الحرب بين عرابي والإنجليز

(١) بين الخديو وعرابي

تربَّص الإنجليز في الإسكندرية حتى يُعدوا العُدة للزحف، ويتلقوا الأمداد التي جاءتهم بعد ذلك من إنجلترا … وأخذوا في الأيام الأولى ينظِّمون الاحتلال مستعينين بالخديو ونفوذه الشرعي، وأذاع الأميرال سيمور يوم ١٧ يوليو منشورًا بالمحافظة على الأمن، عُلِّق في شوارع المدينة، وهو أول منشور أعلن الإنجليز فيه أنهم مكلَّفون من جانب الخديو بالمحافظة على النظام.

واستكتب الأميرال سيمور راغب باشا رئيس مجلس الوزراء خطابًا بتاريخ ١٧ يوليو سنة ١٨٨٢ يُبلغ فيه الأميرال مخالفة عرابي لأوامر الخديو، فيما يقوم به من وسائل الدفاع، وعزم الخديو على عزله من منصبه … وهذا الخطاب يبدو غريبًا من راغب باشا، الذي كان حتى ضرب الإسكندرية يعضد العرابيين ويؤيدهم ويقاوم التدخل البريطاني، والخطاب يناقض أيضًا قرار مجلس الوزراء، الذي اشترك راغب باشا في وضعه بوصفه رئيسًا للنظار، والذي رد فيه على إنذار الأميرال سيمور قُبيل ضرب الإسكندرية، وأرسل الخديو من سراي رأس التين يوم ١٧ يوليو تلغرافًا إلى عرابي بكفر الدوار يأمره فيه بالكف عن الاستعدادات الحربية، ويحمِّله تبعة ضرب الإسكندرية، ويدافع فيه عن حُسن مقاصد الإنجليز، ويأمره بالحضور إلى سراي رأس التين ليتلقى منه تعليماته.

فأجاب عرابي على هذه الرسالة ببرقية شرح فيها وِجهة نظره، وأبان الأسباب التي توجب استمرار الدفاع، وهي طلبات الأميرال سيمور، وقرار مجلس الوزراء برياسة الخديو برفضها ولو أدى ذلك إلى القتال، واعتذر عن الحضور إلى الإسكندرية لأن الإنجليز يحتلونها، وطلب إلى الخديو أن يوفد إليه الوزراء أو رئيسهم في مركز الجيش بكفر الدوار، للمداولة في الموقف، ولما تحقق عرابي انحياز الخديو إلى جانب الإنجليز، خشي أن يُصدر من الأوامر ما يشل حركة الاستعدادات الحربية، فأرسل عرابي إلى جميع المديريات والمحافظات تلغرافات شديدة اللهجة، اتهم فيها الخديو بممالأة الإنجليز وحذَّر الجميع من اتباع أوامره التي تخالف حالة الحرب.

وأرسل إلى يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية بالقاهرة كتابًا بتاريخ ١٧ يوليو سنة ١٨٨٢، دعا إلى وجوب عقد جمعية عمومية من الذوات والأعيان والعلماء، يعرض عليها الموقف ويُطلب منها إصدار قرار في شأن الخديو، وفيما يجب عمله لصالح الأمة «وصلاحية مثل هذا الوالي عليها»، وختم كتابه بالمثابرة على التجهيزات الحربية، وأنه تحرَّر منه بذلك إلى جميع حكام البلاد.

وأذاع منشورًا أرسله إلى المديريات والدواوين كافة، بإعلان انضمام الخديو إلى جانب الإنجليز وخلع طاعته.

كان يعقوب سامي باشا من الموالين لعرابي، كما كان في خاصة نفسه يرى بحق وجوب الدفاع عن البلاد إزاء عدوان الإنجليز … فلما جاء تلغراف عرابي اجتمع يوم وروده مع خاصته المناصرين له في وزارة الحربية «قصر النيل»، واستقر رأيهم على عقد مجلس بديوان الداخلية في مساء ذلك اليوم مؤلف من وكلاء الوزارات وبعض كبار الضباط والموظفين.

فاجتمع المجلس المذكور وقرر دعوة العلماء والأعيان والرؤساء الروحانيين والوجهاء، وكبار موظفي الحكومة بديوان الداخلية ليلًا في هيئة جمعية عمومية؛ لاتخاذ ما يلزم من القرارات بالنيابة عن الأمة، وأخذ هذا المجلس يتولَّى سلطة الحكم … وظل كذلك خلال الحرب، وقد سُمِّي في الوقائع المصرية «المجلس العرفي»، وسنجري على هذه التسمية الأخيرة في سياق الحديث.

وفي مساء يوم الإثنين ١٧ يوليو سنة ١٨٨٢ اجتمع المدعوون إلى حضور الجمعية العمومية بوزارة الداخلية، وبلغ عددهم أربعمائة عضو، منهم الأمراء الموجودون بالعاصمة وشيخ الإسلام، وقاضي قضاة مصر ومفتي الديار المصرية وكبار العلماء والرؤساء الروحانيون والنواب، ووكلاء الدواوين والمديرون والقضاة والتجار والأعيان.

وعُرضت عليهم الرسائل التي تبودلت بين الخديو وعرابي، وبين هذا الأخير ووكيل الحربية، وتداولوا في الموقف … فأجمعوا على وجوب مداومة الاستعدادات الحربية ما دامت بوارج الإنجليز في السواحل وجنودهم في الإسكندرية، وعلى استدعاء الوزراء من الإسكندرية للاستفهام منهم عن حقيقة الأمر، وأصدروا قرارًا بهذا المعنى …

وعلى إثر اطلاع الخديو على قرار الجمعية العمومية أصدر أمرًا في ٢٠ يوليو سنة ١٨٨٢ بعزل عرابي من وزارة الحربية، وعيَّن عمر باشا لطفي محافظ الإسكندرية بدلًا عنه، وبنى أمر العزل على مخالفة عرابي لأوامره ومداومته على الاستعدادات الحربية، وقد صدر هذا الأمر بناءً على قرار من مجلس الوزراء، وكان بعضهم مخالفًا لفكرة العزل، ولكن الخديو أصرَّ عليها، وأبلغه هذا الأمر في كتاب بعث به إليه.

وأذاع الخديو في الوقت نفسه منشورًا عُلق في شوارع الإسكندرية، فصَّل فيه الأسباب التي دعت إلى عزل عرابي من منصبه، وأخذ فيه على عرابي إخلاء الإسكندرية دون مقاومة، ثم دافع عن نيات الإنجليز واحتلالهم الإسكندرية، وسوَّغه بأن الغرض منه المحافظة على الأمن!

وكان عرابي مرابطًا في معسكره بكفر الدوار حين أصدر الخديو أمره بعزله من منصبه، فلم يكترث له واستمر يُعد عُدة الدفاع ليصد تقدُّم الإنجليز، وأرسل إلى يعقوب سامي باشا يدعوه إلى عقد الجمعية العمومية ثانيةً للنظر في أمر العزل … فقرر المجلس العرفي دعوة الجمعية العمومية إلى الانعقاد، واجتمعت بوزارة الداخلية يوم السبت ٢٣ يوليو سنة ١٨٨٢، وهذه هي المرة الثانية لاجتماعها، ولم تجتمع بعد ذلك، وكان الحاضرون في المرة الثانية أكثر عددًا من المرة الأولى، إذ حضرها نحو خمسمائة من الأعضاء، منهم ثلاثة من الأمراء، وشيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومفتيها ونقيب الأشراف، وبطريرك الأقباط الأرثوذكس وحاخام اليهود، والنواب والقضاة والمفتشون ومديرو المديريات والأعيان، وكثير من العُمد ومشايخ البلاد، فلما اجتمعت الجمعية تُليت عليها الأوامر الصادرة من الخديو، والمنشورات التي أصدرها عرابي، وتولى هذه التلاوة الشيخ محمد عبده (الأستاذ الإمام) بناءً على أمر حسين باشا الدرمللي وكيل الداخلية، وألقى علي باشا الروبي خطبة تناول فيها الخديو بالطعن والقدح، وتُليت فتوى شرعية من الشيخ محمد عليش والشيخ حسن العدوي والشيخ محمد أبو العلا الخلفاوي، بمروق الخديو من الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب للبلاد، وتداول الأعضاء في الموقف الحربي، وفيما يجب عمله، فاتفقت آراؤهم على عدم قبول عزل عرابي، وبعد أن صدر هذا القرار، قال يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية: «حيث قرَّر هذا المجلس المحترم عدم عزل عرابي باشا من نظارة الجهادية والبحرية، ورأى لزوم بقائه في الوظيفة … فأرجو من المجلس أن يرى رأيه في أوامر الخديو التي تصدر إلي من جنابه، وكذلك ما يصدر من حضرات نظاره المقيمين معه، هل يلزمني قبولها وتنفيذها أم لا؟» فتداولت الجمعية العمومية في هذه المسألة، وأصدرت قرارها بوقف أوامر الخديو ونظاره وعدم تنفيذها.

(١-١) الحرب بين العرابيين والإنجليز

عسكر عرابي بجيشه في كفر الدوار وأقام بها الاستحكامات المنيعة، وأخذت طلائع العرابيين تناوش الإنجليز في ضواحي الإسكندرية … ولم يكن الجيش الإنجليزي قد أمِن بعد على مركزه في الثغر، بل كان يتوقع أن يهاجمه العرابيون بعد أن يلموا شعثهم عقب الهزيمة الأولى، فأخذ الإنجليز يحصنون استحكامات المدينة ووضعوا الحراس على مداخلها.

وكانت طلائع المصريين ترابط في الرمل وتستعد لمناوشة الأعداء … واستمر الإنجليز يلزمون خطة الدفاع في الإسكندرية وينتظرون وصول الإمداد. وفي ١٧ يوليو جاءهم مدد من ٢٧٠٠ مقاتل، وجاء الإسكندرية الجنرال أليزون Alison فتولى قيادة الجيش البريطاني في المدينة حتى يحضر القائد العام الجنرال ولسلي، وكان عدد الجيش البريطاني في الإسكندرية ٣٦٨٦ مقاتلًا — عدا جنود الأسطول — ثم جاءهم مدد آخر عدده ١١٠٨ من مالطة وجبل طارق … فاحتل الإنجليز الرمل في ٢٣ يوليو، ثم أخذ المدد الأكبر يتحرك من ميناء ولوتش Wolluich بإنجلترا في أواخر يوليو قاصدًا مصر، وأصدرت الملكة فيكتوريا أمرًا في ٢١ يوليو بتعيين الجنرال السير جارنت ولسلي Sir Garent Wolsley قائدًا عامًّا لجيش الحملة على مصر، ولم يصل إلى الإسكندرية إلَّا في منتصف أغسطس.

وكان المظنون لدى عرابي وصحبه أن لا يتخذ الإنجليز قناة السويس ميدانًا للزحف أو للحركات الحربية احترامًا لحيدة القناة … ولكن العارفين بالحقائق كانوا على يقين من أنهم لا يرعون للقناة حرمة، كما لم يرعوا حرمة المعاهدات في ضربهم الإسكندرية، فكانت خطتهم أن يهاجموا مصر من ناحية الإسماعيلية، متجهين من طريق الزقازيق إلى القاهرة.

خطة العرابيين في القتال

عيَّن عرابي محمود باشا فهمي رئيسًا لأركان حرب الجيش المصري عقب ضرب الإسكندرية، فوضع خطة سديدة للدفاع عن البلاد لو اتُبعت بإحكام، لصدت تقدُّم الإنجليز وأنقذت مصر من غارتهم … وكان محمود فهمي من أكفأ المهندسين الحربيين، وخلاصة خطته أنه عيَّن خمسة مواقع رئيسة للدفاع: الأول في كفر الدوار، والثاني في رشيد، والثالث بين رشيد وبحيرة البرلس، والرابع في دمياط، والخامس في الصالحية والتل الكبير لصد الهجوم من ناحية قناة السويس، وقد أشار في بداية الحرب بسد ترعة الإسماعيلية لمنع وصول المياه العذبة إلى بورسعيد والإسماعيلية والسويس، وسد قناة السويس ذاتها لمنع الإنجليز من اتخاذها قاعدة عسكرية.

ولو سُدت قناة السويس في بداية القتال لامتنع الاتصال بين القوات الإنجليزية الآتية من البحر الأبيض المتوسط والقوات الآتية من الهند، واستحال عليها الوصول إلى الإسماعيلية من طريق القناة، وفي هذه الحالة يضطر الجنرال ولسلي إلى المغامرة بجيشه في الصحراء الشرقية حيث لا ماء ولا كلأ، أو يهاجم مصر عن طريق الدلتا، فتعوق الترع والجسور زحفه وخاصةً في أيام الفيضان (أغسطس-سبتمبر). ولكن عرابي لم يستمع لنصيحة محمود فهمي وخشي عواقبها، وظن أن الإنجليز يحترمون حياد القناة فلا يتخذونها قاعدة للزحف، فكان هذا الخطأ أكبر عامل في إخفاق خطة الدفاع التي وضعها محمود فهمي، واكتفى عرابي بإقامة معسكر في التل الكبير على بُعد نحو خمسين كيلومترًا من الإسماعيلية، و١١٠ كيلومترات من القاهرة حشد فيها جانبًا من الجيش، ولكنه وزع معظم قواته في كفر الدوار وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط … فكان الجنود السودانيون وهم من خيرة الجنود مرابطين في دمياط بقيادة عبد العال حلمي، ورابط في رشيد فيلق كبير، واستقر معظم الجيش بقيادة طلبة عصمت في كفر الدوار، ومع أن الإنجليز استعجلوا الحركات العدائية في قناة السويس وكانت هذه الحركات نذيرًا كافيًا لعرابي بما اعتزموه من خرق حياد القناة، فإن عرابي جبن عن العمل بنصيحة محمود فهمي في سدِّها.

•••

ولقد بكَّر الإنجليز في خرق حرمة قناة السويس واتخاذها ميدانًا للحركات العدائية … وتدل الظروف والملابسات على أنهم كانوا مصرِّين على اختلاق الذرائع لاحتلالها، كما اختلقوها لضرب الإسكندرية، فقد تعلَّلوا بأن ثمة ترميمات تُجرى في طابية «الجميل» على مدخل بحيرة المنزلة غربي بورسعيد، وأصدرت الحكومة البريطانية في ٢٢ يوليو سنة ١٨٨٢ تعليماتها إلى الأميرال سيمور باحتلال بورسعيد والإسماعيلية، وفي ٢٦ يوليو سنة ١٨٨٢ اقتحمت السفينة الحربية الإنجليزية «أوريون» بقيادة الكابتن «فتزوري» القناة عند بورسعيد، وألقت مراسيها يوم ٢٧ منه في بحيرة التمساح على بُعد ثمانمائة متر من الإسماعيلية، ولم يكد يمضي على دخولها القناة يومان حتى وصل الأميرال «هويت» إلى السويس، والأميرال «هوبكنس» إلى بورسعيد، واستقر كلٌّ منهما في موقفه ينتظر التعليمات الخاصة باحتلال القناة.

•••

وهذه الحركات الحربية المبكرة في ناحية القناة، كانت تنم عمَّا اعتزمه الإنجليز في بداية القتال من الزحف من طريق قناة السويس … ولكن عرابي مع ذلك ظل غافلًا عن هذه النية!

واحتلَّ الإنجليز مدينة السويس في ٢ أغسطس، وظل عرابي برغم احتلالها يعتقد حرمة قناة السويس، بحجة أن القناة إنما تبتدئ من «بور توفيق» ضاحية السويس — والتي لا تبعد عنها إلَّا بثلاثة كيلومترات — وكان احتلال السويس نذيرًا آخر باتخاذ الإنجليز لها قاعدة للزحف على العاصمة، وقد تحرك المدد من الهند بعد سبعة أيام من احتلالها.

(٢) وقائع الميدان الغربي

نقصد بالميدان الغربي ما بين الإسكندرية وكفر الدوار … تمييزًا له عن الميدان الشرقي من الإسماعيلية إلى التل الكبير.

لقد وجَّه عرابي كل عنايته إلى تحصين مواقعه في الميدان الغربي، وأهمل الميدان الشرقي إهمالًا تامًّا، مما كان السبب الأكبر في الهزيمة … فأنشأ الاستحكامات المنيعة في مواقع الدفاع، مما يلي الرمل جنوبًا إلى كفر الدوار بين بحيرة أبو قير وملَّاحة مريوط، ووضع محمود فهمي تصميم هذه المواقع بمعاونة الأميرالاي محمد بك شكري، وهو من أكفأ ضباط أركان حرب الجيش المصري … فكانت مؤلفة من ثلاثة خطوط للدفاع، يبعد كل واحد عما يليه بأربعة أو خمسة كيلومترات، وأمام كل خط خندق عمقه خمس عشرة قدمًا، وأقيمت المعاقل على جميع المرتفعات والآكام، ورُكِّبت فيها المدافع وعددها خمسون مدفعًا.

(٣) واقعة الرمل

تحرك الإنجليز يوم السبت ٥ أغسطس سنة ١٨٨٢ يريدون التقدم من جهة «الرمل» بأورطتين من المشاة وأورطتين من الفرسان … فلما صاروا على بُعد ألف وخمسمائة متر من موقع المصريين، التقى بهم البكباشي أحمد أفندي البيار والبكباشي مصطفى أفندي حسان، ومعهما أورطتان من المشاة وأورطتان من الفرسان، وصدوهم عن التقدم … ثم جاء خورشيد باشا طاهر قومندان خط الدفاع في أبو قير ومعه ثلاثة بلوكات من الفرسان، فهجم المصريون على الإنجليز هجومًا شديدًا واضطروهم إلى التقهقر، إذ ولوا الأدبار منهزمين بعد أن دام القتال ثلاث ساعات ونصفًا …

ويقول الكولونيل «سبتان» عن هذه المعركة: إن الجنرال «أليزون» كان يقود الإنجليز فيها وأن عددهم كان ألفي مقاتل، وأن الجنرال «أليزون» كان لا يفتأ يناوش العرابيين حول الإسكندرية كل يوم، لكي يوهمهم أن الجيش البريطاني قد اتخذ الإسكندرية قاعدة للزحف، في حين أن خطته الحقيقية هي الزحف من ناحية الإسماعيلية، وبذلك يشغلهم عن تحصين التل الكبير ومواقع الدفاع في الشرق.

(٤) واقعة عزبة خورشيد

وهاجم الإنجليز مقدمة الجيش المصري في كفر الدوار يوم ٧ أغسطس، إذ تقدَّم جناحهم الأيسر من الرمل على جسر ترعة المحمودية، وتقدم الجناح الأيمن بطريق السكة الحديد من القباري … وجاء القلب من طريق كوبري المحمودية، فلما التقوا بالمصريين صمد هؤلاء لقتالهم ودافعوهم دفاعًا مجيدًا، إذ انبرى للميسرة البكباشي محروس أفندي يقود أورطته، وأبلى في قتالهم بلاءً حسنًا وجُرح أثناء المعركة، وصمد للقلب والميسرة البكباشي محمد أفندي فودة ومعه أورطة أخرى من الجنود، واشتد القتال في هذه الناحية واستمرت المعركة نحو أربع ساعات، انتهت بتقهقر الإنجليز منهزمين، وسار المصريون على أثرهم حتى حجبهم الظلام عنهم … وقُتل من المصريين في هذه الواقعة تسعة من الجنود وصف الضباط وضابط واحد، وجُرح منهم اثنا عشر جنديًّا وضابطان … أما خسائر الإنجليز، فكانت أكثر عددًا من خسائر المصريين.

(٥) الاستعداد للمعارك الكبرى

وبعد وقوع معركتي ٥ و٧ أغسطس سنة ١٨٨٢ المتقدم ذكرهما، استمر ورود الأمداد إلى الإنجليز في الإسكندرية، آتية من مالطة وقبرص وجبل طارق وإنجلترا … فاجتمع حوالي ٩ أغسطس سنة ١٨٨٢ في المدينة وضواحيها نحو أربعة عشر ألفًا من المشاة، وثلاث فصائل من الفرسان و٩٤٠ جنديًّا من المدفعية، و٥٤٠ من المهندسين، وكثير من القائمين على خدمة الجسور والتلغراف والسكك الحديدية، وظل المدد يرِد على الإسكندرية والسويس حتى بلغ عدد الجيش البريطاني قُبيل معركة التل الكبير ٥٠٦٠٠ مقاتل.

أما الجيش المصري النظامي فلم يكن يزيد على ١٩٠٠٠ مقاتل موزعين بين مختلِف المواقع، منهم ٨٠٠٠ في كفر الدوار، و٣٥٠٠ بأبو قير، و٢٥٠٠ في رشيد، و٥٠٠٠ في دمياط، وقد انضم إلى هذا الجيش عدد من المتطوعين والعربان، ولكن الوقت لم يكن يسمح بتدريبهم على الحركات النظامية، فلم تكن منهم فائدة. ويقول جون نينيه الذي شهد هذه الحوادث: «إن وجود العربان من مشاة وركبان في كفر الدوار لم تكن له فائدةٍ ما للجيش، بل كان ضررهم أكثر من نفعهم لعدم اعتيادهم حركات الجيوش النظامية.» وقال المستر بلنت: «إن الجيش المصري بأكمله لم يكن يزيد على ١٣٠٠٠ جندي نظامي، منهم ٨٠٠٠ في كفر الدوار، أما المجندون الجدد فلم يكونوا بعد أكفاء للقتال.»

ويقول جون نينيه أيضًا: «إن الصحف الإنجليزية كانت تبالغ في عدد الجيش المصري بكفر الدوار، وتبلغه إلى ٤٧٠٠٠ مقاتل على حين أنه دون هذا العدد بكثير.»

فالإحصاء الصحيح هو ما ذكره جون نينيه. وفي الحق أن الوقت لم يكن يتسع لزيادة عدد الجيش إلى أكثر من هذا العدد، فقد كان سنة ١٨٨١ لا يزيد على ١١٣٠٠ جندي (عدا الجنود المرابطة في السودان) ثم زيدَ نظريًّا في سنة ١٨٨٢ إلى ١٧٧٠٠ لكن عدده الحقيقي كان أقل من ذلك كثيرًا.

ويقول عرابي في مذكراته: «إن الجيش المصري عند ابتداء القتال كان مؤلفًا من ثمانية آلايات من المشاة، وثلاثة آلايات من الفرسان، وآلايين من الطوبجية البرية، وثلاث آلايات من طوبجية السواحل — المنوط بهم حماية الثغور — وفرقة من رجال الهندسة، وإن مجموع ذلك في حالة استكمال الفِرق والآلايات ٣٦٠٠٠.» وهو إحصاء نظري لا يمكن التعويل عليه؛ لأن المعروف أن الفِرق والآلايات لم تُستكمل قط عددها، بل كان بعضها لا يبلغ نصف عدده الرسمي.

والظاهر أن عرابي كان يميل بعد هزيمة التل الكبير، وفي خلال محاكمته إلى المبالغة في عدد الجيش المصري؛ لكي يتخذ الدفاع عنه من ذلك دليلًا على رغبته في حقن الدماء، مع وجود العدد الوافر لديه من الجند لاستمرار القتال، وسجَّل عرابي في مذكراته أنه كان بالقاهرة قبل ابتداء القتال مصنع للأسلحة، ومعمل للبارود، وآخر في بولاق لصب المدافع، ودار صناعة عظيمة لعمل البنادق والمدافع أُنشئت في طرة … ولكنها لم تكمل قبل نشوب الحرب.

يتضح لك من هذا البيان أن عدد الجيش الإنجليزي كان يزيد على ضِعف عدد الجيش المصري … وهذا وحده كان نذيرًا بسوء العاقبة. وقد جُعل الفريق راشد باشا حسني قائدًا لخطوط الدفاع في الشرق، وخورشيد باشا طاهر على رشيد وأبو قير، وعلي باشا الروبي على مريوط، وعبد العال باشا حلمي على دمياط، ومحمود سامي باشا البارودي قائدًا لمواقع الصالحية، وطلبة باشا عصمت قائدًا لفرقة كفر الدوار تحت إمرة عرابي.

واعتزم عرابي زيادة عدد الجيش، فرأى أن أقرب الوسائل إلى هذه الزيادة تجنيد الخفراء في سائر المديريات، لمرانهم على الحركات العسكرية من قبل، فأصدر منشورًا في ١٢ أغسطس سنة ١٨٨٢ بتجنيد ٢٥ ألفًا يؤخذون من الخفراء، ويحل محلهم غيرهم في المحافظة على الأمن، ووزع هذا العدد على المديريات كافة، وأرسل إلى المديرين يستحثهم على سرعة تجنيد هذا العدد، وبيَّن حاجة الدفاع إلى ذلك.

ولا شكَّ في أنه لو كان لدى مصر الوقت الكافي لجنَّدت هذا العدد وأكثر منه … ولكن الوقت لم يكن يتسع لتجنيد الخمسة والعشرين ألفًا ولا غيرهم، ويقول نينيه: «إنه كان يمكن لعرابي بعد ثمانية أشهر أو عشرة حشد خمسين ألف مقاتل أو ستين ألفًا، فقد كان يُشرف على حركة التجنيد يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية، وكان كفؤًا في الإدارة، ولكن الوقت لم يتسع لهذا العمل.»

ولما شبت الحرب لم يكن في خزانة الحكومة مال؛ لأن السير كلفن المراقب المالي الإنجليزي أخذ الأموال الموجودة في خزانة المالية، وأنزلها بالأسطول الإنجليزي قبل إعلان الحرب بأيام، وكذلك الأموال الموجودة بصندوق الدين حملها أعضاء القومسيون إلى السفن الحربية بالإسكندرية، فأرسل عرابي إلى المديرين يدعوهم إلى جمع الأموال والإعانات من مديرياتهم للجيش، وحرَّر من المجلس العرفي للمديريات بتحصيل الأموال من الأهالي بنسبة عشرة قروش عن كل فدان، على أن تُحسب الأموال لمن يدفعونها من ضرائب الأطيان التي تُستحق عليهم في المستقبل.

وتطوع الكثيرون في الجيش جنودًا مقاتلين يجودون بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، وبدأت حركة التطوع في القاهرة والأقاليم عقب ضرب الإسكندرية.

والحق أن الأهلين قد تطوعوا لإمداد الجيش بكل ما يستطيعون، من نفس ومال وغلال وعتاد ومئونة وميرة وخيول وماشية، وجادوا بكل ما في مقدورهم معتقدين بحق أن هذا واجب تفرضه عليهم الوطنية والدين.

قلنا إن الحكومة البريطانية عَهِدت بقيادة جيش الحملة على مصر إلى الجنرال السير «جارنت ولسلي» أحد القواد الأرلنديين في الجيش البريطاني، فوصل إلى الإسكندرية يوم ١٥ أغسطس سنة ١٨٨٢.

لم يكن الجنرال ولسلي من القواد الذين اشتهروا بالكفاية العالية في القيادة، ولا ممن امتازوا في معارك سابقة بالنبوغ في الفنون الحربية … بل كان ما عُرف عنه أنه اشترك من قبل في حرب القرم، وفي بعض الحملات الاستعمارية الإنجليزية، وكان لم يزل برتبة قائم مقام جنرال، حين تولى قيادة الحملة على مصر سنة ١٨٨٢، فلما انتهت بهزيمة العرابيين في التل الكبير واحتلال العاصمة، انهالت عليه ألقاب الشرف والتكريم، فنال لقب لورد «فيكونت» ولسلي أوف كيرو «القاهرة» ورتبة جنرال وغير ذلك من دلائل التقدير، على أنه تولى فيما بعد — سنة ١٨٨٤ — قيادة الحملة على قوات المهدي في دنقلة، فانتهت بإخفاقها ومقتل غردون باشا، وتولى سنة ١٩٠٣ قيادة الجيش الإنجليزي في حرب البوير بالترنسفال، فباء بالهزيمة والخسران … وعدَّته حكومته مسئولًا عن النكبة التي حلَّت بالجيش الإنجليزي، فنحته عن قيادته، وعيَّنت بدله الجنرال اللورد روبرتس.

من هذا البيان يتضح لك أن قيادة الجيش الإنجليزي، وذات الجيش الإنجليزي الذي هاجم مصر سنة ١٨٨٢ لم يكونا كافيين للظفر بها واحتلالها، لولا الانقسام الذي أضعف قوة الدفاع عنها … فانسل الإنجليز في أرض معبدة، ولم يلقوا المقاومة التي لقيها الجنرال «فريزر» حين نزل الإسكندرية سنة ١٨٠٧ على رأس جيش بريطاني، أراد احتلال مصر فباء بالخيبة والخسران …

ولم يكد يستقر بالجنرال ولسلي المقام في الإسكندرية، حتى أذاع الإعلان الآتي في المدينة:

بأمر الحضرة الخديوية — إعلان للمصريين — يعلن الجنرال قائد الجيوش الإنجليزية بأن مقاصد الدولة البريطانية في إرسالها تجريدة عسكرية إلى القُطر المصري ليست إلَّا لتأييد سلطة الحضرة الخديوية، وعساكرنا يحاربون فقط حاملي السلاح ضد سموه … فعموم الأهالي الذين في سلم وسكينة تصير معاملتهم بكل تودد وإنسانية، ولا يحصل لهم أدنى ضرر بل يُحترم دينهم وجوامعهم وعائلاتهم، والأشياء التي تلزم الجيش يصير دفع ثمنها، وعليه ندعو الأهالي لتقديم ذلك، وإن الجنرال قائد الجيش يُسر جدًّا من زيارة مشايخ البلاد وخلافهم، الذين يودون المساعدة لردع العصيان، الذي هو ضد الحضرة الخديوية الحاكم والوالي الشرعي على القُطر المصري المعيَّن من لدن الذات الشاهانية.

(٥-١) تجدد القتال

بدأت الحركات الحربية بين الإسكندرية وكفر الدوار عقب احتلال الإسكندرية كما تقدَّم بيانه، ثم تجددت عقب حضور الجنرال ولسلي … ففي يوم السبت ١٩ أغسطس سنة ١٨٨٢ تحركت قوة كبيرة من الإنجليز، جاء جانب منهم بالقطارات المسلحة من جهة القباري، وجانب آخر من جهة الرمل ومحطة السيوف وحجر النواتية، فلما وصلت القطارات إلى مقدمة الجيش المصري، أطلق اليوزباشي أحمد أفندي فضلي مدفعًا، فكان ذلك إيذانًا ببدء القتال.

ودارت معركة شديدة بينهم وبين المصريين، فصدهم المصريون عن التقدم بعد أن كبدوهم خسائر جمة، ودام القتال ثلاث ساعات حتى غروب الشمس، وكان يتولى قيادة الجيش في هذه المعركة طلبة باشا عصمت قومندان فرقة كفر الدوار، ومعه رضا باشا ومصطفى بك عبد الرحيم وعيد بك محمد وأحمد بك عبد الغفار، والقائمقام أحمد بك عفت والقائمقام سليمان سامي داود وبدوي بك حكمدار المدفعية، وانتهت المعركة بارتداد الإنجليز إلى الإسكندرية.

وفي أيام ٢٠ و٢١ و٢٢ أغسطس هاجم الإنجليز مواقع الجيش المصري في كفر الدوار، فدافع عنها المصريون خير دفاع، وانجلت هذه المعارك عن ارتداد الجيش الإنجليزي.

وتُعتبر معارك الميدان الغربي في جملتها فوزًا للعرابيين؛ لأن الإنجليز ارتدُّوا عن خطوط الدفاع في كفر الدوار.

(٦) في الميدان الشرقي

تقدَّم القول بأن عرابي أهمل الدفاع عن البلاد من ناحية الشرق، فلما جاء الجنرال ولسلي الإسكندرية، كان أول عمل حربي له هو تدبير الزحف على العاصمة من ناحية قناة السويس … ولو أن عرابي بادر عندما نشبت الحرب إلى سد القناة، لعجز الجنرال ولسلي عن الوصول بجيشه إلى الإسماعيلية واتخاذها قاعدة للزحف، ولكنه لم يفعل … فكان إحجامه وبالًا على مصر، وقد لعب فرديناند دلسبس في هذه المسألة دور الخداع والتغرير، لكي يفوِّت على العرابيين سد القناة.

فقد عقد عرابي مجلسًا عسكريًّا في أواخر يوليو للنظر في أمر القناة، فأجمع رأي المجلس على وجوب تعطيلها بحيث لا يستطيع الجيش الإنجليزي اجتيازها، والوصول إلى الشاطئ الغربي منها وخاصةً الإسماعيلية، فلما علم بذلك دلسبس أرسل إلى عرابي أن يمتنع عن قطع القناة … وأكد له كذبًا في تلغرافه «أن الإنجليز يستحيل أن يدخلوا القناة … يستحيل». فانخدع عرابي بهذا التلغراف رغم تحذير إخوانه إياه، ونصحهم له بأن لا يُصغي إلى نصيحة دلسبس، إذ ليس في إمكانه أن يمنع دخول الإنجليز القناة أو يبر بوعده، ولا هو صادق في نصحه، وإنما كان غرضه صيانة القناة من التعطيل، ولو ضُحيت في سبيل ذلك مصالح مصر وسلامتها.

وقد استمر على خداعه حتى وصلت البوارج الإنجليزية إلى بورسعيد لاحتلال القناة، فأرسل إلى عرابي تلغرافًا آخر يقول فيه: «لا تعمل عملًا ما لسد قناتي … فإني هنا ولا تخشَ شيئًا من هذه الناحية، إذ لا ينزل جندي إنجليزي واحد إلا بصحبة جندي فرنسي، وأنا المسئول عن كل ذلك.» وهنالك فقط شرع عرابي في سد القناة، ومع ذلك كان أمره في هذا الصدد منطويًا على التردد والإبهام، فقد قال فيه: «وما فعله الإنجليز يبيح لنا سد الترعة الحلوة عن السويس، وإذا تهدد القنال زيادة على ذلك بأعمال حربية داخلية، أبيح لنا ردمه وسده لتعدي الإنجليز على حيادته، فباتحاد سعادتكم مع سعادة رئيس عموم أركان حرب يجري ما فيه صالحنا.»

ولم يكد يصل هذا الأمر المبهم إلى راشد باشا حسني قومندان خط الشرق، حتى كان الإنجليز قد اقتحموا القناة … وكان الحزم والحكمة يقتضيان بأن يبادر عرابي إلى سد القناة، قبل أن تبدأ حركات الإنجليز العدائية من ناحية الشرق؛ لأن الإنجليز الذين خرقوا حرمة المعاهدات الدولية، ونقضوا عهودهم في مؤتمر الآستانة منذ ابتداء القتال بضربهم الإسكندرية، ثم احتلالهم إياها لم يكن من المنتظر أن يحترموا حياد القناة في قتالهم، أما اعتماد عرابي على وعد دلسبس في حماية القناة فأمر يدل على قِصر النظر، وقد كان من عيوب عرابي في ساعة الخطر التردد والإحجام، فكان خطؤه في مسألة القناة العامل الأكبر، إن لم يكن العامل الوحيد لانتصار الإنجليز في معارك الميدان الشرقي واحتلالهم العاصمة.

ومن عجب أن يصر عرابي على رأيه الخاطئ، مع أنه كما يقول جون نينيه كان مقتنعًا كل الاقتناع قبل نشوب الحرب بضرورة منع المرور من القناة، وأنه قطع برأيه في هذا الصدد إذ صرَّح للمستر كامرون مراسل جريدة الستاندارد، بحضور المسيو نينيه قبل ضرب الإسكندرية بقوله: «إننا سنحترم القناة ما دام العدو يحترم استقلال بلادنا … ولكن إذا نشبت الحرب، فإننا عند أول طلقة مدفع سنهدم القناة مؤقتًا، وسأفعل ذلك آسفًا لأني عالم بأن القناة طريق تجاري محايد.»

وقد كان هذا هو الوقت المناسب لسد القناة … فليت شعري ما الذي جعله يعدل عن هذا الرأي الصواب، ويمتنع عن سدها حتى احتلها الإنجليز؟

(٧) احتلال بورسعيد والإسماعيلية

كان أول عمل حربي للجنرال ولسلي عند وصوله إلى الإسكندرية، هو تدبير الزحف على العاصمة من طريق قناة السويس … ففي ظهر يوم ١٩ أغسطس أقلع الأسطول البريطاني من الإسكندرية بقيادة الأميرال سيمور، وكان مؤلفًا من ثماني مدرعات وثماني عشرة باخرة من بواخر النقل، تُقل معظم الجيش الإنجليزي بقيادة الجنرال ولسلي قاصدًا بورسعيد، فبلغها صباح ٢٠ أغسطس، وأخذت السفن الحربية تقتحم القناة، ونزلت كتيبة من جنود الأسطول إلى بورسعيد، واحتلوا المدينة دون مقاومة من الحامية، وكذلك احتل الإنجليز القنطرة والإسماعيلية في هذا اليوم، ومنعت البوارج الإنجليزية مرور البواخر التجارية في القناة، ومنع الأميرال هوايت من ناحية السويس دخول أية سفينة إلى القناة ابتداءً من ١٩ أغسطس، ووضع في مدخل القناة بارجة حربية تنفيذًا لهذا المنع، وقد احتجَّت شركة القناة على خرق حرمة القناة، فذهب احتجاجها سدًى. وفي ٢٠ أغسطس احتل الأميرال هوايت «شلوفة» شمال السويس على القناة.

وكانت طلائع العرابيين وعددهم نحو ألفين ترابط في «نفيشة» غربي الإسماعيلية، وعلى بُعد نحو ثلاثة كيلومترات منها، فأطلقت البوارج البريطانية قنابلها عليهم، وكان هذا الضرب نذيرًا بزحف الإنجليز من هذه الناحية …

ووصل الجنرال ولسلي إلى الإسماعيلية يوم ٢١ أغسطس لتدبير حركات القتال في الميدان الشرقي، وكان يصحبه الأميرال سيمور والأميرال هوبكنس، ووصلت على إثره بقية البواخر المقلة للجيش البريطاني، فنزلوا الإسماعيلية، كما وصل المدد من الهند إلى السويس، وبذلك انكشفت الجبهة المصرية من ناحية القناة، في حين أنه لو سُدت القناة في بداية القتال، لمَا استطاع الجنرال ولسلي أن يصل بجنوده إلى الإسماعيلية ويتخذها قاعدة للزحف، ولقضى عدة أشهر قبل أن يهاجم خطوط الدفاع في الدلتا.

وفي يوم ٢٢ أغسطس وضع الإنجليز أيديهم على سكة الحديد بين الإسماعيلية والسويس، وعلى ترعة المياه العذبة بين المدينتين.

ولما تم للإنجليز احتلال القناة، رخصوا لشركة القناة بإدارة أعمالها السابقة، وعادت السفن التجارية تجتاز القناة، ويتبين من ذلك أن اعتراض الشركة على خرق الإنجليز حيدة القناة، لم يكن سوى اعتراض شكلي كان الغرض منه منع العرابيين من سد القناة، حتى لا يتعطل انتفاع الشركة منها.

وهكذا جعل الإنجليز من القناة قاعدة حربية سهَّلت لهم مهمة الزحف على مصر، ولولاها لمَا استطاعوا أن يصلوا إلى الإسماعيلية بحرًا، وأن يزحفوا منها على العاصمة من طريق التل الكبير والزقازيق، فوصول البوارج الإنجليزية إلى الإسماعيلية واتخاذهم إياها قاعدة زحفهم، ما كان ليحدث لو لم تكن قناة السويس موجودة، وكذلك كانت القناة شؤمًا على مصر في جميع أدوارها الغابرة …

(٨) احتلال نفيشة

واحتل الإنجليز نفيشة بعد احتلالهم الإسماعيلية … ولهذا الاحتلال أهميته؛ لأن نفيشة هي أول محطة غربي الإسماعيلية، ومنها تتفرع ترعة الإسماعيلية إلى فرعين: أحدهما الذاهب إلى بورسعيد، والثاني إلى السويس.

وقد سد العرابيون ترعة الإسماعيلية في نقطة «المجفر» غربي الإسماعيلية؛ ليمنعوا ورود المياه العذبة إلى الجيش البريطاني، فهاجم الجنرال ولسلي «المجفر» يوم ٢٤ أغسطس، واحتلها بجنوده.

وتابع الإنجليز زحفهم فاستولوا على «المسخوطة» يوم ٢٥ أغسطس بعد معركة عنيفة دارت بينهم وبين العرابيين، وكان يقود الجيش المصري فيها الفريق راشد باشا حسني.

ووقع محمود باشا فهمي رئيس أركان حرب الجيش المصري أسيرًا في يد الإنجليز، فكان أسره أكبر ضربة أصابت الدفاع الوطني.

واستولى الإنجليز على «المحسمة» يوم ٢٥ أغسطس، وهي محطة تبعد عن نفيشة غربًا باثنين وعشرين كيلومترًا، وصارت المسافة بينهم وبين التل الكبير لا تتجاوز أربعة وعشرين كيلومترًا، وقد استولوا في «المحسمة» على سبعة مدافع كروب، وكمية كبيرة من البنادق وعلى قطار من الذخيرة.

وكان الاستيلاء على «المحسمة» عملًا حربيًّا على جانب كبير من الخطر؛ لأنه الخطوة الأولى التي اتخذها الإنجليز للوصول إلى معسكر العرابيين في التل الكبير … ثم احتل الإنجليز القصاصين يوم ٢٦ أغسطس دون مقاومة تُذكر، فصاروا على مسافة خمسة عشر كيلومترًا من التل الكبير.

(٩) عرابي في الميدان الشرقي

figure
الميدان الشرقي في الحرب العرابيَّة.

كان لأسر محمود باشا فهمي واحتلال «المحسمة»، وانكشاف نية الإنجليز في الزحف على العاصمة من ناحية الشرق وقْع شديد في صفوف العرابيين … فبادر عرابي إلى الانتقال إلى معسكر التل الكبير، وسار بالقطار من كفر الدوار ومعه جماعة من الضباط وطائفة من الحرس، وكان يصحبه عبد الله نديم خطيب الثورة العرابيَّة، فلما وصل القطار إلى الزقازيق خف للقائه جمْع حاشد من العُمد والأعيان وأرباب الطرق والموظفين، ونزل هنيهة بالمحطة، وجلس بكشك هناك، فاحتشد الناس للهتاف له وصاروا ينادون: «الله ينصرك يا عرابي! يا مولانا يا عزيز، أهلك عسكر الإنجليز. يا سيمور يا وش القملة، من قال لك تعمل دي العملة؟» وبعد أن جلس هنيهة غادر الكشك وركب القطار، وصار ينادي ويقول: «أنا لها، أنا لها!»

وسار القطار إلى التل الكبير بين هتاف المجتمعين وصياحهم … ولما وصل إلى التل الكبير، أعدَّ عرابي لنفسه بالمعسكر خيمة سعيد باشا والي مصر السابق، وكانت من أفخم الخيام، وأقام بها يحوطه الحرس والخدم، وتشاور وأصحابه فيما يجب عمله. وجاء علي فهمي من القاهرة يقود الآلاي الأول من المشاة مددًا للجيش، ووضعوا خطة القتال التي استدعاها تبدُّل الموقف. فاتفقوا على مهاجمة مواقع الإنجليز في القصاصين، وأرسلوا إلى طلبة باشا عصمت في كفر الدوار، لكي يرسل لهم المدد من الرجال والعتاد، فجاءهم عيد بك محمد بآلايه، وأحمد بك عبد الغفار وعبد الرحمن بك حسن بآلايات الفرسان، وجاءهم من دمياط خضر بك ومعه أورطتان من العساكر السودانية، فاستعد الجيش المصري لاتخاذ خطة الهجوم، وكانت قوات الإنجليز موزعة كالآتي: الجنرال جراهام في القصاصين، والجنرال دروري لو قائد الفرسان في المحسمة، والجنرال ويليس في المسخوطة.

(١٠) واقعة القصاصين الأولى

هاجم المصريون مواقع الإنجليز في القصاصين يوم ٢٨ أغسطس سنة ١٨٨٢ بقيادة الفريق راشد باشا حسني، وكان هجومًا شديدًا … فاستولوا على المواقع الأمامية للإنجليز، ولكن الفرسان البريطانيين بقيادة الجنرال «دروري لو» ما لبثوا أن كروا على المصريين، فأجلوهم عن هذه المواقع، وخسر الإنجليز في هذه الموقعة ٨ قتلى منهم ضابط، و٦١ جريحًا منهم عشرة من الضباط، وامتد فيها القتال إلى الليل.

(١١) موقف تركيا

قدَّمنا أن موقف تركيا منذ شبت الثورة العرابيَّة كان منطويًا على سوء النية والخطل في الرأي، فقد أرادت أن تتخذ من هذه الثورة فرصة لاسترداد امتيازات الاستقلال الذي نالته مصر … فأخذت تغري الفريقين المتخاصمين أحدهما بالآخر، فتتظاهر تارةً بتأييد الخديو، وطورًا بتأييد العرابيين، لتكسب من وراء هذا الإغراء نفوذًا وسلطانًا، ولكنها في الواقع لم تكسب شيئًا، وإنما استفادت إنجلترا من هذه السياسة الخرقاء.

وبينما كان الإنجليز يتقدَّمون في داخل البلاد، كانت المفاوضات مازالت مستمرة بين اللورد دفرين سفير إنجلترا في الآستانة والباب العالي، للاتفاق على خطة إرسال الجيش العثماني إلى مصر، وكانت إنجلترا تقصد من هذه المفاوضات إطالة الوقت وتعطيل إرسال جيش من تركيا، حتى تقمع الثورة بجيشها فلا يبقى محل لمجيء ذلك الجيش، وقد تذرعت إلى إطالة المفاوضات باشتراطها عدة شروط، وهي:
  • (١)

    تحديد عدد الجيش العثماني المزمع إرساله إلى مصر، بحيث لا يتجاوز خمسة أو ستة آلاف جندي.

  • (٢)

    منعه من دخول مصر بطريق البر أو النزول إلى الإسكندرية.

  • (٣)

    عرض خططه الحربية على القيادة الإنجليزية.

  • (٤)

    التعهد بسحب هذا الجيش حين جلاء الجيش الإنجليزي عن مصر.

وقد رفضت الحكومة التركية هذه الشروط، فكان ذلك سببًا في تعطيل إرسال جيشها، ولو رضيت بأي شروط تضعها إنجلترا، وبادرت بإرسال جيشها لكان ذلك خيرًا وأخف ضررًا من إحجامها عن إنفاذه؛ لأن مجرد وجود جيش تركي أو أي جيش آخر بجوار الجيش الإنجليزي يحُول دون استقرار الأخير في البلاد، ويؤدي لا محالة إلى إجلاء الجيشين معًا، كما حدث حين أرسلت كلٍّ من إنجلترا وتركيا جيشًا لإجلاء الفرنسيين عن مصر سنة ١٨٠١، فإن وجودهما معًا أدى إلى جلائهما عن البلاد في ذلك الحين.

وقد أعلنت إنجلترا على لسان اللورد دفرين أنها لا تقبل اشتراك الجيش العثماني المتضمنة شروط هذا الاشتراك.

وفي غضون مهزلة المفاوضات التي جرت في هذا الصدد، طلب اللورد دفرين من سعيد باشا الصدر الأعظم أن يعلن السلطان عصيان عرابي، وأن يقترن هذا الإعلان بالاتفاق على اشتراك الجيشين في مصر، وأخيرًا وقَّع الطرفان على هذا الاتفاق في ٥ سبتمبر سنة ١٨٨٢، وهو يقضي بإرسال ثلاثة آلاف جندي عثماني إلى بورسعيد، وفي الوقت نفسه أعلن السلطان عصيان عرابي في منشور طويل نشرته صحف الآستانة يوم ٦ سبتمبر.

لم تكن إنجلترا تقصد بهذا الاتفاق احترامه وتنفيذه، فإنها عجلت بإخماد الثورة قبل أن تتحرك تركيا إلى إرسال جيشها … بل كان غرضها إذاعة إعلان السلطان عصيان عرابي أثناء زحفها، لتتخذ منه وسيلة لإضعاف قوة الجيش المصري وإيقاع الفرقة والانحلال في صفوفه، وصرف القلوب عن تأييد عرابي في القتال، ولو تُرك السلطان وشأنه لمَا فكَّر في هذا الإعلان؛ لأنه في خاصة نفسه لم يكن يعطف على الخديو توفيق، ولا كان يميل إلى تثبيت سلطته، ولكن السياسة الإنجليزية ألحت وتهددت واستخدمت كل الوسائط، ومنها الرشوة لدى رجال المابين حتى أصدر السلطان إعلانه المشئوم …

ولما هُزم عرابي في واقعة التل الكبير بادر اللورد «دفرين» إلى إبلاغ الباب العالي أنه بهزيمة العرابيين لم يعُد ثمة موجب لإرسال جيش عثماني؛ لأن الجيش الإنجليزي قد انتهى من مهمة إخماد الثورة!

فإعلان عصيان عرابي والحرب قائمة، هو تدبير منطوٍ على المكر والخبث، وضعته إنجلترا لإضعاف قوة المقاومة في مصر، وتمكين جيشها من احتلال البلاد، وهي التي طلبت من السلطان ذلك الإعلان كما تقدَّم بيانه.

وقد ابتهج به الخديو، وعهد إلى سلطان باشا توزيع نسخ من جريدة «الجوائب» التي نشرته، والاتصال بضباط الجيش المصري لاطلاعهم عليه، ووزع عليهم منشورات بهذا المعنى، وتنقَّل سلطان باشا في البلاد لدعوة العُمد والأعيان إلى مساعدة الإنجليز، ولا جَرم أحدثت المنشورات تأثيرًا كبيرًا في حالة الضباط المعنوية.

(١٢) واقعة القصاصين الثانية

في صبيحة يوم السبت ٩ سبتمبر سنة ١٨٨٢ وقعت معركة كبيرة بين المصريين والإنجليز تُعد أكبر وقائع الحرب العرابيَّة … هجم فيها المصريون بقيادة الفريق راشد باشا حسني — المعروف بأبي شنب فضة — على مواقع الإنجليز في القصاصين يريدون استردادها للمرة الثانية، واحتدم القتال نحو ثلاث ساعات، ولكن المعركة انتهت بتراجع المصريين بعد أن كادوا يوقعون بالجيش الإنجليزي.

وكان القائد العام لجيش المصريين هو الفريق راشد حسني، وتقرر أن يتحرك محمود سامي البارودي من الصالحية ليلًا، فيصل إلى خط القتال عند مطلع الفجر للإحداق بميمنة العدو، وقد عُمل بترتيب الهجوم رسم سُلمت منه نسخة لكل أمير من القواد، وفي الثلث الأخير من ليلة ٩ سبتمبر قام الجيش على هذا الترتيب، فلما وصل قريبًا من العدو أخذ كلٌّ مكانه على خط النار، ولكن العدو كان عالِمًا بما استقر عليه الرأي إذ أطلعهم عليه الأميرالاي علي يوسف خنفس (الخائن). فبادر الجيش المصري بإطلاق المدافع واحتدم القتال بين الجيشين، أما جيش الصالحية بقيادة البارودي فإنه تأخر عن الميعاد المحدد له، ولما قرب من مكان الواقعة كان العدو متأهبًا لقتاله، فأطلق عليه مدافعه قبل أن يصل إلى مكانه، فتشتت وولى الأدبار، فمنهم من عاد إلى الصالحية، ومنهم من ذهب إلى معسكر رأس الوادي، وأما راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي ومن معهما من الجيش، فقد ثبتوا ثبات الأبطال حتى آخر النهار، وجُرح راشد باشا حسني برصاصة في قدمه … وجُرح علي باشا فهمي في ساقه، وخسر كلٌّ من الجيشين خسارة كبرى من ضرب المدافع والبنادق، التي كانت مقذوفاتها كالمطر في الميدان، وكانت هذه الواقعة أشد حرب نشبت بين العرابيين والإنجليز، إذ كانت قوة الجيشين عظيمة وثباتهما نادر المثيل …

ويقول جون نينيه عن هذه الوقعة: «إن إصابة القائدين الباسلين راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي، فيها كانت خسارة كبرى مُنيَ بها الجيش المصري لا تقل في فداحتها عن أسر محمود باشا فهمي.»

ويذكر المستر بلنت نقلًا عن رواية المصريين له عن المعركة أن الإنجليزي فوجئوا بهجوم الجيش المصري، وكاد الدوق أوف كنوت يقع أسيرًا، ولكن حدث نقص في تنفيذ خطة الهجوم، وذلك أنه كان على محمود باشا سامي البارودي أن يتحرك من الصالحين في ألفي مقاتل ليلًا ويهاجم في الصباح ميمنة الإنجليز، ولكنه ضلَّ الطريق فلم يصل في الميعاد ولم يشترك في المعركة، وثمة نقص آخر ذكره المستر بلنت، وهو أن عرابي كان واجبًا عليه أن يشترك في هذه المعركة، ولو في مؤخرة الجيش إن لم يكن في المقدمة، ولكنه جمد في التل الكبير، ولم تظهر في الميدان جميع قوة الجيش التي كان يجب استخدامها، وكان من عوامل الهزيمة خيانة الضابط علي يوسف خنفس.

كانت هزيمة الجيش المصري في واقعة القصاصين الثانية ضربة شديدة، كشفت الموقف الحربي ودلت على ضعف الجبهة المصرية أمام الهجوم الإنجليزي … وقد ظهر الاضطراب على زعماء العرابيين وبخاصة عرابي ومحمود سامي البارودي، وبدأ اليأس يتسرب إلى قلوبهم، وأدرك عرابي بعد فوات الفرصة أنه لو سدَّ قناة السويس عند ابتداء الحركات العدائية، لمَا بلغ الإنجليز الإسماعيلية بهذه السرعة، وما تقدَّموا في داخل البلاد بهذه السهولة … فأخذ يعالج الموقف في كثير من التردد واليأس، وبدأ بعد وقعة القصاصين في إرسال الجرحى إلى العاصمة، إذ أقلتهم القُطر الخاصة إلى العباسية، ومنهم القائدان الباسلان؛ راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي، واستدعى علي باشا الروبي قومندان موقع مريوط ليتولى قيادة جيش رأس الوادي، فحضر عصر يوم الثلاثاء ١٢ سبتمبر سنة ١٨٨٢، وأخذ يتفقد مواقع الجيش في التل الكبير، الذي أصبح بعد وقعة القصاصين هدف الإنجليز في هجومهم.

(١٣) معركة التل الكبير

تقع شرقي محطة التل الكبير على الضفة اليسرى لترعة الإسماعيلية هضبة تعلو السكة الحديدية بثلاثين مترًا، وتمتد بانحدار خفيف نحو الصالحية ونحو «القصاصين». وكانت خطوط الدفاع المصرية في «التل الكبير» تبتدئ من السكة الحديدية، وتمتد بطول ستة كيلومترات متجهة من الجنوب إلى الشمال، ويحمي معاقل الجند خنادق جافة عرضها من مترين إلى ثلاثة وعمقها متر أو متران، ووراء الخطوط الأمامية خطوط أخرى تمتد إلى معسكر التل الكبير الواقع على السكة الحديدية، ولم يكن عرابي قد أتم خطوط الدفاع قبل نشوب المعركة، ولم تكن هي ذاتها محكمة الوضع؛ لأنها أقيمت على عجل، وليس بها العدد الكافي من الجند لصد هجمات الأعداء.

وكان الجيش المصري في التل الكبير — كما قدَّره الجنرال ولسلي — مؤلفًا من ٢٤ طابورًا وثلاثة آلايات من الفرسان وستة آلاف من البدو، وكان عرابي يُشرف على حركات القتال … ولكنه لم يتولَ القيادة الفعلية التي عهد بها إليه علي باشا الروبي، وبلغت مدافع هذا الجيش من ٦٠ إلى ٧٠ مدفعًا. ويقول المستر بلنت: «إن جيش عرابي بالتل الكبير لم يكن يزيد على عشرة آلاف أو اثني عشر ألف جندي، والباقون كانوا من المجندين الأحداث، الذين لم يسبق لهم إطلاق بندقية واحدة. أضف إلى ذلك أن خيرة الجنود لم يكونوا بالتل الكبير، بل كانوا في كفر الدوار بقيادة طلبة باشا عصمت، أو في دمياط بقيادة عبد العال باشا حلمي، وهؤلاء لم يشتركوا قط في المعركة.»

وكان من حُسن التدبير أن يستدعي عرابي على الأقل الآلاي المرابط في دمياط؛ لأنه كان يحتوي على خيرة الجند المدربين، ولكنه لم يفعل … ولم يأتِ من هذا الآلاي سوى أورطتين مع مسيس الحاجة إليه، وعهد عرابي بالقيادة في معركة التل الكبير إلى علي باشا الروبي، ولم يكن على حظٍّ ما من الكفاية الحربية … أضف إلى ذلك أنه كان إلى ما قبل المعركة قائدًا لفرقة مريوط، واستدعاه عرابي إلى التل الكبير بعد إصابة راشد باشا حسني في القصاصين، فحضر قبل الواقعة بيوم واحد، وهو وقت لا يكفي لتعرُّف مواقع القتال في تلك الناحية، ووضع الخطط الصالحة للدفاع.

وزحف الجنرال ولسلي على التل الكبير في أحد عشر ألفًا من المشاة و٢٠٠٠ من الفرسان ومعه ستون مدفعًا، وكان الهجوم من الناحية الشمالية للتل الكبير، إذ كانت أصلح للزحف من الجهة الجنوبية المكونة من أراضٍ زراعية تخترقها الترع والأقنية وتعوق سير الجنود، واعتزم الزحف ليلًا لكي يوفر على جنوده عناء المسير في شمس النهار المحرقة، وسط رمال الصحراء وفي أرض مكشوفة، وقد رجَّح عنده الزحف في الظلام ما لاحظه حين كان يستطلع مواقع المصريين في التل الكبير من أنهم لا يضعون الطلائع أمام الاستحكامات إلَّا من الساعة الخامسة صباحًا، وهذا نقص كبير في الدفاع، فأراح ولسلي جيشه يوم ٢١ سبتمبر …

وفي مساء هذا اليوم تأهب للزحف، ولما جن الليل بدأ الجيش الإنجليزي يتحرك من القصاصين في منتصف الساعة الثانية صباحًا، وكان الظلام حالكًا، وأصدر الجنرال ولسلي تعليماته بأن تطفأ كل الأنوار أثناء السير، حتى لا يشعر العرابيون بزحفه، وكان يتقدَّم الجيش بعض ضباط الأسطول، الذين لهم دراية بالاسترشاد بالنجوم لمعرفة خط السير في الصحراء، ولكن هؤلاء لم يكن في استطاعتهم الاهتداء إلى مسالك الصحراء، بل كان المرشدون الحقيقيون بعض عربان الهنادي، ممن اشترى الإنجليز ذممهم واتخذوهم عيونًا لهم وجواسيس.

ومن العجيب أن يقطع الجيش الإنجليزي المسافة بين القصاصين والتل الكبير — وهي تبلغ خمسة عشر كيلومترًا — دون أن تصادفهم طلائع المصريين، ولو كان الدفاع محكمًا لمَا فات عرابي أن يجعل لجيشه طلائع على مسافات بعيدة ينبئونه بحركات الجيش الإنجليزي، واستمر الإنجليز في زحفهم حتى مطلع الفجر، وعندئذٍ صارت كتائبهم على مسافة ١٥٠ ياردة من التل الكبير، وقد فوجئ المصريون بالهجوم إذ كانوا نائمين بعد أن سهروا في سماع ذكر أرباب الطرق، فاستيقظوا على صوت البنادق، ولم يكد يضربون نفير الحذر حتى أمر الجنرال ولسلي جنوده بالهجوم … فابتدأ في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والأربعين صباحًا، وكان على شكل نصف دائرة أحاطت بمعسكر العرابيين، فاقتحمت الجنود الإنجليزية الاستحكامات الأمامية، وأطلق رماتها القنابل والبنادق عليهم، وقُتل منهم في هذه الهجمة نحو مائتين قبل أن يصلوا إلى الخنادق.

ولكن الهجوم كان فجائيًّا شديدًا، فاستولى الإنجليز على الاستحكامات الأمامية … وبعد هنيهة هجموا على خط الاستحكامات الثاني، واتجهت فرقة منهم تجوس خلال الاستحكامات ففتكت بنادقهم بالمصريين فتكًا ذريعًا، وهجم فرسان الجيش البريطاني بقيادة الجنرال دروري لو على ميسرة العرابيين متجهين صوب محطة التل الكبير، فأحدقوا بها. وأُخذ المصريون على غِرة في الميمنة والميسرة، وصمد للدفاع آلايان من السودانيين بقيادة الأميرالاي محمد عبيد، وظلوا يدافعون الإنجليز حتى استشهد معظمهم، وقُتل قائدهم البطل محمد عبيد، واستبسل أيضًا في القتال آلاي من البيادة بقيادة أحمد بك فرج وآلاي عبد القادر عبد الصمد، وكذلك أبلى اليوزباشي حسن أفندي رضوان (الفريق حسن باشا رضوان فيما بعد) بلاءً حسنًا في الوقعة إذ كان قومندانًا للطوبجي، فلما فوجئ المصريون بهجوم الجيش الإنجليزي اختل نظامهم … لكن اليوزباشي حسن رضوان صمد للمهاجمين، وأخذت مدافعه تصلي الإنجليز نارًا حامية وكبدتهم خسائر جسيمة، وجُرح هو في تلك الوقعة. وقد أُعجب الجنرال ولسلي ببسالته وترك سيفه احترامًا له، ولم يزد عدد الجنود الذين اشتركوا في المعركة على ثلاثة آلاف، أما الباقون فقد تولاهم الذعر، فألقوا أسلحتهم ولاذوا بالفرار، ولم تدم المعركة أكثر من عشرين دقيقة لم تزد خسائر الإنجليز فيها على ٥٧ قتيلًا منهم ٩ ضباط و٤٨ صف ضابط وجنديًّا و٤٠٢ جرحى منهم ٢٧ من الضباط، أما خسائر المصريين فقد تراوحت بين ١٥٠٠ قتيل أو ٢٠٠٠، وغنم الإنجليز مدافع المصريين، واستولوا على جميع مهمات الجيش وذخائره ومئونته …

وكانت معركة التل الكبير سلسلة فضائح انتهت بهزيمة الجيش المصري، لم يحصل فيها قتال بالمعنى الصحيح إلَّا من ثلاثة آلاف من الجند، وكانت فيما عدا ذلك أشبه بمهزلة أو مأساة، فهي صفحة محزنة من تاريخ مصر الحربي والقومي، وقد خلت من البطولة التي كان يمكن أن تغيِّر من مصير المعركة أو تخفف من غضاضة الهزيمة، وتقوِّي روح المقاومة في البلاد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠