يوم من حياتي

(١) رسالة الأستاذ النشار

كان يوم الخميس يومًا من الصيـ
ـف وإن جاء في غضون الشتاء
مثلما يظهر النبي أو الشا
عر ما بين معشر جهلاء
يكثر الجاحدوه عدًّا وينمو
حبه بين قلة فضلاء
ما نصير النبي في زمن المحـ
ـنة كالتابعيه عهد الرخاء

•••

وانتهزنا يوم الخميس فأكرمـ
ـنا به الصيف صاحب الآلاء
المفيض السرور في كل نفس
من معينيه: دفئه والضياء
البشوش الذي تبسم عن زهـ
ـر وحيَّى بنفحة فيحاء
وافتقدناك يوم ذاك فألفيـْ
ـنا قريبًا بالروح والجسم ناء
وذهبنا ثلاثة بجسوم
ومئات بالروح والآراء
عن يميني وعن يساريَ من تبـ
ـصر عيني ولا ترى عين راء
ملء عيني وملء سمعي نفوس
ملء نفسي من رفقتي القدماء

•••

وقضينا على «البلاج» سويعا
تٍ جمعن الأجيال في آناء
عمر جيل بأسره يتقضَّى
بين لفظين من فم الشعراء
أي عين تلك التي تلمح اللُّبـْ
ـبَ وتأبى ما حوله من لحاء؟!
ما التواريخ، ما الحوادث إلا
قشرة فوق قشرة لفاء
والصميم الصميم ما رسم الشا
عر في لفظه البديع الرواء
روعة الحق قد تكشف عنها
لفظة، لا تجمل بطلاء
والبليغ البليغ ما لمس الحقـْ
ـقَ، وأهون بزخرف في الأداء
كم هباء مدثر بهباء
في فصيح من منطق الفصحاء
يا صديقيَّ أنشداني من الشعـ
ـر جديدًا أو فاسمعا قدمائي

•••

ثم أمطرتُ من قصائد شكري١
مثل فيض الغمامة الوطفاء
يا سحابًا يمده البحرُ لن ينـ
ـفد ما قد حويته من ماء
لم أصفه بالماء إلا لأني
لم أجد مثله لري ظمائي
ثم أنشدت من قصائد عبا
س٢ كعقد الكواكب الزهراء
البعيدُ البعيد معنًى ومرمًى
يتجلى في لفظه الوضاء
يا صديقيَّ أنشداني جديدًا
ليس كالشعر جالب لصفائي

•••

وتنبهت من نشيدي على صو
ت خرير المياه في الدأماء
فقطعنا الحديث ننظر للبحـ
ـر غريقًا في لجة من ضياء
إن بحر الشعاع يا شمس أقوى
من بحار مرهوبة من ماء
وبحار الظلماء أهول منها
تغرق الكونَ لجةُ الظلماء
بيد أن الإنسان قد ركب البحـ
ـر ذلولًا وطار فوق الفضاء
لم يعبه فردًا سوى قصر العمـ
ـر ولكنه عظيم الرجاء!
لو تخلى عنه الرجاء لما غا
لب ما في الوجود من أعداء
جاعِلَ الجو والبحار عبيدًا
كيف تقضي من أضعف الأشياء؟!

•••

قال لي صاحباي: هل تبتغي الشر
بَ؟ فأومأت طالبًا للإناء
وتجرعت جرعتين، فخف الـ
ـجسم حتى حسبتني كالهباء
ما أراني وقد سكرت أبالي
بجمالٍ في البحر أو في السماء
وتلفتُّ ناظرًا لنساء
فتنسمت من عبير النساء
أحسب الخمر من حبائل (حوا
ء) فأكرم بأمنا (حواء)
كان تفاحها عصيرًا، ولولا
ذاك لم يعص (آدمٌ) في السماء!
باسم (حواء) هات كأسًا وأخرى
باسم من كان أول الأنبياء
وتحادثن فانتشيتُ بسمعي
وتضاحكن فانتشت أعضائي
هنَّ مَن هنَّ، لا أطيل كثيرًا
هنَّ دائي، وهنَّ بعدُ دوائي

•••

طاب يوم الخميس٣ يومًا وإن كا
ن مساء الخميس شرَّ مساء
فيه حاضرت في النقابة٤ جمعًا
حسنَ الظن طيبَ الإصغاء
فإذا بي أكاد لا أحسن النطـ
ـق، فما كان كالأداء أدائي
خافت الصوت في مواضع يحتا
ج خطيبٌ فيها إلى الإعلاء
رافع الصوت في مواضع لينٍ
سيئ السمت، سيئ الإيماء
قيل عيٌّ مني، وما عرف السرَّ
سوى صاحبين من خلصائي
شر ما كان في الخطابة أني
خلت نفسي مدرس الإملاء!
كنت أملي الكلام لفظًا فلفظًا
دائم الضغط في حروف الهجاء
هو عهدٌ عليَّ لا أشرب الخمـ
ـر ولو كان فيه كل شفائي
صفقوا مظهرين شكرًا لجهدي
هو جهدٌ أضعته بانتشائي
كلمات التشجيع كانت عزائي
وأعادت بعد القنوط رجائي
كان في السامعين أستاذنا (الشا
ئب)٥ محيي روابط الأدباء
النقيُّ الفؤاد من كل غلٍّ
البريء الحاني على الأبرياء
كاد تقديره المشجع يمحو
سوء ما قد جنيت من إلقائي
ثم أبصرت صاحبي (زكريا)٦
وأديبًا في معطف من فراء
قال لي إنه الممثل فتُّو
ح٧ وأنعم بالاسم في الأسماء
شهرة قلَّ أن تنال، وفن
يرتقي أهله عنان السماء
أي ظرف ودقة فيه، بل أي
فتون في النطق والإيماء
كدت أرتدُّ للسعادة لولا
أنني في غمامة سوداء
اختمارٌ يذود عيني وسمعي
ودوار في الرأس بعد غثاء
كان يوم الخميس لولا الحميَّا
يوم سعد وغبطة وصفاء

•••

عند وقت الذهاب ناولني (الشا
ئب) ديوانك٨ الجميل الرواء
هالني منه حجمه، وعجيبٌ
مثل هذا الإنتاج في الشعراء
شعرُ جيلٍ هذاك أم شعر فرد؟
أي نبت هذا وأي نماء؟
استوى الكمُّ في الغرابة والكيـ
ـفُ فحيرتَ فطنةَ الفهماء
لا أهنيك بالإجادة، بل أشـ
ـفق مما عالجتَ من أهواء؟
كل هذي مواجدٌ وشجونٌ
وضروبٌ من لذة وشقاء
كل هذا عالجته دون يأس
كل هذا قابلته بالغناء
فتغنى وقد ضحكتَ سرورًا
وتغنى في الحزن عند البكاء
مرنت نفسُك الكبيرةُ بالعطـ
ـف فكانت مرونةً في الأداء
والأساليبُ كالثياب، وبعض النـْ
ـنَاس أسلوبه شبيه الإناء
لم يغير منه اختلاف المعاني
فهو يبدو كالآلة الصماء
أو كصندوق ميت، والقريضُ الـ
ـحيُّ كأسٌ كسائر الأحياء
أيُّهذا الصديق لا تتبع النا
قدَ إلا بضحكة استهزاء
مصدر النقد للقريض هو الحقـ
ـد وإجدابُ فطنةٍ وذكاء
يبصر الشاعر المعاني خيالًا
لم يُصوَّر بصورة الأشياء
فإذا قال فهو أصدق من قا
ل، وقول النقاد محض هراء
لك مني يا صنوَ نفسي تحيا
تُ مشوقٍ إليك جمِّ الوفاء

(٢) رد صاحب الديوان

أقبل العيدُ في غلائل صبح
نسجتها رشاقةُ الحسناء
وحواليَّ من براعيم تفا
حٍ هدايا (الطبيعة) الغناء
وغواني النحل العزيزات يرقصـ
ـن وينشدن مستطابَ الغناء
وبناتُ النخيل تحني رءوسًا
في تحايا، والوردُ زاهٍ إزائي
وحمامات جارتي مثلها ازدنْ
نَ بأبهى القلانس الغراء
يلتقطن الحبَّ الذي نثرته
كالتقاطي ابتسامَها في رجاء
وصغاري في فرحة العيد حولي
توَّجوني بنعمة السعداء
وأتمَّ التعييدَ من خالص الودْ
دِ رسولٌ بشعرك الوضاء
وكأني الأمير بين فنون
جمة الروع من عزيز الضياء

•••

لك والصاحبين شكري لذكرا
يَ، وأجمِلْ بذكرِ أهل الوفاء
غير ناسٍ يوم الخميس الذي أو
حى إلى أصغريك شعر الإخاء
فترسلتَ في كتابك إبدا
عًا بلا كلفة ولا استحياء
كالخضمِّ الذي تدفَّق أموا
جًا إلى الشاطئ الوفيِّ النائي
يتلقاه في حنانٍ وإنْ ثا
ر، كما يصطفيه عند الصفاء
إنَّ صدقَ التعبير في الحر من لفـ
ـظ حريٌّ بالشعر شعر البقاء
ذاك روح الفنان: لا يعرف القيـ
ـد كروح المهيمن المشَّاء

•••

وأجدتَ التشبيه في وصفك الصيـ
ـف وقد جاء خلسةً في الشتاء
كان مثل المحبِّ عندي إذا زا
ر جَسورًا مواطن الأعداء!
زار فيها ملاحةً خبأتها
نزوات الأحقاد والبغضاء
وأراني قسوتُ مثلك في وصـ
ـفي طباع الشتاء وصفَ العداء
وأنا من يرى الجمال مشاعًا
في ضياء وفي مدى الظلماء
أقبل الصيفُ معلنًا لربيع
بحنوِّ الأبناء للآباء
ولدته الأمُّ (الطبيعة) من قبـ
ـل أبيه كمعجز الأنبياء!
فأخذناه مثلكم في احتضانٍ
وسقيناه خمرة الأضواء
وحرصنا عليه يومين حتى
فاتنا بعد سكرة الإغواء!
وغنمنا منه لذكراه ألوا
نًا من الزهر والحلى والبهاء
هي وعدٌ منه بعودٍ قريب
لمجالي العشاق والشعراء
عززته الأزهار من صبغة الحـ
ـب، وضحك الغمامة الوطفاء
وائتلاق النجوم كالشرر المعـ
ـلن عن نار لوعة في السماء!
كل هذا بشير عهدٍ زكي
وحياةٍ عظيمة الإحياء
نام عنها الذين عاشوا من المو
تى كنوم الحجارة الصماء
ورأونا شبه المجانين من فر
ط سرورٍ بوحيها واحتفاء!

•••

وأراك الشاكي كثيرًا من الخلـ
ـق وقد أتقنوا فنون الدهاء
قال منهم من قال: لا خير في الصدْ
ق، ولكن في الفن والإيماء
أترى الفن غير صدقٍ وإخلا
ص، أم الفن سفسطات الرياء؟!
لا تُمزِّق وجدانك العمرَ بالشكـ
ـوى وتكفيك لذةُ البناء
لست والله من يفوقك في الحظ
فعمري قصيدة من شقاء
قد توالت منذ الطفولة آلا
مي كعدِّ الأيام دون انتهاء
ولعلي إذا قضيتُ حوى قبـ
ـري رصيدًا منها ليوم الجزاء
إن من كان بالغَ الحسِّ لا يسـ
ـلم مهما صفا من الإيذاء
عشتُ للحب أنهل العمرَ منه
وأرى فيه راحتي وعزائي
وأعاف الشرابَ وحدي فأعطيـ
ـه قريرًا، والحبُّ أشهى غذائي
فأُجازَى بالبغض ممن حبتْه
مهجتي الحبَّ دون منِّ العطاء
وأنا صابرٌ، وأبسم للدهـ
ـر جزاءً له على الإقذاء!

•••

وذكرتَ النبيَّ ينكر في المحـ
ـنة، لكن يجل عند الرخاء
فلماذا تطيق إخفاءَ ما تبـ
ـدع حين الأذاة في الإخفاء؟
ثقْ بما أنت منتج طالما كا
ن مثالًا لحسك المترائي
أي حسن للماس في ظلمة المنـ
ـجم حين الجمال زين المرائي؟
أي عطر للزهر ما دام في الكمْ
مِ وإن كان آيةً في الرواء؟
أي سحر للبدر ما دام لا يطـ
ـلع مهما اشتهته عين الرائي؟
أي معنى للفن إن كان إضما
رًا بعيدًا عن خاطر الفهماء؟
أي حظ يرجى لعمر جنين
غائب في قرارة الأحشاء؟
فتقدم ولا تهبْ، وانفح الشعـ
ـر براح العلياء والأدباء
ما أرى الشعر في غنى عن نظيم
بنظيم، وعن سنًى بسناء
وأرى الحسن لا يحدُّ بحدٍّ
فمن الغبن قتله باكتفاء
ذاك عهدي، فإنني دائم النشـ
ـر لحسن الألباب والأشياء
وكأني بها تعبر عن نفـ
ـسي، ونفسي مثالُها في الولاء
كل ما شاقني لغيري تفانيـ
ـتُ بتكريمه بلا استثناء
وأبيتُ الثناء مذ كان تكريـ
ـمي لروح تسيل في أعضائي!
فلتثقْ من خلوص نصحي لإبلا
غك أسنى مراتب الأكفاء
وحرامٌ حرمانُ مَن روحه أو
لَى بمجد السماء لا الغبراء
وإذا الناس أغفلوا الشاعر المبـ
ـدع ذاقوا خسارة الأغبياء
حينما روحه العظيمة تنأى
عن أذاهم في مُلك هذا الفضاء
فعليهم خسارُه، وله الغنـ
ـمُ كغنم الضنين للأدعياء
وعليهم حرمانه الشدوَ باللحـ
ـن، وقد صان لحنه للذكاء

•••

وتحدثتَ عن مفاتن بحر
و«بلاج» خصصتُه بدعائي
خطرت (أفرديتُ) فيه وكانت
كرسول من أمنا (حواء)
وتجلت بكل هيفاء مرت
كتجلي الحبور في النعماء
خلعت كلَّ ساتر من ثياب
غير ثوب الملاحة الزهراء!
وتمادت ما بين صدٍّ وإغرا
ءٍ، بلا موجب إلى الإغراء
ولقد لُحن أشبه الخلق بالشعـ
ـر: خيالًا، في ثورة، في ثراء
ما خشين الدأماء، والليل كالبحـ
ـر، ولكن سطعن في الدأماء
وتحولن فتنةً لبني (آ
دم) للثأر من وجود مُرائي
وبروحي عَودي أسيرًا لنجوا
هن، مستسلمًا لحكم القضاء
أرجح الظن أن (آدم) قد كا
ن أميرًا للشعر يوم الفداء!
وذممتَ السلاف، وهي لعمري
من عصير الأرواح لا الأهواء
كلما ذقتها أضفت إلى رو
حك روحًا من أهلها الأوفياء
من بنات الكروم في حُلل (العذ
راء) طهرًا وفي ندى الحكماء
يرتضين الفداءَ للعاشقيـ
ـهنَّ ارتضاءَ الخلود عند افتداء
وارتضاءَ الندى التبخُّرَ في النو
ر ليغدو أشعةً من ذكاء!
خمرة الكرم هي أكرم عندي
من رحيق الجنان للأتقياء
هذه قد زكت بما تهب الأر
ضُ بعدلٍ وما حوت من شفاء
حينما تلك شبهُ سخرية الربْ
بِ ومطل الشقاء للأشقياء
اشرب الخمر حين تشرب كأسيـْ
ـن فيُنهَى إليك منك انتشائي
وابعث الكأس تحفة من نظيم
وكأني لديك في الجلساء
وإذا ما مزجت خمرك بالشعـ
ـر تذوقتُ منك ري الظماء
لك في الراح منبرٌ وقصيدٌ
هو مغنٍ عن منبر الخطباء

•••

وتلطفتَ إذْ تقبلت ديوا
ني بشوق تقبل الأكفياء
وغنائي فيه تعالى عن الزهـ
ـو فقد كان في غنائي رثائي
حينما لم يصب سوى الهجو من قو
م حياتي لهم فداموا بلائي
ومن الناس من تكون دواءً
لأساهم وهم عيون الداء
غير أني أعيش في عالم مني
وإنْ قدَّروه محضَ الغباء!
في قصيٍّ آتٍ من الخلق والدنـ
ـيا، وفي راحة من البأساء
حيث يرقى الجمال عرشًا هو الحا
كم حكم البريْء في الأبرياء
حيث يغدو الإنسان شبهَ إله
في غنًى عن شفاعة الشفعاء
هَمُّه همة الفتوح وما يفـ
ـضي إلى الحسن في اطراد النداء
ما له من سآمة يتقيها
أو ثقيل من مرهق الأعباء
بل له كل ما تمنَّى بعقلٍ
قاهر نافذٍ إلى الجوزاء
فلمثلي سيان ذكراه مشكو
رًا أو القدح، بل فنون الهجاء!
فنظيمي لُبِّي، ولو أحرقوا شعـ
ـري لما بُلِّغوا لجرحي بكائي!
في فؤادي أضعافُ أضعاف ما صغـْ
ـت، وقد صنتُه عن الأدنياء!
وكفاني أن يضمد الجرحَ في قلـ
ـبي خليلٌ رأى همومي دمائي!
١  هو الأستاذ عبد الرحمن شكري.
٢  هو الأستاذ عباس محمود العقاد.
٣  يوم الخميس ٧ مارس سنة ١٩٢٩م.
٤  نقابة موظفي الحكومة بالإسكندرية.
٥  الأستاذ أحمد الشايب.
٦  الأديب زكريا محمد عبده.
٧  الممثل فتوح نشاطي.
٨  ديوان (الشفق الباكي).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١