءته.

إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أمركم وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا يُسرُّ، ومسرور بقدومنا سيبتئس.

أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبنا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء ولا رزقًا عن إبانه ولا مجمرًا لكم بعثًا، فادعو الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تُشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيه لكان شراككم. أسأل الله أن يعين كلًّا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله١ وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي.

(٧) عمر بن عبد العزيز٢

أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا عبثًا ولم تتركوا سدًى، وإن لكم معادًا يحكم الله فيه بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحُرِم الجنة التي عرضها السماوات والأرض. واعلموا أن الأمان غدًا لمن خاف ربه وباع قليلًا بكثير وفانيًا بباقٍ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين، ثم أنتم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله، ثم تُغيِّبونه في صدع من الأرض، ثم تدَعونه غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب غنيًّا عما ترك فقيرًا إلى ما قدَّم، وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله لي ولكم. وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، ولا أحد منكم إلا وددت أنَّ يدي مع يده، ويحمي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم، وايم الله إنِّي لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان مني ناطقًا ذلولًا عالمًا بأسبابه، لكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة دلَّ فيها على طاعته ونهى فيها عن معصيته.

(٨) أبو حمزة الخارجي

دخل أبو حمزة مكة وهو أحد نساك الإباضية، فصعد منبرها متوكئًا على قوس له عربية، فحمد الله وأثنى، ثم قال:
يا أهل الحجاز، أتعيرونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب؟ وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابًا، أما والله إني لعالم بتتابعكم٣ فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم عنكم ما تركت الأخذ فوق أيديكم شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة٤ وأطلاح سهر. نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقًا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه موصول، كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله حتى إذا رأوا السهام قد فوقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتُضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت؛ استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشباب منهم قدمًا حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله! وكم من كفٍّ زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله!

(٩) الأحنف بن قيس

يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار ويدنا على العدو. والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام، فإن استشرف شنآنكم وأبى حسد صدوركم ففي أموالنا وسعة أحلامنا لنا ولكم سعة.

(١٠) قطري بن الفجاءة

هو من مازن بن مالك، كان من أبطال الخوارج وقادتهم وبلغائهم، خرج في زمن عبد الله بن الزبير، وكان مصعب واليًا من قبل أخيه على العراقيين، فبقي قطري يقاتل جند السلطان عشرين سنة، صعد منبر الأزارقة فقال:

أما بعد، فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حُفَّت بالشهوات وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة هزارة، خوانة غدارة، وحائلة زائفة، ونافذة بائدة، أكالة غوالة، بذالة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا مع أن امرءًا لم يكن معها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرَّائها بطنًا إلا منحته من ضرَّائها ظهرًا، ولم تطل غيثة رخاء إلا أهطلت عليه مزنة بلاء، وحريٌّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسك له خاذلة متنكرة، وإنْ جانبٌ منها اعذوذب واحلولى أمرَّ منها جانب وأوبى، وإن أتت أمرًا من غضارتها ورفاهتها نعمًا أرهقته من نوائبها نقمًا، ولم يمس امرؤ منها في جناح آمن إلا أصبح منها على قوادم خوف. غرور ما فيها فانٍ ما عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، مَن أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينيه.

كم واثق بها قد أفجعته! وذي طمأنينة إليها قد صرعته! وذي اختيال فيها قد خدعته! وكم من ذي أبهة بها قد صيرته حقيرًا! وذي نخوة قد ردته ذليلًا! وكم من ذي تاج قد كبته لليدين والفم! سلطانها دول، وغيثها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب، مع أن وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.

ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا وأعدَّ عديدًا، وأكتف جنودًا وأعند عنودًا؟ تعبَّدوا للدنيا أيَّ تعبُّدٍ، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار، فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسًا بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح، وعقرتهم بالمصائب، وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند، هل زوَّدتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا الندامة، أفهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم إليها تطمئنون؟ يقول الله: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

فبئست الدار لمن أقاموا فيها! فاعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد قال الله تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ.

(١١) خطبة عبيد الله بن زياد

صعد المنبر بعد موت يزيد بن معاوية، وحيث بلغه أن سلمة بن ذؤيب قد جمع الجموع يريد خلعه، فقال:

يا أهل البصرة انسبوني، فوالله ما مهاجر أبي إلا إليكم، وما مولدي إلا فيكم، وما أنا إلا رجل منكم، والله لقد وليكم أبي وما مقاتلتكم إلا أربعون ألفًا فبلغ بها ثمانين ألفًا، وما ذريتكم إلا ثمانون ألفًا فبلغ بها عشرين ومائة ألف، وأنتم أوسع الناس بلادًا وأكثره جنودًا وأبعد مقادًا، وأغنى الناس عن الناس. انظروا رجلًا تولونه أمركم يكف سفهاءكم، ويجبي لكم فيئكم، ويقسمه فيما بينكم، فإنما أنا رجل منكم.

فلما أبوا غيره قال:

إني أخاف أن يكون الذي يدعوكم إلى تأميري حداثة عهدكم بأمري.

(١٢) خطبة يزيد بن الوليد ابن عبد الملك

قال بعدما قتل ابن عمه الوليد بن يزيد:

أيها الناس، والله ما خرجت أشرًا ولا بطرًا ولا حرصًا على الدنيا، ولا رغبة في المُلك، وما بي إطراء نفس، وإني لظلوم لها، ولقد خسرت إن لم يرحمني ربي، ولكنني خرجت غضبًا لله ودينه وداعيًا إلى الله وسنة نبيه لما هُدِمت معالم الهدى، وأُطفِئ نور التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب ولا يصدق بالثواب والعقاب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفئي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد بحول الله وقوته لا بحولي وقوتي.

أيها الناس، إن لكم عليَّ أن لا أضع حجرًا على حجر ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرًا، ولا أكنز مالًا، ولا أعطيه زوجًا ولا ولدًا، ولا أنقل مالًا من بلد إلى بلد حتى أسد فقر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضَلَ فضْلٌ نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه منه، وأن لا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم وأقطع نسلهم، ولكن عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر حتى تستدر المعيشة بين المسلمين؛ فيكون أقصاهم كأدناهم، فإذا أنا وفيت لكم فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكاتفة، وإن أنا لم أوف لكم، فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني، فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدًا يقوم مقامي ممن يُعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعه ودخل في طاعته.

أيها الناس، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(١٣) الحجاج بن يوسف

خرج الحجاج يريد العراق واليًا عليها في اثني عشر راكبًا على النجائب، حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء، فقال: عليَّ بالناس. فحسبوه وأصحابه خوارج، فهموا به حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه ثم قال:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني

أما والله إني لأحتمل الشر بحمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني أرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها فشمر، ثم قال:

هذا أوان الشد فاشتدي زيم
قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم

إني والله يا أهل العراق والشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق ما أُغمَز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية. إن أمير المؤمنين نثر كنانته، ثم عجم عيدانها فوجدني أمرَّها عودًا، وأصلبها عمودًا فوجهني إليكم، فإنكم طالما أوضعتم في الفتن واضطجعتم في مراقد الضلال وسننتم سنن الغي، أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.

إني والله لا أَعِد إلا وفيت، ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات، وقال وقيل وما تقول وفيه أنتم وذاك. أما والله لتستقيمُنَّ على طريق الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلًا في جسده، من وجدت بعد ثلاث من بعث المهلب سفكت دمه وأنهبت ماله.

خطبة الحجاج بن يوسف

خطب أهل العراق بعد دير الجماجم قال:

يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف، ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشش ثم باض وفرخ؛ فحشاكم نفاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا أخذتموه دليلًا تتبعونه، وقائدًا تطيعونه ومؤامرًا تستشيرونه، فكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم وقعة أو يحجركم إسلام أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر وسعيتم بالغدر واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذًا وتنهزمون سراعًا؟ ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه حتى عضكم السلاح وقعصتكم الرماح، ثم يوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم! بها كانت المعارك الملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله.

يا أهل العراق الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والنزوة بعد النزوات. إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة. هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاوٍ أو استنصركم ظالم أو استعضدكم خالع إلَّا تبعتموه وأويتموه ونصرتموه ورحبتموه؟!

يا أهل العراق هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟!

يا أهل العراق ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم الوقائع؟

ثم التفت إلى أهل الشام وقال:

يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والحذاء.

خطبة الحجاج لما مات عبد الملك

أيها الناس إن الله تبارك وتعالى نعى نبيكم إلى نفسه فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ وقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فمات رسول الله ، ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية، ثم وليكم البازل الذكر الذي جربته الأمور، وأحكمته التجارب مع الفقه وقراءة القرآن والمروءة الظاهرة واللين لأهل الحق، والوطء لأهل الزيغ، فكان رابعًا من الولاة المهديين الراشدين، فاختار الله له ما عنده وألحقه بهم، وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله وخلافته، فاسمعوا له وأطيعوه أيها الناس، وإياكم والزيغ فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله. ورأيتم سيرتي فيكم، وعرفت خلافكم وطيبكم على معرفتي بكم، ولو علمت أن أحدًا أقوى عليكم مني، أو أعرف بكم ما وليتكم، فإياي وإياكم، من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه غمًّا.

(١٤) مصعب بن الزبير

قدم العراق فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وأشار بيده نحو الشام وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وأشار بيده نحو الحجاز وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ وأشار بيده نحو العراق.

(١٥) تأبين عائشة لأبي بكر

نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مُذِلًّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزًّا بإقبالك عليها، وإن كان لأجَل الأرزاء بعد رسول الله رزؤك، وأكبر المصائب فقدك. وإن كتاب الله ليعد بجميل العزاء حسن العوض منك، فأنتجز من الله موعده فيك بالصبر عنك، وأستخلصه بالاستغفار لك.

(١٦) تأبين فرغانة بنت أوس للأحنف بن قيس

إنا لله وإنا إليه راجعون. رحمك الله أبا بحر من مجن في جنن، ومدرج في كفن، فوالذي ابتلاني بفقدك وبلغنا يوم موتك، لقد عشت حميدًا ومت فقيدًا، ولقد كنت عظيم الحلم، فاضل السلم، رفيع العماد، واري الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، وإن كنت في المحافل لشريفًا، وعلى الأرامل لعطوفًا، ومن الناس لقريبًا، وفيهم لغريبًا، وإن كنت لمسددًا وإلى الخلفاء لموفدًا، وإن كانوا لقولك لمستمعين، ولرأيك لمتبعين.

(١٧) تأبين الشيخ إسكندر العازار لأديب بك إسحاق

ما طلعت على أديبنا شمس الخميس، ولا عرف في صباحه وجه أنيس، استحكمت منه علة الصدر فما دفع الأطباء عنه مقدورًا، وما محا الأحباء ما كان مسطورًا، وما راقب الموت فيه أهلًا ولا عشيرًا، فتلاشى نفسًا في نفس، وقُبِضت روحه عند الغلس، فمات وعيناه البرقيتان منفتحتان ترسلان نورًا كأنهما محدقتان إلى فضاء الأبدية.

قضى في سفح لبنان حيث التمس العافية من الهواء والماء، ومن أين للداء العياء دواء؟! فاتصل نعيه ببيروت الآسفة، فلا تسل القلوب عما تمزق، ولا الصدور عما توقد، ولا العيون عما جرى. إنك تكاد لا تجد إلا رأسًا قلقًا وصبرًا مفترقًا، وقلبًا محترقًا، فيا لله ما هذه البلية!

كان رايتنا في علم اللسان، وآيتنا في صناعة البيان، وغايتنا في حب الإنسان، كان والله فتًى ولا كالفتيان، جريئًا في الحق ما أخذته فيه لومة، وما رهب فيه وعيدًا، بل ما كان له شعار في هذه الحال أو مثلها من الأحوال إلا قول من قال:

وإذا لم يكن من الموت بد
فمن العجز أن تموت جبانًا

فمات شهيدًا حميدًا فقيدًا، وحق لاسمه أن يخلد إلى الذرية.

كان زهرة الأدب في الشام، وريحانة العرب في مصر، فلا عجب إذا ألفيت بنسيانه أحشاء الشام شحاحًا، أو لفقدانه امتلأت نواحي أرض مصر نواحًا، أي والإنسانية كان للإنسانية نصيرًا، ولأعدائها نذيرًا، وبالإنسانية بشيرًا فلتبكه الإنسانية.

ويا إخوان أديب المنتشرين في الأرض، مات أديب وأُدرج في كفنه، وأصابت الديدان مقيلًا في بدنه، وأخرسه الموت في ترابه، وحِيل بيننا وبين خطابه، فابكوا ما وجدتم في العيون دموعًا، ولا تسألوا قبلة الوداع فقد قبَّلْته عنكم جميعًا وقد:

ودعته وبودي لو يودعني
طيب الحياة وإني لا أودعه

دفناه وتركناه ولو أقمنا ما نفعناه، وهو من قبل قد نزعت إليكم روحه شوقًا، فأوصاني بإلقاء التحية.

وأنت يا شقيق الروح يا من أوحشتَ الدار ومن فيها، وآنست القبور وساكنيها يا مؤبن الأمراء وراثي العلماء، وباكي الأدباء والكبراء والفقراء، يا أيها الراقد بلا حراك، ولا يجدر بتأبينك سواك، يبكيك القلم يا أميره، والحق يا أسيره، يبكيك الأهل والأحباء، فقد كنت ودودًا حبيبًا، ويبكيك الشعراء والكتاب والخطباء، فقد كنت شاعرًا وكاتبًا وخطيبًا، تبكيك المجالس يا خير جليس، وتبكيك محاضر الأنس يا خير أنيس، تبكيك صحف بعبراتها، وترثيك صحف بعباراتها، ولا تسل عمن استرهن الأمور بأوقاتها، فترجمة حالك ستفضح ما كان مستورًا، تبكيك بكاء «أندروماك» أمك زهرة الآداب يا غصنًا نضيرًا، وتسقيك الذكرى في كل عشية.

وأما الكئيب الكاسف البال رفيق صباك وأعمالك وأخوك في جهادك، فأجثو بالذلة والاكتئاب عند ذلك التراب، وأستمطر دمع العين لهفًا، وأستوقد نار الصدر أسفًا، وأبكيك وأرثيك ما بقي لي من الحياة بقية.

وأقسم بوحشتك آنسها الله، وبغربتك رحمها الله، إني مقيم على ولائك محب لأحبائك، عدو لأعدائك، لا عزاء لقلبي الأسوان إلا التأسي بأن تجمعني وإياك ظلمة الأبدية.

فحسبي شجوًا أن أرى الدار بلقعًا
خلاء وأشلاءَ الحبيب ترابا

(١٨) مصطفي باشا كامل

من خطبة ألقاها في الإسكندرية سنة ١٨٩٧

سادتي وأبناء وطني الأعزاء

إني بفؤاد ملؤه الفرح والسرور أقف الليلة أمامكم متكلمًا عن شئون الوطن المحبوب ومصالحه، وإني لأقابل انعطافكم نحو خدمة البلاد بمزيد الحمد والشكران، وأستميحكم العفو إذا قصرت في أداء هذا الواجب، فإني إنما أسر بهذا الانعطاف وبهذه المظاهرات، لا لأنها موجهة لشخصي الضعيف بل لأنها أكبر دليل علني على حياة الشعب المصري، وأقوى حجة تكذب دعوى القائلين بأن مصر وطن لا وجود للوطنية فيه، وأن أبناء وادي النيل يقدمون بأنفسهم إلى ألد أعدائهم وطنهم وأقدس ميراث لآبائهم وأجدادهم.

أجل أيها السادة، إنكم باجتماعكم اليوم هذا الاجتماع الوطني ترفعون كثيرًا من مقام الوطنية المصرية، وتخففون من آلام مصر العزيزة التي قاست وتُقاسي أشد العذاب على مشهدٍ منكم يا أعز بنيها ويا نخبة أنجابها. فكل اجتماع وطني تُذكَر فيه مصر ويطالب بحقوقها، ويعلن أبناؤها إخلاصهم لها هو في الحقيقة مرهم لجراحها، ودواء لدائها، فاذكروها ما استطعتم، فإن في ذكراها ذكرى آلامها، وذكرى الآلام تجر حتمًا إلى ذكر عوامل الشفاء. اذكروها كما يذكر الولد الحنون أمه الشفيقة وهي على سرير المرض والعناء. اذكروها بآلامها وإن كان غيركم يذكر بلاده بمجدها ورفعة شأنها. اذكروها فإنكم ما دمتم مقدرين لمصائبها، عارفين بحقيقة آلامها دام الأمل وطيدًا في سلامتها ودام الرجاء. اذكروها فمن المستحيل أن يرى العاقل النار في داره، والداء في شخص أمه ويهمل النار ويهمل الداء، ومن المستحيل كذلك أن يكون الوطن في خطر ونحن نيام، وأن يعمل الأجنبي لامتلاك بلادنا وسلب حياتنا، بل لاستعبادنا واسترقاقنا ونحن جامدون لا عمل ولا حراك.

ألقوا أيها السادة بأنظاركم قليلًا إلى الأمم الحرة تجدوا كل فرد فيها يدافع عن وطنه، ويذود عن حوض بلاده أكثر من دفاعه عن أبيه وأمه، بل هو يرضاهما ضحية للوطن، ويرضى نفسه قبلهما قربانًا يقدمها لإعلاء شأن بلاده، ويعد الموت لأجل الوطن حياة دونها الحياة البشرية، ووجودًا دونه كل وجود، فلمَ لا يكون المصري على هذا الطراز ووطنه أجمل الأوطان، وأحقها بمثل هذه المحبة الشريفة الطاهرة؟!

اسألوا التاريخ أيها السادة ما واجب أمة دخل الإنجليز ديارها خدعة وعملوا لامتلاكها وسلبها كل سلطة وكل قوة؟ يجبكم التاريخ أنَّ واجب أمة هذا شأنها أن تعمل بكل ما في استطاعتها ضد مغتصبها، وأن تبذل في سبيل خلاص وطنها كل ما تمتلك من مال ورجال.

أجل، كل احتلال أجنبي هو عار على الوطن وبنيه، والعار واجب أن يزول، ولست أقصد بهذا الكلام أن أسألكم باسم الوطن إعلان ثورة دموية ضد محتل البلاد. كلا ثم كلا. إن أقل الناس إدراكًا لمصلحة مصر يعلم علم اليقين أنها منافية لكل ثورة وكل هيجان، وإنما أسألكم أن تعملوا بكل الوسائل السلمية على استرداد الحقوق المسلوبة منكم، وأن تعملوا لأن تحكم البلاد بأبناء البلاد. نعم إني أعلم أن الاحتلال قوي السلطة عظيم الرهبة شديد العقاب، وأن العمل ضده موجب للعذاب مسبب للفقر والفاقة، ولكن في الرضى بالاحتلال الخيانة والعار، وفي العمل ضد الاحتلال الشرف والفخار.

فيا ذوي النفوس الأبيَّة، ويا ذوي الضمائر الحية، اطلبوا الشرف ولو مع الفقر، اخدموا الوطن ولو أُسقطت على رءوسكم الصواعق. كونوا مع مصر إنْ سعيدة فسُعَداء وإن تعيسة فتُعَساء. قولوا لعدوها في وجهه: أنت عدو لنا، ولصديقها: أنت صديق لنا. لا تحبوا من يرميها بنبال الموت بل امنعوه عنها إذا قدرتم، ثم ردوها في صدر راميها إن استطعتم، وإن لم تستطيعوا فكونوا معها لا مع المعتدين.

وإن لمصر غير المحتلين أعداء آخرين هم آلات الاحتلال، آلات الفساد، فإن ذكرتم الأعداء فاذكروا الخونة فهم ألد الأعداء، وأي الأعداء هم. أولئك الذين أنكروا الوطن والوطنية، وائتُمنوا على مصالح الأمة فعرضوا بها للدمار. أولئك الذي أبرَّتهم مصر فقابلوا برَّها بالسوء، وصاروا اليوم في أيد المحتلين ضد الوطن العزيز. آلات الدمار. آلات الخراب. أولئك الذين كلما صعدوا درجًا من درجات المناصب نزلت نفوسهم دركًا، وفقدوا نصيبًا من الشرف وسموِّ الإحساس. أولئك الذين يبيعون الوطن على مشهد من الأمم، ويسيرون بين الناس حاملين لواء الخيانة والعار. أولئك الذين إذا مدَّ إليهم الوطن يد الاستغاثة مدُّوا إليه سيوفًا ليقطعوا بها يده الشريفة.

هؤلاء هم الخونة وهم أشد الأعداء ضررًا، ويعلم الله أن الدم الذي يجري في عروقهم هو دم فاسد ليس بالدم المصري الصادق، وأنهم مهما ذاقوا من لذة الحياة الظاهرية فسينالهم العقاب أقسى العقاب ولو من أنفسهم متى حاسبوا ضمائرهم. نعم سيُعاقب الخائنون على خيانتهم، فكم رأينا في التاريخ رجالًا خانوا أوطانهم، وساعدوا الأعداء على امتلاك بلادهم فعوقبوا على خيانتهم لا من أبناء الوطن فقط بل من نفس الأعداء الذين خدموهم وساعدوهم. هذه سنة الله في خلقه؛ يُقْتل القاتل عقابًا على عمله. فكيف بمن يعتدي على أمة بأسرها بالخيانة، ويعتدي عليها بالسلاح الذي سلمته إياه ليدافع به عنها.

نعم سيعاقب الخائنون، وسيحمل أبناؤهم من بعدهم علَم الخيانة على رءوسهم، وسيبقون في التاريخ مثلًا كبيرًا للأبناء والأعقاب.

وإن ذكرتم الأعداء فاذكروا المنافقين، فهم خونة تفنَّنوا في أساليب الخيانة، يظهرون أمامكم بمظهر المخلصين، وهم يدبرون مع الأعداء المكائد والدسائس، فهم ذوو وجهين وذوو لسانين فحاذروهم، وأعلنوا أمرهم ليخيب مسعاهم وتُحبَط أعمالهم.

… أيها السادة، أعداء الوطن عديدون، ومصائب الوطن عديدة، وبديهي أن ازدياد الأعداء يزيد من واجبات الوطنيين المخلصين لبلادهم، فلا تظهر الوطنية الحقة إلا في أوقات الخطر، ولا تُعرف الهمم العالية إلا عند المصائب، وغنيٌّ عن البيان أن الأمة بأسرها كارهة للاحتلال، راغبة في الجلاء والحرية، وقد أظهرت هذه الرغبة في ظروف عديدة، وجاهرت بها حينًا بعد حين، إلا أنها كسائر الأمم في حاجة لأن يرشدها أبناؤها المتعلمون ورجالها الخبيرون، ويسرني كما يسر كل مصري صادق أن الناشئة المصرية عارفة بواجباتها نحو الوطن العزيز، فهم أبناء الوطن وهم رجال المستقبل، وبهم تحيا البلاد وبهم تقوم.

ولكن هناك فئة من المصريين لا أنكر إخلاص رجالها للوطن العزيز، ولكن أنكر عليهم اليأس الذي يتظاهرون به في كل وقت وفي كل مكان، فهم ما عملوا ولا يعملون للبلاد عملًا نافعًا، ولكنهم جعلوا اليأس علة عدم العمل وعلة الكسل، فإن سألتهم: لمَ لا تقومون بعمل عمومي نافع للبلاد؟ أجابوك: نحن يائسون من مستقبل الوطن، معتقدون بظلمة الأيام الآتية.

فبالله كيف يستطيع طبيب أن يحكم على عليل بعدم الشفاء قبل أن يفحص داءه ويعطيه الدواء. على أننا نرى الكثير من الأطباء لا ييأس أبدًا من شفاء المريض حتى في آخر لحظة من حياته، فكيف ييأس رجالٌ من بني مصر من مستقبل البلاد، وهم وإن كانوا قد خبروا داء مصر فيعلم الله ويعلم الناس أنهم إلى اليوم ما قدموا لها الدواء، كيف نيأس من المستقبل والمستقبل بيد الله وحده؟! وكثيرًا ما تأتي الحوادث بخلاف المنتظر وبغير حساب؛ ألم يكن الكثير من المصريين ومن غير المصريين في يأس من مستقبل الدولة العلية، ويعتقدون أنها على مقربة من الموت؟ فها هي اليوم قد ساعدتها الحوادث التي ساقها الأعداء مؤمِّلين البطش بها فظهرت بمظهر القوة والحياة، وأصبحتم جميعًا فرحين بسلامتها معتقدين حسن مستقبلها.

كيف نيأس من المستقبل وقد أرانا التاريخ أممًا حكمها الأجانب قرونًا طويلة، ثم قامت بعد الذل والاسترقاق مطالبة بحقوقها، وأخرجت الأعداء من ديارها، واستردت حقوقها وحريتها؟!

هي النفوس الصغيرة التي يخلق عندها الأمل بكلمة أو بتلغراف، ثم يستولي عليها اليأس بكلمة أو بتلغراف، أما النفوس العالية الكبيرة، فيدوم فيها الأمل ما دام الدم في العروق وما دامت الحياة.

وأي حياة ترضاها النفوس الشريفة مع اليأس؟ أيجمع المرء في جسم واحد الموت والحياة؟ إذ اليأس موت حقيقي وأي موت.

كيف نيأس ونحن جميعًا عالمون بأن ما يظهر طويلًا في حياة الأفراد هو قصير في حياة الشعوب؟ فعشر من السنوات في حياة الإنسان طويلة حقًّا، ولكنها في حياة الأمة قصيرة جدًّا. على أنه إذا كان اليائسون معتقدين صحة أفكارهم فعارٌ عليهم أن يقوموا في الأمة بوظيفة تثبيط همم الآملين، والآملون في البلاد كثيرون، بل الأمة كلها مؤملة خيرًا في المستقبل، وإن لم تظهر إلى الآن أعمال الآملين فستظهر بعد قليل، وسترى الأمة المصرية وأمم العالم أجمع أن للوطن المصري أبناء مخلصين يقدرون الوطنية قدرها، ويعرفون لمصر حقوقها ولا يخافون الاحتلال وقوته، بل يجاهدون في سبل خلاص البلاد منه أشد الجهاد وأحسنه، ولا غرو فإن سبل خدم الوطن عديدة، وإن أهمها إعلان الحقيقة في كل بلد وفي كل زمان، فالحرية بنت الحقيقة، وما نشرت الحقيقة في أمة إلا وارتفعت كلمتها وعلا شأنها، فالحقيقة نور ساطع إذا انتشر اختفى الظلم وانتشرت الحرية والعدل، فكما أن الأفراد لا تسلب حقوقهم ولا يعتدي اللصوص على أمتعتهم إلا في ظلام الليل الحالك، فكذلك شأن الأمم لا تسلب حقوقها ولا يعتدي العدو على أملاكها إلا إذا كانت الحقيقة مجهولة فيها، وكانت هي عائشة في الجهل والظلام.

فيا أيها المصريون المخلصون لمصر، انشروا الحقيقة في أمتكم والأمم الأخرى. قولوا للمصري إنه إنسان من بني الإنسان، له حقوق الإنسان تروه رجلًا كرجال الأمم الحرة يحمل لواء الوطن بكل قوة وإقدام. قولوا للفلاح المصري إنه خُلق إنسانًا ككل إنسان، وأن الله أعطاه في الحياة حقوقَ أكبرِ الأفراد، وأن له صوتًا لو رفعه سُمع في الملأ الأعلى، وأنه ما خُلق لأن يعمل لغيره بل ليعمل لوطنه ولنفسه، تروه عندئذ أشد الناس دفاعًا عن حقوق الأمة والوطن. قولوا للأمة المصرية إنها أمة كسائر الأمم من أقدس حقوقها أن تحكم نفسها بنفسها، وألا تنفِّذ رغائب غيرها، وأن تكون في بلادها عالية الكلمة قوية السلطة لا يُرد لها رأي ولا يخالف لها أمر. هنالك تجدون الأمة حية والشعب قويًّا، ولا ترون أولئك الذين يهزءون برغبة الشعب ورغبة نوابه ويسخرون من رغائب الأمة ومطالبها.

انشروا الحقيقة عن مسألة مصر في كل بلد وفي كل نادٍ، فليس المصريون وحدهم هم أصحاب الحقوق في مسألة مصر ضد المحتلين، بل معهم أمم كثيرة من أمم أوروبا لها في مصر مصالح توافق مصالحهم ولا توافق مصالح المحتلين، وخير ما يُعمَل لمصلحة مصر هو أن تنضم الأمة الأوروبية إلى الأمة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي، ففي ذلك الخلاص وفي ذلك السلام.

ولسنا أيها السادة بأنصار دولة دون دولة بل نحن أنصار الوطن المصري، وطن الآباء والأجداد وموطن الأبناء والأعقاب، فإن ظهرت دولة من الدول بمظهر المحبة لمصر والميل لمساعدتها كنا أكبر أصدقائها وأعظم أنصارها، فمصلحة وطننا قبل كل مصلحة، وهي هي المصلحة الوطنية التي تفرض علينا أن نشكر من صميم فؤادنا الذين رفضوا من سياسيِّ أوروبا العمل مع الإنجليز ضد مصر، والذين أوقفوا الإنجليز عن حد الاحتلال في البلاد، وهي هي المصلحة الوطنية التي تفرض علينا أن نشكر كلَّ رجل من أي أمة كان يدافع عن حقوق وطننا، ويساعدنا على استرداد حريتنا وحقوقنا الشرعية.

وإذ كان بعض الرجال المخلصين للوطن العزيز يخافون الظهور أمام قوة الاحتلال بمظهر المجاهدين ضده، ولا يستطيعون أن يقوموا أمام الأمم مدافعين عن بلادهم مناضلين عن حقوق شعبهم، فعليهم في مصر نفسها واجبات وطنية يضيق المقام عن عدها، ولكني أقف قليلًا وأذكر منها بنوع خاصٍّ واجب تربية الأمة وتعليمها.

نعم إن هذا الواجب أكبر واجب وطني، والبلاد مطالبة بالقيام به، فقد أصبحت المدارس على خلاف رغائب الشعب وآماله، وأصبحت الأمة في حاجة إلى مدارس أهلية ترشدها إلى مصلحة البلاد الحقيقية، وتعلمها ما للأمة من الحقوق وما عليها نحو الوطن من الواجبات.

لمَ لا يقوم كبراء مصر ووزراؤها السالفون بأمر تأسيس المدارس الأهلية وتربية الأمة؟ لمَ لا يعقدون الشركات لهذه الغاية، ويخصصون أيامهم الأخيرة لهذا العمل الشريف؟ رأينا عظيمًا منهم قام بمسألة الإعانة العسكرية، وأجهد نفسه في هذا الأمر، وله من الأمة والوطن جزيل الشكر والثناء، فلمَ لا نراه يقوم مع الكبراء الآخرين بمسألة إعانة عمومية لتأسيس مدارس أهلية والبلاد في أشد حاجة إليها؟ يا أيها الكبراء ويا أيها العظماء ويا أيها الأغنياء، ما الفخار بالرتب والألقاب، ولا بسكنى القصور العالية والتحدث بما كان وما ربما كان سيكون. بل الفخار كل الفخار في العمل آناء الليل وأطراف النهار لخدمة البلاد وإعلاء شأنها، فما الحياة بأيام تمر وسنين تكر، بل بالعمل وبالخدمة الوطنية.

وما الحياة بأنفاس نرددها
إن الحياة حياة الفكر والعمل

وإذا كان رجل ضعيف الصوت مثلي يسأل السادة الأمراء والسادة الأغنياء العمل في الشيخوخة والقيام في آخر العمر بتتويج خدمتهم الوطنية، فذلك لأني أعتقد أن الكثير منهم قضى حياة شريفة، وخدم البلاد بصدق وإخلاص، فهي هي البلاد بنفسها تسأل خيرة رجالها على لسان أضعف أبنائها أن يبقوا مثلًا طيبًا للشبيبة والناشئين، وأن ينشروا في الأمة نور التربية ونور الحقيقة، وأن يبثوا فيها روح الوطنية وروح الرجاء.

نرى الكثيرين من الأغنياء يهتمون بأمر توظف أبنائهم، ولا يرون الشرف إلا في الوظائف، فمتى يسمعون أنين الوطن وشكايته من هذا الداء العضال داء السعي وراء الوظائف؟!

اتركوا الأبناء معشر الآباء في الحياة الحرة، اتركوهم يخدموا الوطن ويخدموا أنفسهم في غير دائرة الوظائف. اتركوهم أحرارًا غير مقيدين بقيود الرواتب. ابعثوا بهم إلى الخارج؛ ليدرسوا التجارة والصناعة ويؤسسوا في البلاد المعامل والمصانع تزدادوا بذلك شرفًا وفخرًا، وتزدادوا أمام الله وأمام الوطن مثوبة وأجرًا، وإلا فإن أُهمِلَت تربية الأمة وبقي الكبراء منعكفين في إدارة شئونهم الخاصة، واستمر الآباء يلقون بالأبناء إلى مهاوي التوظف في الوظائف، وبقيت التجارة والصناعة في كساد، ودامت الأمة في حاجة إلى استجلاب لوازمها الضرورية من غير بلادها؛ دام الانحطاط ودام التأخر ودام الخطر (انتهت باختصار).

(١٩) سعد زغلول باشا

الخطبة التي ألقاها بالسرادق يوم ١٩ سبتمبر سنة ١٩٢٣

لم أصعد للخطابة فيكم لأني لا أزال ضعيفًا، ولا أقوى على الخطابة، ولكني صعدت إليه إطاعة لأمركم واضطرادًا لخطتي التي التزمتها، وهي أني لست أميرًا فيكم، ولكني خادم لمبادئكم وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يرزق مصر الاستقلال التام (تصفيق).

طلب مني بعض خطبائكم أن ألقي كلمة لتكون بردًا وسلامًا على قلوبكم، والكلمة التي جاشت في صدري عقب هذه الدعوة هي أن أرجوكم وأرجو كل مصري أن يحافظ على أمر واحد، هو فخار نهضتنا الحاضرة، ذلك الأمر هو الاتحاد المقدس (تصفيق).

لست خالق هذه النهضة كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا أدعيه بل لا أتصوره، إنما نهضتكم قديمة تبتدئ من عهد مؤسس الأسرة المالكة محمد علي، وللحركة العرابية فضل عظيم فيها، وكذلك للسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير، وللمرحوم مصطفى كامل باشا فضل عزيز فيها أيضًا، وكذلك للمرحوم فريد بك.

كل هذا حق ويجب علينا أن لا نكتمه؛ لأنه لا يكتم الحق إلا الضعيف (تصفيق). ثم أتت هذه النهضة على أثر تلك النهضات وامتازت على سابقاتها بأن أوجدت هذا الاتحاد المقدس بين الصليب والهلال (تصفيق). هذا الاتحاد الذي أرجو مصر جميعها أن لا تتهاون فيه فإنه فخار هذه النهضة وهو عمادها … وهو الذي اضطرب له خصومنا إذ أسقط من أيديهم حجة كانوا يعتمدون عليها كما أردنا تحرير رقابنا من النير الذي وضعوه في أعناقنا.

يقول خصومنا إننا حماة الأقلية فيكم لأنكم قوم متعصبون، فلا بد من أن نبقى بينكم لنحفظ العدل فيكم! … هذه الحجة سقطت باتحادكم، ولكنهم الآن انتهزوا فرصة الانتخاب ليثبتوا الانقسام فيكم، فاحذروا هذه الدسيسة، واعلموا أنه ليس هناك أقباط ومسلمون. ليس هناك إلا مصريون فقط، ومن يسمونهم أقباطًا كانوا ولا يزالون أنصارًا لهذه النهضة، وقد ضحوا كما ضحيتم، وعملوا كما عملتم، وبينهم أفاضل كثيرون يمكن الاعتماد عليهم، فاحثوا التراب في وجوه أولئك الدساسين الذين يفرقون بين مصريين ومصريين، إنه لا امتياز لواحد على آخر إلا بالإخلاص والكفاءة.

فيهم أجسامنا وفيهم من هو أفضل من كثير منا، أقول هذا لأني أقول الحق، ويجب على زعيمكم أن يقول الحق (تصفيق حاد).

لقد برهنا في مواطن كثيرة على إخلاص شديد، وكفاءة نادرة وأفتخر — أنا الذي شرفتموني بدعوتي زعيمكم — بأني أعتمد على كثير منهم، فكلمتي ووصيتي فيكم أن تحافظوا على هذا الاتحاد المقدس، وأن تعرفوا أن خصومكم يتميزون غيظًا كلما وجدوا هذا الاتحاد متينًا فيكم (تصفيق). ولولا وطنية في الأقباط وإخلاص شديد لتقبلوا دعوة الأجنبي لحمايتهم، وكانوا يفوزون بالجاه والمناصب بدل النفي والسجن والاعتقال، ولكنهم فضلوا أن يكونوا مصريين معذبين محرومين من المناصب والجاه والمصالح، يسامون الخسف، ويذاقون الموت والظلم على أن يكونوا محميين بأعدائهم وأعدائكم.

هذه المزية يجب علينا أن نحفظها وأن نبقيها دائمًا في صدورنا، وإني أفتخر كل الافتخار كلما رأيتكم متحدين متساندين، فحافظوا على اتحادكم، وهناك افتخار آخر لهذه النهضة وهو التفاف الأمة حول شخصي الضعيف.

تعودتم طاعتي وأنا لم أكن أميرًا فيكم، ولا قريبًا لبيت ملك اعتدتم الخضوع له، ولا أنا من بيت كبير، بل أنا فلاح ابن فلاح من بيت صغير، يقول عليه خصومنا: إنه حقير. ونعمت الحقارة هذه! ولم أكن غنيًّا ليكون التفافكم حولي طمعًا في مال، ولا أنا ذو جاه أوزع الجاه على من يطمع فيه، ولكنكم التففتم حولي فدللتم بذلك على أنكم لا تطلبون مالًا ولا جاهًا، بل السجن في بعض الأوقات (تصفيق حاد).

أنتم أمة تلتف حول رجل لا مال عنده ولا جاه، ولا جمال أيضًا (ضحك). حقيقة أن كل ما يستهوي الناس عادة مفقود عندي، أنا مقر بذلك، وأنا أؤكد لكم وأقسم بالله وبصفاته أني ما تخيلت حتى في منامي أن شخصي الضعيف موضوع تلك الحفاوة، ولكني أعتقد أن في الأمة شعورًا تبعيًّا ونورًا إلاهيًّا هداها إلى شيء في شخصي الضعيف هو أني متمسك بمبادئها (تصفيق).

قالوا وما أكثر ما قالوا! قالوا إنكم قوم تعبدون الأشخاص (يعني ما شفتوش إلا أنا؟) (ضحك) لمَ لم تعبدوا غيري؟ هذا كلام فارغ، لا يستحق مني الرد، وهذا هو الدليل على أن نهضتكم حقيقية.

تعبت مع صحبي المخلصين، وهنا اسمحوا لي أن استطرد عن أولئك الصحب.

تعبت ولكن صُحبَتهم أنستني آلام النفي؛ لأنهم كانوا حقيقة أبناء بررة، شعرت بحبهم وأنسوني كل ما كان يمكن أن أحس به في سجني وغربتي، ولولا قِصر الوقت لشرحت لكم جميلَ عنايتهم بي، يقينًا كنت أتقوى في عزيمتي بهم، وإني أشكرهم على هذه التقوية، أنسوني آلامًا كثيرة ووجدت فيهم عوضًا كبيرًا، شكرتهم بسري هناك، وهنا أشكرهم علنًا أمام الأمة جميعًا (تصفيق حاد).

نُفِينا فماذا حصل؟ حل محلنا آخرون، فكان لهم من الأمة نفس الاحترام الذي كان لنا؛ لأنهم حلوا في المكان الذي عهدت فيه الأمة الإخلاص، حلوا فيه، ولم يكن أمامهم إلا السجن والنفي والإثم، ودلَّ ذلك على أن الأمة جميعها مستعدة إذا غاب منها سيد قام سيد (تصفيق).

جاء هؤلاء الخلق ونابوا عنا أحسن نيابة، وعُذِّبوا وأهينوا ولكنهم صبروا حتى حُكِم عليهم بالإعدام فتقبلوه بوجوه باشَّة هاتفين لمصر وللاستقلال التام (تصفيق حاد وهتاف متواصل). وعندما أُخذوا قام من خلفهم وسار سيرهم، فكان له ما كان لهم من احترام وسجن واعتقال، ثم خلفهم أسياد آخرون قاموا بعبئهم خير قيام، فتوالى قيام الأبطال مكان الأبطال، السجن يفتح أبوابه لكل حرٍّ ولكل عامل للحرية؛ دليل على تأصل النهضة فيكم وأنكم حقيقة مستعدون لأن تضحوا بكل شيء في سبيل استقلالكم، وأن نهضتكم حقيقية وأنكم تمجدون الأشخاص الذين يتمسكون بمبادئكم مهما كانوا، وكنت وأنا في منفاي عندما أرى هذه الوثبات أقول: لقد تمت مأموريتي واستقلت البلاد (هتاف لحياة الرئيس). فأجاب معاليه هاتفًا: «لتحيا جميع الوفود التي خلفت سعدًا في مكان سعد» فردد الجميع هذا الهتاف.

نعم إنهم عُذِّبوا وأهينوا وسجنوا، وأخيرًا وُجِد من يعيرهم بالسجن والنفي! عابوا عليهم أن يسجنوا، عابوا عليهم أن يهانوا، وقالوا بطولة كفارغ بندق. بئست هذه الكلمة! لا معنى للبطولة إلا أن يقتحم الشخص الأخطار مع كونه عالمًا بأنها أخطار، ويتحملها برباطة جأش وثبات جنان كما تحملها هؤلاء الذين كانوا معي، وأشهد الله أني كنت آخرهم، فهم أبطالنا وهم أبطال الأمة، وهم الذين يجب أن ترفع لهم الأعلام وأن يُشاد بذكرهم (تصفيق).

وإني أؤكد لكم أن كل ما يظهر مني من عمل صالح فهو باشتراكهم، وربما كان فيهم من هو صاحب الفكرة الصالحة لأني ضعيف بشيخوختي في وسط أولئك الشبان القديرين، فصاح صائح: «ليحيا التواضع.» فردَّ الرئيس قائلًا: «أنا لا أعرف الكذب ولو في التواضع.» إني أقول الحق حتى لو كان فيه فخر لنفسي، إني لا أخشى في الحق لومة لائم، ولا أخشى الجرائد.

إني كنت أقرأ قبل كل الجرائد جرائد المخالفين، وأُسَرُّ كل السرور بكذبها، وأحمد الله لأنهم لم يجدوا ضد إخواني حقًّا يعيبونهم عليه، لأنه لا أسَرَّ للنفس من أن ترى خصمها منغمسًا في الكذب والرذيلة.

لقد فاتني أن أشكر الوفود، ولكن هل أنتم في حاجة إلى شكر أُبديه؟ لا نبديه لكم فلسان الحال أفصح من بياني (تصفيق حاد وهتاف متواصل).

هوامش

(١) أي على حاله التي هو فيها.
(٢) هو أحد خلفاء بني أمية، كان عفيفًا زاهدًا، وكان يتحرى سيرة الخلفاء الراشدين، وهو أول من فرض لأبناء السبيل، وأبطل في الخطب سب علي. خلافته من ٧١٧–٧٢٠م. ألقيت هذه الخطبة بخناصرة — بلد بالشام — ولم يخطب بعدها حتى مات.
(٣) التتابع: الترامي على الشر والسقوط فيه.
(٤) أي العبادة جعلتهم ضئال الأجسام، والسهر أهزلهم وأضواهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١