المنبر

الخطيب على المنبر

يرى القارئ على هذه الصفحات صورًا لمواقف خطابية مختلفة للمؤلف، وقد راعى فيها الموقف والإشارة كما كتب تحت كل صورة العبارة المناسبة لموقفها.

figure
أنا لا أدينك يا إلهي إنما لم تنقص الدنيا شرائعها معي! يا إله السموات دعها ودعني أتَولَّ تعذيبها بيدي «رواية الخداع والحب».
figure
لو بدا الدستور جسمًا قائمًا لرأيتم رممًا فوق رمم «عيد الدستور العثماني».
figure
تحكم أيها الألم في نفسي فقد وضعتها بين يديك وجعلتها وقفًا عليك «من خطاب الألم للدكتور فياض».
figure
فلتبارك إلى الأبد أيها الرجل العظيم «تأبين كرنيليوه فندك للدكتور فياض».
figure
غير دين الحب لا دين لنا نحن في البؤس سواء والنعيم «من قصيدة الدستور للدكتور فياض».
figure
حذار يا قوم حذار فقد تأتي ساعة تسقط بها كل هذه الحواجز «من خطاب للدكتور فياض».
figure
كفى كفى شاهدته سجنًا مخيفًا مظلمًا «أديب إسحاق». أنا ابن الشمس فكونوا أبناء الظلمات.
figure
إلا إذا كنا رجالًا وليس فينا دم الرجال.
figure
أفبعد هذا تتعجبون أن سميت هذا اليوم عيدًا قوميًّا «من خطاب للدكتور فياض».
figure
رأيت ومن فوق ما رأيت، رأيت غراب الطائفية الأسود باسطًا جناحيه على القلوب «من خطاب أنا وأنتم للدكتور فياض».
figure
على قدر أهل العزم تأتي العزائم (المتنبي) «إن أكبر الحسنات التي يتمتع بها العالم لم تصدر عن أهل الغنى … ولكنها خارجة من أكواخ بلا سقوف، وبيوت سوَّدها الدخان، وأيد لم يضرها الصوم.» «من خطاب للدكتور فياض.»
figure
يا ليل قف فحرام أن تطير بنا من قبل أن نتملى من أمانينا «تعريب البحيرة للدكتور فياض».
figure
تلك ساعة العجب يوم ترون أن بين عشية وضحاها قد نبتت في هذه النعاج أنياب الذئاب «من خطاب للدكتور فياض».
figure
وإذا كنت بيننا — لا سمح الله — كعيسى عندما حرمه أبوه من ندى السماء ودسم الأرض ولم يبق له غير سيفه ليعيش فعصاك سيفك بعصا الرعاية تسود وعصا السيادة ترعى «من خطاب يوم انتخاب مطران بيروت للدكتور فياض».
figure
هنا تجسمت التعاسة ولبثت أجمل أثوابها القبيحة «بيت المرضى للدكتور فياض».
figure
فعلمت أن الحب وحده شرارة الوجود يلهب القرائح كما يلهب الخدود «خطاب المرأة والشعر للدكتور فياض».
figure
وخفوق القلب داء مزعج حير الناس فقالوا: عصبي زعموا الطب عليه قادرًا، وأنا أدرى فقد جربت بي. «خطاب القلب البشر للدكتور فياض».

(١) الوقفة

كان الخطباء في القديم يتكلمون وقوفًا إلا في الأحوال العادية البسيطة، ولم يكن لخطيب الرومان ما يعيق حركاته فكان مستقلًّا عن المنبر لا يجد أمامه ما يستند إليه أو يضايقه.

وكان من عادة العرب الوقوف على نشز من الأرض، أو القيام على ظهر دابة ورفع اليد ووضعها واتخاذ المخاصر بأيديهم والاعتماد على عصا، أو قناة أو قوس والإشارة بها.

وأول من عمل المنبر فيهم تميم الداري، عمله للنبي وكان قد رأى منابر الكنائس بالشام.

أما اليوم فأيان كان الخطيب فالغالب أن يضع أمامه شبه مائدة أو كرسيًّا أو غير ذلك، وهو لا يحتاج عند الانتبار إلا إلى اتخاذ وقفة طبيعية بعيدة عن التكلف مع اجتناب بعض العادات المستهجنة؛ كوضع اليد على الجنب أو كثرة الحركة والتخطر جيئة وذهابًا.

وإذا كان في المنبر فائدة للخطيب الحديث العهد بالخطابة لأنه يجد فيه شبه فاصل يحميه من الجمهور، فالمقتدر الجسور يتضايق منه ويشعر كأنه مأسور في قفص يضع حدًّا لحركاته وصوته.

على كل حال يجب أن يكون الخطيب في وقفته معتدل القامة آخذًا بصدره إلى الأمام، مقدمًا رجلًا عن الأخرى لأجل التوازن وإراحة التنفس وإسعاد الصوت.

ولا بد له قبل الشروع في الكلام من التنظر حينًا؛ ليتم له السكوت ويكون لديه متسع من الوقت للتعرف إلى الجمهور، ولا سيما إذا كان صعوده إلى المنبر بعد نزول خطيب آخر عنه، فإن هذا التريث يساعد على إلفات نظرهم وجمع انتباههم بعد أن يتباعد عنهم صوت الخطيب السابق، ويذهب صداه من آذانهم فيكون للكلام الجديد موقع ألطف في القلوب ومخالطة أجمل للنفوس.

(٢) الصورة

لا ريب في أن جمال الملامح واعتدال القامة من الأمور التي تساعد على إجادة التأثير، غير أنها ليست واجبة الوجود، وهذا هو ميرابو خطيب الثورة الفرنسية كان من البشاعة على جانب عظيم، ولم يمنعه ذلك البلوغ من تأثيره في معاصريه إلى أبعد مدى وكذلك دانتون.

ذلك لأن جمال النفس والعواطف يتجلى عند الكلام في الوجه والعينين، وهو الذي يخلع على سحنة المتكلم حلة من الرواء تأخذ بلب السامع فينسى معها قبح المنظر، وقد كان أحد أشياع سوكرات يقول لتلميذه: تكلم حتى أراك.

وحُكي عن كوكلين الممثل المشهور أنه لما ظهر على ملعب التمثيل في رواية سيرانو ده برجراك، وهو يحمل أنفًا دونه أنف ابن حرب كاد الضحك يستولي على النظارة، فما هو إلا أن تكلم حتى ملك الآذان برخامة صوته وبلاغة الشعر الذي كان يلقيه إلقاء ليس وراءه معلق لطاعن، ولا مأخذ لعائب فكانت النفوس تتهادى تحت نغماته الساحرة كما تتهادى مع النسيم أغصان الشجر.

ثم إن في دمامة الخلق مفاجأة تحمل الإنسان على الإعجاب بعد التعجب، والإكبار عقب الازدراء؛ لأن الناس كما قال الجاحظ: يقدرون عادة غير ما يضمر الخطيب، فإذا بحسن كلامه قد تضاعف في صدورهم ونال منهم أكثر مما لو كان جميل الطلعة.

ذكر الجاحظ أن أبا وائلة بن معاوية المزني أتى حلقة من حلق قريش في مسجد دمشق فاستولى على المجلس، ورأوه أحمر دميمًا باذ الهيئة قشفًا فاستهانوا به، فلما عرفوه اعتذروا إليه وقالوا: الذنب مقسوم بيننا وبينك؛ أتيتنا في زيِّ مسكين تكلمنا بكلام الملوك.

(٣) الصوت

من المعلوم أن جهارة الصوت وحلاوة نغمته وصفاء رنته من الأمور اللازمة لكل خطيب؛ لأن عليها المعول في إيصال كلامه إلى آذان السامعين فقلوبهم، وقد أسمى الأقدمون الصوت نورًا؛ لأنه يحمل شعلة الضياء إلى الأذهان، وكم من الخطباء الذين يسحرون بصوتهم أكثر من بيانهم.

لهذا كان من الواجب على كل من فرع المنبر أن يُعنى بصوته عناية خاصة، ويدرس درجة استعداده ومدى اتساعه ومقدرته على احتمال التعب فيصرفه فيما يلائم من وجوه الكلام ولا يحمله فوق طاقته، فإذا كان الخطاب طويلًا والمكان واسعًا وليس في صوته سعة المكان والوقت لم يرتفع به عن طبقة معلومة ولا سيما في بداية الخطبة لئلا يسرع إليه التعب فيقصر عن مدى غايته، فضلًا عن ذلك فإن عليه أن يتمهل في النطق ليساعد الصوت فلا يفوت الأسماع من مقاطعة ما يضر بالنتيجة ويقف دون المراد.

كانت الخطابة قديمًا في الأماكن العمومية، ولما خطب أرسامنيوس الثاني داعيًا إلى الصليبية كان الجمع المحتشد عظيمًا إلى حدِّ أن ضاقت به المدينة فأقاموا للبابا منبرًا على أكمة في خارجها، وبما أنه لا يمكن لصوت بشر أن يُسمِع كل هذا الحشد فقد كانت الناس تنقل كلامه من صف إلى صف.

وكذا جرى في أرلندا عندما كانت تتألب الناس لسماع أوكونل غير أن الكلام في الفضاء يتعب الصوت كثيرًا، ومهما يستعمل الخطيب من الحكمة والتفنن في إسماع صوته لا يسلم من الكلل والعياء، أما في الأماكن المقفولة فمن السهل اجتناب الإجهاد، وكل ما يتعب الحنجرة على شرط أن يكون شكل البناء في هندسته موافقًا لنقل الصوت فيسهل على الخطيب إيصاله إلى كل ناحية.

إن سرعة الصوت هي ٣٤١ مترًا في الثانية على حرارة ١٦ سنتيكرادًا، وكلما خفت الحرارة خفت سرعته، فالهواء الساخن هو إذن أفضل لنقل الصوت، وهذا ما يجعل الكلام أولى في الأماكن المحصورة، أما الريح فإنها تؤثر في قوة الصوت لا في سرعته.

وبعد أن يتبين الخطيب درجة صوته، واستعداده ومداه، وحالة المكان عليه أن يجتهد في تحصيل أقصى ما يمكن تحصيله من الصوت، فلا يتوجه به إلى فوق أو إلى الجانبين فيبدد أكثره سدًى، وعليه أن يتلاعب به بين صعود وهبوط مغيرًا في نبرته ونغمته ووقفاته حسب المعنى والصورة والعاطفة إبعادًا للملل جامعًا بين الصوت الطبيعي والصوت الموسيقي متحاشيًا أن يضعف الصوت في آخر الجملة لئلا تنتهي هذه بين شفتيه كأنها تحتضر ولا تصل الآذان إلا مائتة.

وسنرجع فيما بعد إلى الكلام عن الصوت وطرق تقويته بالوسائل الطبية والقواعد الصحية.

(٤) الإشارة

لا يخفى أن للإشارة أهمية كبرى؛ لأنها تشارك النطق في نقل الفكر متخذة لها البصر سبيلًا، فهي اللغة العمومية التي يفهمها كل إنسان وما تحدثه من التأثير هيهات أن تأتي بمثله لغات العالم.

والخطيب البليغ قلما يحتاج إلى الإشارة عندما تتزاحم على شفتيه خواطر القلب والفكر، ومن الخطباء من لا يستعملها أبدًا، كما أن منهم من يفرط فيها؛ وهذا يرجع في الغالب إلى العادات والأخلاق، فالأنكلوسكسون مثلًا خلاف الشعب اللاتيني، ولهذا عندما ذهب جوريس إلى لندن للخطابة في جماعة الاشتراكيين لم يجد من النجاح ما تعوده في بلاده، بل كان تعجب القوم منه أكثر من إعجابهم به.

على أن الإشارة كما قلنا ضرورية للخطيب بوجه الإطلاق، وبها يملك الانتباه ويصل إلى ما يبغي من التأثير. والصوت مهما تختلف تموجاته لا يكفي للإفادة والإقناع، والتعبير عن معاني اللذة والألم والغضب واليأس والاحتقار، وما إلى ذلك إن لم تساعده حركات اليد وملامح الوجه وبريق العينين وإشارة الطرف والحاجب.

فضلًا عن ذلك فإن حركة الأيدي فسيولوجية؛ أي إنها لازمة طبعًا؛ لأنها تساعد على إنماء الصدر وإخراج الهواء كلما احتيج إلى رفع طبقة الصوت كما في حال الغضب أو غيره، ولا يستطيع المرء أن يتكلم بصوت عالٍ ويداه إلى جنبيه دون أن يحس ضيقًا وتعبًا.

وقد اتفق الفن مع الهجين ففي الكلام العادي المعتدل كالوصف مثلًا يجب قلة الحركة، وأما في الحماسة وغيرها من مثيرات العواطف فالحركة الكبيرة الواسعة لازمة لتفريج الصدر الممتلئ هواء فلا ينال التعب من الخطيب أو صوته.

ولكن الإكثار من الإشارة باليد خطل وتبديد لانتباه السامع، فعلى الخطيب أن يفهم ذلك فيقتصد فيها، وأن يتخذ الذوق مرشدًا ودليلًا.

ويجب أن توافق حركة اليد المعنى وتسبقه فإن قلت لإنسان مثلًا: اخرج من هنا. فأول ما ينتظره منك أن تمدَّ يدك أو إصبعك نحو مكان الخروج كأنك تدله عليه.

وليست كل الإشارات لازمة في كل حال، بل منها ما لا حاجة إليه على الإطلاق ولا معنى له كمد الإصبع، أو بسط اليد أو الضرب على المنبر عند كل جملة أو حك الرأس أو ما وراء الأذن.

وتختلف الإشارة باليد حسب المكان فتكون واسعة في الهواء المطلق، وقد يُستغنى عنها في المكان الضيق فيكتفي الخطيب بملامح الوجه وحركات الطرف والحاجب.

شروط الإشارة باليد

  • (١)

    أن لا تمر من أمام جسم الخطيب.

  • (٢)

    أن لا تخفي وجهه.

  • (٣)

    أن توافق المعنى فلا تكبر وتتسع لدى الشرح الهادئ.

  • (٤)

    أن تكون سريعة في أولها كلما كان الكلام حادًّا ملتهبًا.

  • (٥)

    أن تسبق الكلام ولا تأتي بعده.

  • (٦)

    كلما احتيج إلى الإشارة بيد واحدة تستعمل اليد اليمنى إذا كانت الرجل اليمنى إلى الأمام والعكس بالعكس.

عيوب الإشارة

  • (١)
    الضعف: عندما لا تأتي مع المعنى ولا تدعمه.
  • (٢)
    الإبهام: عندما يحتد الخطيب بلا سبب ويأتي بها غير مطابقة لمعنى الجملة.
  • (٣)
    المبالغة: عندما يفرط فيها بلا حساب.
  • (٤)
    الكذب: عندما تأتي مخالفة للفكر والعواطف.

قلنا إن الإشارة لغة النطق؛ ولهذا كان لها مثله قواعد، فكما تتميز بعض الألفاظ عن سواها، ويقف المتكلم عندها لأهميتها تمتاز بعض الحركات فيقف بها عند هذا الظرف، أو ذاك الفعل أو تلك الصفة. وإذا اجتمعت صفتان في جملة فالإشارة تكون للصفة الأخيرة، كما لو قلت: هذا رجل عاق خائن. فالإشارة يجب أن تكون للخيانة دون العقوق، وقس عليه. وكلما كان تدريج في التصورات كان مثله تدريج في الكلمات، وكان مثله تدريج في الإشارة؛ لأنها — كما قلنا وأعدنا — لغة مكملة للنطق وخادمة له، وبدونها لا يكون للخطاب أثره المطلوب.

وعلى الخطيب أن يكون طبعيًّا ويحمل في نفسه شرارة الإيمان بما يقول؛ ليؤثر من غير صراخ ولا تصنع. وكل المواعظ والخطب لا تجدي فتيلًا إذا لم يعرف قائلها أن يترجم بإشارة أو حركة ما لا يمكن الكلام أن يعبِّر عنه، وكم من إشارة تغني عن جملة طويلة.

(٥) السحنة

يجب أن تشارك ملامح الوجه والألحاظ حركات اليد ونبرات الصوت، وإلا كان الخطيب باردًا لا حياة في بيانه ولا قوة في برهانه.

إن في العيون لغة تمثل الرجاء والأمر والتعجب والسرور واليأس والسخرية والاحتقار والغضب والحب وما إلى ذلك، وفي ملامح الوجه الشباب والهرم والصحة والمرض والألم والقوة وما شاكل.

فالشباب والصحة والغبطة تجدها في ارتفاع خطوط الوجه، كما تجد المرض والضعف والألم في انخفاضها، وعليه يسهل على الخطيب أن يخلق ملامح الوجه كما يريد؛ لأن الصورة البشرية لا تمثل في حال الراحة المطلقة إلا خطوطًا مستقيمة، فإن أردت أن تظهر انتباهًا بدون تهيج فبارتفاع خطوط الوجه قليلًا، وإن أردت إظهار الرضى والسرور زادت الخطوط ارتفاعًا إلى أن تبلغ الفرح الأقصى فترتفع الخطوط ارتفاعًا عظيمًا، وإن أردت أن تظهر قلقًا أو تفكيرًا فيكفي أن تخفض الخطوط قليلًا، أو خوفًا فتزيد خفضها، وهكذا إلى أن تمثل لك الألم والعذاب بانخفاضها انخفاضًا كاملًا، ومتى أضفت إلى هذا الانقباض انقباضًا عصبيًّا فقد عبرت أحسن تعبير عن الغضب والاحتقار والبغض.

كل هذه الحركات لا يحتاج إلى الدلالة بها في آن واحد، ولا يستفيد منها كل خطيب، والعبرة في أن يكون مجموع الهيئة مطابقًا معنى الكلام موافقًا فكرة المتكلم؛ قال لاروشفوكولد: البلاغة هي في الصوت والملامح مثلما هي في اختيار الكلام.

أما العيون فهي أصدق ترجمان عن العواطف المختلفة الكامنة في كل إنسان، فإن أردت التعبير عن الغيظ أو الدهش أو الإعجاب أو الخوف فتحتها، وإن أردت التعبير عن القلق والتواضع والمسكنة قفلتها، أو الجزع والاشمئزاز والرياء وما شاكل أدرتها يمنة وشمالًا، أو الدعاء والألم الشديد رفعتها إلى السماء، أو اليأس والعار والتفكير والحيرة والخشوع والحياء خفضتها إلى الأرض، أو الشدة والإثبات والرجاء وغيره أثبتها في مكانها، والظفر والفرح وما إليهما يكسبهما تألقًا وبريقًا كما أن الضعف والمرض يكسوهما جمودًا كالزجاج.

أما إطباق الجفون عند التكلم أو الشخوص بالنظر إلى جهة واحدة فهذا ما يجب على كل متكلم أن يتحاشاه.

وهناك حركات أخرى للرأس والكتف وغيرهما نكتفي بالإشارة إليها؛ لأنها تخص الممثل أكثر من الخطيب.

هذه الشروط التي تجعل للمنبر ذاتًا معينة، وكل خطيب حافظ عليها فقد استوفى حظه من البلاغة، وكان له من التأثير أبعد مداه وأقصى مرماه. وقد وقعت على غير خطبة اشتهر قائلها بعلو الكعب في الخطابة، فلم أجد لدى قراءتها ما يبرر تلك الشهرة مما يدلك أن الصوت وحسن الأداء وهيئة الخطيب هي من العوامل القوية التي تكفي أحيانًا لتزين المنابر وتعطي وثابها سلطانًا على القلوب.

ولا بد قبل الختام من التنبيه إلى اللباس وضرورة الاهتمام به؛ لأن جمال الهندام يؤثر حتى في نفس اللابس، ولهذا تجد للإفرنج عناية خاصة به ولا يتسامح أحد منهم في إهماله. وقد رأينا تتميمًا للفائدة أن نورد في آخر هذا الفصل بعض الرسوم التي تستعمل فيها الإشارات، وتدل على المواقف التي تنقبض فيها اليد أو تبسط وتطوى الأصابع أو تنشر بالنسبة إلى الخطيب والموضوع، وما يقتضيه البرهان أو النفي أو التعجب أو الوعيد أو الاستعطاف أو النفور وما شاكل.

(٦) خلاصة ما تقدم

كن في وقفتك بعيدًا عن التكلف، واجتنب الخروج عن المألوف في إشاراتك وإلقائك، وحافظ ما أمكن على صوتك الطبيعي ولا تقلد غيرك من الخطباء والوعاظ والممثلين.

وجنب في بداية الخطاب عن التزام نبرة واحدة وحركة واحدة؛ لئلا تشبه التلميذ في تلاوة درسه لا الخطيب في فيض بلاغته.

وأفرغ من نفسك في صوتك وحركاتك لتخلع على كلامك برد الحياة، ولا تنس أن تنوع نبرة الصوت دون أن تخرج به عن الطور الطبيعي فتتعب سامعيك.

وعلى الجملة فلتكن البساطة دليلك، والطبيعة هاديك فترسل كلامك إلى أعماق القلوب بلا صياح ولا جهد ولا تدجيل.

وإذا لم تساعدك الطبيعة فكنت محرومًا جمال الطلعة، أو اعتدال القامة فإن لك ما يغطي هذه العيوب ويستر تلك النقائص بالتمرن على حسن الإلقاء والعناية بالصوت وتربيته بالرياضة لتأخذ من النغمات العالية رنتها والوطيئة قوتها.

وإياك والإكثار من الإشارة أو الإتيان بحركات مستهجنة، وجانب النحنحة والسعال، وكل ما يدل على الضعف أو يسبب الملل، قال الشاعر:

أعوذ بالله من الإهمال
ومن كلال الضرب في المقال
ومن خطيب دائم السعال

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١