عرابي الزعيم القومي

(١) الزعامة القومية

لم يكن لواقعة قصر النيل أثرها في الجيش فحسب، بل كان لها أثر بالغ في الأُمة … إذ جعلت لعرابي مكانة كبيرة في البلاد، وأخذت الألسنة تلهج باسمه وتمتدح شجاعته وإقدامه. والواقع أن الحادثة في ذاتها وما تنطوي عليه من الجرأة على الحكومة، وإطلاق سراح المسجونين، وعزل وزير الحربية عثمان رفقي الذي كان موضع سخط الضباط الوطنيين، وتعيين وزير يعطف عليهم ويؤيدهم، ثم الإصلاحات التي قام بها البارودي وأخصها زيادة رواتب الضباط والجند، كل هذه الأعمال جعلت من عرابي زعيمًا قوميًّا اتجهت إليه الأنظار لتحقيق أماني الشعب، ولم يكن الجيش يصدر عن أفكار وعواطف تخالف أفكارها ونفسيتها، فهو أول شيء طبقة من صميم الأمة، وضباطه وجنوده متصلون بها بروابط القرابة والدم، وكانوا يمثِّلون الأمة من هذه الناحية، ومن كونهم جاءوا من مختلِف نواحي المديريات.

وكانت المظالم التي شكا منها زعماء الجيش تشبه المظالم التي كانت البلاد تشكو منها، ولم يكن الناس راضين عن الحكومة وسياستها، بل كانوا يتبرمون بمظالم الحكام، وينقمون من الوزارة بسبب استسلامها للنفوذ الأجنبي وخضوعها لأوامر القناصل ومحاباتها الموظفين الأجانب في مصالح الحكومة، وتمييزها إياهم بالرواتب الكبيرة والمزايا العديدة، فلا غرو أن اغتبط الناس بتحقيق مطالب الجيش، وذاع في البلاد اسم عرابي كمنقذ للأمة من المظالم ومحقق للآمال، وقد لقي عرابي عطفًا وتأييدًا من جميع الطبقات، وفي مقدمتها العلماء والأعيان وعامة البلاد ومشايخ العربان، وأخذ هو يبث أفكاره بينهم ليكونوا عُدته وحزبه، ويتأهب للقيام بحركة جريئة توطد نفوذه وسلطانه، ويطمئن بها على حياته وحياة صحبه الموالين له في الجيش … وهي المطالبة بتأليف المجلس النيابي مع إسقاط وزارة رياض باشا، أو بعبارة أخرى إحداث انقلاب في نظام الحكم، وإحلال حكم الشورى محل الحكم الاستبدادي.

ولما اطمأن عرابي إلى أن الجيش في قبضة يده والأمة تناصره، شرع في إحداث الانقلاب الذي كان يرجوه في نظام الحكم، أو بعبارة أخرى أخذ يتأهب لمتابعة الثورة التي بدأها يوم أول فبراير سنة ١٨٨١.

وكانت الحكومة من ناحيتها تدفعه إلى الثورة دفعًا، بما بدا منها من الحركات العدائية التي قصدت منها تفريق شمل زعماء الجيش وضباطه تمهيدًا للتنكيل بهم … فهي أولًا لم تُصدر القوانين العسكرية الجديدة التي وُضعت في عهد البارودي، وكان هذا إخلالًا بوعدها في تحسين حالة الضباط والجنود، وبرهانًا على سوء مقاصدها نحو الجيش، واشتدت هذه المقاصد ظهورًا من يوم عودة الخديو من مصيفه بالإسكندرية إلى العاصمة.

لم يكد الخديو يصل إلى العاصمة حتى أخذ ينفِّذ خطته، وقوامها تفريق وحدات الجيش، ونقل الفرق الموالية للحزب العسكري من العاصمة لكي يَستبدل بها فرقًا أخرى موالية للخديو … فأصدر داود باشا يكن وزير الحربية أمرًا بأن يُنقل الآلاي الثالث من المشاة — آلاي القلعة — إلى الإسكندرية بدلًا من آلاي الإسكندرية — الآلاي الخامس — وأن يأتي هذا إلى القاهرة مكانه، فلما علم ضباط الآلاي الثالث بهذا الأمر اضطربوا له وأوجسوا شرًّا من عواقبه، وذهبت بهم الظنون والوساوس كل مذهب، وخشوا أن يكون غرض الحكومة الانتقام منهم والتنكيل بهم، وسرت بينهم إشاعة أن في نية الحكومة إغراقهم في كوبري كفر الزيات حين سفرهم بالقطار إلى الإسكندرية، وعادت إلى أذهانهم حادثة إغراق الأمير أحمد باشا رفعت بن إبراهيم باشا في كفر الزيات في عهد سعيد باشا.

واتفقت كلمة ضباط الآلاي على رفض الإذعان لأمر وزير الحربية الجديد، والامتناع عن مغادرة القلعة … فلما جمع قائد الآلاي ضباطه وتلا عليهم أمر الوزير أعلنوا جميعًا أنهم يرفضون الإذعان له … فكتب إلى وزير الحربية يخبره بذلك. واعتزم عرابي وصحبه تحريك الجيش والسير به إلى سراي عابدين في شكل مظاهرة عسكرية؛ لإملاء إرادتهم على الخديو لكي يضعوا حدًّا للحالة القلقة التي وصلت إليها البلاد، ولإحداث الانقلاب الذي أرادوه.

(١-١) واقعة عابدين

اتفقت كلمة زعماء الضباط على إقامة المظاهرة العسكرية أمام سراي عابدين يوم ٩ سبتمبر سنة ١٨٨١، ووضعوا لها خطة محكمة، وهي حضور جميع آلايات الجيش المرابطة بالقاهرة إلى ميدان عابدين في أصيل ذلك اليوم لتقديم طلبات الأمة إلى الخديو … وقوامها إسقاط الوزارة، وتأليف المجلس النيابي، وزيادة عدد الجيش، فخاطب عرابي جميع آلايات المشاة والفرسان والمدفعية الموجودة وقتئذٍ بالعاصمة لموافاته بميدان عابدين في الساعة الرابعة لعرض طلباتهم على الخديو، وأرسل إلى وزير الحربية يبلغه أن يخبر الخديو بأن جميع الآلايات ستحضر إلى ساحة عابدين في الساعة المذكورة «لعرض طلبات عادلة تتعلَّق بإصلاح البلاد وضمان مستقبلها». وأرسل أيضًا إلى قناصل الدول يطمئنهم أن لا خوف على رعاياهم من هذه المظاهرة؛ لأنها مقصورة على أحوال البلاد الداخلية.

احتشد الجيش في الموعد المضروب في ميدان عابدين، وكان أول من حضر إلى الميدان آلاي الفرسان «السواري» بقيادة أحمد بك عبد الغفار، ولعله بادر بالحضور؛ لأنه كان من أول الناقمين من النظام القديم، إذ فصله وزير الحربية الأسبق «عثمان باشا رفقي» لغير ما سبب، ثم جاء عرابي ممتطيًا جواده شاهرًا سيفه يقود آلاي العباسية، ويصحبه آلاي المدفعية «الطوبجية» يقوده إسماعيل بك صبري ومعه المدافع بذخيرتها، وكانت بطاريات المدافع تتخلل أورطة المشاة أثناء السير.

•••

ولما وصل عرابي تفقَّد علي بك فهمي فلم يجده، وأخبره بعض الضباط أنه وزع آلاي الحرس داخل السراي، ومعه كمية وافرة من الذخيرة، وأنه على استعداد للدفاع عنها إذا مست الحاجة، فبعث إليه من فوره بالملازم محمد أفندي علي ليستدعيه … فحضر علي بك فهمي، فسأله عرابي عن سبب جعله العسكر على أبواب السراي ومنافذها من الداخل، ولم يكن هذا اتفاقهم من قبل، فطمأنه علي بك فهمي، وقال له: «إن السياسة خداع.» أي أنه لم يفعل ذلك إلا لمخادعة الخديو وأنه باقٍ على عهده، فطلب إليه عرابي أن يسحب آلايه من السراي ويأخذ مكانه في الميدان، ففعل. وأمر بخروج الآلاي من السراي، فخرج منها الجند جميعًا واصطفُّوا إلى جانب إخوانهم في المكان المعيَّن لهم من الدائرة، ثم تم ترتيب آلاي المدفعية والفرسان والمشاة على شكل مربع … وجاء بعد ذلك الآلاي الثاني من قصر النيل يقوده بعض ضباطه؛ وذلك لامتناع قائده وكبار ضباطه عن الاشتراك في الحركة، ثم جاء الآلاي الثالث قادمًا من القلعة بقيادة البكباشي فودة حسن، والآلاي السوداني قادمًا من طرة بقيادة عبد العال بك حلمي، ثم أورطة المستحفظين يقودها القائمقام إبراهيم بك فوزي. وبذلك اكتمل الجيش في ميدان عابدين، إذ لم يبقَ آلاي من الآلايات المرابطة بالعاصمة إلَّا حضر إلى الميدان، وبلغ عدد الجنود المحتشدين في الميدان نحو أربعة آلاف بأسلحتهم ومدافعهم، وغصت أطراف الميدان بالجموع الحاشدة من الناس الذين جاءوا ليشهدوا هذا المنظر، وامتلأت نوافذ البيوت المجاورة للسراي وسطوحها بالنظارة، وكان الموقف رهيبًا؛ لأن مجيء الجيش متهددًا متوعدًا، واحتشاده بأسلحته وذخائره ومدافعه أمام السراي الخديوية يحاصرها ويسد المسالك على من فيها، كل ذلك خليق بأن يُفزع الخديو ووزراءه، وخاصةً بعد أن رأى أن حرسه الخاص قد تخلَّى عنه في هذه الساعة العصيبة وانضم إلى الجيش الثائر.

وكان الخديو قد جاء إلى السراي ودخلها من الباب الشرقي وصعد إلى ديوانه، وشهد تجمُّع الجنود في الميدان، وكان الوزراء قد توافدوا على السراي، وجاء أيضًا بعض قناصل الدول والسير أوكلن كولفن المراقب المالي الإنجليزي … فشهدوا هذا المنظر الذي لم يألفوا مثله في مصر من قبل.

(١-٢) الخديو في الميدان

وقد ظن الخديو أنه إذا نزل إلى الميدان، فإن ما له من الهيبة التقليدية في نفوس الرعية والجند يصد الجيش وضباطه عن التمرد، فنزل من السراي إلى حيث رؤساء الجند، يصحبه المستر كوكسن قنصل إنجلترا في الإسكندرية — وكان نائبًا عن القنصل العام السير إدوار مالت لغيابه بالأجازة — والسير أوكلن كلفن المراقب المالي الإنجليزي، وبعض عساكر الحرس الخاص، فلما توسَّط الميدان نادى عرابي، فجاءه راكبًا جواده شاهرًا سيفه، وخلفه نحو ثلاثين ضابطًا شاهرين السيوف. فلما دنا من الخديو صاح به أحد رجال الحرس: أن ترجَّل واغمد سيفك! … ففعل ثم أقبل عليه …

وهنا يقول عرابي: إن المستر كوكسن أشار على الخديو بأن يطلق عليه مسدسه، ولكن الخديو لم يعمل بإشارته وقال له: «أفلا تنظر إلى من حولنا من العسكر؟!» أي أنه خشي مغبة العمل بنصيحة المستر كوكسن. والواقع أنها نصيحة لا تنُم عن إخلاصه للخديو ولا حُسن قصد من المستر كوكسن … فلو أن الخديو أمكنه أن يقتل عرابي في هذه اللحظة لمَا أمِن على حياته من الجند والضباط.

أما ما فعله الخديو في ذلك الحين، فإنه صاح بالضباط الذين جاءوا خلف عرابي: «أغمدوا سيوفكم وعودوا إلى بلوكاتكم!» … فلم يفعلوا وظلوا وقوفًا في أماكنهم … وكانوا كحرس خاص لعرابي، فلم يغادروه حتى انتهى الحوار بينهما.

(١-٣) مطالب عرابي

ولما وقف عرابي أمام الخديو وحيَّاه التحية العسكرية، خاطبه الخديو قائلًا: «ما هي أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟»

فأجابه عرابي: «جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة … وكلها طلبات عادلة!»

فقال الخديو: «وما هي هذه الطلبات؟»

فأجابه: «هي عزل رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب، وإبلاغ عدد الجيش إلى العدد المعيَّن في الفرمانات السلطانية.»

فقال الخديو: «كل هذه الطلبات لا حقَّ لكم فيها، وأنا خديو البلد وأعمل زي ما أنا عاوز!»

فقال عرابي: «ونحن لسنا عبيدًا ولا نُورث بعد اليوم.»

فلما وصل الحوار إلى هذا الحد، أشار المستر كوكسن على الخديو بالرجوع إلى السراي لافتًا نظره إلى سوء المغبة إذا زادت المناقشة عن هذا الحد … فرجع الخديو ومن كان بمعيته إلى داخل السراي.

ثم عاد منها المستر كوكسن ومعه السير أوكلن كولفن، وخاطب عرابي كرسول من قِبل الخديو قائلًا: «إن عزل الوزارة من اختصاص الخديو، وطلب تشكيل مجلس النواب ليس من حقوق الجهادية، وزيادة الجيش لا لزوم لها لأن مالية الحكومة لا تساعد على ذلك.»

فقال عرابي: «اعلم يا حضرة القنصل أن طلباتي المتعلقة بالأهالي لم أعمد إليها إلَّا لأنهم أقاموني نائبًا عنهم في تنفيذها بواسطة هؤلاء العساكر الذين هم عبارة عن إخوانهم وأولادهم … فهم القوة التي تُنفَّذ بها كل ما يعود على الوطن بالخير والمنفعة. وانظر إلى هؤلاء المحتشدين خلف العساكر، فهم الأهالي الذين أنابونا عنهم في طلب حقوقهم. واعلم علم اليقين أننا لا نتنازل عن طلباتنا، ولا نبرح هذا المكان ما لم تُنفَّذ.»

فقال القنصل: «علمت من كلامك أنك ترغب في تنفيذ اقتراحاتك بالقوة، وهذا أمر ينشأ عنه ضياع بلادكم وتلاشيها.»

قال عرابي: «كيف يكون ذلك؟ … ومن ذا الذي يعارضنا في أحوال داخليتنا؟ فاعلم أننا سنقاوم من يتصدى لمعارضتنا أشد المقاومة إلى أن نَفْنَى عن آخرنا!»

قال القنصل: «وأين هي قوتكم التي ستدافع بها؟»

قال عرابي: «عند الاقتضاء يمكن أن نحشد مليونًا من العساكر، يدافعون عن بلادهم ويسمعون قولي ويلبون إشارتي.»

فقال القنصل: «وماذا تفعل إذا لم تُجب إلى ما تطلب؟»

فقال عرابي: «أقول كلمة أخرى.» فقال القنصل: «وما هي؟»

فقال عرابي: «لا أقولها إلا عند اليأس والقنوط.»

قبول مطالب عرابي

وهنا انقطعت المخابرات بين الفريقين … وتداول الخديو في الموقف مع من كانوا بداخل السراي من وزراء وقناصل وغيرهم، ومرَّت ساعة وهم يتداولون، فرأوا أن لا بد من الإذعان لمطالب الجند لأن الجيش بأكمله يؤيد هذه المطالب، ولم يكن لدى الخديو أية قوة يعتمد عليها، فاستقر الرأي على إجابة هذه المطالب تدريجيًّا، وأن يُبدأ بسقوط الوزارة، فقدَّم رياض باشا استقالته إلى الخديو، وكان هذا أوج الثورة.

أُبلغ عرابي هذا القرار، وطلب إليه الخديو قبول إسناد رياسة الوزارة الجديدة إلى علي حيدر باشا يكن، فلم يوافق على ذلك … لِما له من صلة القرابة بالخديو، فعرض عليه تعيين محمد شريف باشا رئيسًا، فقبِل … وكان شريف باشا وقتئذٍ بالإسكندرية، فاستُدعي بالتلغراف للحضور إلى العاصمة.

وبعد أن أجيبت مطالب عرابي توجه إلى الخديو في السراي وشكر له إرضاءه مطالب الأمة، فأقسم الخديو أنه مرتاح لِما فعل وأنه وافق على تلك الطلبات بنية صادقة، فكرَّر عرابي الشكر والدعاء له، وأصدر أمره إلى الآلايات بالرجوع إلى مراكزها ماعدا آلاي طرة فإنه قضى ليلته في ضيافة آلاي الحرس بقشلاق عابدين.

ونشرت «الوقائع المصرية» في عدد الأحد ١١ سبتمبر سنة ١٨٨١ البيان الآتي:

في ليلة السبت ١٦ شوال سنة ١٢٩٨/ ١٠ سبتمبر سنة ١٨٨١ استعفت نظارة دولتلو رياض باشا فقُبِل استعفاؤها، وكُلف دولتلو شريف باشا بتشكيل نظارة جديدة.

وزارة الأمة

حضر شريف باشا إلى العاصمة في اليوم التالي — ١٠ سبتمبر سنة ١٨٨١ — وذهب إليه عرابي في منزله، وهنأه برياسة الوزارة وفاوضه في أشخاص الوزارة الذين يؤلف منهم وزارته.

وكان طبيعيًّا أن يتدخَّل عرابي في تأليف الوزارة، ويكون له رأي في أشخاصها؛ لأنه هو الذي توصَّل بقوة الجيش إلى إسقاط وزارة رياض باشا، واختيار شريف باشا ذاته للرياسة، ولم يكن شريف يجهل ذلك أو يتجاهله، ولكنه كان رجلًا أنوفًا، مستقل الرأي، حفيظًا على كرامته، لا يقبل أن يتلقَّى الأوامر من غيره، فضلًا عن أنه كان يشعر في خاصة نفسه بخطر تدخُّل الجيش في السياسة، وأنه إذا استمر هذا التدخل وصار قاعدة متبعة في إدارة الشئون العامة، فإنه يؤدي إلى فساد الإدارة الحكومية، ويفضي إلى إنشاء دكتاتورية عسكرية لا يؤمن معها عدل أو حرية أو دستور؛ ولذلك اجتهد في وضع حدٍّ للتدخل العسكري في شئون الحكومة.

أما فيما يتعلق باختيار أعضاء وزارته، وتدخُّل عرابي في هذا الصدد، فإن هذا التدخل جعله يتردد أيامًا في قبول رياسة الوزارة … فقد رغب إليه عرابي أثناء المقابلة الأولى في اختيار محمود سامي باشا البارودي للحربية، ومصطفى فهمي باشا للخارجية «لِما يعلمه من ميلهما إلى العدل والحرية» — كما قال عرابي — ولم يكن هذا اعتقاد شريف باشا فيهما، وقد صارح عرابي أنه لا يقبل اشتراكهما معه في الوزارة؛ لأنهما حين كانا عضوين في وزارته السابقة التي ألَّفها في أول عهد الخديو توفيق تعاهدا وإياه، كما تعاهد سائر الوزراء على أنه إذا رفض الخديو الموافقة على تشكيل مجلس النواب، استقالت وزارته على أن لا يشترك أحد من أعضائها في الوزارة التي تخلفها ما لم يقبل الخديو تشكيل المجلس النيابي … فنكث البارودي ومصطفى فهمي عهدهما.

•••

ولكن عرابي كان حريصًا على إسناد وزارة الحربية إلى البارودي لِما ثبت من ولائه للحركة وإخلاصه للجيش، ولم ينسَ أنه على يده حين تولى وزارة الحربية أُجيبت مطالب العرابيين الأولى، وهي زيادة رواتب الضباط والجند وتأليف لجنة لإصلاح القوانين العسكرية … وأن الخديوي قد أقصاه بعد ذلك من وزارة الحربية لإخلاصه للحزب العسكري، أما مصطفى فهمي فكان عرابي يميل إلى تقليده وزارة الخارجية لِما كان يتظاهر به من الإخلاص للحركة … على أنه لم يبدُ منه أي عمل إيجابي يدل على هذا الإخلاص، وكل ما عُرف عنه أنه من يوم أن اشترك في مقتل إسماعيل باشا صدِّيق على عهد الخديو إسماعيل مُلئ قلبه رعبًا من هول هذا الحادث، ونفرت نفسه من استبداد الخديويين، ومن هنا اطمأن له العرابيون. وأراد عرابي أن يقنع شريف بقبول مرشحيه، فقال له: «إن لكل وقت حكمًا، وإني واثق بحبهما للحرية والعدل والمساواة، وفضلًا عن ذلك فإن العسكرية لا تطمئن لغير محمود سامي باشا.»

فعرض شريف باشا على عرابي أن يقبلوه هو وزيرًا للحربية، ولعله أراد بذلك أن يراقب بنفسه ابتعاد الجيش عن التدخل في سياسة الدولة، إذا هو تولَّى وزارة الحربية.

قال مخاطبًا عرابي: «أفلا ترضون أن أكون ناظر الجهادية؟ … فإني قد رُبيت معكم في العسكرية.» والحق أن حجة شريف باشا كانت قوية؛ لأنه تلقَّى التعليم العالي في المدارس الحربية، ونال قسطًا وافرًا من علومها وفنونها في أرقى مدارس فرنسا، وهو بلا شك أكفأ في هذا الصدد من محمود سامي البارودي ومن القواد العرابيين، ولكن عرابي أصرَّ على اختيار البارودي للحربية، وقال لشريف باشا: «لقد اخترناك رئيسًا للوزارة، ولا بد من مراعاة ميول رجال العسكرية.» فأصر شريف باشا على عدم قبول مرشحيه، وانتهت المقابلة الأولى على غير اتفاق.

ومضت أيام وشريف باشا متردد في قبول الرياسة، ولم يكن يستطيع غيره أن يضطلع بأعبائها وينقذ الموقف، وظل في تردده حتى عاهده العرابيون في بيان مكتوب أن لا يتدخل الجيش في السياسة، وأن يكون خاضعًا لأوامر الحكومة، فقبِل تأليف الوزارة وألَّفها يوم ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨١، ورضي بإسناد الحربية إلى البارودي والخارجية إلى مصطفى فهمي.

وقدَّم كبراء البلاد وأعيانها إلى شريف باشا بيانًا يقرب من بيان الضباط في العبارة ويطابقه في المعنى، وغايته إعلان ثقتهم بصداقته وميلهم جميعًا إليه وانعقاد قلوبهم عليه، وأنهم يكفلون له أن لا يقع في المستقبل شيء من الحوادث التي تُنسب إلى رجال العسكرية، وواثقون من أمتهم ومن رجال العسكرية الذين هم أبناؤهم وإخوانهم بزوال كل خطر، وانقطاع جميع الأسباب التي توجب الخوف والاضطراب، ويسألون الله تعالى تأييد دولته وتوفيقه لإصلاح أحوال البلاد بعناية الجناب الخديو المعظم.

قبِل شريف باشا تأليفه الوزارة بعد أن حصل على هذه العهود والمواثيق، فألَّفها في ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨١.

•••

وتُعد وزارة شريف باشا «وزارة الأمة» لأنها أُلِّفت تحقيقًا لرغبة كبراء البلاد وأعيانها … وقد ابتهجت الأمة ابتهاجًا كبيرًا بتأليفها، وعلَّقت عليها تحقيق آمالها في إقامة النظام الدستوري المقرون بالعدل والاستقامة. وقد اضطلع شريف باشا بالمهمة التي ألقتها الثورة على عاتقه، وأول ما رسم من الخطوط الحكيمة إعادة النظام إلى الجيش … فإن الثورة باعتبارها ثورة عسكرية قد أخرجت الجيش عن مهمته الأصلية، وهي حفظ النظام والذود عن كيان البلاد، وجعلته أداة سياسية للسيطرة والحكم، وهنا موضع الخطر، إذ بذلك يختل النظام العسكري ويفقد الجيش روح النظام والقيام بالواجب، ويتسرب الانقسام إلى صفوفه، ثم تقع الحكومة فريسة الفوضى … فبذل شريف باشا جهده في الحيلولة بين الجيش والسياسة، ووافقه عرابي على هذه الخطة في أوائل عهد وزارته، فقد ذهب إليه عقب تأليف الوزارة بيومين على رأس وفد من الضباط لتهنئته بالوزارة وشكره على قبول الرياسة، وألقى أمامه الكلمة الآتية:

إني بلسان قومي أعرض لدولتكم أننا جميعًا واثقون بصداقة دولتكم، وخلوص طويتكم لمحبة الوطن وأهله، وجازمون بأن هذه الصفات التي تحلَّت بها ذاتكم الشريفة تكون وقاية لبلادنا، وسببًا في استتباب الراحة العمومية فيها، وإننا نعلم واجباتنا والفروض التي تحتمها علينا وظائفنا العسكرية، وأعظمها حفظ البلاد ومن فيها؛ ولذلك فإننا نقرُّ بأننا القوة المنفذة لِما يصدر من الأوامر التي تكون إن شاء الله في خير، وقاضية بإصلاح شئون البلاد، إلَّا أن لنا حقوقًا معلومة يمنحها لنا القانون، ونرجو من الله أن يُحسن إلينا بنوالها بمساعدة دولتكم وتوفيق الله تعالى، ونسأله سبحانه أن يوفقنا جميعًا لِما فيه الخير والصلاح آمين.

وأمَّن عليه الحاضرون من الضباط …

فترى في هذا الخطاب أن عرابي تعهَّد من جديد باحترام النظام، إذ يقر بأن الجيش هو القوة المنفذة لِما يصدر إليه من أوامر.

(٢) خطبة شريف باشا

وقد اغتنم شريف باشا هذه الفرصة لينبِّه الضباط إلى واجبهم في إبعاد الجيش عن السياسة، فأجاب على كلمة الشكر بقوله: «في علمكم ما قال الأقدمون: آفة الرياسة ضعف السياسة، ولا حكومة إلا بقوة، ولا قوة إلا بانقياد الجنود انقيادًا تامًّا وامتثالهم امتثالًا مطلقًا.»

«كل حكومة عليها فرائض وواجبات، من أهمها صيانة الوطن وحفظ الأمن العمومي فيه … وهذا وذاك لا يتأتيان إلَّا بطاعة رجالها العسكرية، فترددي أولًا في قبول الرياسة ما كان إلا تجافيًا عن تأسيس حكومة غير قوية تخيب بها الآمال، ويزيد معها الإشكال، فأكون عرضة للملامة بين إخواني في الوطن وبين الأجانب، وحيث أغاثتنا الألطاف الإلهية وحصل عندي اليقين بانقيادكم، فقد زال الاضطراب من القلوب، ورُتبت الهيئة الجديدة من رجال ذوي عفة واستقامة، فأوصيكم بملاحظة الدقة في الضبط والربط؛ لأنهما من أخص شئون العسكرية وأساس قواها، واعرفوا أنكم مقلدون أشرف وظيفة وطنية … فقوموا بأداء واجباتها الشريفة، وعلى القيام بأداء كل ما يزيدكم فخرًا وسؤددًا، وفقنا الله وإياكم.»

فهذه الخطبة على إيجازها، جمعت أسمى ما يقوله زعيم سياسي صائب الرأي بعيد النظر في الظروف التي تألفت فيها وزارته. إذ لم يكن خافيًا أن الدول الاستعمارية — وخاصةً إنجلترا — كانت تتطلع إلى الثورة العرابيَّة لكي تتخذ منها ذريعة للتدخل في شئون البلاد، ولم تخفَ هذه المطامع عن عرابي ذاته، فقد ذكر في مذكراته أنه كان يلاحظ هو وصحبه عقب واقعة قصر النيل كثرة تردد السير إدوار مالت قنصل إنجلترا في مصر على الخديو ليلًا ونهارًا … فأوجسوا من ذلك خيفة على مصير البلاد، وخشوا من مطامع إنجلترا، وتحدَّثوا بأنها تطمع في احتلال وادي النيل أسوة بما فعلته فرنسا في تونس إذ احتلتها سنة ١٨٨١.

فشريف باشا سعى جهده في أن لا يتخذ دعاة الاستعمار من الثورة ذريعة للتدخل في شئون البلاد؛ من أجل ذلك لم يفُته النصح للعرابيين أن لا يقحموا الجيش في غمار السياسة، فتضطرب الأحوال وتتفتح الثغرات للتدخل الأجنبي، ولم يكن يخفى أن زعماء الثورة من الضباط قد داخَلهم شيء كثير من الزهو والخيلاء، إذ كانوا قوام الحركة، وبفضلهم سقطت وزارة رياض باشا البغيضة إلى الرأي العام، وتألَّفت وزارة شريف المرجوة من الأمة، فلو لم يكن شريف عظيم النفس قوي الشخصية، لجعل خُطبته تمليقًا لضباط الجيش اكتسابًا لثقتهم وتأييدهم، ولكنه على العكس خاطبهم بلهجة الناصح الأمين، ودعاهم إلى التزام حدود واجباتهم، وهي الطاعة والنظام والذود عن الوطن.

•••

ولم يكن مثل شريف ليقبل أن يكون أداة في يد الجيش وزعمائه؛ لأنه لم يقصد من تأليف الوزارة مجدًا ولا سلطة، وقد عُرف عنه التعفف والنزاهة في كل أدوار حياته، وشهد له ماضيه بأنه لا يحرص على المناصب، وأنه يزهد فيها إذا رآها تخالف مبدأه وكرامته، ولقد كان من الوِجهة الدستورية أسبق في الكفاح للدستور من العرابيين، فعلى يده تطور نظام مجلس النواب، إذ تألفت وزارته الأولى في عهد الخديو إسماعيل على قاعدة تقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمام المجلس، وعلى يده وُضع دستور سنة ١٨٧٩ على أحدث المبادئ العصرية، ولم يحُل دون صدور المرسوم الخديو بإنفاذه إلَّا خلع إسماعيل، ومن أجل الدستور استقال من وزارته الثانية في أوائل عهد الخديو توفيق، وبرنامجه سنة ١٨٨١ حين ألَّف وزارته الجديدة كان استئنافًا لجهاده في سبيل الدستور منذ سنة ١٨٧٩؛ أي قبل أن تظهر الحركة العرابيَّة بسنتين، فلا غرو أن يشعر شريف بعزة النفس والاستقلال في الرأي إزاء العرابيين.

وقد حققت وزارة شريف باشا كثيرًا من الإصلاحات في المدة الوجيزة التي تولت فيها الحكم، وكان مما أنفذته إصدار القوانين العسكرية التي كان هدفها تحسين حال الضباط والجند، وإصلاح التعليم في المدارس الحربية.

وابتهج الضباط بصدور هذه القوانين، وزادتهم ثقة بوزارة شريف باشا … وذهب وفد منهم إلى داره وقدَّموا له شكرهم، وشكر زملائهم على عنايته واهتمام وزارته بإصدارها، وأعربوا له عن حُسن مقاصدهم وكامل ثقتهم به وبوزارته، وعاهدوه على ألَّا يخالفوا له أمرًا وأن ينقادوا لإرادة الحكومة، ولا يتردَّدوا في الذهاب إلى أية جهة تأمرهم بالذهاب إليها.

(٣) عرابي في الشرقية

وقد رغب شريف باشا في نقل زعماء الحركة من القاهرة إلى الأقاليم لكي يخفف من ضغط الحزب العسكري على الحكومة، ويحقق مبدأه الذي تولى الوزارة على أساسه وهو إبعاد الجيش عن السياسة جهد المستطاع، وأقنع عرابي وصحبه بأن مصلحة البلاد تقضي بإبعاد الآلايات التي يتولون قيادتها عن العاصمة حتى تهدأ الخواطر، ويقوى سلطان الحكومة حيال الدول. وزاد في حجة شريف باشا إرسال الحكومة التركية وفدًا إلى مصر برياسة علي نظامي باشا، لتحقيق أسباب تمرد الجيش وخروجه على الخديو … فقد ورد نبأ قيام هذا الوفد من الآستانة في ٣ أكتوبر سنة ١٨٨١. فاتخذ شريف باشا من هذا الحادث وسيلة لإقناع زعماء الضباط بالابتعاد عن العاصمة، لكي يكون ذلك دليلًا قائمًا على إذعانهم للحكومة وتنفيذهم أوامرها وترك سلطة الحكم في يدها، ولكي يمتنع الاتصال بينهم وبين الوفد العثماني القادم فلا ينفسح المجال أمامه للدس والتفرقة، فاقتنعوا بهذه الحجة، واستقر رأي وزارة الحربية على نقل آلاي عبد العال حلمي إلى دمياط، وآلاي عرابي إلى رأس الوادي بالشرقية … ويقول عرابي إنهم قبلوا ذلك على شرط صدور الأمر الخديوي بانتخاب النواب لكي يطمئن على إنشاء المجلس النيابي، وفعلًا صدر الأمر المذكور في ٤ أكتوبر سنة ١٨٨١.

وكان سفر الآلايين إلى مقرهما الجديد فرصة للمظاهرات الوطنية التي تجلت فيها حماسة الأهلين وعواطفهم نحو الجيش.

كان آلاي عبد العال حلمي بك هو السابق بالسفر إلى مركزه الجديد، وكان يوم سفره يومًا مشهودًا، فقد انتقل الآلاي إلى محطة العاصمة مارًّا وسط المدينة، وسبقه إليها معظم ضباط العسكرية وضباط المستحفظين والبوليس للقيام بواجب التوديع، وامتلأت المحطة بالمودعين، ولما وصل إليها الآلاي أخذ مصطفى بك العناني أحد أعيان القاهرة، ومن كبار تجارها ينشر الورود والرياحين على رءوس العساكر، وسقى الناس شرابًا سكريًّا في ذلك اليوم إكرامًا للجيش المنقذ للبلاد من هاوية الاستبداد، وحضر محمود سامي باشا البارودي وزير الحربية ليودِّع الآلاي المسافر يصحبه عرابي بك، وتبودلت الخطب الحماسية في المحطة قبل قيام القطار.

وفي ٦ أكتوبر سنة ١٨٨١ سافر آلاي عرابي من العاصمة بين مظاهر الحماسة والتكريم … فتحرك من مركزه بالعباسية في الساعة الثامنة صباحًا قاصدًا المحطة، وشق المدينة من باب النصر تتقدَّمه موسيقاه تعزف بألحانها الحربية، فتثير الحماسة في النفوس إلى أن بلغ المشهد الحسيني، فاصطف الآلاي أمام المسجد … ثم دخل عرابي وزار مقام الحسين رضي الله عنه يصحبه بعض الضباط، وأدار بيرق الآلاي على الضريح الشريف، ودعوا الدعوات الصالحة، ثم خرجوا وسار الآلاي إلى المحطة، مارًّا بالموسكي ثم شارع البوستة، فشارع كلوت بك، وكانت الشوارع تزخر بالمتفرجين، وازدحمت المحطة بالمودِّعين، إذ حضر إليها جميع ضباط الجيش المصري ورؤسائه وكثير من الأعيان والتجار وعامة الناس، وتبودلت الخطب الوطنية في المحطة.

ثم تحرك القطار في منتصف الساعة الحادية عشرة قاصدًا مدينة الزقازيق، وصحب عرابي في سفره السيد عبد الله نديم — خطيب الثورة — واستُقبل وصحبه وجنده في المحطات بمظاهر الفرح والسرور والتكريم، وكان السيد عبد الله نديم يخطب في الناس في كل محطة، واستمرت مظاهر الاحتفالات حتى بلغ القطار محطة الزقازيق، فاستقبل القادمين جمهور الأعيان والأهالي والتجار يتقدمهم أمين بك الشمسي كبير تجار البندر، وهتفوا لعرابي وللجيش هتاف الدعاء، ونثروا على العساكر الورود والأزهار العطرية وسقوهم الشراب السكري، ونزل عرابي من القطار وحيَّا جميع المستقبلين، وألقى فيهم خطبة حماسية بدأها بقوله:

سادتي وإخواني، أنا أخوكم في الوطنية، واسمي أحمد عرابي. وُلدت في بلدة «هرية رزنة» من بلاد الشرقية هذه، فمن عرفني منكم فقد عرفني، ومن لم يعرفني فقد عرَّفته بنفسي، وها أنا واقف بين أيدي الأهل والخلان.

وأخذ يشيد بما قام به وزملاؤه الضباط.

ثم استأنف القطار السير قاصدًا إلى رأس الوادي حيث كان مركز الآلاي … وبعد أن استقر به عرابي وجنده يومين دعاه أمين بك الشمسي، ودعا معه صحبه من الضباط إلى وليمة شائقة فخمة تكريمًا لهم، فلبوا الدعوة وألقى عرابي في الوليمة خطبة بمعنى الخطبة السابقة، وشكر أمين بك الشمسي وأثنى عليه الثناء المستطاب، ثم وقف السيد عبد الله نديم وألقى خطبة حماسية، تعالى في أثنائها هتاف الاستحسان من الحاضرين.

وفي اليوم التالي دُعي عرابي لوضع الحجر الأساسي للمدرسة الأميرية بالزقازيق … فلبى الدعوة وحضر الحفلة، ووضع الحجر الأساسي للمدرسة باسم الخديو، وألقى بهذه المناسبة خطبة ذكر فوائد التعليم، وحث الحاضرين على العناية بتعليم أبنائهم؛ ليُعدوهم لخدمة بلادهم في المستقبل.

(٣-١) تعيين عرابي وكيلًا لوزارة الحربية

بقي عرابي في منصبه بالشرقية نحو ثلاثة أشهر يتنقل في الجهات، ويبث أفكاره بين الأعيان والأهلين، وقد أوجست الحكومة خيفة من ابتعاده طويلًا عن العاصمة، وتركه يجمع حوله الأتباع والأنصار بعيدًا عن رقابتها، فاقترح البارودي تعيينه وكيلًا لوزارة الحربية، فصدر الأمر العالي بذلك في ٤ يناير سنة ١٨٨٢، وعاد إلى العاصمة واستقر بها، وتوطدت الثقة بينه وبين البارودي، وعظُم نفوذه، وصارت داره كعبة لطلاب الحاجات وذوي الشكايات يقصدون إليها من كل فج، حتى أصبحت تشبه مجموع دوائر الحكومة لكثرة من كان يفد عليها من الزائرين والشاكين، وتردَّد عليه مراسلو الصحف الأوروبية؛ ليأخذوا عنه الأحاديث والبيانات عن الحركة التي قام بها، فازدادت شهرته في الأوساط الأوروبية.

إنشاء المحاكم الأهلية

إن أهم إصلاحات الوزارة الشريفية بعد الإصلاح الدستوري هو إنشاء المحاكم الأهلية ووضع نظامها الجديد … ففي ١٧ نوفمبر سنة ١٨٨١ صدر القانون المعروف بلائحة ترتيب المحاكم الأهلية، وهي تتضمن معظم القواعد العامة للنظام القضائي الحالي، وأهمها:
  • (١)

    وجوب العمل بالقوانين بعد نشرها وإعلانها في الجريدة الرسمية «ويكون إجراء العمل بمقتضاها في القطر المصري بعد مضي ثلاثين يومًا من تاريخ الإعلان، وأما في السودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية، فيكون العمل بها بعد مضي سبعين يومًا.»

  • (٢)

    عدم سريان القوانين على الماضي، وصدور الأحكام باسم الحضرة الخديوية، ووجوب استنادها إلى القوانين التي سيجري نشرها أو القوانين واللوائح الجاري بموجبها متى كانت أحكامها غير مخالفة لنصوص القوانين المذكورة.

  • (٣)

    رتبت اللائحة أنواع المحاكم الجديدة … فقضت بإنشاء محكمة ابتدائية في كل من مصر والإسكندرية، وفي كل مديرية من الوجه البحري والقبلي، وفي السودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية، وإنشاء محاكم جزئية في دوائر اختصاص المحاكم الابتدائية، ومحكمتين استئنافيتين إحداهما بمصر والأخرى بأسيوط، «أما فيما يختص باستئناف الأحكام الصادرة من المحاكم الابتدائية بالسودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية، فيتقرر فيما بعد بأمر الحضرة الخديوية» ومحكمة نقض بالقاهرة، وكان اسمها في اللائحة «محكمة التمييز»، وإنشاء النيابة العمومية.

  • (٤)

    ونصَّت اللائحة على عدم جواز عزل قضاة المحاكم، إنما للحكومة حق استبدال من ترى فيه عدم اللياقة والاستعداد منهم في أثناء السنوات الثلاث الأولى من تاريخ تعيينه … ونصَّت على عدم نقل القضاة من محكمة إلى أخرى إلَّا برضاهم، وبمقتضى أمر يصدر من الحضرة الخديوية بناءً على طلب وزير الحقانية، وبعد أخذ رأي محكمة النقض.

  • (٥)

    تقرَّرت في اللائحة قواعد اختصاص هذه المحاكم على النظام الجاري العمل به اليوم.

(٤) تركيا والثورة العرابيَّة

لم يكن موقف تركيا حيال مصر أثناء الثورة العرابيَّة موقفًا سليمًا ولا نزيهًا، بل كانت ترمي إلى انتهاز الفرص لانتقاص مزايا الاستقلال، الذي نالته مصر في عهد محمد علي ثم في عهد إسماعيل، واسترداد هذه المزايا والتدخل في شئون مصر الداخلية، ومع أن تركيا وقتئذٍ كانت من الضعف والارتباك بحيث لا تستطيع أن تجعل مصر ولاية عثمانية خاضعة لحكمها، فقد كانت السياسة التركية قائمة على الدس وقِصر النظر … فهي لم تدع وسيلة إلَّا انتهزتها لإحراج مركز مصر والوقيعة بها، وكان موقفها من يوم أن ظهرت الثورة العرابيَّة إلى أن وقع الاحتلال موقفًا مشئومًا، قوامه الختل وسوء النية والخداع، فضلًا عن الجهل وقِصر النظر، وكان ذلك من أكبر العوامل المساعدة على وقوع الاحتلال.

(٤-١) الوفد العثماني الأول

حدثت واقعة عابدين يوم ٩ سبتمبر سنة ١٨٨١ وانتهت بسلام، وتألفت وزارة شريف باشا المرجوة من الأمة، وهدأت الأحوال، وابتدأت الوزارة الجديدة تحقق برنامجها بين مظاهر الثقة والاطمئنان. وبالرغم من ذلك، فإن الحكومة التركية رأت في هذه الحادثة فرصة جديدة للتدخل في شئون مصر وانتحال حق الإشراف عليها، فقرَّرت إرسال لجنة إلى مصر للنظر في الحوادث الأخيرة، وقد عُرفت هذه اللجنة بالوفد العثماني، وهو مؤلف من علي نظامي باشا سر ياور السلطان عبد الحميد، وعلي بك فؤاد من أعضاء مجلس شورى الدولة ونجل عالي باشا الصدر الأعظم المشهور، وفي معيتهما قدري بك وصفر أفندي وسيف الله أفندي من ياوران السلطان.

تحرك هذا الوفد من الآستانة يوم ٢ أكتوبر سنة ١٨٨١ قاصدًا إلى مصر … ولم يسبق تأليفه مخابرة بين حكومة الآستانة والحكومة المصرية حتى يُعرف مقصدها من إيفاده، بل فوجئت البلاد بتلغراف من الآستانة ينبئ بقيام هذا الوفد، فقوبل النبأ بالدهشة لأن حالة البلاد لم تكن تسيغ إيفاده، فضلًا عما يُحدثه مجيئه من هياج الخواطر وإثارة الهواجس في وقت كانت البلاد محتاجة فيه إلى إقرار الطمأنينة في النفوس.

ولكن الحكومة العثمانية كانت في الواقع تتعمد إحداث حدث يثير الخواطر في مصر … فلعلها كانت تأمل أن تستفيد من الثورة، أو لعلها نظرت بعين الاستياء إلى قيام وزارة حرَّة تقيم النظام الدستوري في مصر؛ لأن مثل هذا النظام لم يكن لترضى عنه حكومة الآستانة التي جُبلت على كراهية الحرية والدستور. هذا إلى أن على رأسها السلطان عبد الحميد الذي بدأ عهده بتعطيل القانون الأساسي العثماني، وإلغاء مجلس المبعوثين «النواب»، وتشتيت دعاة الحرية وأنصارها … أضف إلى ذلك أن الخديو توفيق لم يكن منظورًا إليه في الآستانة بعين الرضا والعطف؛ لأن سلطان تركيا لم يكن ليغفر له إغفاله الذهاب إلى عاصمة السلطنة، حين ولايته الحكم ليقدم له فروض الولاء.

حقًّا أن توفيق باشا اعتذر عن عدم ذهابه إلى الآستانة بارتباك أحوال مصر، وضرورة وجوده في عاصمة ملكه، ولكن هذا العذر لم يكن ليقبله حكام الآستانة، إذ كان من أخص صفاتهم الغطرسة والكبرياء وسوء الظن والانتقام؛ لذلك انتهزوا كل فرصة لإحراج مركز الخديو وإثارة المشاكل والعقبات في وجهه، ففكرة إرسال وفد إلى مصر فكرة قوامها الكيد وسوء القصد، وقد استاء لها شريف باشا وأبدى مخاوفه منها.

جاء هذا الوفد إلى الإسكندرية يوم الخميس ٦ أكتوبر سنة ١٨٨١، ووصل أعضاؤه إلى القاهرة في مساء ذلك اليوم، ونزلوا ضيوفًا على الحكومة بقصر النزهة بشبرا.

وفي صبيحة الجمعة ذهبوا إلى سراي الإسماعيلية لمقابلة الخديو، فاستقبلهم بالترحاب وتبادل وإياهم عبارات التحية والود، وأبلغوه تحيات السلطان وأعربوا له عن تمام رضاه وسروره لِما يبذله في تحسين أحوال البلاد، وأن الغرض من إرسال هذا الوفد هو إظهار الثقة بالخديو وتأييد نفوذه وتثبيت مركزه … فرد عليهم بعبارات الشكر المألوفة، ثم انصرفوا عائدين إلى قصر النزهة، وهناك ردَّ لهم الخديو الزيارة.

وذهب علي نظامي باشا إلى قصر النيل حيث كان ديوان الحربية ومركز الآلاي الثاني … فاستقبله محمود سامي باشا البارودي وزير الحربية، وهناك استدعى طلبة بك عصمت قائد الآلاي، ومعه الضباط من رتبة قائمقام وبكباشي، وألقى فيهم خطابًا باللغة التركية — عرَّبه لهم البارودي — حثهم فيه على طاعة الخديو وتنفيذ أوامره.

فأجابه طلبة بك عصمت بقوله: «إن العساكر المصرية جموعًا وأفرادًا على قدم الطاعة والانقياد لولي أمرنا الخديو المعظم، يتلقون أوامره بالامتثال، ويقفون عند حد نواهيه … فإن كلًّا منا يعلم أن أول واجب على الجند هو طاعة ولي الأمر والإذعان لِما يأمر به، وما منا إلَّا محب للجناب الخديوي ميال بكليته إلى الامتثال لإرشاداته.»

ولما انتهى من كلامه وقف علي نظامي باشا، وصافح طلبة بك ومن معه من الضباط، وأثنى عليهم الثناء الجميل، ثم بقي مع محمود باشا سامي البارودي نحو نصف ساعة وانصرف … وزار بعد ذلك شيخ الجامع الأزهر ونقيب الأشراف وشيخ المالكية … وكانوا في أحاديثهم معه يثنون على الجيش، ويطرون أعماله ويذكرون فضله فيما نالته البلاد.

وقد استاءت فرنسا وإنجلترا من حضور الوفد العثماني على غير اتفاق معهما … وعدتاه تدخلًا من تركيا في شئون مصر الداخلية، وطلبتا من الحكومة العثمانية تقصير مدة إقامته … وانتهزت إنجلترا هذه الفرصة لتعلن عن نفوذها في مصر حيال حضور الوفد، فطلب السير إدوار مالت من حكومته إرسال بارجة حربية إلى مياه الإسكندرية، فأجابت طلبه، واتفقت مع الحكومة الفرنسية على أن ترسل كلٌّ منهما بارجة على أن تعود البارجتان من الإسكندرية حين مبارحة الوفد العثماني أرض مصر، وقد وصلت فعلًا البارجة الفرنسية «ألما» إلى مياه الإسكندرية، ثم جاءتها البارجة الإنجليزية «إنفنسبل». وغادرتا الميناء يوم ٢٠ أكتوبر غداة سفر الوفد العثماني، فكانت هذه المظاهرة البحرية أول مظاهرة من هذا النوع أثناء الثورة العرابيَّة، والمظاهرة الثانية وقعت في شهر مايو سنة ١٨٨٢ كما سيجيء بيانه. ويلاحظ أن البارجة «إنفنسبل» هي إحدى البوارج التي اشتركت في ضرب الإسكندرية يوم ١١ يوليو سنة ١٨٨٢، فحضور الوفد العثماني كان باعثًا على مجيء هذه البوارج … فلا جَرم كان حضوره ضارًّا بمصر من جميع النواحي.

وظل رجال الوفد العثماني في مصر بضعة عشر يومًا بين مقابلات وولائم، وأجمعت كلمة من حادثوهم من ذوي المقامات على أن البلاد ليس فيها أي اضطراب، وأكد لهم الخديو أن الجيش على طاعته، وبذلك انتهت مهمتهم، واتضح أن مجيئهم لم يكن له مسوغ ولا كانت له نتيجة ما، وعادوا إلى الإسكندرية يوم ١٨ أكتوبر سنة ١٨٨١، وفي صباح اليوم التالي انقلبوا راجعين إلى الآستانة.

(٥) إنشاء مجلس النواب

في ٤ أكتوبر سنة ١٨٨١ رفع شريف باشا إلى الخديو تقريرًا بإجابة مطلب الأمة في صدد إنشاء مجلس النواب، ضمَّنه مزايا النظام الدستوري وضرورة إقراره مصر، وطلب تمهيدًا لتأليف المجلس النيابي الجديد إجراء انتخابات عامة طبقًا للائحة مجلس شورى النواب القديم … على أن تعرض الوزارة على المجلس المنتخب مشروع اللائحة الأساسية التي تكفل نهوضه إلى مستوى المجالس النيابية الصحيحة، أو بعبارة أخرى دعا إلى انتخاب مجلس شورى النواب على أن يكون «جمعية تأسيسية» تضع الدستور الجديد.

وفي نفس اليوم الذي رفع فيه شريف باشا تقريره إلى الخديو، صدر الأمر العالي بإجراء الانتخابات العامة، وتحديد يوم ٢٣ ديسمبر سنة ١٨٨١ لافتتاح مجلس النواب.

ولما كان نظام مجلس شورى النواب القديم يجعل انتخاب النواب موكولًا إلى عُمد البلاد ومشايخها في المديريات وجماعة الأعيان في القاهرة والإسكندرية ودمياط، فقد جرت انتخابات سنة ١٨٨١ على هذا الأساس.

ولا شكَّ في أن جعل انتخاب النواب موكولًا إلى عمد البلاد ومشايخها في المديريات؛ يسهِّل على الحكومة السيطرة على الانتخابات وإملاء إرادتها فيمن يختارهم العُمد والمشايخ … ولكن شريف باشا حرص حرصًا شديدًا على أن تُجرى الانتخابات حرَّة بعيدة عن تدخُّل الحكومة، وأصدر منشورًا بذلك إلى جميع المديريات والمحافظات نبَّه فيه المديرين والمحافظين إلى ترك الانتخابات حرة، وهو أول منشور انتخابي في تاريخ مصر الحديثة يقضي باحترام حرية الانتخابات العامة.

وفي الحق أن الحكومة لم تتدخل في هذه الانتخابات، ولم تتعرض لحرية الناخبين في انتخاب من يريدون … فكان الانتخاب حرًّا بكل معاني الحرية، وكذلك كان حرًّا من تدخُّل العرابيين، وإملاء إرادتهم على الناخبين وترشيح أشياعهم وأتباعهم، وقد كان في استطاعة حزبهم باعتباره صاحب الفضل في إنشاء مجلس النواب أن يتدخل في الانتخابات، ويملي إرادته على الناخبين، لكي يضمن تأليف غالبية النواب من أتباعه ومرشحيه. ولو فعل ذلك لقضى على حرية الانتخاب قضاءً مبرمًا … ولكن حسنًا فعل، إذ ترك الناخبين أحرارًا في انتخاب من يأنسون فيهم الاستقامة والإخلاص والكفاية، ولم يسلبهم حرية الاختيار التي هي قوام الحياة الدستورية الصحيحة … فجاءت الانتخابات صورة صادقة لإرادة الناخبين، وضرب العرابيون بذلك مثلًا رائعًا في احترام حرية الانتخاب.

(٥-١) افتتاح مجلس النواب

كان افتتاح مجلس النواب يومًا مشهودًا من أيام مصر التاريخية، استقبلته الأمة مغتبطة مبتهجة بما نالته من تقرير حريتها السياسية بإنشاء مجلس يمثلها ويُشرف على شئونها وأقدارها، وقد كان هذا المجلس حقًّا رمزًا لهذه الحرية … ولولا دسائس الإنجليز ومكايدهم لكان فاتحة عصر جديد لنهضة مصر وتقدُّمها.

أُعدت قاعة اجتماع المجلس بديوان وزارة الأشغال — قاعة اجتماع مجلس الشيوخ الآن — وحُدد يوم الإثنين ٢٦ ديسمبر سنة ١٨٨١ لافتتاحه.١ فلم تكد تشرق شمس ذلك اليوم حتى ازدحم الديوان والشوارع المفضية إليه بالجماهير، واصطفَّت أورطة من الآلاي الأول المشاة — آلاي الحرس — على جانبي الطريق من باب الديوان إلى سُلَّم القاعة بقيادة البكباشي محمد عبيد (الذي تقدَّم الكلام عن الدور الذي قام به في واقعة قصر النيل) ومعها موسيقاها العسكرية تصدح بألحان الفرح والسرور والابتهاج.

وحضر النواب وأخذوا مجالسهم ووجوههم تتهلل غبطة وسرورًا … وفي نحو الساعة العاشرة صباحًا تحرك الركب الخديوي من سراي الإسماعيلية، فأُطلقت المدافع من القلعة إيذانًا بتحرك الموكب، وكان يصحب الخديو في عربته شريف باشا رئيس مجلس الوزراء، وأحمد خيري باشا المهردار — حامل الختم — ورئيس الديوان الخديوي، وطلعت باشا كاتب الديوان الخديوي.

فلما أقبل الركب صدحت الموسيقى بالسلام، وهتف الجنود بحياة الخديو منادين النداء المعتاد: «أفندمز جوق باشا» — أي يعيش أفندينا — وكان في انتظاره على سُلَّم المجلس جميع الوزراء، ورئيس مجلس النواب وبعض أعضائه فتلقَّوه بالإجلال … وقصد إلى الغرفة المعدَّة لاستراحته فلبث بها هنيهة قصيرة، ثم أنهى إليه محمد سلطان باشا رئيس المجلس، أن المجلس قد استعد وكمل اجتماع الأعضاء، فسار الخديو ودخل قاعة الاجتماع في نحو الساعة الحادية عشرة وحيَّا الأعضاء … فتلقَّوه بجميل الإعزاز والإجلال.

وأخذ مجلسه يحف به كبار رجال الدولة، وافتُتح المجلس بتلاوة خطبة العرش، وقد تلاها بنفسه، وهذا نصها:

أُبدي لحضرات النواب مسروريتي من اجتماعهم، لأجل أن ينوبوا عن الأهالي في الأمور العائدة عليهم بالنفع، وفي علم الجميع أني من وقت ما استلمت زمام الحكومة، عزمت بنية خالصة على فتح مجلس النواب … ولكن تأخر افتتاحه للآن بسبب المشكلات التي كانت محيطة بالحكومة. فأمَّا الآن، فنحمد الله تعالى على ما تيسَّر لنا من دفع المشكلات المالية بمساعدة الدول المتحابة، ومن تخفيف أحمال الأهالي على قدر الإمكان، فلم يبقَ مانع من المبادرة إلى ما أنا متشوق لحصوله، وهو مجلس النواب الذي أنا فاتحه في هذا اليوم باجتماعكم، وأنتم تحيطون علمًا أن جُل مقاصدي ومساعي حكومتي هو راحة الأهالي ورفاهيتهم، وانتظام أمورهم بتعميم العدالة بينهم، وتأمين سكان القُطر على اختلاف أجناسهم، وهذا منهجي واضحًا مستقيمًا، وعليه سيري منذ توليت أمركم، محبًّا للتربية ونشر العلوم والمعارف.

فعلى المجلس أن يكون مساعدًا للحكومة في هذه الأمور كلِّها، خالصًا مخلصًا في خدمة الوطن، منحصرة أفكاره ومذكراته في المنافع العمومية، مع مراعاة قرار لجنة التصفية وسائر تعهدات الحكومة مع الدول، سالكًا المسلك المعتدل والمنهج القويم الذي هو أهم شيء في هذا الوقت، الذي هو عصر الترقي والتمدن … فالواجب علينا الاعتدال والتأني وحُسن التبصر، وأن نكون يدًا واحدة في إتمام الأعمال النافعة، متوسلين بعناية الله تعالى وإمداد رسوله الكريم، ومتمسكين بقوة ارتباطنا بالحضرة الشاهانية والدولة العليَّة أدامها الله، نسأل الله حسن النجاح إنه ولي التوفيق.

ولما انتهى الخديو من تلاوة خطبة العرش هتف الجميع له، وأُطلقت المدافع من القلعة مؤذنة بانتهاء الخطاب مبشِّرة باجتماع مجلس النواب … ثم برح الخديو مكان الاجتماع، وصدحت الموسيقى بنغمات التحية له، وعاد إلى سرايه في موكب حافل.

وتُعد خطبة الخديو توفيق من الوثائق الهامة في تاريخ مصر الدستوري؛ لأنها أول خطبة لولي الأمر في افتتاح أول مجلس نيابي كامل السلطة في تاريخ مصر الحديث، وهي في مجموعها سديدة المعاني واضحة الأسلوب، متضمنة إعلان الخديو انضمامه إلى الأمة في إقرار النظام الدستوري، وقد ألقاها بنفسه دون أن يستنيب عنه رئيس مجلس الوزراء كما هو العرف البرلماني، فكان في إلقائه إياها تثبيتًا وتوكيدًا لِما احتوت عليه من الآراء والمعاني.

لم تكن جلسة الافتتاح علنية، وذلك طبقًا للائحة مجلس شورى النواب القديمة … ولكن الحكومة تجاوزت عن تطبيق هذا النص، فدخل كثير من النظارة مكان الاجتماع، ووقفوا حول مقاعد الأعضاء حتى انتهت حفلة الافتتاح، ولم يُدعَ أحد من قناصل الدول إلى حضور الحفلة باعتبارها حفلة سرِّية طبقًا للائحة القديمة، ولأن هذا الاجتماع من شئون البلاد الداخلية، وقد أُعد في القاعة ١٢٠ كرسيًّا لجلوس النواب، وكانوا في الواقع أقل من ذلك … ولكن الحكومة كانت معتزمة تعديل اللائحة الأساسية القديمة بزيادة عدد النواب عن بعض المديريات، وانتخاب نواب عن السودان، فأعدت منذ افتتاح المجلس المقاعد الكافية لهذا العدد … وأعدت كذلك نحو ٤٠٠ كرسي للنظارة؛ لاعتزامها جعل جلسات المجلس علنية في اللائحة الجديدة.

وبعد انصراف الخديو دخل النواب مكان الأقلام «اللجان» وظلوا مستريحين ساعة من الزمن، ثم عادوا إلى قاعة المجلس واستأنفوا اجتماعهم، فألقى فيهم محمد سلطان باشا الخطبة الآتية:

أيها السادة النواب

نحمد الله الذي جعل أمرنا شورى، ونصلِّي ونسلِّم على نبيه المأمور بالشورى والآمر بها. وبعد، فقد سمعتم ما تضمنته المقالة الخديوية الكريمة من حُسن القصد وسمو الإدارة، فما زادكم إلَّا يقينًا بما عهدتم بالجناب المعظم من صفاء النية وكرم العنصر وسلامة الطوية، والارتياح إلى المصلحة الوطنية … وقد اجتمعتم في هذا المكان الرفيع بعناية الجناب العالي ورجال حكومته السنية للنظر في أمور أوطانكم، وأنتم خلاصة وجهاء القُطر وبضعة أعيانه ونبهائه، فواجباتكم من هذا القبيل تقضي عليكم بالحكمة والاعتدال والثبات …

ولا أزيدكم علمًا أن الوطن العزيز محتاج إلى الإصلاح والتنظيم، قابل للتقدم والعمران جامع لأسباب المنافع الكلية، فما عليكم إلَّا السعي والاجتهاد لنوال المراد، ولكنكم لا تجهلون أن علينا حقوقًا واجبة الحفظ، وذممًا لازمة الرعاية، وأنَّا قد أُمرنا شرعًا بحفظ العهود ورعي الذمم، فمن تلك العهود شدة الارتباط وصلة التابعية للدولة العلية، التي هي مركز قوتنا ومرجع سطوتنا، وقد عرفنا منها العناية وعرفت منا الإخلاص، فلا بدَّ من ثباتنا على هذه الحال بالنظر إليها، ولا شك أن تقدمنا واستقامة أمورنا وتأييد أمر الشورى فينا يسُر هذه الدولة العلية، لِما ينشأ لنا عنه من القوة التي تكون جزءًا من قوتها الكلية، ومن الذمم والمواثيق علاقتنا المالية والتجارية مع الدول العظمى، فهذه الذمم واجبة الرعاية لِما يترتب على حفظها من استحكام صلات المودة بيننا وبين هاتيك الدول، التي ينبغي لنا الاعتقاد برغبتها في انتظام أمورنا، وميلها إلى كل ما يعود علينا بالنفع كما صرَّح بذلك عظماء رجالها على منابر المجالس النيابية وفي المنشورات الرسمية.

فإذا حفظنا تلك العهود ورعينا هذه الذمم، وعرفنا حقوق الوطن علينا ولم نذهل عن شيء من الواجبات، لزمنا الأخذ بأسباب الحكمة والثبات للنظر فيما يجلب لنا النفع، ويدرأ عنا الضرر ويثبت للناس جدارتنا بما وصلنا إليه، ويحقق بنا ظن أبناء الوطن الذين جعلونا موضع ثقتهم واعتمادهم.

فوجهوا إخواني همتكم في السعي بالحكمة والاعتدال والتبصر والثبات … فمن جدَّ وَجَد، ومن سار على الدرب وصل.

ثم ألقى سليمان باشا أباظة نائب الشرقية الخطبة الآتية:

سعادة الرئيس، الحمد لله على سوابغ آلائه ونوابغ نعمائه. وبعد، فقد أبان رئيس مجلسنا الهمام ما تضمنته المقالة الخديوية الكريمة من حُسن القصد وصفاء النية والميل إلى المصلحة الوطنية، وأوضح بعد ذلك حق الوطن علينا وواجباتنا بالنظر إلى العهود الواجبة الحفظ والذمم اللازمة الرعاية، وهذا موقف، الشكر له والثناء عليه، أقوم فيه أصيلًا عن نفسي ونائبًا عن سائر إخواني النواب … فيا سعادة الرئيس الهمام، لقد علمت وأنت أولنا أن ليس منا من قَبِل النيابة على علم بعِظم واجباتنا الوطنية والسياسية، إلَّا وفي عزمه أداء حق الوطن وحفظ العهود المرعية وخدمة الأمة بما يجلب لها النفع ويدرأ عنها الضر … ويا إخواني، لقد علمتم أن الأنظار محدقة إلينا والأفكار محومة علينا، وأن الوطن العزيز محتاج إلى الإصلاح كما قال سعادة الرئيس، فلندخل الإصلاح من بابه، ونأخذ فيه بأسبابه، لا ننظر إلا إلى المصلحة العمومية، ولا نهتم إلا بالمنفعة الوطنية، وقد حصل لنا اليقين بأن يد الجناب المعظم منبسطة لمساعدتنا، وعناية رجال حكومته متوجهة إلى تأييد مجلسنا، وأن الأمة تتوقع منا الاجتهاد في سبيل الحكمة والسداد …

فما أجدرنا بتحقيق الآمال، وما أحقنا بالسعي فيما يصلح به الحال ويحسِّن الآمال، وقد آن الشروع في العمل، فلنُقبل عليه بنفوس راضية، وقلوب صافية، وأفكار متوجهة إلى حقوق الوطن، ونيات معقودة على أداء الواجبات، والله ولي توفيقنا عليه توكلنا وإليه ننيب.

كان افتتاح المجلس بمثابة عيد قومي عام … تجلَّت فيه مظاهر الابتهاج والغبطة والسرور العظيم، فوفد على العاصمة في ذلك اليوم كثير من الزائرين من مختلف المديريات لمشاهدة حفلة الافتتاح، وأقيمت الولائم والحفلات في القاهرة والإسكندرية ابتهاجًا بافتتاح المجلس الجديد، واشترك فيها كثير من النواب والأعيان والموظفين وطبقات الشعب كافة، وعبَّرت الصحف أصدق تعبير عن شعور الرأي العام نحو هذا الحادث الهام في حياة مصر القومية.

وقد اجتمع المجلس يوم افتتاحه وانتخب من بين أعضائه لجنة عُهد إليها تحضير الجواب على خطاب العرش وتقديمه إلى الخديو، وهذه اللجنة مؤلفة من عشرة أعضاء من النواب البارزين وهم: أحمد بك الشريف، عبد السلام بك المويلحي، محمد بك الشواربي، أمين بك الشمسي، وهلال بك منير، محمود بك سليمان، أحمد بك علي، مراد أفندي السعودي، إسماعيل أفندي سليمان، علي بك شعير.

•••

وقد أعدَّت اللجنة الجواب وأقرَّه المجلس، وفي يوم الخميس ٢٩ ديسمبر سنة ١٨٨١، ذهب سلطان باشا رئيس المجلس ومعه عبد الله باشا فكري كبير الكُتاب، وأعضاء اللجنة العشرة إلى سراي الإسماعيلية بملابسهم الرسمية؛ لتقديم جواب المجلس على خطاب العرش، فقابلهم الخديو بحضور الوزراء، وتلا محمود بك سليمان الجواب، وهذا نصه:

بعد حمد الله تعالى على توفيقه ورشاده، والصلاة والتسليم على من اصطفى من عباده، نقوم لدى هذه السُّدة الخديوية الكريمة، نحن معاشر نواب الأمة المصرية مقام النيابة عن جميعها، في تقديم واجب الشكر لهذا الجناب الخديوي الفخيم على انعطاف عواطفه نحو مجلس الشورى النيابية، الذي افتتحه بنطقه الشريف؛ إظهارًا لمقصده الجليل من حيز القول إلى عالم الفعل، وإجابة لرغبة الأمة ونظرًا للمصلحة العامة … بعد أن زالت العوائق دونه وامتنعت الموانع بيننا وبينه، بجلائل هممه الخديوية التي ذللت لها صعاب المسائل، وخضعت دونها رقاب المشاكل، حتى صفا الوقت واطمأنت الحال، «ودنى المنى وانقادت الآمال»، ولقد شنَّف أسماعنا وأنعش أرواحنا ذلك النطق الكريم، وملك أفئدتنا وملأها سرورًا وطربًا بما تضمَّن من الإفصاح عمَّا عرفناه لولي النعمة، وألفناه من نزاهة النية ونبالة القصد، حتى لقد نطقت السرائر بما بدا على قسمات الوجوه من سمات السرور، فلم تدع للألسنة من حاجة للتعبير عن فرط محبة عظيمة من أمة كريمة لمولى متفضل عليها متحبب إليها، محب لحريتها مشغوف بخيرها ومنفعتها.

فلم يبقَ إلَّا أن نبذل غاية ما في السعة، ونأتي على قاصية الاستطاعة في نفع هذه الأمة التي ندبتنا للنظر في منفعتها، واستنابتنا عن أنفسها لرؤية مصالحها، سالكين في ذلك من مسالك الحزم والتبصر وحُسن النظر ما تحسن بعناية الله مغبته، وتُحمد بيُمن توفيقه عاقبته، ويعضد مقاصد حكومتنا السنية المتجهة للسداد والرشاد وسلامة البلاد والعباد، ويؤيد ما لنا من روابط التبعية للذات السنية السلطانية والدولة العلية العثمانية، التي منحتنا عواطفها الكريمة من الامتيازات المرعية ما جلت به النعمة وعظمت المنة، ويؤكد علائقنا الودادية مع الدول الأجنبية المحبة لمنفعتنا وفائدة بلادنا، مبتهلين إلى الله جل ثناؤه وتقدَّست آلاؤه، في أن يحرس لنا هذا الجناب الخديوي الفخيم، ويديم لأوطاننا به النفع العميم، أدام الله توفيقنا على أحسن ما يرام، وبلَّغ به الوطن العزيز غاية المرام.

وتُعد خطبة رئيس مجلس النواب، يوم افتتاح المجلس وتعقيب سليمان باشا أباظة عليها، وجواب المجلس على خطبة العرش من الوثائق الهامة في تاريخ المجلس … وهي صورة ناطقة تمثِّل لنا جانبًا من الحياة السياسية والآداب البرلمانية في ذلك العصر، ولغة هذه الوثائق ومعانيها حسنة في مجموعها، وتدل على سهولة استساغة نواب سنة ١٨٨١ للأساليب البرلمانية الحديثة.

(٦) وضع الدستور

واشتغلت وزارة شريف بوضع الدستور، وكان يُسمى في اصطلاح ذلك العصر «اللائحة الأساسية» أو «القانون الأساسي». وقد وُضع على أحدث المبادئ العصرية، إذ يتضمن القواعد الرئيسية للنظم البرلمانية، كتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس النواب، وتخويل المجلس حق تقرير القوانين بحيث لا تصدر إلَّا بتصديق منه، وتقرير الميزانية والرقابة على أعمال الحكومة وموظفيها، وإلزامها بعدم فرض أي ضريبة أو إصدار أي قانون أو لائحة إلَّا بعد تصديق المجلس، وقد أخذ بنظرية وحدة الهيئة النيابية، فجعلها ممثلة في مجلس النواب دون مجلس الشيوخ.

ولما أتمَّ شريف باشا وضع الدستور عرضه على مجلس النواب للمناقشة فيه وإقراره … ففي عصر يوم ٢ يناير سنة ١٨٨٢، جاء إلى مجلس النواب يصحبه سائر الوزراء، فعرض الدستور على هيئة المجلس، وألقى في هذا المقام خطبة ضافية، ذكر فيها خلاصة ما احتواه من القواعد، وألمع إلى أنه بوضع هذا الدستور إنما يُنفِّذ الخطة التي رآها من ثلاث سنوات في عهد الخديو إسماعيل.

وقد أحال المجلس مشروع الدستور على «اللجنة الدستورية»، وهي لجنة ألَّفها خصيصًا للنظر فيه، وكانت تُسمى «لجنة اللائحة»، وقد بحثت اللجنة مواد الدستور، وأقرت معظمها مع تعديلات يسيرة في بعضها لا تغيِّر من جوهره شيئًا، وكاد الأمر يتم بالاتفاق بين الحكومة والمجلس على نصوص الدستور، لولا الأزمة السياسية التي أدى إليها تدخُّل فرنسا وإنجلترا في وضع الدستور، وانتهت بسقوط وزارة شريف.

(٦-١) أزمة يناير سنة ١٨٨٢

اعترض وضع الدستور أزمة سياسية خطيرة نسميها أزمة يناير سنة ١٨٨٢ … ترجع إلى سوء نية إنجلترا وفرنسا حيال مصر، وائتمارهما بالنظام الدستوري، الذي كاد يستقر بإعلان اللائحة الأساسية، ولم يكن بقي على إعلانها وصدور المرسوم بها سوى إجراءات شكلية من تبادل الرأي بين مجلس النواب والحكومة على التعديلات الطفيفة التي أدخلتها لجنة المجلس في مشروع اللائحة …

ولكن إنجلترا وفرنسا أرادتا أن تُحدثا حدثًا يخلق الاضطراب في مصر، وقد يودي بالدستور … وذلك بتدخلهما في شئون مصر الداخلية وإيقاع الفُرقة بين الخديو والأمة، ولكي تتخذا من هذه الفُرْقة ذريعة للتدخل المسلح.

ففي اليوم الثامن من شهر يناير سنة ١٨٨٢ توجه السير إدوار مالت معتمد إنجلترا، والمسيو سنكفكس المعتمد الفرنسي مجتمعين إلى سراي عابدين، وقدَّما إلى الخديو مذكرة مشتركة من الدولتين بتاريخ ٧ يناير سنة ١٨٨٢، قوامها أنهما حيال الحوادث الأخيرة قد أجمعتا على تأييد سلطة الخديو.

وفحوى المذكرة أن الدولتين انتحلتا لنفسيهما حق القَوَامة والرقابة على مصر، وإقرار الأمن والنظام فيها والتدخل في شئونها الداخلية … وظاهر من عباراتها أن فرنسا وإنجلترا كانتا تنظران بعين الاستياء إلى تأليف مجلس النواب، وقيام النظام البرلماني في مصر … ولم تكتما الإعراب عن هذا الاستياء صراحةً في المذكرة، إذ جعلتا من الحوادث الموجبة للتدخل «صدور الأمر الخديوي باجتماع مجلس النواب».

قوبلت هذه المذكرة في مصر بالسخط العام … وهاجت لها الخواطر، وتوجه شريف باشا إلى معتمدي فرنسا وإنجلترا، وأنهى إليهما اعتراضه على المذكرة.

وأعقب هذا التدخل تدخُّل آخر، إذ طلب قنصلا الدولتين من شريف باشا بإيعاز من الرقيبين الأوروبيين ألَّا يخوِّل مجلس النواب حق تقرير الميزانية، وقدَّما إليه في ٢٦ يناير سنة ١٨٨٢ مذكرة بهذا المعنى أثناء اشتغال «اللجنة الدستورية» بالنظر في اللائحة الأساسية …

كان هذا التدخل تحديًا بالغًا لكرامة البلاد وحقوقها، وتدبيرًا مبيتًا بين الدولتين للتدخل المسلح وخلق الذرائع للاحتلال … إذ ما شأن إنجلترا وفرنسا بنظام مجلس النواب المصري؟ وأي قانون يخولهما حق التدخل في وضع الدستور، والمطالبة بحرمان المجلس حق تقرير الميزانية؟!

ولا شك أن هذا عدوان منكر لا سند له من الحق ولا من العهود المبرمة بين مصر والدولتين، لا سيما أن مشروع اللائحة الأساسية كان ينص في صراحة لا إبهام فيها على احترام اتفاقات مصر الخاصة بتسوية الديون، وفي هذا النص الكفاية لاطمئنان الدول ورعاياها على حقوقهم … أما التذرع بهذه الديون لحرمان مجلس النواب حق تقرير الميزانية، وهو أهم خصائص البرلمان، فهو الظلم والاعتساف والتحكم الذي لا مسوغ له، وهو الطمع الاستعماري الذي لا يحترم حقًّا ولا يرعى عهدًا.

كان الموقف على جانب كبير من الخطر … فهناك أولًا حقوق الأمة وكرامتها، ولا تقبل أمة تحترم نفسها أن تنزل على إرادة دولتين غاصبتين تريدان حرمان مجلس النواب حقًّا من أقدس حقوقه، وهو تقرير الميزانية … وهناك من جهة أخرى الخطر الماثل أمام رجل الدولة، إذ يرى البلاد هدفًا للتدخل المسلح من جانب الدولتين المتحفزتين للاحتلال.

•••

وقد ارتأى شريف باشا درءًا للأزمة، أن لا يبت مجلس النواب بقرار نهائي في المادة المتعلقة بالميزانية، وأن يرجئها إلى حين حتى تنجلي الغمة، وبذلك يتفادى التدخل المسلح الذي لم يكن في استطاعة مصر أن تصده لِما كانت عليه وقتئذٍ من الضعف والارتباك، والتأجيل في ذاته لم يكن مضيعًا لحقوق الأمة في الدستور، بل كثيرًا ما يكون التأجيل من الوسائل السياسية التي يُعمد إليها لاتقاء الأزمات … على أن وضع الدستور قد يستغرق وقتًا يطول أو يقصر على حسب الظروف والملابسات. ولم يكن النص الخاص بالميزانية في ذاته مستعجلًا؛ لأن ميزانية سنة ١٨٨٢ كان قد صدر المرسوم باعتمادها في ٢٢ ديسمبر سنة ١٨٨١؛ أي قبل انعقاد مجلس النواب … فالبحث في أمر الميزانية لا تبدو أهميته العملية إلَّا في ختام سنة ١٨٨٢ حيث توضع ميزانية سنة ١٨٨٣، فإرجاء البت في هذا النص لم يكن له من الخطر ما يدعو إلى التصادم بين المجلس والوزارة.

وقد نصح المستر «بلنت» عرابي وصحبه بالاعتدال في موقفهم من هذه الأزمة، وبأن لا يقطعوا برأي في نص الميزانية قبل أن تفاوض الوزارة حكومتي فرنسا وإنجلترا، وأيَّده الشيخ محمد عبده في نصيحته، ورُوي عنه أنه قال في هذا الصدد: «لقد لبثنا عدة قرون في انتظار حريتنا، فلا يشق علينا أن ننتظر الآن بضعة أشهر.» ولكن نصيحة الاثنين عبثًا.

وقد عرض شريف باشا على مجلس النواب فكرة التأجيل … ولكن عرابي ورؤساء الضباط والأعضاء البارزين من النواب لم يقبلوا هذا الحل، وارتئوا رأيًا آخر يناقضه وهو تقرير مادة الميزانية في الحال، ويلوح لنا أن ثمة عاملًا آخر غير الاقتناع كان له دخل في الأخذ بهذا الرأي، وهو انصراف العرابيين عن شريف، ورغبتهم في إقصائه عن الحكم وإسناد رياسة الوزارة إلى رجل منهم، إذ لم يكن يخفى أن شريف باشا، وإن كان قد ألَّف وزارته على قاعدة إجابة مطالب العرابيين لكنه كان يشعر حيالهم بشيء من الاستقلال والكرامة.

وهذا ما جعل العرابيين يرغبون في التخلص منه، ويستبدلون به رجلًا من خاصتهم … وقد ساعد على ظهور هذه الرغبة طموح محمود باشا سامي البارودي إلى رياسة الوزارة … فقد كان البارودي كثير الطموح إلى السلطة والجاه، ومن هنا تعقَّدت الأزمة، وامتنع الأخذ برأي شريف باشا؛ لأن البارودي وهو وزير الحربية في وزارة شريف باشا، قد زيَّن لعرابي وصحبه أن يتشبثوا برأيهم ويرفضوا التأجيل، ويقرِّروا مادة الميزانية فورًا، وقد رتَّب على هذه الخطة وصوله إلى الرياسة؛ لأنه كان مفهومًا أن رفض النواب رأي شريف باشا يؤدي بداهةً إلى استقالته، فيُدعى هو إلى تأليف الوزارة الجديدة.

(٧) استقالة شريف باشا

وكان ما رتَّبه البارودي … فقد اتفقت كثرة النواب على رفض التأجيل، وعلى إقرار مادة الميزانية كما هي، ورأى شريف باشا من حديثه مع أعضاء اللجنة الدستورية أنهم راغبون في إسقاط وزارته، فلم يرَ بدًّا من تقديم استقالته في ٢ فبراير سنة ١٨٨٢.

وقد كان يجدُر بالنواب أن يتريثوا في الأمر … وأن لا ينقلبوا بهذا السرعة على من كان موضع آمالهم حتى الأمس، ومما يستوقف النظر ويدعو إلى الأسف، أن يكون أول عمل هام لمجلس النواب هو التخلُّص من الرجل الذي أنشأه وناضل من أجله، ووضع نظامه الأساسي … ولكنها الأهواء والمطامع كان لها الأثر البالغ في ركوب هذا المسلك.

ويُعد سقوط وزارة شريف باشا إقصاءً تامًّا لسلطة الخديو، وانتصارًا حاسمًا للحزب العسكري وعلى رأسه عرابي؛ لأن الخديو لم يكن راغبًا في استقالة شريف باشا.

وقد ذاعت شهرة عرابي في أوروبا عقب سقوط هذه الوزارة، بعدما تبيَّن أن له النفوذ الفعَّال في مجلس النواب … إذ استطاع بواسطته إسقاط الوزارة التي رغب في التخلص منها.

(٨) وزارة البارودي

نزل الخديو على إرادة الحزب العسكري — وفي الظاهر إرادة النواب — فأسند رياسة الوزارة إلى محمود سامي البارودي … فألَّفها وأدخل عرابي فيها وزيرًا للحربية … ويبدو من التأمل في الكتاب الذي رفعه إلى الخديو بتأليف الوزارة أن لا خلاف في المبادئ العامة بين الوزارة الجديدة والوزارة المستقبلة …

والخلاف الحقيقي بينهما هو في إقرار المواد المتعلقة بالميزانية فورًا … وكان شريف يرى تأجيلها إلى حين، وثمة فارق آخر في التشكيل، فإن وزارة البارودي مؤلفة من صميم العرابيين … وحسبُك أن فيها عرابي باشا وزيرًا للحربية، وقد كانت في ذلك الحين أهم الوزارات شأنًا وأعظمها نفوذًا، وربما كان هذا من أهم الأسباب الحقيقية التي أدَّت إلى تغيير الوزارة؛ لأن عرابي كان يطمع في أن يتولَّى وزارة الجهادية بعد أن ارتقى في عهد وزارة شريف باشا إلى منصب وكيلها، كما كان يطمع البارودي في رياسة الوزارة، وهكذا كان التطلع إلى المناصب الوزارية — ولم يزل — من أسباب ما حلَّ بمصر من الكوارث.

١  كان محددًا لافتتاحه يوم ٢٣ ديسمبر كما تقدَّم بيانه، ولعدم إكمال معدات الاجتماع أرجئ إلى يوم ٢٦ منه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠