الفصل الخامس

بعد خمسة عشر عامًا

لدير الراهبات بباريس فناءٌ واسعٌ قد غرست في أنحائه بِضْعُ أشجارٍ ضخمة باسقة، قد تناثرت من تحتها أوراقها الساقطة الصفراء، ووضع في وسطه مقعدٌ حجريٌّ هلالي الشكل، فخرجت الراهبات بعد أداء صلواتهن في محاريبهن، يتمشين في ذلك الفناء، ويتحدثن بأحاديث مختلفةٍ، لا يخلو بعضها من ذكر العالم الدنيوي وشئونه، والحياة ووقائعها، كأن ذلك الحجاب الحجري الذي أُسدل دونهن من الأسوار والجدران لم يستطع أن يقطع الصلة بينهن وبين الحياة التي هجرنها واطَّرحنها، وأقسمن بين يدي الله أن ينسينها أبد الدهر.

فلم يزل بين جوانحهنَّ بصيصٌ ضعيفٌ من تلك الذكرى يلمع من حينٍ إلى حين؛ لأنهن لا يستطعن — مهما بلغن من قوة اليقين ورسوخ الإيمان وثبات العزيمة — أن ينتزعن الطبيعة من بين جُنوبهنَّ، كما يرفعن قبعاتهن عن رءوسهن وأرديتهن عن أكتافهن، ويرمين بها وراء تلك الأسوار والجدران، كما أرادت منهنَّ ذلك الشرائع النظرية التي لا صلة بينها وبين حقائق الحياة وطبائعها. فقالت الأخت «مارت» للأخت «كلير»: لقد رأيتك اليوم واقفةً أمام المرآة مرَّتين، ورأيت في يدك مشطًا تحاولين أن تمشطي به شعرك، وسأرفع أمرك إلى الرئيسة! قالت: إنك لا تستطيعين أن تفعلي إلا إذا استطعت أن تحدثيني عن تلك الأغنية الغرامية، التي كنت تتغنين بها ليلة أمس في غرفتك بصوتٍ خافتٍ شجيٍّ، كأنك تتذكرين بها عهدًا قديمًا! فابتسمت الأخت «مارت» وقالت: إنني إن أعفيتك من الشَّكوى إلى الرئيسة، فلن أعفيك من الشكوى إلى المسيو بيرجراك عند حضوره! قالت: كأنك تأبين إلا أن نصبح ضحكة الناس وسخريتهم؛ فسيرانو رجلٌ شديدٌ قاسٍ، يكره الحركات النسائية المتطرفة، وينعى عليها نعيًا شديدًا. قالت: ولكنه يذهب في نقده مذهب التهكم البديع المستطرف، فهو إلى الفكاهة أقرب منه إلى الجد. فقالت الأخت «مارجريت»: الحقَّ أقول يا أخواتي، إنني لم أرَ في حياتي أظرف من هذا الرجل، ولا أعذب منه لسانًا، ولا أحلى مجونًا، ولا أطيب قلبًا، ولا أنقى سريرةً. فقالت لها «كلير»: أصحيح يا أختاه أنه يختلف إلى هذا الدير منذ اثني عشر عامًا قالت: بل أكثر من ذلك، مذ هجرت ابنة عمه الأخت روكسان العالم الدنيوي، ونزلت بنا كما ينزل الطير الحزين وسط الطيور البيضاء، ومزجت سواد رهبانيتها بسواد حدادها، وسيرانو هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يعزِّي نفسها، ويمسح دموعها، ويخفف أحزانها الكامنة في أعماق قلبها. فقالت «مارت»: ولكنه، ويا للأسف غير متمسكٍ بواجباته الدينية، وهو إلى الإلحاد أقرب منه إلى الإيمان. فقالت «كلير»: أظن أننا نستطيع أن نهديه إذا نحن حاولنا منه ذلك.

وهنا أقبلت الرئيسة، وقد سمعت هذه الكلمة الأخيرة، فعلمت أنهن يتكلمن عن سيرانو. فقالت: إني أمنعكنَّ جميعًا عن مفاتحته في هذا الأمر، فَدَعْنَهُ وشأنه، والله يتولى أمره. فقالت: «مارت»: ولكنه مكابرٌ عنيدٌ، لا يزال يولع بمحادَّتي ومغايظتي كلما رآني؛ فقد قال لي يوم السبت الماضي عند حضوره: إنه أكل بالأمس لحمًا ودسمًا، فلم أطق استماع ذلك منه وكدت أختصمه، قالت: لا تصدقيه يا بنيتي، فإنه حينما جاءنا في المرة الماضية كان قد مرَّ به يومان لم يذق فيهما طعم الخبز! فدهشت الراهبات جميعًا، ونظرن إلى الرئيسة باهتاتٍ مذهولات. فقالت لهن: لا يدهشكنَّ ذلك يا بنياتي، فسيرانو رجلٌ فقيرٌ معدمٌ، لا يملك من متاع الدنيا شيئًا. فقالت لها «مرجريت»: عجيب جدًّا! من أخبرك بذلك؟ قالت: صديقه «لبريه». قالت: ألا يساعده أحد؟ قالت: لا؛ لأنه لا يريد ذلك.

وإنهن لكذلك إذ أقبلت روكسان من ناحية باب الدير في لباسها الأسود، وبجانبها الكونت دي جيش، وكان قد وصل في مجده الدنيوي إلى الغاية القصوى التي لا غاية وراءها، فأصبح القائد العام للجيش الفرنسي، وأصبح يدعى «الدوق ماريشال دي جرامونت»، وكان قد أشرف في ذلك الوقت على سنِّ الشيخوخة، فهدأت في نفسه تلك العواطف القديمة الثائرة، عواطف الشرور والشهوات، فأخذ نفسه بزيارة روكسان في ديرها من حينٍ إلى حينٍ للتعزية والوفاء والتكفير عن سيئاته الماضية إليها، فلم يزل سائرًا معها حتى بلغا ذلك المقعد فجلسا عليه، ثم نظر إليها نظرةً حزينةً مكتئبة، وقال لها: أهكذا تعيشين دائمًا يا روكسان في عُزلتك هذه، لا تفكرين في شأنٍ من شئون الحياة، ولا تأسفين على عهدٍ من عهودك الماضية؟ قالت: نعم دائمًا، لا أذكر غيره، ولا يمر بخاطري شيء سواه! قال: وهل غفرت لي ذلك الذنب الذي أذنبته إليك، أم لا تزال في قلبك بقيةٌ من العتب والموجدةِ عليَّ؟ فاغرورقت عيناها بالدُّموع وصمتت هُنَيْهَةً، ثم رفعت نظرها إلى صليب الدير العظيم الماثل أمامها وقالت: ما دمتُ في هذا المكان، وما دام هذا ماثلًا أمام عينيَّ، فأنا أغتفر جميع الذنوب، حاضرها وماضيها. قال: وا رحمتاه لذلك الفتى المسكين! ما كنت أظن أن نفس إنسانٍ في العالم تشتملُ على مثل الصفات التي كانت تشتمل عليها نفسه، لولا أنك أقسمت لي على ذلك! قالت: إنك لو عرفته معرفتي إياه لامتلأت نفسك إعجابًا به، وإعظامًا له، ولكان حزنك عليه عظيمًا كحُزني! قال: وهل لا تزالين محتفظةً بكتابه الأخير حتى اليوم؟ قالت: إنه لا يفارق صدري قط، كأنه الكتاب المقدس. قال: أتحبينه حتى بعد الموت؟ قالت: يُخيَّل إليَّ أحيانًا أنه لم يمت؛ لأن مكانه من قلبي لا يزال باقيًا كما هو، وكأن روحه ترفرف علي وتتبعني حيثما سرت وأنَّى حللت، ولا تزال ترن في أذني حتى الساعة تلك النغمة الجميلة التي كان يحدثني بها ليلة الشُّرفة، كأن لم يمر بها إلا يوم واحد. قال: وهل يأتي سيرانو لزيارتك أحيانًا؟ قالت: نعم، يَفِدُ إلي دائمًا يوم السبت من كل أسبوع، في ساعة معينة لا يتأخر عنها ولا يتقدم، فإذا حضر رآني جالسة أمام منسجي، فيجلس على مقربة مني فوق مقعد يُعِدُّونه له، ويبدأ حديثه معي بالهزل والمجون والسخرية بي وبمنسجي، ويسميه «الحركة الدائمة التي لا نهاية لها»، فإذا فرغ من ذلك أخذ يقص عليَّ حوادث الأسبوع يومًا فيومًا كأنه جريدة أسبوعية، واعلم يا سيدي أن ذلك الصديق القديم والأخ الوفي هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يسرِّي عني بعض همومي وآلامي، ويحمل عني الشيء الكثير من أثقال هذه الحياة وأعبائها، ولولاه لَمِتُّ في عزلتي هذه همًّا وكمدًا.

وهنا فتح باب الدير ودخل «لبريه» فتقدم نحو روكسان فحياها. فقالت له: كيف حال صديقك يا لبريه؟ قال: في أسوأ حالٍ يا سيدتي، فإن غرابة أخلاقه، وشذوذ طباعه، وتهوره في ميوله وآرائه، وصلابة عُودِه في خصوماته ومناظراته قد بلغت به المبلغ الذي كنت أتوقعه له من عهدٍ بعيد: الفقر والعُدْم، والشقاء والبؤس، والخصوم الألِدَّاء، والأعداء الثائرين المتنمرين الذين يكيدون له ليلهم ونهارهم لا يهدءون ولا يفترون، وهو في غفلةٍ عن هذا كله، لا يعجبه ولا يطربه ولا يلذ له غير الانتقاد المرِّ، والتهكم المؤلم بالأشراف والنبلاء ورجال الدين، والأدباء والصحفيين، والشعراء والممثلين، لا يهادنهم ولا يواتيهم، ولا يهدأ عنهم لحظة واحدة، فيَنعَى على القسيس نظرةً واحدة يلقيها عرضًا على وجهٍ جميلٍ، وعلى الشاعر معنًى بسيطًا يسرقه من شاعرٍ مُتقدمٍ، وعلى النبيل مشية الخيلاء يمشيها في طريقه، وعلى الصحفي نشر إعلان خمرٍ في جريدته أو خبرٍ مكذوب، كأنه موكَّلٌ بهداية البشر، وتقويم اعوجاجهم وتهذيب أخلاقهم، وكل ما يعتذر به عن نفسه إنْ لَامَه في ذلك لائمٌ أنه يقول ما يعتقد، وينطق بما يعلم، كأنما لا يوجد في العالم كله من يعلم ما يعلمه سواه، وما أظن الهيئة الاجتماعية التي يُشاكسها ويثاورها، ويزعم أنه قادرٌ على تقويم معوجها وإصلاح فاسدها تستطيع الصَّبر عليه طويلًا، ويخيل إليَّ أن انتقامها منه سيكون هائلًا جدًّا، وأنه سيموت عمَّا قليل شهيدَ ذلك الشيء الذي يسميه «الحرية الفكرية والنقد الصحيح».

فقالت روكسان: ولكنَّ سيفه القاطع يحميه من هؤلاء جميعًا. قال: ربما يحميه، ولكنني أخشى عليه عدوًّا واحدًا هو أشد عليه من جميع أعدائه. قالت: ومن هو؟ قال: الجوع، فإنه يقاسي من آلامه ما لا يستطيع أن يحتمله بشرٌ، وكثيرًا ما قضى اللياليَ ذوات العدد شادًّا مِنْطَقَتَه على بطنه من السَّغَب، لا يشكو ولا يتبرم، ولا يسمح لنفسه أن يمُد يده إلى أحدٍ غير خالقه، إلى أن تتيسر له اللقمة التي يعتقد أنها معجونة بعَرَق جبينه، فلا يَمْتَن بها عليه أحدٌ، حتى ذبل جسمه، وشحب لونه، وعرقت عظامه، وأصبح أشبه بالهيكل منه بالإنسان!

أما اللباس فقد أصبح عاريًا منه إلا قليلًا، ولقد باع في الأسابيع الأخيرة جميع ثيابه، فلم يبقَ له منها إلا رداءٌ واحدٌ من الصوف الأسود يتعهده بالترقيع من حينٍ إلى حين، ولا أدري ماذا يكون شأنه غدًا إذا نزل به ضيف الشتاء القادم، فلا يجد في غرفته المظلمة الباردة بصيصًا ولا قبسًا!

فقال الدوق: إنك تبالغ كثيرًا يا لبريه في الحزن عليه والرثاء له، فسيرانو رجل عظيم، لا يكترث بآلام الحياة ومصائبها، ولا ينظر إليها بمثل العين التي تنظر بها إليها، ولقد عاش طول حياته حرًّا مستقلًّا في آرائه ومذاهبه، غير مبالٍ بما يلاقيه في هذه السبيل من المكاره والآلام، ولا يزال شأنه في حاضِرِهِ مثله في ماضيه، فاعْجَبُوا به كل الإعجاب، ولا تُهينوه بالتألم له والبكاء عليه!

فدهش لبريه وظل ينظر إلى الدوق نظرًا حائرًا مضطربًا؛ لأنه ما كان يتوقع منه بعد الذي كان بينه وبين سيرانو أن يجري لسانه بكلمة ثناءٍ عليه أو إعجابٍ به؛ فقال له الدوق: لا تَعْجَبْ يا لبريه، فإنني وإن كنت أعلم أنني قد نِلْتُ من حياتي كل شيءٍ، وأنه قد حرم كل شيءٍ فأنا أعتقد أنه خيرٌ مني، وأن نفسه تشتمل على أفضل مما تشتمل عليه نفسي، وليتني أستطيع أن أستغفره ذنبي الذي أذنبته إليه، وأن أضع يده في يدي فأصافحه مصافحة الصَّديق للصديق.

ثم نهض قائمًا وقال: أستودعك الله يا روكسان، فنهضت روكسان لتوديعه، ومشت معه تشيِّعه إلى الباب. فقالت له وهي تسايره — وكان ذيل ردائها يجر معه كثيرًا من أوراق الشَّجر الجافة المتساقطة، فيحدث صوتًا أشبه بالحَفيف: أتقول الحقيقة عن سيرانو يا سيدي أم أنت تتهكَّم به؟ قال: لا، بل أقول الحقيقة التي أعتقدها، وأقسم لك يا روكسان إنني كثيرًا ما غبطته بيني وبين نفسي، وتمنيت أن أكون مثله! فدهشت وقالت: ولكنك عظيم يا مولاي! قال: إن المرء حينما يصل إلى ذروة العظمة في الحياة لا بد أن تمر به ساعات — مهما كان طاهرًا وبريئًا — يشعر فيها ببعض آلام خفيَّةٍ تلدغ نفسه وتؤلمها، وربما لا تبلغ في قوتها وتأثيرها مبلغ تبكيت الضمير، ولكنها على كل حالٍ تزعجه وتقلقه، وتستولي على شيء من راحته وسكونه، وهل استطاع العظماء أن يكونوا عظماء إلا أنهم ارْتَقَوْا سُلَّمًا بُنيت درجاته من جماجم الموتى وأشلائهم، أو أن يناموا ملء جفونهم؛ إلا لأنهم أسهروا كثيرًا من عيون البائسين والمعدمين في سبيل راحتهم وهنائهم، أو أن يمشوا في طريقهم رافعي الرءوس شامخي الأنوف؛ إلا لأن وراءهم كثيرًا من المطرقين الصامتين، الذين لا تفارق أنظارهم الأرض همًّا وكمدًا، وربما لا يشعرون بشيءٍ من تلك الجرائم التي يقترفونها وهم في نشوة عزهم وضوضاء عظمتهم، ولكنهم متى خلوا إلى أنفسهم، وأووا إلى مَضَاجعهم، وساورتهم تلك الآلام الخفية اللاذعة التي لا يشعر بمثلها الجائعون والظامئون، والمرضى والْمُعْوِزُون، لا تصدقي يا سيدتي أن في الدنيا سعيدًا واحدًا قد خلت كَأْسُهُ التي يشربها من قذًى ينغصها عليه، ولا بد للعظيم وهو صاعدٌ إلى قمة عظمته أن يشعر أن ذيل معطفه المسبل وراءه يجر معه كثيرًا من أنَّات الباكين، وصرخات المتألمين الذين بنى عظمته على أنقاض شقائهم، فيسمع لها خشخشةً كخشخشة الأوراق الجافة التي يجرها وراءه ذيل معطفك الآن!

ثم وقف في مكانه وأطرق برأسه طويلًا، فنظرت إليه روكسان ذاهلةً، ووضعت يدها على عاتقه وقالت له: أتتألم يا مولاي؟ قال: نعم، فما نحن سعداء إلَّا في أنظار الناس واعتباراتهم، ولو كشف لهم من خبايا نفوسنا ما كشف لنا منها، ولمسوا بأيديهم مواقع الألم من أفئدتنا، لرثوا لنا أكثر مما نرثي لهم، ولرأوا أننا أولى الناس بالرحمة والإشفاق منهم، وليتهم يقفون على هذه الحقيقة فيعلموا أن السلامة والنجاة وراحة النفس وهدوءها في القناعة والإقلال، فيستريحوا من هموم الأحقاد وآلامها، فإنهم ما حسدُونا، ولا اشتعلت بين جوانحهم نيران الحقد والموجدة علينا؛ إلا لأنهم ظنوا أننا سعداء، ولو نظروا إلينا بالعين التي ننظر بها إلى أنفسنا لضرعوا إلى الله تعالى أن ينجيهم مما ابتلانا به، ويريحهم من همومنا وشقائنا!

ثم مدَّ يده إليها فصافحها وقال: أستودعك الله يا سيدتي، والتفت وهو منصرف إلى لبريه، وكان لا يزال واقفًا في مكانه، فهتف به فلبَّاه. فقال له: لي كلمة أريد أن أقولها لك، فتعالَ معي، فمشى وراءه، فالتفت إليه وقال له: نعم إن صديقك سيرانو بطلٌ شجاعٌ كما تقول روكسان، ولكنني علمت من طريقٍ خاص لا أستطيع أن أبوح لك به، أن بعض أعدائه قد عزم على قتله غِيلةً، فاذهب إليه وحذِّره، ولْيُقَلِّلْ من الخروج من منزله ما استطاع. قال: ذلك مستحيل يا سيدي؛ لأنه لا يهاب شيئًا، ولا يخاف أحدًا! قال: لا تفارقه لحظة واحدة، فحياته في خطر عظيم. قال: سأفعل ما أستطيع يا مولاي، وسأشكر لك فضلك ما حييت، ثم تناول يده فقبَّلها وانصرف.

فما سار إلا قليلًا حتى رأى «راجنو» مقبلًا عليه، يولول ويستغيث، فسأله ما بالُهُ؛ فقال: خَطْبٌ عظيم يا لبريه! قال: أي خطب؟ قال: قد أصيب صديقنا. قال: سيرانو؟ قال: نعم. قال: قل كل شيءٍ وأوجز. قال: خرجت اليوم من منزلي ذاهبًا إليه لزيارته في منزله، فلما وصلت إلى رأس الشارع الذي يسكنه رأيته خارجًا من المنزل، فهرعت إليه لأدركه، حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا بضع خطواتٍ، إذ سقط على رأسه من نافذة أحد المنازل المهجورة جذعٌ عظيمٌ، يخيل إليَّ أنه لم يسقط عفوًا، بل تعمده به متعمدٌ! فصرخ لبريه: يا للنذالة والجبن! ثم ماذا؟ قال: فدنوت منه، فرأيت، وياهول ما رأيت! رأيت ذلك الصديق الكريم، والرجل العظيم، والشاعر النابغة الجليل، ملقًى على الأرض مضرجًا بدمائه، وقد فتح في رأسه جرحٌ كبير. قال: وهل مات؟ قال: لا، ولكن حالته سيئة جدًّا، فحملته إلى منزله، أو إلى ذلك الجحر الضيق الذي يسمونه منزلًا … قال: وهل يتألم؟ قال: لا؛ لأنه فقد رشده فلم يعد يشعر بشيء! قال: ألم يزُرْه طبيب؟ قال: أشفق عليه طبيبٌ من جيرانه فزاره. قال: وا رحمتاه لك أيها الصديق المسكين! لا تخبر روكسان الآن بهذا الخبر، وماذا قال الطبيبُ؟ قال: لم أفهم من كلامه شيئًا، فإنه أخذ يردد كلماتٍ كثيرةً، حُمَّى، التهاب، أغشية … إلخ، آه يا سيدي لو رأيته وقد دارت برأسه الأربطة والضَّمائد، وأصبحت صورته أشبه شيءٍ بصور الموتى في قبورهم! هيا بنا نذهب إليه، فهو وحيدٌ في غرفته، وأخاف أن يحاول القيام من فراشه فيسقط ميتًا، ثم ذهبا يعدوان ويتلهَّفان.

النغمة

جلست روكسان أمام منسجها في فناء الدير تنتظر حضور سيرانو، وكان قد جاء ميعاده الذي يحضر فيه من يوم السبت من كل أسبوع، وأخذت تقول: ما أجمل هذا اليوم! إن الخريف يخفف عني كثيرًا من آلامي التي يهيجها الربيع ويستثيرها، فحمدًا لك يا إلهي على ما منحت، وصبرًا على ما ابتليت، ولك المنة العظمى في حَالَيْ رضاك وسخطك، ونعمائك وبَأْسائك! ما أعظم شكري لك يا سيرانو! إنك رسول العناية الإلهية إليَّ، والعزاء الباقي لي في هذه الحياة بعد ما فقدت كل عزاءٍ وسلوى، فليت الله يتولى جزاءك عني، فإني لا أستطيع أن أقوم بشكرك!

وهنا حضرت راهبتان تحملان بين أيديهما المقعد الذي اعتاد سيرانو أن يجلس عليه عند حضوره، فوضعتاه وراء مجلس روكسان، فشكرتهما وانصرفتا، ثم دقت الساعة الرابعة، فأصغت إليها روكسان حتى انتهت دقاتها، ثم قالت: إنه سيأتي الآن! وأخذت تردد نظرها جهة الباب هُنَيْهَة، فلم يحضر، فمدَّت يديها إلى علبة إبرها وخيوطها، وظلت تقول بينها وبين نفسها: قد دقت الساعة الرابعة منذ دقائق ولم يحضر، أين خيوطي؟ ها قد وجدتها، هذا يدهشني جدًّا! إنها المرة الأولى التي تأخر فيها عن ميعاده منذ خمسة عشر عامًا، لا بد أن تكون الأخت «مارت» قد أزعجته بنصائحها وعظاتها، أين كُسْتِبَاني؟ ليت شعري ماذا حدث له؟ قد أوشك الظلام أن يخيم، وألوان الخيوط قاتمة فلا أستطيع التمييز بين متشابهاتها، إنه ما تأخر عن زيارتي قبل اليوم، ولكن لا بد أن يحضر الآن!

وهنا سقطت ورقةٌ جافةٌ من الشجر على منسجها، فاصفرَّت وقالت: ورقةٌ ميتةٌ قد انقضى أجلها فهوت إلى مستقرِّها! يا لله! إن الأوراق الجافة المتساقطة تزعجني جدًّا، لا يمكن لأي شيءٍ مهما كان أن يحُول بينه وبين الحضور!

وما أتمت كلمتها حتى وقفت راهبةٌ على رأس السُّلم وصاحت: السيد بيرجراك! فانتعشت روكسان وقالت: ليدخل! فدخل وهو مصفر الوجه، يتوكأ على عصاه ويمشي ببطءٍ شديدٍ، وقد أسدل قبعته على جبينه فسترت الضمائد المحيطة برأسه، وكانت روكسان مشتغلةً بترتيب خيوطها، وإصلاح منسجها، فلم تلتفت إليه حتَّى جلس على مقعده وحياها. فقالت له بنغمة العاتب دون أن تلتفت إليه: هذه أوَّل مرة تأخرت فيها عن ميعادك منذ خمسة عشر عامًا يا سيرانو! فأجابها بصوتٍ قاتمٍ مظلم يحاول أن يجعله ضاحكًا رنانًا: نعم يا سيدتي، يا لغرائب الدهر! ما كنت أظن أن شيئًا في العالم حتى الموت، يستطيع أن يحول بيني وبين الحضور إليك في ميعادي، آه! إني أكاد أموت، غيظًا وحنقًا، ما أخرني عنك إلا ضيفٌ ثقيلٌ — يريد الموت — جاء لزيارتي في وقتٍ غير مناسب، وما كنت أتوقع أن يفد إليَّ في مثل هذه الساعة! قالت: وكيف تخلَّصت منه؟ قال: لم أتخلص منه حتَّى الآن، وكل ما في الأمر أني اعتذرت إليه وقلت له: إنَّ اليوم يوم السبت، وهو الميعاد الذي يجب عليَّ فيه أن أقوم بزيارة صديق كريم لا يمكن أن يحول بيني وبين زيارته في هذا الميعاد حائلٌ، فاذهب الآن وعد إلي بعد ساعةٍ واحدة! قالت: إذن سيطول انتظاره لك إذا عاد إليك؛ لأني لا أسمح لك بالخروج من هنا قبل المساء! قال: ربما اضطررت للذهاب قبل ذلك!

وأغمض عينيه وأطرق برأسه، وكانت الأخت «مارت» مارَّة في تلك اللحظة، فأومأت روكسان إليها برأسها فحضرت. فقالت لسيرانو، وهي لا تزال مشتغلة بترتيب خيوطها: إنك لم تمزح مع الأخت «مارت» كعادتك يا سيرانو، فانتفض ورفع رأسه، فدهشت «مارت» عند رؤيته وفغرت فاها، وحاولت أن تتكلم فأشار إليها بالصمت، فلم تفهم شيئًا ولكنها صمتت. فقال لها بصوتٍ ضخمٍ مُضحكٍ: اقتربي مني أيتها الأخت، ما لك تُعرضين عني يا ذات العينين الجميلتين؟ هاتي يدك البيضاء لأقبلها باسم البركة والعبادة لا باسم الحب والغرام! واقتربي مني لأخبرك خبرًا غريبًا جدًّا. قالت وهي ترثي له ولحاله: وما هو؟ قال: قد أكلت بالأمس لحمًا ودسمًا، فما رأيك؟ فهزت رأسها، وظلت تقول بينها وبين نفسها: وا رحمتاه له! إنه يكذب عليَّ، وربما مر به يومان لم يذق فيهما طعم الخبز كما فعل في المرة السابقة، ثم قالت له: أحب أن تزورني في غرفتي قبل خروجك من هنا، فسأقدِّم إليك هديةً من الحلوى جميلة جدًّا. فقالت له روكسان: احذر أن تذهب إليها يا سيرانو، فإنها تريد أن تعظك! فقال سيرانو: أظن أن عظاتك الماضية يا مارت قد أخذت مأخذها من نفسي، فقد أصبحت أقرب إلى الإيمان مني إلى الكفر؛ ولذلك أسمح لك أن تصلي الليلة في معبدك من أجلي! فدهشت «مارت» وقالت: ماذا تقول؟ أتهزل أم تَجِدُّ؟ قال: قد فات وقت الهزل، ولم يبقَ أمامي إلَّا الجدُّ!

فانصرفت لشأنها، وهي تعجب لأمره كلَّ العجب، وأقبل هو على روكسان، وقال لها وهي لا تزال مكبَّةً على منسجها: ليت شعري هل أعيش، وهل يعيش العالم حتى يرى ختام هذا النسيج؟ قالت: كُنت في انتظار سماع هذه الكلمة منك يا سيرانو، إن نسيجي لا ينتهي حتى تنتهي مُلَحُك وأحماضك!

وفي هذه اللحظة هبَّت ريحٌ شديدة، فتساقطت على الأرض أوراقٌ كثيرة من أعالي الأشجار، فانقبضت روكسان وقالت: إن تساقط هذه الأوراق يحزنني جدًّا. قال: أما أنا فعلى عكس ذلك؛ لأنه يعجبني منها كثيرًا أنها برغم حزنها على فراق أغصانها التي تركتها، وبرغم فزعها من الفناء الذي يستقبلها على وجه الأرض، فهي تتساقط برقَّة ورشاقةٍ، وتقضي هذه السياحة القصيرة بين الحياة والموت مائسة مختالة، كأنها في حفلة رقصٍ أو مجمع شراب! فقالت: إني أسمع منك نغمة حزنٍ يا سيرانو؛ فهل أنت حزين؟ قال: لا، وليس من عادتي أن ألجأ إلى الحزن في أي موقفٍ من المواقف، حتى في الموقف الذي يحزن فيه الناس جميعًا. قالت: فَلْنَدَعِ الأوراق تتساقط كيفما تشاء، وأسمعني جريدتك الأسبوعية فإني في شوقٍ عظيم إليها. قال: اسمعي يا سيدتي، وكان الألم قد نال منه منالًا عظيمًا، وبدأ الذهول يخيم على عقله، فأنشأ يقول:
  • يوم السبت: أصيب الملك بمرض الحمى على أثر ثماني أكلات أكلها من عنب «سيت»، فحكم الطبيب على مرضه بطعنة مبضعٍ في قلبه لاقترافه جريمةَ الاعتداء على صاحب الجلالة!
  • يوم الأحد: أشعلوا ليلة الحفلة الكبرى في قصر الملك ثلاثًا وستين وسبعمائة شمعة بيضاء. يقولون: إن جيوشنا قد انتصرت على جيوش جان النمسوي، شُنق أربعة من السحرة، حقنوا كلب السيدة «داتيس» الصغير.

    فاعترضته روكسان وقالت: ما هذه الأخبار يا سيرانو؟

    فاستمرَّ في كلامه يقول:

  • يوم الاثنين: لا شيء سوى أن «ليجدامير» استبدلت بعشيقها …

    فتململت روكسان وقالت: ما هذا الذي تقول؟ إنك تمزح يا صديقي، فلم يلتفت إليها وظل يقول:

  • يوم الثلاثاء: انتقل البلاط كله إلى «فونتنبلو».
  • يوم الأربعاء: قالت السيدة «دي مونتجلا» للكونت دي فيسك: «لا.»
  • يوم الخميس: تُوِّجت «فانسيني» ملكة على فرنسا، أو ما هو في معنى ذلك.
  • يوم الجمعة: قالت السيدة «دي مونتجلا» للكونت دي فيسك: «نعم.»

وهنا ثقلت عيناه، واحتبس صوته، واهتز هزةً شديدةً، ثم سقط رأسه على صدره، وساد من حوله سُكونٌ عميق، فاستغربت روكسان سكوته، والتفتت وراءها فرأته على هذه الحالة، ولم تكن قد نظرت إليه قبل هذه اللحظة، فارتاعت وهرعت إليه، ووضعت يدها على عاتقه ونادته: سيرانو! فانتفض ورفع رأسه، وظل يدير يديه حول قُبعته ويضغطها ضغطًا شديدًا، ويقول: لا شيء، لا شيء، أؤكد لك يا سيدتي أن الأمر بسيطٌ جدًّا. قالت: قل لي ما بك يا سيرانو؟ وما هذه الغبرة السوداء المنتشرة على وجهك؟ قال: لا شيء، إنه الجرح القديم الذي أصبت به في معركة «أراس» لا يزال يعاودني من حين إلى حين، حتى الآن، فتنهدت، وأرسلت بصرها إلى السماء، ثم قالت: كلٌّ منا له جرح قديم يا سيرانو، غير أن جرحك في جسمك، وجرحي هنا دائمًا لا يندمل أبدًا، وأشارت إلى قلبها، ثم قالت: هنا كتاب الوداع الأخير الذي كتبه إليَّ قبل موته، قد تشعَّث وتقبَّض واصفر ورقه، ولا تزال آثار القطرتين: قطرة الدمع، وقطرة الدم ظاهرة فيه!

فارتعد سيرانو وقال: كتابه الأخير؟ وشخص ببصره إلى السماء كأنما يتذكر شيئًا بعيدًا، ثم قال: ألا تذكرين يا روكسان أنك كنت وعدتني مرةً باطلاعي على هذا الكتاب؟ قالت: نعم، أذكر ذلك. قال: هل لك أن تفي بوعدك الآن؟ قالت: ها هو ذا، ومدَّت يدها إلى صدرها فأخرجت الكتاب من كيسٍ صغيرٍ حريري معلقٍ في عنقها، وأعطته إياه، ثم عادت إلى مقعدها.

وكان الليل قد بدأ يرخي سدوله على أكناف الدير، فأخذت روكسان ترتب خيوطها وإبرها لتضعها في علبتها، وأخذ سيرانو يقرأ الكتاب بصوت عالٍ رنَّان، كأنما هو يخطب أو يهتف أو يناجي، ويقول: «الوداع يا روكسان، فإني سأموت عما قليلٍ، وربما كانت هذه الليلة آخر لياليَّ في الحياة!

وكنت أرجو أن أعيش بجانبك لأتولى حراسة سعادتك التي عاهدت نفسي على أن أكفلها لك ما حييت، فحالت المقادير بيني وبين ذلك، فليت شعري ماذا يكون حالُك من بعدي؟

إنني لا أخاف الموت من أجلي، بل من أجلك، ويخيل إليَّ أنك ستقضين من بعد موتي أيامًا شديدةً عليك، وعلى نفسك الرقيقة الحساسة، وهذا كل جزعي من الموت، فوا رحمتاه لك أيتها الصديقة المسكينة!»

وكانت روكسان تصغي إلى قراءته ذاهلةً مدهوشة، وتقول بينها وبين نفسها: ما أغرب صوته وما أعظم تأثيره! إنه يقرأ وكأنه يحدثني ويناجيني، ويخيَّل إلي أن وراء هذه النغمة الغريبة التي ينطق بها سرًّا كامنًا في أعماق نفسه!

واستمر هو في قراءته يقول: «ستغتمض عيناي بعد قليلٍ، وستنطفئ تلك النظرات التي كانت مرآتك الصقيلة التي تتراءى فيها صورتك البديعة الساحرة، وترتسم فيها دقائق حسنك وأسرار جمالك، فمن لك بمرآة ترين فيها نفسك بعد أن تمتلئ عيناي بتراب القبر! إن بين جنبي كنزًا ثمينًا من حُبك لم أستطع أن أكشف لك إلا عن مقدارٍ قليلٍ من جواهره ولآلئه، وكنت أود أن أفرغه جميعه بين يديك قبل موتي، ولكن ماذا أصنع وقد أعجلني الموت عنه ولا حيلة لي في قضاء الله وقدره! الوداع يا روكسان، الوداع يا حبيبتي، الوداع يا أعز الناس عليَّ، وآثرهم في نفسي! إن قلبي لم يفارقك لحظةً واحدة في حياتي، وسيبقى ملازمًا لك بعد مماتي، فليكن عزائي عنك أن روحي سترفرف عليك، وتحوم حولك في كل مكانٍ تكونين فيه، فكأننا لم نفترق، وكأنَّ حجاب الموت المسبل دوننا وهمٌ من الأوهام، وباطل من الأباطيل!»

وكان قد ذهل عن الكتاب الذي في يده وعن كل ما يحيط به من الأشياء، ولم يبقَ في خياله سوى أنه يناجي المرأة التي يحبها، ويفضي إليها بأسرار نفسه، ويودعها الوداع الأخير، فأغمض عينيه واستغرق في شعوره ووجدانه، واستحال صوته إلى صوت غريب لا يشبه الأصوات في رنته ونغمته؛ لأنه صوت الروح وهتافها ونفثاتها المتصاعدة إلى آفاق السماء، فظلت روكسان تضطرب وترتعد، وتقول بينها وبين نفسها: إنها نغمة غريبةٌ جدًّا، تذكرني بنغمةٍ مثلها سمعتها في ساعةٍ من ساعات حياتي الماضية، فليت شعري متى كان ذلك؟

وكان الظلام قد نشر ملاءته السوداء على أكتاف الدير، فالتفتت إليه وحدَّقت النظر فيه، فلمحت بياض الكتاب في يده، فعجبت له كيف يستطيع القراءة في هذا الظلام الحالك، فنهضت من مكانها، ومشت نحوه تختلس خطواتها اختلاسًا حتى بلغته، فوقفت بجانبه، فرأت عينيه مغمضتين، ورأته لا يزال مستمرًّا في قراءته، فاشتدَّ ذعرها وخوفها، ووضعت يدها على كتفه، وقالت له: كيف تستطيع القراءة والظلام حالِكٌ وعيناك مغمضتان؟ فانتفض انتفاضةً شديدة، فسقط الكتاب من يده، وسقط رأسُهُ على صدره!

وساد بينهما سكونٌ عميقٌ ذُهِلَ كل منهما فيه عن نفسه، ثم أخذت روكسان تستفيق شيئًا فشيئًا، وتقول بينها وبين نفسها: آه، ماذا أرى؟! إن الأمر هائلٌ جدًّا إن النغمة التي أسمعها منه الآن هي بعينها النغمة التي كانت ترنُّ في أذني ليلة الشرفة منذ خمسة عشر عامًا! لا بد أن يكون هو صاحبها! آه ما أعظم شقائي! لقد فهمت الآن كل شيءٍ، وليتني ما فهمت شيئًا! ثم وقفت أمام سيرانو صامتةً مطرقةً حتى استفاق من غشيته، فتقدمت نحوه، وأخذت بيده وقالت له: لا تُخْفِ عني شيئًا يا صديقي، فقد علمت الحقيقة المؤلمة التي لا ريب فيها، لقد كُنت أنت الذي ناجاني ليلة الشرفة، وحدَّثني عن الحب، وكشف لي عن خبايا القلب الإنساني!

فقاطعها وهو يرتجف ويرتعد، وقال: لا، لا، لم أكن أنا. قالت: وكان الظلام في تلك الليلة حالكًا جدًّا فلم أستطع أن أتبيَّنك لأعلم أنك أنت الذي يحدثني ويناجيني! فصاح: لا، وأقسم لك. قالت: وكانت تلك الكلمات العذبة الجميلة التي سحرتني وملكت عليَّ شعوري ووجداني كلماتك! فصرخ: لا، بل كلماته. قالت: وذلك الصوت الموسيقي الذي كان يرنُّ في أذني رنين القيثارة الإلهية في آذان سكان السماء، كان صوتك! قال: لا. قالت: وتلك الرسائل البليغة المؤثرة التي جشمتني مشقة السفر من باريس إلى أراس، كانت رسائلك! قال: لا. قالت: وذلك الكتاب الذي قرأته الآن بتلك النغمة العذبة الجميلة، كان كتابك! قال: لا تصدقي ذلك يا سيدتي، فما أذكر أنني أحبَبْتك في حياتي قط! قالت: أحببتني ولا تزال تحبني حتى الساعة! قال: ذلك مستحيل؛ لأن مثلي لا يجرؤ على أن يحب مثلك! قالت: ذلك ما حملك على كتمان أمرك وتمثيل هذا الدور المحزن الأليم! قال وقد بدأ صوته يضعف ويتهدج: إنك واهمةٌ يا روكسان. قالت: ما أنا بِوَاهِمَةٍ ولا مخدوعة، ولِمَ كتمْتَ أمْرَك عني هذه السنين الطوال ما دمت تحبني، وما دام هذا الكتاب كتابك وهذه الدمعة دمعتك؟ قال: ولكن الدم دمه. قالت: قد اعترفت من حيث لا تدري، فوا رحمتاه لك أيها البائس المسكين!

وأطرقت برأسها إطراقًا طويلًا لا يعلم إلا الله ماذا كانت تحدثها نفسها فيه، وإنهما لكذلك إذ دخل لبريه وراجنو وهما يصيحان ويولولان حتى دنوا من سيرانو. فقال لبريه: ماذا صنعت بنفسك أيها المسكين؟ ولماذا جئت إلى هنا وقد أوصاك الطبيب بملازمة فراشك لا تبرحه لحظة واحدة؟ فصاحت روكسان: الطبيب! ولماذا؟ قال لبريه: ألا تعلمين ما حل به يا سيدتي حتى الآن؟ قالت: لا أعلم شيئًا، فأراد أن يقص عليها القصة، فقاطعه سيرانو وقال له: أتدري يا لبريه لم جئت إلى هنا برغم أوامر الطبيب؟ قال: لا. قال: لأتلو على روكسان الجريدة الأسبوعية التي اعتدت أن أتلوها عليها يوم السبت من كل أسبوع، ولا أستطيع أن أخلف وعدي لها! ثم التفت إلى روكسان، وقال لها: إنني لم أتمم لك جريدتي الأسبوعية، فاسمحي لي بإتمامها، ثم أنشأ يقول: وفي يوم السبت الثالث والعشرين من شهر مايو سنة ١٦٥٥، قتل المسيو سيرانو دي بيرجراك!

وهنا حسر قُبَّعته عن رأسه فظهرت الأربطة والضمائد المحيطة به مضرَّجةً بالدم: فذعرت روكسان وحنت عليه، وقالت: ماذا صنعوا بك يا صديقي؟

قال: كنت أتمنى طول حياتي أن أموت في ميدان حربٍ بضربة سيفٍ من يد بطلٍ، فقضى الله أن أموت في زقاقٍ ضيقٍ بجذع شجرةٍ من يد خادم، لأكون قد حرمت من كل شيءٍ في حياتي، حتى الميتة التي أحبها!

وأطرق برأسه ثانية، وظل على ذلك ساعة وقد ساد من حولة سكونٌ عميق لا تسمع فيه إلا معمعة الأحشاء المتقدة في قلوب الجاثين حوله.

ثم استفاق قليلًا، فرفع رأسه وفتح عينيه، فرأى راجنو جاثيًا تحت قدميه يبكي وينتحب، فقال له: لا تبك يا راجنو، وقل لي ما مهنتك اليوم، فإن لك في كل يوم مهنة جديدة؟ قال: أنا الآن خادمٌ عند «موليير»، ولكني سأترك خدمته منذ الغد. قال: لماذا؟ قال: لأنه لصٌّ من لصوص الأدب، وهم عندي أقبح اللصوص وأسفلهم! قال وهو يبتسم: هل سرق من شعرك شيئًا؟ قال: لا، بل من شعرك أنت، فقد سطا على روايتك «أجريبين»، وأخذ منها موقفًا كاملًا وضمنه روايته الجديدة «إسكابين» التي مُثِّلت ليلة أمس. قال: لقد أحسن فيما فعل، وماذا كان وَقْعُ ذلك الموقف في نفوس الجماهير؟ قال: ما زالوا يضحكون حتى رحموا أنفسهم. قال: ذلك كل ما يهمني، فلقد قُدِّر لي طول عمري أن يكون دوري في رواية الحياة دور الملقن، الذي لا يعده الجمهور شيئًا وهو كل شيء!

ثم التفت إلى روكسان وقال لها: أتذكرين تلك الليلة التي كنت أحدثك فيها بلسان كرستيان؟ قالت: نعم، أذكرها ولا أذكر شيئًا سواها. قال: إنها رمز حياتي من أولها إلى آخرها، صعد كرستيان منذ خمسة عشر عامًا إلى شرفتك؛ ليتناول القبلة التي سمحت له بها مكافأة له على تلك الكلمات البليغة المؤثرة التي أنا صاحبها ومبتكرها، واليوم يتمتع «موليير» بهتاف الجماهير، وتهليلهم إعجابًا بتلك القطعة الهزلية البديعة التي خَطَّهَا قلمي، وما أنا بآسفٍ على ذلك ولا وَاجدٍ، فكرستيان فتى جميل، فيجب أن ينال هو القُبلة، وموليير شاعر شهير، فيجب أن يكون هو صاحب القطعة!

والتفت حوله فرأى الراهبات داخلات إلى الكنيسة في ملابسهن البيضاء، وهن يرتلن صلواتهن على نغمات «الأرغن»، فأصغى إلى أصواتهن ساعةً ثم تأوه طويلًا وقال: آه، ما كنت أعبأ بالحياة، ولا آسف على شيءٍ فيها لولا الموسيقي وروكسان؛ ولئن كان صحيحًا ما يقولون من أن في السماء موسيقي كما في الأرض، وأن الصديقين اللذين يفترقان في هذه الدار يلتقيان في الدار الأخرى غدًا، فليس ورائي ما آسف على فراقه!

فصاحت روكسان: ابْقَ في الحياة يا سيرانو فإنني أحبُّك! قال: ذلك مستحيل، إلا إذا استطاعت كلمتك هذه أن تمحو قبحي ودمامتي، كما رووا في بعض الأساطير أن أميرًا دميم الخلقة سمع مرةً من يقول له: إني أحبك، فتلاشى قبحه بتأثير تلك الكلمة، وأصبح جميلًا وضيئًا، ولو أنني عشت بعد اليوم ألف سنة ما نقص ثقل أنفي قيراطًا واحدًا!

فبكت واشتد نشيجها، وقالت: اغفر لي ذنبي يا سيرانو، فقد كنت السبب في جميع ما حل بك في حياتك من المصائب. قال: لا، بل بالعكس، فلقد قضيت حياتي كلها محرومًا لذة عطف المرأة وحنانها، حتى إن أمي كما حدثوني لم تكن تستطيع أن تراني جميلًا كما يرى الأمهات أولادهنَّ المشوهين، ولو كانت لي أختٌ أو عمةٌ أو خالة لكان شأنهن معي ذلك الشأن، ولم أرَ يومًا من الأيام في عيون النساء جميعًا — جميلاتٍ كُنَّ أو دَميماتٍ — غير نظرات الهزء والسخرية والنفور والاشمئزاز، وأنت المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تتخذني صديقًا، واستطعت أن ألجأ من عطفها ورحمتها إلى ظلٍّ ظليل، فما أعظم شكري لك! فقالت: عِشْ يا سيرانو فإني أحبك، بل ما أحببت في حياتي أحدًا سواك، وما لبست ثوب الحداد خمسة عشر عامًا إلا من أجلك! قال: لا تحاولي الغدر بكرستيان يا سيدتي، واحذري أن يخف حزنك عليه، وبكاؤك على مصرعه، فإنه صديقي، وكل ما أطلبه إليك أن تضمي إلى شارات حدادك شارةً صغيرةً من أجلي؛ ليكون حزنك عليَّ جزءًا من حزنك عليه. فصاحت: آه ما أشقاني! لقد أحببت في حياتي حبيبًا واحدًا ففقدته مرتين!

وكان كوكب الليل قد أشرق من مطلعه، فانبسطت أشعته في فناء الدير، فانتعش سيرانو حين رآه وقال: ها هو ذا صديقي «فيبيه» قد أرسل إليَّ أشعته لتحملني إليه، فشكرًا له على ذلك، سأصعد الليلة إلى السَّماء على نعشٍ جميلٍ من تلك الأشعة الفضية اللامعة، بدون أن أحتاج إلى تلك الآلات الرافعة التي سَرَدْتُها على الكونت دي جيش، وسيكون مقامي هناك في ذلك الكوكب الجميل مع تلك النفوس العظيمة، التي أحبها وأجلها: سقراط، وأفلاطون، وغاليلي، وجميع الذين ماتوا ضحايا صدقهم وإخلاصهم!

وهنا انتحب لبريه وقال: وا أسفا عليك أيها الصديق الكريم! وما أشد ظلمة الحياة من بعدك!

فانتبه إليه سيرانو وقال له: لا تحزن عليَّ كثيرًا يا لبريه؛ فإني ذاهبٌ لملاقاة صديقي كاربون دي كاستل، وسائر أبناء وطني الذين ماتوا ميتة الشرف والفخار في ميدان أراس، وسيكون مجتمعنا هناك جميلًا جدًّا لا يكدره علينا ممثلٌ ثقيل، ولا نبيلٌ جاهل ولا شاعرٌ مغرور!

وصمت صمتًا طويلًا كان يعاني فيه من الآلام ما لا يحتمله بشرٌ، ثم ثار من مكانه هائجًا مضطربًا، وجرَّد سيفه من غمده وأخذ يصيح: لا لا، لا أريد أن أموت على هذا المقعد ميتة العاجز الجبان! فذعر أصدقاؤه ونهضوا بنهوضه، وحاول راجنو أن يمسكه، فدفعه عنه، وأسند ظهره إلى شجرة ضخمة، وقال: دعوني فإني أريد أن أموت واقفًا.

وأخذ ينظر أمامه ويحدق النظر، كأنما يرى شبحًا مقبلًا عليه، ثم قال: تعالَ أيها الموت! تقدم ولا تَخَفْ! فقد أصبحت رجلًا ضعيفًا خائرًا، لا قبل لي بمواثبتك ومغالبتك، تقدم، فما أنا بسيرانو دي بيرجراك، إنما أنا خياله الماضي وصورته الضئيلة، فهل بلغ بك الجبن أن تخاف الصور والخيالات؟ لقد ضعف في يدي ذلك السيف الذي كنت أقاتلك به، وأصبح رأسي ثقيلًا ويداي مغلولتين، وكأن قدمي مصبوبتان في قالبٍ من الرصاص، أقبل ولا تخف، ما لي أراك تنظر إلى أنفي نظر الساخر الهازئ؟ أشماتة هي أيها الساقط الجبان؟ ماذا تقول؟ تقول: إنك أقوى مني؟ نعم، ما أنكرت عليك ذلك، ولكني على هذا سأقاتلك وأثبتُ؛ لا لأني أطمع في أن أنتصر عليك؛ بل لأني أريد أن أموت ميتة الأبطال من قبلي!

ثم أخذ يدير عينيه يمنةً ويسرةً ويقول: من هؤلاء؟ مرحبًا بِكُنَّ أيتها الرذائل، لقد عرفتكن يا أعدائي القدماء؟ ما أكثر عددكن، وأقبح وجوهكن! نعم، سأموت، ولكن بعد أن شفيت منكن عليلي ومثلت بكنَّ أقبح تمثيلٍ، اغربن من وجهي، قبَّحكن الله وقبَّح صوركن وأزياءكن.

وظل يطعن بسيفه يمينًا وشمالًا، وأمام ووراء، ويقول: خذ أيها الكذب، خذ أيها الطمع، مت أيها الغدر، تبًّا لك أيتها الخيانة!

وظل يدور حول نفسه ساعة حتى بلغ منه الجهد، فسقط بين أذرع لبريه وراجنو، وظل على ذلك هُنَيْهَةً، ثم فتح عينيه وحدق النظر أمامه طويلًا، وقال: تقدم أيها الموت وخذ ما تريد مني؛ أتدري ماذا تستطيع أن تسلبني؟ إنك تستطيع أن تسلبني حياتي، وجسمي، وهذا السيف العزيز عليَّ، وهذه الريشة التي وضعتها يد الفخار في قبعتي، بل جميع ما تملك يدي، ولكن شيئًا واحدًا لا تستطيع أن تسلبنيه، وسيرافقني في سفرتي التي انتويتها إلى السماء حتى أقف به بين يدي الله تعالى رافع الرأس عزةً وفخارًا، وهو …

وهنا عجز عن النطق، فحاول أن ينطق الكلمة التي أرادها فلم يستطع، فانحنت عليه روكسان وقبَّلته في جبينه، وأرسلت دمعةً حارةً على وجهه، وقالت: وما هو يا سيرانو؟ ففتح عينيه للمرة الأخيرة فرآها، فابتسم وقال: حريتي واستقلالي!

ثم خفق قلبه الخفقة التي لم يخفق بعدها!

وكذلك انقضت حياة هذا الرجل العظيم كما تنقضي حياة أمثاله من العظماء؛ لم يتمتع يومًا واحدًا برؤية مجده وعظمته، حتى إذا قضى سمح له التاريخ بعد مماته بما ضن به عليه في حياته!

•••

أما روكسان فلم يعلم الناس من أمرها بعد ذلك شيئًا سوى أن مقعدها الذي كانت تقعد عليه أمام منسجها قد أصبح خاليًا مقفرًا، فلم يعرفوا ألزمت جوف محرابها تدعو الله تعالى ليلها ونهارها أن يلحقها بصديقها، أم رقدت بجانبه في مقبرة الدير الرَّقدة الدائمة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢