الزعيم في المنفى

(١) في جزيرة سيلان

أقام عرابي وزملاؤه الستة في جزيرة «سيلان»، وكانت حياتهم في المنفى حياة ألم وحزن وبؤس وشقاء … إذ انقطعت صلتهم بالناس، وطال اغترابهم عن الوطن، وبعُدت الشُّقة بينهم وبين أهلهم وذويهم، ولم يكترث لهم أحد، ولم يعطف عليهم أحد، والناس مع الغالب.

وجادت قريحة البارودي بشعر مؤثر في الحنين إلى الوطن والحزن لفراقه، مما يُعد آية في البلاغة، ويدلنا على مبلغ ما عاناه المنفيون من الآلام، وهو وإن كان يصور آلام نفسه وما يجيش به صدره، لكنه في شعره يصوِّر لنا حالة الزعماء المنفيين من العرابيين عامة.

قال يصف الرحيل عن أرض الوطن:

محا البين ما أبقت عيون المها مني
فشبت ولم أقضِ اللبانة من سني
عناء ويأس واشتياق وغربة
ألا شدَّ ما ألقاه في الدهر من غبن
فإن أكُ فارقت الدِّيار فلي بها
فؤاد أضلته عيون المها عني
بعثت به يوم النوى إثر لحظةٍ
فأوقعه المقدور في شَرك الحُسن

إلى أن قال:

ولما وقفنا للوداع وأسبلت
مدامعنا فوق الترائب كالمزن
أهبت بصبري أن يعود فبزني
وناديت حلمي أن يثوب فلم يغنِ
وما هي إلا خطرة ثم أقلعت
بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن
أفكم مهجة من زفرة الشوق في لظى
وكم مقلة من غزرة الدمع في دجن
وما كنت جربت النوى قبل هذه
فلما دهتني كدت أقضي من الحزن
ولكنني راجعت حِلمي وردني
إلى الحزم رأيٌ لا يحوم على أفن
ولولا بُنيات وشيب عواطل
لمَا قرعت نفسي على فائتٍ سني

وتعاقبت السنون على عرابي وزملائه في منفاهم بتلك الجزيرة النائية … فضاقت صدورهم لطول الغربة، وعدم العمل إطلاقًا، ورداءة المناخ، وافتقارهم لمن يعطف عليهم أو يسأل عنهم، فساءت لذلك حالتهم المعنوية، ووقع الخصام بينهم … وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون … وبدأ الخصام أول ما وقع بين عرابي وطلبة وعبد العال.

وفي سنة ١٨٩٠ انتقل محمود باشا سامي البارودي بعائلته، بعد أن تزوج من كريمة يعقوب سامي باشا إلى مدينة «كندي» التي تبعد ٧٤ ميلًا عن كولومبو، وترك عرابي وبقية زملائه بكولومبو متنافرين متخاصمين، وتبعه يعقوب سامي باشا وقطن كندي … وكذلك فعل طلبة باشا عصمت، وفي سنة ١٨٩٢ انتقل إليها عرابي ثم علي باشا فهمي.

(٢) مصير عرابي وزملائه

توفي عبد العال باشا حلمي يوم ١٩ مارس سنة ١٨٩١ بكولومبو ودُفن بها. وذهب محمود باشا فهمي إلى كندي — عاصمة الجزيرة — لتبديل الهواء … وهناك أدركته الوفاة ليلة ١٧ يوليو سنة ١٨٩٤ ودُفن بها.

وفي فبراير سنة ١٩٠٠ رخصت الحكومة المصرية لطلبة باشا عصمت بالعودة إلى مصر، إذ ساءت صحته، وقررت جمعية من الأطباء أنه إذا لم يعُد إلى بلاده فإنه لا يعيش أكثر من خمسة أشهر، وصادق على هذا القرار حاكم الجزيرة … فعاد إلى مصر، ولكنه لم يعش أكثر من المدة التي توقعها الأطباء، وتوفي في ذلك العام، ودُفن في قرافة الإمام الشافعي.

وفي شهر أكتوبر سنة ١٩٠٠ توفي يعقوب باشا سامي، ودُفن بجوار قبر محمود باشا فهمي بكندي، وكان قد صدر العفو عنه ورُخص له بالعودة إلى مصر، ولكن وافاه القدر قبل أن يُبلغه الحاكم أمر العودة.

وأصيب محمود باشا سامي البارودي بارتشاح في القرنيتين أفقده نور عينيه، وقرَّرت جمعية الأطباء لزوم عودته إلى مصر لمعالجته في المناخ الذي وُلِد فيه وألفه، وصادق على ذلك حاكم الجزيرة، فأصدر الخديو عباس حلمي الثاني أمرًا بعودته إلى مصر، فرجع في شهر سبتمبر سنة ١٩٠٠، وعفا عنه الخديو ومنحه حقوقه المدنية ورد إليه أملاكه الموقوفة، وحصل على متجمد ريعها من ديوان الأوقاف، ولكن لم يعُد إليه بصره، وتوفي في ١٢ ديسمبر سنة ١٩٠٤.

وفي ١١ يونيو سنة ١٩٠١ صدر عفو الخديو عباس أيضًا عن عرابي وعلي فهمي … فبارح علي باشا فهمي الجزيرة في شهر أغسطس سنة ١٩٠١، وجاء القاهرة في أول سبتمبر، وجاءها عرابي في أول أكتوبر سنة ١٩٠١، وكانت البلاد تغلي سخطًا على الاحتلال وسياسته لِما بدا من الحكومة البريطانية من نقض عهودها في الجلاء، ووضع يدها على حكومة البلاد ومرافقها.

وكانت عودة عرابي بوساطة الإنجليز، وإدلاؤه بعد رجوعه بتصريحات فيها تأييد للاحتلال وسياسته، سببًا في استقبال الأُمة له بالفتور والسخط، وهذا الفرق بينه وبين البارودي من هذه الناحية … فقد لزم البارودي العزلة بعد عودته وامتنع عن الخوض في الأحاديث السياسية، وكان ذلك منه عين الحكمة والصواب، أما عرابي فقد جلب على نفسه بأحاديثه سخط الصحافة والرأي العام، وكانت وفاته رحمه الله يوم ٢١ سبتمبر سنة ١٩١١.

(٣) شخصية عرابي

في شخصية عرابي تجتمع المحاسن والأضداد … ولقد كان لكلٍّ منهما أثره في الدور الذي قام به في تاريخ مصر السياسي، ولا بدَّ لكي تكون لدينا صورة صحيحة لهذه الشخصية الكبيرة أن نعرف مزاياها ونقائصها، أو ما لها وما عليها …

إذا حلَّلنا شخصية عرابي نجد أنه كان بلا نزاع ذا شخصية قوية جذابة، تؤثر في الأفراد والجماعات … فله من هذه الناحية أخص صفات الزعماء، ولولا هذه الموهبة لمَا استطاع أن يجتذب إليه محبة ضباط الجيش وجمهرة الأمة، وينال ثقتهم ويملي إرادته عليهم، وكانت له أيضًا موهبة الكلام والخطابة والصوت الجهوري، وهذه أيضًا من مزايا الزعماء التي تحببهم إلى نفوس الجماهير … وقد كان لخُطبه تأثير السحر في نفوس سامعيه، وكان بلا مراء يريد الخير لبلاده، ويريد لها الحرية والاستقلال، وعلى هذا الأساس قامت دعوته.

على أنه إلى جانب ذلك لم يكن على حظ كبير من الكفاية السياسية وبُعد النظر … ومن هنا جاء شططه في كثير من المواطن، وعدم تقديره للأمور وملابساتها. وعرابي معذور في ذلك لأنه لم ينل حظًّا كبيرًا من الثقافة والإلمام بشئون السياسة وأطوارها … فهو لا يعدو أن يكون ضابطًا من تحت السلاح، لم يتخرَّج في المدارس الحربية ولا المدنية، ولم يعلِّم نفسه بنفسه تعليمًا ناضجًا، ولم يكن له من العبقرية ما يغنيه عن الدرس والاطلاع والتحصيل.

وكان علمه محدودًا … فقد تلقَّى في الأزهر بعض قشور من العلوم الفقهية واللغوية، ولم يُظن مكثه به أكثر من أربع سنوات. ولم يزد محصوله العلمي عن بعض الآيات الشريفة والأحاديث النبوية استظهرها وتفهَّم معناها، وبعض المطالعات الأدبية من آثار السلف الصالح، وكتابات الصحف الوطنية في ذلك الحين … وهذا المحصول لا يكفي لتكوين الرأس المدبِّر للثورات، القدير على تذليل المعضلات، وحُسن التصرف فيما يَعْرض على البلاد من أحداث وأزمات.

حقًّا أن كثيرًا من الزعماء لم يكونوا في محصولهم العلمي يزيدون على عرابي، ومع ذلك نجحوا في زعامتهم ودعوتهم … فالظروف السياسية لها دخْل كبير في نجاح الزعيم أو إخفاقه … وسنعرض فيما يلي الأسباب لإخفاق عرابي والثورة العرابيَّة …

إن الفرق كبير بين عرابي وبين كافور مثلًا في إيطاليا، أو وشنطون في أمريكا، أو كوشيسكو في بولونيا، أو كوشوت في المجر … ولو وُفقت الثورة العرابيَّة إلى زعيم مثل كافور لسارت في سبيل الفوز، ولعرف كيف يدير دفة السفينة بمهارة وكفاية.

قد يكون لعرابي بعض الشبه بغاريبلدي في قلة المحصول العلمي والسياسي … ولكن غاريبلدي كان يترك لرجال السياسة تصريف المعضلات السياسية، أما عرابي فكان على جانب كبير من الاعتداد بالنفس، إذ كان يعتقد في نفسه القدرة على تصريف الشئون السياسية كافة … ولو أنه استعان برجل من معاصريه قدير في شئون السياسة، كشريف، لكان ممكنًا أن تسير الثورة في سبيل النجاح إلى النهاية، ولكنه على العكس قد عمل على التخلص منه حتى أقصاه عن الوزارة كما بيَّنا في موضعه.

•••

ومما يؤسف له أن عرابي كان على جانب كبير من الغرور … وقد كان ذلك من العوامل الفعَّالة في اتجاهه السياسي، فمن ذلك أنه حين تحفزت إنجلترا لضرب الإسكندرية أبان له بعض مواطنيه ضرر الحرب وسوء مستقبلها، فكان يقول: «أنا أقوى من دولة الإنجليز ودولة فرنسا.» وقال: «إن الطوابي والعساكر المصرية لا تقاوم الإنجليز فقط، بل جميع الدول مدة ثلاث سنين … بحيث لا يمكن لأحد الدخول إلى مصر.»

وكان ظنَّه أن الإنجليز لا طاقة لهم على قتال البر، وأن قوتهم محصورة في البحر، وفي ذلك كان يردد هو وأنصاره كلمتهم المأثورة: «الإنجليز كالسمك … إذا خرج من البحر هلك.» وهذا من الغرور الناشئ عن الجهل لا محالة.

وكان يصرح بأنه لن يخضع لأوروبا أو لتركيا، ويقول في هذا الصدد: «فليرسلوا لنا جيوشًا أوروبية أو هندية أو تركية … فإني ما دمت وبي رمق، فإني سأدافع عن بلادي، وعندما نموت جميعًا يمكنهم أن يمتلكوا البلاد وهي خراب.»

ولم يكن هذا من الواقع في شيء …

ثم إنه لم يكن أيضًا على حظ كبير من الكفاية الحربية؛ لأنه لم يتلقَ تعليمًا عسكريًّا نظاميًّا، ولم يتمرن على ضروب القتال، ولا خاص غمار الحروب في ماضيه قبل الثورة، ولا في حروب الثورة نفسها، فإنه لم يتولَّ خلالها أية قيادة فعلية … بل كان يندب غيره من القواد ليحمل عِبْأها في ميادين القتال …

ففي ضرب الإسكندرية لم يباشر الدفاع عن الحصون كما رأيت مما أوضحنا، ولما انسحب إلى كفر الدوار عهد بقيادة الجيش المرابط بها إلى طلبة باشا عصمت، ولما تحرجت الحال في الشرق، وانتقل إلى رأس الوادي لم يتسلم زمام القيادة في معركة القصاصين، التي كانت أشد معركة نشبت بين المصريين والإنجليز، بل عهد بها إلى الفريق راشد باشا حسني واللواء علي باشا فهمي، وترك القيادة في معركة التل الكبير إلى علي باشا الروبي.

ومع أنه كان مثال الشجاعة والجرأة في الدور الأول من الثورة، فإن هذه الشجاعة لم تلازمه مع الأسف في واقعة التل الكبير، ولا في التسليم والمحاكمة.

figure
عرابي باشا بعد عودته من المنفى.

فشخصية عرابي كانت تجمع بين المحاسن والأضداد، حقًّا أن الرأي في شخصيته قد تغيَّر لو كُتب له الفوز والنجاح … فلو أن الثورة قد انتصرت لتضاءلت عيوبه إلى جانب مزاياه ومحاسنه، وهكذا شأن الحوادث والأحداث لها دخْل كبير في تقدير الرجال والأشخاص:

والناس من يلقَ خيرًا قائلون له
ما يشتهي، ولأُم المخطئ الهبل١

(٤) أسباب إخفاق الثورة

فلنتكلم الآن عن أسباب إخفاق الثورة العرابيَّة، فلعلها تُلقي بعض الضوء على شخصية عرابي، والظروف التي اكتنفت الثورة والأسباب التي أدَّت إلى إخفاقها، ولعل هذه الأسباب تخليه من مسئولية هذا الإخفاق.

إن لإخفاق الثورة العرابيَّة عوامل عدة، بعضها داخلي، وبعضها خارجي … وأول العوامل الداخلية هو الانقسام الذي وقع في الصفوف بين العرابيين والخديو توفيق، فإن هذا الانقسام جعل من البلد معسكرين متحاربين؛ معسكر الثورة ومعسكر الخديو، فوقع الاصطدام بينهما وتفاقم أمره، وانتهز الإنجليز فرصة وجوده وما أدى إليه من ضعف وتخاذل، فحققوا أغراضهم الاستعمارية بالتدخل في شئون البلاد ثم احتلالها، ولو عولجت أسباب الفُرقة والانقسام بالحكمة، وحُسن السياسة لسارت الثورة على صراطها المستقيم ونجت البلاد من الاحتلال.

صحيح أن الثورة في ذاتها بدأت بالتصادم مع الخديو، فما واقعة قصر النيل ثم واقعة عابدين، إلَّا مظاهر لهذا التصادم وذلك الانقسام … فكيف يمكن إذن تعليل إخفاق الثورة بالانقسام، وهو هو منشأ الثورة؟

نقول نعم … إن الثورة ظهرت أول ما ظهرت بالتصادم مع الخديو، وهي وليدة هذا التصادم أو هذا الانقسام، ولكن الحكمة كانت تقتضي بعد إجابة مطالب عرابي وصحبه في وقعة عابدين، ونزول الخديو على إرادتهم أن يعالجوا الشئون العامة بالأناة والتريث، ويعملوا على رأب الصدع وتوحيد الكلمة وإزالة الفُرقة والخلاف بينهم وبين الخديو، ولكنهم على العكس لم يأبهوا لهذه الناحية … وداخَلهم الشيء الكثير من الغرور وعدم النظر في العواقب، فأخذ الخلاف يتسع ويتفاقم، حتى كان من أمره أن اعتزم العرابيون خلع الخديو وتحدثوا في ذلك علنًا، وهذا أقصى مظاهر التنازع والشقاق بين أبناء البلد الواحد.

•••

كان لهذا الانقسام من العواقب الوخيمة ما لا يغيب عن البال، فقد أدى إلى التخاذل في ساعة الخطر، وتضعضع قوة المقاومة … بل هو السبب المباشر للاحتلال البريطاني، إذ إن الإنجليز تذرعوا إلى هذا الاحتلال بدعوى تأييد سلطة الخديو وحماية العرش، فجاسوا خلال الديار وحاربوا العرابيين، وكان في وصف الإنجليز معسكر الخديو والحكومة، وكان يجدُر بعرابي وزملائه زعماء الثورة أن يتداركوا هذه الحالة، ويتلافوا أسباب الانقسام تفاديًا من التدخل الأجنبي. ولم يكن لهم عذر في أن يجهلوا المطامع الاستعمارية التي تكتنف مصر … فإن حوادث ذلك العصر، والعصر الذي سبقه كانت تكشف عن نيات إنجلترا في تطلُّعها إلى احتلال وادي النيل، ولقد تجلَّت هذه النيات منذ حاربت نابليون في مصر سنة ١٧٩٨، وحين أسَّس محمد علي الدولة المصرية الحديثة، فجرَّدت سنة ١٨٠٧ تلك الحملة التي باءت بالخيبة والخذلان، وما فتئت تعمل على تحقيق أغراضها الاستعمارية في عهد محمد علي وخلفائه، وكان شراؤها أسهم مصر في قناة السويس سنة ١٨٧٥ الخطوة الأولى نحو الاحتلال … فهذه الحوادث وغيرها، كان من شأنها أن تبصِّر العرابيين بالخطر الذي يتهدد البلاد، وتدعوهم إلى تلافي أسباب الانقسام الذي لا شك في أنه يوهن قواها في ساعة الخطر، وكان لهم من احتلال فرنسا وتونس سنة ١٨٨١ نذير بما تُستهدف له مصر من مطامع الاستعمار الأوروبي عامة … ولكنهم لم يتبصروا في العواقب، فمهدوا السبيل إلى إخفاق الثورة ووقوع الاحتلال.

•••

فالانقسام هو أول العوامل في إخفاق الثورة …

يليه تأثير الزعماء في تطور الحوادث … فلقد كانت تنقصهم الخبرة السياسية، وهذا النقص وحده يكفي لإخفاق أية ثورة في مختلِف البلدان.

وقد حُرمت الثورة أيضًا الكفاية الحربية، مما بدا أثره في المعارك التي نشبت بين الإنجليز والمصريين، ولو كان على رأس الثورة قائد كفء لتغيَّر مصير الوقائع الحربية فيها، ولكنها مع الأسف لم تُوفق إلى قواد أكفاء، وقد تجلَّى عدم الكفاية الحربية في إحجام عرابي وصحبه عن سد قناة السويس عند ابتداء القتال، وهذا المثل وحده يدلك على جهل تام بفنون الحرب؛ لأن سد القناة كان أول ما يجب عمله بلا تردد لكي يُضمن الدفاع عن مصر كما تقدَّم بيانه، ولو سُدت القناة في الوقت المناسب لطال أجل الحرب، ووجدت مصر الوقت الكافي لتنظيم وسائل الدفاع؛ لأن الأُمة كانت مستعدة لبذل كل تضحية للدفاع عن كيانها … ولكن الخطأ يرجع إلى زعمائها السياسيين والحربيين.

وثمة عامل آخر له أثره الكبير في إخفاق الثورة، وهو قلة البطولة والتضحية … فقد رأيت كيف كان موقف عرابي في واقعة التل الكبير، وكيف ترك الميدان دون جهاد أو نضال، وكيف سلَّم نفسه للإنجليز، وكيف كان موقفه أثناء المحاكمة وبعدها.

كان هذا التسليم والخضوع من أكبر العوامل في إخفاق الثورة وانحلالها؛ لأن الأمم تتأثر حتمًا بنفسية زعمائها ومواقفهم … فمواقف التضحية والبطولة تبعث في الأمة روح التضحية والبطولة، ومواقف التسليم والخضوع تقضي على هذه الروح، حتى في النفوس التي كانت مشربة بها أو مستعدة لها.

•••

فالزعامة تطبع الأمة بطابعها، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر … ولذلك لا تعجب من ضعف المقاومة التي لقيها الإنجليز حين احتلالهم مصر، فإن زعماء الثورة كانوا أول من استسلم في ساعة الخطر، وقد ظهر ضعفهم النفسي في المحاكمة، إذ أخذ كلٌّ منهم يتنصل من تبعة الثورة، وتبيَّن من موقفهم أنه كان ينقصهم الإيمان والعقيدة … وهما أساس النجاح لكل دعوة وكل عمل … ولو أنهم ضربوا للأُمة المُثل العليا في التضحية والشجاعة والإقدام، لكانت الثورة العرابيَّة في دورها الثاني صفحة مشرِّفة من تاريخ مصر القومي، كما كانت في دورها الأول، ولكن أية مقاومة تُنتظر بعد أن ترى الأمة زعماءها يتركون ميدان القتال، ويُلقون أسلحتهم خاضعين مستسلمين؟!

لا شك أن هذا الموقف وحده من أهم الأسباب في إخفاق الثورة العرابيَّة … ولو أن عرابي وصحبه قاوموا وقاتلوا في التل الكبير، لكان لهذه الوقعة ولو انتهت بالهزيمة صبغة أخرى غير الصبغة التي طُبعت بها، ولو أنهم أدوا واجبهم لاستمرت المقاومة عهدًا طويلًا، ولبعثوا في البلاد من أقصاها إلى أقصاها روح البذل والتضحية.

قد تقوم في بعض البلاد ثورات تنتهي بالهزيمة … برغم ما يُبذل فيها من جهود وتضحيات، ذلك حين تتغلب عليها القوة وتقمعها، فأمثال هذه الهزيمة لا تُعد إخفاقًا، بل هي صفحة مشرِّفة من كفاح الأمة في سبيل حريتها واستقلالها، وهي بما يتخلَّلها ويزينها من البطولة والشجاعة والتضحية، تبعث في الأمة دمًا جديدًا، يجدد من حيويتها ويزيدها قوة ومرانًا على الكفاح والمقاومة، وتظل صفحة جهادها مثلًا عاليًا، تحتذيه الأجيال المتعاقبة في افتداء الوطن بالنفس والمال …

ومن العوامل الداخلية في إخفاق الثورة سياسة الخديو توفيق، فهو لم يكن مؤمنًا بالشورى ولا موقنًا بحق الأمة في الدستور، وعلى ما كان عليه من الضعف والتردد، فإنه كان يميل إلى الحكومة المطلقة، يستأثر فيها بالسلطة هو وحاشيته والمقربون إليه، ولم يكن يعترف لغير هؤلاء بالنفوذ والسلطان، اللهم إلَّا لممثلي الدول الأجنبية، فإنه كان يحرص على كسب ودهم وثقتهم …

ومن هنا جاء خضوعه لرغبات معتمدي إنجلترا وفرنسا، ولو كان صادق الرغبة في احترام حقوق الأمة، لمَا اتخذت منه الدولتان تكأة لمحاربة الثورة، فقد استغلتا ميوله الخاصة وكراهيته للثورة، ففاجأتا البلاد بمذكرة ٧ يناير سنة ١٨٨٢ التي تقدَّم الكلام عنها، ولما اشتد الخلاف بينه وبين وزارة البارودي في حادثة مؤامرة الضباط الشراكسة، بدأ انحيازه إلى التدخل الإنجليزي الفرنسي بشكل واضح، ولما انسحبت فرنسا من الميدان استمر انحيازه إلى جانب التدخل الإنجليزي.

•••

وكان للعوامل الخارجية أثر كبير في إخفاق الثورة العرابيَّة، وأهمها المطامع الاستعمارية الأوروبية، وبخاصة الإنجليزية، ففرنسا وإنجلترا كانتا تطمعان في توسيع نفوذهما في مصر، ومن هنا جاء سخطهما على الثورة، وكراهيتهما قيام حكومة دستورية في البلاد، ولقد رأيت كيف ائتمرتا بالحركة الوطنية ووضعتا العقبات والعراقيل في سبيلها، وكيف بدأت نياتهما السيئة نحوها بمذكرة ٧ يناير سنة ١٨٨٢، تلك المذكرة التي تنطوي على إثارة العداوة والبغضاء بين الخديو والأمة، وكيف أعقبتا تقديمها بالمعارضة في تخويل مجلس النواب حق تقرير الميزانية، مما أدى إلى سقوط وزارة شريف باشا … ثم انتهازهما فرصة الانقسام الذي وقع بين الخديو والعرابيين، وإرسالهما أساطيلهما إلى مياه الإسكندرية، ثم تدخُّلهما بالفعل وتقديمهما بلاغهما النهائي بإقالة وزارة البارودي، وإبعاد زعماء الثورة، ورفض العرابيين هذه المطالب، وقبول الخديو إياها … مما أدَّى إلى استقالة وزارة البارودي، وانفجار بركان السخط على الخديو.

فالسياسة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية، كانت من أكبر العوامل في إثارة الانقسام بين الأمة والخديو … وأعقب هذا الانقسام انسحاب فرنسا من الميدان، وانفراد إنجلترا بالتدخل لتحقيق مطامعها الاستعمارية في مصر، وقد رأيت كيف نفَّذت برنامجها الاستعماري بضرب الإسكندرية وإنزال جنودها إلى البر … فكان ذلك بدء الحملة التي قضت على الثورة وعلى الاستقلال.

أضف إلى ذلك جمود أوروبا حيال الاعتداء البريطاني، وسوء نية تركيا نحو مصر منذ قيام الثورة، وسعيها الأخرق في استرداد الاستقلال الذي نالته مصر، وما ظهر منها من التذبذب والنفاق، والتظاهر تارةً بمناصرة العرابيين وطورًا بتأييد الخديو، وانضمامها أخيرًا إلى جانب الإنجليز بإعلانها عصيان عرابي والحرب قائمة … فكان هذا الإعلان ضربة شديدة للثورة، وعضدًا كبيرًا للحملة البريطانية.

•••

كل هذه العوامل التي اجتمعت على مصر، كان لها الأثر البالغ في إخفاق الثورة … وكان لضعف السياسة الفرنسية وترددها حيال المسألة المصرية، وترك الإنجليز يتدخلون وحدهم في شئون البلاد؛ أثر كبير في تطور الحوادث، إذ انتهزت إنجلترا هذه الفرصة وانفردت باحتلال مصر، وإخماد الثورة وتثبيت قدمها في البلاد.

وليس من السهل على أُمة تثور للحرية أن تتغلب على كل هذه العوامل مجتمعة، ما لم تؤتَ قوة الجبابرة أو عقول العباقرة … وإنك لترى أن أكثر الأمم التي ثارت من أجل حريتها واستقلالها كان لها، على العكس، من العوامل الخارجية ما ساعدها على تحقيق آمالها. فالثورة الأمريكية لم تدرك ما نالته من النجاح، ولم تحقق استقلال الولايات المتحدة إلَّا بعد أن عاونتها فرنسا بجيشها وأسطولها، وإيطاليا لم تحقق وحدتها وتتحرر من النير النمسوي إلَّا بمعاونة فرنسا العسكرية، واليونان لم تتحرر من النير التركي إلَّا بمعاونة روسيا وفرنسا وإنجلترا، وكذلك الأمم البلقانية عامة لم تنفصل عن تركيا وتحقق استقلالها إلَّا بمساعدة أوروبا.

أما مصر فإنها لم تُحرم المعاونة من الخارج فحسب … بل تألَّبت عليها العوامل الخارجية، وعاونت إنجلترا على تحقيق أطماعها الاستعمارية.

ويقيننا أن العوامل الخارجية كانت أقوى من العوامل الداخلية في إخفاق الثورة العرابيَّة.

١  المراد بالمخطئ هنا من أخطأ الحظ، والهبل هو الشكل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠