الفصل التاسع

المُمتنع عن الكلام

نُشِرت لأول مرة في صحيفة ذا نوفل، أغسطس ١٩٢١

يحفظ ليون جونزاليس عددًا لا يُحصى من شعارات النبالة وشعارات العائلات سواءٌ التي صاغَتها العائلة بنفسِها أو التي اكتسبَتْها من عائلة أخرى، وربما يتَّخذ شعارَه الرئيسي المأخوذ من اللغة اللاتينية «أنا رجل يعلم شيئًا عن كلِّ شيء.» لا يُوجَد مجال من العلوم الدنيوية لم يَستهوِ ليون. أينما تجمَّعت الحشود، وفي أي موقف يمرُّ على البشرية سواءٌ كان جيدًا أو سيئًا، فلا يُلقِ جونزاليس بالًا للعوامل التي تجذب الناس إلى الحشد ولكنه ينهمكُ في تحليل المُحتشِدين أنفسِهم.

منذ سنواتٍ عديدة، اجتمع أربعة شبَّان أثرياء وفي غاية الإخلاص من أجل هدفٍ مشترَك مُستوحًى من تصورٍ واحد مشترك. منذ فجر التاريخ، تشكلت مثل هذه التنظيمات من المُتحمِّسين، وستظل تتشكَّل تنظيمات الشباب المُتعصبين الغاضبين التي تتمخَّض من رَحِم الصحوة الدينية الكبرى، ورفع راية الإصلاح، وحركات الإصلاح الاجتماعي، وغيرها من التطورات.

يتمثَّل هدف رجال العدالة الأربعة في تصحيح أوجُه القصور في القانون. أخذوا يبحثون ويعثرون على الذين أفلَتوا من بين يدَي القانون الطائلة؛ وأقاموا عدالتهم بسرعة رهيبة.

لم يَحِدْ أيٌّ من الثلاثة الأحياء (لأن أحدهم مات في بوردو) عن مُثُلهم العُليا، لكن ظلَّ ليون مُحتفظًا بحماس الشباب الذي جمعهم.

لا يذهب إلى مكانٍ إلا ويسعى فيه وراء أهدافه؛ ففي الجزء الخلفي من المُدرج الكبير في مِضمار سباق هيرست بارك، شاهد لأول مرة «سباجيتي» جونز. إنه أحد القوانين الواضحة عن المصادفة، إذ يقول القانون إذا صادفتَ كلمةً لم ترَها من قبلُ أثناء قراءة كتاب واضطُرِرت إلى الرجوع إلى القاموس، فسترى تلك الكلمة نفسَها في غضون ثلاثة أيام في إحدى المطبوعات الأخرى. ينطبق قانون التَّكرارات غير المُبرَّرة هذا بالمثل على الأشخاص. لمَّا نظر ليون إلى حجم جسم الرجل الضخم، انتابه شعور غريب أنه مُقدَّر لهما أن يلتقيا مرةً أخرى، ونادرًا ما يُخطئ حَدْسُ ليون.

السيد سباجيتي جونز رجل طويل القامة وضخم الجثة، له عينان تُوحيان بحزنٍ في قلبه وفكَّان يُتعبانه في الحديث. له شارب طويل داكن مُلتوي الطرفَين، وكان يرتدي رابطة عنق باللونَين الأخضر والأبيض كي لا يُخفيَ لون قميصه الوردي المُذهل عن الأنظار. يرتدي خواتمَ من الألماس في أصابعه السمينة، وسلسلةً كبلية فوق صدريته المُزركشة. كان يرتدي بدلةً زرقاء زاهية للغاية، مُفصَّلة تفصيلًا مثاليًّا، وحذاءً باللون الأصفر الفاقع يُغطي قدمَيه الصغيرتَين بالنسبة لرجلٍ في حجمه. في الواقع، يتحلَّى السيد سباجيتي جونز بالمظهر الذي يجب أن يتحلى به الرجل النبيل حسب رأيه.

لم يَلفِت انتباهَ ليون بسبب ملابسه الثرية أو حجمه الكبير، بل كان جونزاليس يتجوَّل في الجزء الخلفي من المنصة أثناء السباق، ولم يتواجد أحد في المرعى المُسوَّر باستثناء السيد جونز ورجلَين، ولم يرتقِ أيٌّ منهما إلى ضخامة جثة السيد جونز ولا إلى أناقة ملبسه.

اتَّخذ ليون مقعدًا بالقُرب من حلقة المُراهنات حيث عُرِضَت الخيول، وصادف أن سار الهدفُ نحوَه. لم يعبأ سباجيتي جونز بخَفضِ صوته، الذي كان ضخمًا وجَهوريًّا؛ وسمع ليون كلَّ كلمة. بدا أن أحد الرجُلَين يتشاجر؛ بينما قبَع الآخر صامتًا بعد محاولةٍ عابثة في لعب دور الوسيط.

كان السيد جونز يقول بلطف: «أخبرتك أن تكون في لينجفيلد، ولم تكن هناك.»

رآه ليون يُنظف أظفارَه بسكينٍ صغيرة، ويبدو أن اهتمامه مُرتكز على تجميل نفسه.

قال الرجل غاضبًا: «لن أذهب إلى لينجفيلد أو إلى أي مكانٍ آخر من أجلك يا جونز.»

شَحَب وجهُ الرجل واحتدَّ من الغضب، وعرَف ليون من نبرة صوته أنه كان خائفًا، ويستخدِم هذه الطريقة الصاخبة لإخفاء خوفه.

كرَّر سباجيتي جونز: «أوه، لن تذهب إلى لينجفيلد أو إلى أي مكانٍ آخر، أحقًّا؟»

دفع قُبعته إلى مؤخِّرة رأسه، ورفع عينَيه للحظة، ثم تابَع تقليم أظفارِه.

تابع الرجل: «لقد سئمتُ منك ومن مسابقاتك. إننا مجرد عبيد، هذا ما نحن عليه! يُمكنني كسبُ المزيد من المال وأنا أعمل وحدي، هل ترى الآن؟»

قال جونز: «أرى، لكن يا توم، أريدك أن تكون في سانداون الخميس المقبل. قابِلْني عند حلقة المُراهنات …»

زأر الآخر قائلًا، وقد احمرَّ وجهه: «لن أفعل، لن أفعل. لقد سئمتُ منك، ومن جميع مسابقاتك!»

قال سباجيتي جونز بلطف: «أنت فتًى شقي.»

ضرب وجه الآخر مرَّتَين بسكينه الصغيرة، وقفز الرجل صارخًا.

قال جونز، وقد رجع لتأمُّل أظفارِه: «أنت فتًى شقي، وستكون في سانداون عندما أُخبرك.»

قال ذلك ثم استدار وابتعد.

سحب الرجل الذي يُدعى توم منديلًا وربَّت به على وجهه النازف. أُصيب بجرحَين قليلَيِ العمق وطويلَين. يعرف السيد جونز بدقة العُمق الآمن الذي يُمكنه أن يجرحه به، لكنَّ الجرحَين كانا قبيحَين ومؤلِمين.

نظر الرجل الجريح إلى الرجل المنسحب، وأظهر أسنانه ذاتَ البقع بابتسامةٍ قبيحة، لكن علم ليون أنه سيحضُر لمُهمته في سانداون كما أمَرَه.

أثار المشهد اهتمام ليون جونزاليس للغاية.

عاد إلى شقته في شارع جيرمين وقد تملَّكَه هذا الاهتمام.

كان مانفريد في الخارج لزيارة طبيب أسنانه؛ لكن في اللحظة التي وصل فيها إلى المدخل، راح ليون يُثرثر باكتشافه.

صاح مُتحمسًا: «إنه بالتأكيد أكثر رجلٍ أدهشَني في حياتي يا جورج! إنه تجسيد رائع لعصرٍ مضى وولَّى؛ وكأنه من عصر الأسياد والعبيد، ونادرًا ما يُقابل المرء مثل هذه الشخصية. هل تتذكَّر ذلك الراعي الذي وجدناه في إسكوريال؟ إنه أقربُ تشبيهٍ له، على ما أعتقد. هذا الرجل اسمه سباجيتي جونز.» واستطرَد: «إنه زعيم عصابة سباقات خيل تبتزُّ وُكلاء المُراهنات. اسم عائلته مُشتقٌّ من دمٍ إيطالي كما أنه يعيش في الحي الإيطالي. بناءً على عدم التناسُق العام بين الوجه وامتلاء الذقَن، أكاد أقول إن لديه تاريخًا مرَضيًّا من الجنون — الصرَع من غير ريب — في عائلته من ناحية الأم.

لم يسأل مانفريد كيف توصَّل ليون إلى هذه الاكتشافات. ضع ليون على مسارِ «موضوعٍ» مُثير للاهتمام ولن يتركَه أبدًا حتى يُشرِّحه جزئيةً تِلْوَ الأخرى ويَسبُرَ أغوارَه.

«لديه سِجلٌّ إجرامي، أليس كذلك؟»

ضحك جونزاليس مبتهجًا.

«هذا موضع خطَئك يا عزيزي مانفريد. لم يُدَنْ قط، وربما لن يُدانَ أبدًا. وجدتُ وكيل مراهنات صغيرًا وفقيرًا في الحلقة الفِضية — وهي مساحة تُحجَز لإقامة مُراهناتٍ أصغرَ من المراهنات التي تُقام في تاترسال — حيث كانوا يدفعون الإتاواتِ للقيصر لسنواتٍ عديدة. لمستُ الحزن والأسى في حديثه، وإلا لما أخبرَني بما فعله. أوصلتُه إلى حانةٍ في كوبهام، بعيدًا عن الزحام الجنوني، وتناول شراب الجين (وهو أكثر شرابٍ مُفيد ومُتوفر في هذا البلد، فقط لو يعرفه الناس) حتى بكى؛ ومن ثَم خفَّ الحمل من على كاهله.»

ابتسم مانفريد ورنَّ الجرس طلبًا للعشاء.

قال: «سيقضي عليه القانونُ عاجلًا أم آجلًا. لديَّ إيمانٌ كبير بالقانون الإنجليزي. إنه يَخفِق مراتٍ أقلَّ بكثيرٍ من أي قانونٍ آخر يُطبَّق في العالَم.»

ليون مُتشككًا: «ولكن هل سينجح في ذلك بالفعل؟ أودُّ التحدُّث مع السيد فير المُهذَّب عن هذا الرجل.»

قال مانفريد: «ستُتاح لك فرصة؛ لأننا سنتناول العشاء معه غدًا في مطعم متروبوليتان.»

أفادتهما أوراق اعتمادهما باعتبارهما خبيرَين إسبانيَّين في عِلم الجريمة إفادةً كبيرة في علاقتهما مع السيد فير، وقد ساعدوه في المُقابل ويَدين فير لهما بالامتنان.

حكى ليون ما حدث معه بعد عشاء ليلة الأحد وقت تدخين السجائر ووقت انشغال معظم روَّاد مطعم متروبوليتان في غرفة الرقص.

أومأ فير وقال: «أوه أجل، سباجيتي جونز قضيةٌ صعبة. لم نتمكَّن من الإمساك به قط، على الرغم من ارتباطه ببعض الجرائم الشنعاء. إنه رجل ضخم، شديدُ الذكاء، على الرغم من أسلوبه السوقيِّ وقلةِ تعليمه. إنه لا يعرف الرحمة، ويحكم مملكته الصغيرة بقبضةٍ من حديد. لم نتمكن من القبض على رجلٍ واحدٍ لينقلبَ عليه ويَشِيَ به، وبالتأكيد لم يُقبَض عليه قط بالبضائع.»

نفضَ رماد سيجاره في صحنه، ونظر طويلًا إلى كومة الرماد شاردَ الذهن.

«يمتلك الإيطاليون إحدى منظمات اليد السوداء في أمريكا. أظنُّ أنكما تعرفان ذلك. إنه نظامُ ابتزاز، ولحُسن حظنا أننا لم نشهد عملياته في هذا البلد. على الأقل لم نشهدها حتى وقتٍ قريب. لديَّ كل الأسباب التي تجعلني أعتقد أن سباجيتي جونز هو العقل المدبِّر في القضية الحقيقية الوحيدة التي نمت إلى علمنا.»

قال مانفريد متفاجئًا: «هنا في لندن؟ لم يكن لديَّ أدنى فكرة أنهم مارَسوا هذا النوع من الأشياء في إنجلترا.»

أومأ المفوض.

قال: «قد يكون الأمر مُلفَّقًا بالطبع، لكنني وضعتُ مجموعة من أفضل رجالي لمراقبة كتَّاب الرسائل لمدة شهر، دون الاقتراب منهم. وأنا أرتدي ملابسي هذا الصباح، كنتُ أتساءل إن كان بإمكانكما أيها السيدان أن تُساعداني في قضية أقرُّ بأنها تَشغلُنا جميعًا. هل تعرفان الكونتيسة فينشي؟»

تفاجأ ليون لمَّا أومأ مانفريد برأسه.

قال ليون: «التقيتُ بها في روما منذ حوالي ثلاث سنوات. إنها أرملة الكونت أنطونيو فينشي، أليس كذلك؟»

قال المفوض: «إنها أرملة لديها ابن يبلغ من العمر تسع سنوات، وتعيش في ميدان بيركلي. سيدة فاحشة الثراء وفاتنة الجمال. منذ نحوِ شهرَين بدأت في تلقي الرسائل، التي لم يكن عليها توقيعٌ بل مختومة بصليبٍ أسود مكان التوقيع. كُتِبت بخط يدٍ جميل، وقد أثار ذلك الشكوكَ حول سباجيتي جونز؛ لأنه عمل في شبابه خطاطَ لافتات.»

أومأ ليون بقوة.

وقال موافقًا بحرارة: «بالطبع، يستحيل تحديد هذا النوع من الكتابة. أظن أنك تَعني بكلمة «خط» كتابة مطبوعة، أليس كذلك؟ هذه طريقة جديدة، وهي طريقة ذاتُ إبداع خاص؛ لكنني قاطعتُك يا سيدي. هل يطلب مُرسِلُ هذه الرسائل المالَ؟»

«طلبوا المال وهدَّدوا السيدة بما سيحدُث إذا لم تُرسله إلى العنوان الذي أعطَوه لها. وهنا ظهرت وقاحة جونز الهائلة وتواطؤُه. ظاهريًّا، يُدير جونز متجرًا لبيع الصحف. لديه متجر صغير في نيتينج هيل، حيث يبيع الصحفَ الصباحية والمسائية، كما أنه وكيلٌ محلي لبائعي المعلومات السرية للسباقات، الذين ترى أحيانًا لافتاتهم معروضةً خارج متاجر الصحف. بالإضافة إلى ذلك، يُستخدَم المتجر بصفته عنوانَ إقامة …»

مانفريد: «هل يعني هذا أن الأشخاص الذين لا يريدون أن تُرسَل رسائلهم إلى منازلهم يُمكنهم طلب إرسالها إلى هناك؟»

أومأ المفوض.

وقال: «إنهم يضعون رسومًا بقيمة بنسَين لكل رسالة. يجب بالطبع إدراج عناوين الإقامة هذه ضِمن الأنشطة غير القانونية؛ لأنها تفتح الطريق لجميع أنواع الاحتيال. إن ذكاء هذه الحركة واضح؛ إذ يتلقى جونز الرسالة، ظاهريًّا نيابةً عن العميل، والرسالة بين يديه فيُمكنه فتحها أو تركها دون فتح؛ حتى إذا انقضَّت الشرطة — كما فعلنا في إحدى المرَّات — تجد الرسالة سليمة! إذن، ما لم نمنَع الرسالة من الوصول إلى متجره، لا يُمكننا إبقاؤها تحت المُراقبة. في واقع الأمر، كان اسمُ الرجل الذي ستُرسَل الأموال إليه، وَفقًا للرسالة التي تلقَّتْها الكونتيسة، هو «إتش. فراسكاتي، عناية جون جونز.» بالطبع تلقَّى جونز الردَّ على رسالة الكونتيسة، ووضع الظرف مع عشَرات الرسائل الأخرى التي تنتظر المطالبة بها، وعندما دخل رجلنا في المساء بعدما ظل يُراقب المتجر طوال اليوم، أُخبِر أن الرسالة قد طُولِب بها. بالتأكيد لم يستطع تفتيش كلِّ من دخل إلى المتجر وخرج منه خلال اليوم، وكان من المُستحيل إثباتُ التهمة على الرجل.»

قال جونزاليس المُعجَب: «مُخطَّط رائع! هل أرسلت الكونتيسة المال؟»

قال فير وهو يهزُّ رأسه: «أرسلَت مائتي جنيه إسترليني بحماقةٍ شديدة. وبعد ذلك عندما جاء الطلب التالي أبلغت الشرطة. افتعلْنا رسالة للإيقاع به وأرسلناها إلى عُنوان جونز، وكانت النتيجة كما سبق وأخبرتُكما. ثم تلقَّت رسالةً أخرى تُطالبها بالدفع الفوري وتُهددها هي وابنها؛ فأرسلنا رسالةً زائفة أخرى، وكان هذا يوم الخميس الماضي. ومن منزل على الجانب الآخر من الطريق، ظلَّ اثنان من ضباطنا يُراقبان الأوضاع، باستخدام النظارات الميدانية، التي مكَّنَتهما من رؤية المتجر من الداخل. ولكن لم يتسلم جونز أيَّ خطابٍ خلال النهار؛ لذلك داهَمْنا المكان في المساء، وكانت هناك هذه الرسالة على الرفِّ مع غيرها من الرسائل غير المفتوحة.» وقال المفوض مُبتسمًا: «وبدَوْنا في غاية الحماقة.» فكَّر للحظةٍ ثم سأل: «هل ترغبان في مقابلة الكونتيسة فينشي؟»

قال جونزاليس بسرعة، ونظر إلى ساعته: «نرغب كثيرًا في الحقيقة.»

ابتسم المُفوض قائلًا: «ليس الليلة. سأُحدد مقابلة لكما بعد ظهر غد. ربما تفكران أيُّها السيدان البارعان في شيءٍ هرب عن عقولنا البريطانية الثقيلة الفهم.»

في طريق عودتهما إلى شارع جيرمين في تلك الليلة، كسر ليون جونزاليس الصمتَ بسؤالٍ مباغِت؛ حيث قال مفكرًا: «أتساءل أين يُمكن للمرء الحصولُ على منزل فارغ به حمَّام كبير وحوضُ استحمام بالِغ الكبر؟»

استهلَّ مانفريد حديثه قائلًا: «عجبًا، لِم؟» ثم ضحك، وقال وهما يدخلان الشقة: «أعتقد أنني أتقدَّم في السن يا ليون؛ فقد كنتُ في الماضي لا أتفاجأ من اكتشافات عقلك المُدهشة بأيِّ شكلٍ من الأشكال. ما الخصائص الأخرى التي يجب أن تكون في منزلك المثاليِّ هذا؟»

أدار ليون قُبعته على نحوٍ مُمنهَج عبر الغرفة بحيث سقطَت بدقَّة على سن شماعة القبعات.

سأل بغرور: «ما رأيك في هذه البراعة يا جورج؟ المنزل، آه حسنًا، يجب أن يكون منعزلًا بعضَ الشيء، وأن يكون وحدَه على أرضٍ خاصة به، إنْ أمكن ذلك. كما يجب أن يكون بعيدًا عن الطريق، وأن يكون الطريق لا يتردَّد عليه الكثيرون. وأُفضل لو كان محجوبًا عن الرؤية بالشجيرات أو الأشجار.»

قال مانفريد بدُعابة: «يبدو الأمر كما لو أنك تُفكر في جريمة شنعاء.»

صحَّحه ليون بسرعة، قائلًا: «ليس أنا، ولكنني أعتقد أن صديقنا جونز رجلٌ فاحش حقًّا.» أخذ نفسًا عميقًا وقال على جانب حديثه: «أودُّ لو أُقدِّم أي شيءٍ مقابل الحصول على قياسات رأسه.»

المقابلة مع الكونتيسة فينشي أسعدتهما. إنها امرأةٌ طويلةٌ جميلة، في الرابعة والثلاثين من عمرها، تتفجَّر «الأنوثة» منها؛ مِن رأسها إلى أخمصِ قدمَيها.

افتُتِن بها مانفريد ذو الطباع البشرية، أما ليون جونزاليس، فقد كان طبيعيًّا للغاية، لدرجة أنه لم يكن مُهتمًّا في الواقع.

قالت: «بطبيعة الحال أنا قلقة بعض الشيء. فيليب ليس قويًّا للغاية، رغم أنه ليس ضعيفًا أيضًا.»

بعد ذلك جاء الصبي، وهو شابٌّ صغير مهندم ذو بشرة زيتونية وعينَين بُنيَّتَين، هادئ وأذكى مما توقَّع مانفريد بِناءً على عمره. أتت معه مُربيته، وهي فتاة إيطالية جميلة.

قالت الكونتيسة عندما عادت الفتاة إلى العمل على دروسه: «إنني أثق في بياتريس أكثرَ مما أثق في شرطتكم؛ فوالدُها ضابط في شرطة صقلية وعاشت كلَّ حياتها غالبًا تحت تهديد الاغتيال.»

سأل مانفريد: «هل يخرج الولد؟»

قالت الكونتيسة: «مرة في اليوم، في السيارة. وإما أن أصحبه أنا وحدي، أو مع بياتريس، أو تصحبه بياتريس وحدَها.»

سأل جونزاليس: «بِمَ يُهدَّدون تحديدًا؟»

قالت الكونتيسة: «سأُريك إحدى رسائلهم.»

ذهبَت إلى مكتب، وفتحت قُفله، وعادت بورقةٍ متينة. كانت ذاتَ جودةٍ ممتازة وكُتِبت بخط يُشبه خطوط النقش على النحاس:

«ستُرسلين إلينا ألف جنيه إسترليني في الأول من مارس، ويونيو، وسبتمبر، وديسمبر. يجب أن تكون الأموال في شكل أوراقٍ نقدية، ويجب أن تُرسَل إلى إتش فراسكاتي، ولعناية جي جونز، ١٩٤ شارع نوتنج هيل. استعادة ابنكِ ستُكلفكِ أكثرَ مما سيُكلفكِ إبقاؤه معكِ.»

حمل جونزاليس الورقة في النور، ثم حملها إلى النافذة لإجراء فحص أفضل.

قال وهو يُعيدها: «أجل، سيكون من الصعب تتبُّعُ كاتبِ تلك الرسالة. سيفشل أفضلُ خبير في العالم في ذلك.»

هزَّت الكونتيسة رأسها تعبيرًا عن توقُّع ما سيحدُث، ولمَّا نهضا للرحيل، قالت: «أعتقد أنه لا يُمكنك اقتراح أي شيء.»

كانت تتحدَّث إلى مانفريد، لكن جونزاليس هو مَن أجاب، قائلًا: «لا يُمكنني إلا أن أقترح يا سيدتي أنه إذا اختفى ابنُكِ الصغير، فعليك أن تتواصلي معنا على الفور.»

وقال عندما كانا في الشارع: «عزيزي مانفريد، من المؤكد تمامًا أن السيد فيليب سيختفي. سأستقلُّ سيارة أجرة وأتجوَّل في لندن بحثًا عن هذا المنزل الذي أريده.»

سأل مانفريد: «هل أنت جادٌّ يا ليون؟» وأومأ الآخر قائلًا بجدية: «لم أكن أكثرَ جِديةً في حياتي مما أنا الآن. سأكون في الشقة في الوقت المُحدد للعشاء.»

كانت الساعة الثامنة تقريبًا، بعد ساعةٍ من موعد العَشاء، عندما صعد الدرَج بمبنى شارع جيرمين، واقتحم الغرفة.

استهل قائلًا: «لقد حصلت على …» ثم رأى وجه مانفريد، فقال: «هل أخذوه؟»

أومأ مانفريد.

وقال: «تلقَّيتُ رسالة هاتفية قبل ساعة.»

صَفَّرَ ليون.

وقال مُخاطبًا نفسَه: «بهذه السرعة!» ثم قال: «كيف حدث ذلك؟»

قال مانفريد: «أتى فير إلى هنا، وغادر قبل وصولك مباشرة. طريقة الاختطاف سهلة لدرجةٍ تبعث على السخرية. بعد فترةٍ وجيزة من مُغادرتنا، أخذت المُربية الصبيَّ في السيارة، اتَّبَعا طريقهما المُعتاد، وهو عبر مروج هامبستيد إلى خارج البلد. من عادتهم قطع بضعة أميالٍ بعد المروج في اتجاه تلِّ بيكون ثم يرجعان.»

قال ليون: «للأسف، لا رَيب أن اتباع الطريق نفسه كل يومٍ جنون محض.»

قال مانفريد: «السيارة تدور دائمًا في المكان نفسِه، وتلك هي الحقيقة التي علِمها الخاطفون. الطريق ليس واسعًا بالدرجة الكافية. ولتُدير سيارة الرولز الكبيرة، يتطلَّب الأمر القليلَ من المناورة. كان السائق مشغولًا في الدوران بالسيارة عندما وضعَ رجلٌ راكب على درَّاجة مُسدسًا أسفل أنفه، وفي الوقت نفسِه ظهر رجلان من العدَم وفتحا باب السيارة وانتزعا المسدس الذي تحمله المُربيةُ، وحمَلا الصبيَّ وهو يصرخ خارج السيارة إلى سيارةٍ أخرى. وتلك السيارة شاهدها سائقُ سيارة فينشي وهي واقفة على جانب الطريق، ولكن على ما يبدو لم تُثِر شكوكه.»

«هل شُوهِدت وجوه الرجال؟»

هزَّ مانفريد رأسه.

وقال: «كان الرجل الذي عطَّل السائق يرتدي واحدةً من اللِّحى المسرحية الرخيصة، التي يُمكنك شراؤها بشلنٍ واحد من أي متجرٍ للألعاب، بالإضافة إلى نظَّاراتٍ واقية لراكب الدراجة البخارية. يبدو أن كِلا الرَّجُلَين الآخرَين كانا مُتخفِّيَين بالطريقة نفسِها. كِدت أذهب إلى الكونتيسة الآن ولكنك أتيت. إذا كنتَ ستتناول عشاءك يا ليون …»

قال ليون على الفور: «لا أريد عشاءً.»

كان المفوض فير في المنزل في ميدان بيركلي عندما اتَّصلا، وبات يُحاول عبثًا تهدئة الأم المُشتَّتة.

حيَّا الرجُلَين حين وصولهما بظفرة ارتياح.

قال ليون فورَ دخوله على الغرفة: «أين الرسالة؟»

«أي رسالة؟»

«الرسالة التي أرسلوها لبيان شروطهم.»

قال الآخر بصوتٍ منخفض: «لم تصِل بعد. هل تعتقد أنه بإمكانك تهدئة الكونتيسة؟ إنها على وشك الإصابة بانهيارٍ عصبي.»

أمستْ مُستلقيةً على أريكةٍ بيضاء من دون حَراك، وعيناها مُغمضتان، ظلَّت خادمتان تُحاولان إيقاظها. فتحت عينيها على صوت مانفريد ونظرت إلى الأعلى.

كانت تبكي وتقول مُشبكةً يدَيها معًا: «آه يا ولدي، يا ولدي! سوف تُرجعه، من فضلك. سأقدِّم لك أي شيء، أي شيء؛ أي مبلغ تطلبه سأدفعه لك!»

عندئذٍ دخل كبيرُ الخدم إلى الغرفة حاملًا رسالةً على صينية.

قفزت، لكنها كانت ستسقط لولا أن ثبَّتها مانفريد بذراعه.

صرخَت بشدة: «إنها من … الخاطفين.» وفتحت المظروف بعُنفٍ بأصابعها المُرتعشة.

كانت الرسالة أطولَ من سابقيها:

«ابنُكِ في مكانٍ لا يعرفه إلا كاتبُ هذه الرسالة. الغرفة مدعمة بقضبانٍ حديدية ومُغلقة، وبها طعام وماء يكفيان لمدة أربعة أيام. لا أحد يعرف مكانه أو يُمكنه العثور عليه سوى كاتبِ الرسالة. مقابل مبلغ خمسةٍ وعشرين ألف جنيه إسترليني، سيُرسَل مكانُ اختبائه إلى الكونتيسة؛ وإذا لم يُدفَع هذا المبلغ قريبًا، فسيُترَك يموت جوعًا.»

صاحت السيدة المذهولة: «يجب أن أُرسِل المال على الفور. على الفور! هل تفهم؟ ابني، ابني!»

غمغم ليون وكانت عيناه تلمعان: «أربعة أيام. عجبًا، ليس هناك أفضل من ذلك!»

لم يسمعه سوى مانفريد.

قال السيد فير بجِدية: «سيدتي، إذا أرسلتِ خمسةً وعشرين ألفَ جنيه، فما الضمان الذي لديك لاستعادةِ الصبي؟ أنت امرأةٌ فاحشة الثراء. أليس من المُحتمَل عندما يحصل هذا الرجلُ على أموالك أن يطلب منكِ المزيد؟»

قاطعه ليون: «بالإضافة إلى ذلك، سيكون ذلك مضيعةً للمال. سأتعهَّد بإعادة ابنك في غضون يومَين. ربما في غضون يومٍ واحد، يعتمد الأمر كثيرًا على ما إذا كان سباجيتي جونز بات مُستيقظًا إلى وقتٍ متأخِّر في الليلة الماضية.»

اكتسب السيد سباجيتي جونز لقبَه بسبب ارتباطه بأبناء وبنات إيطاليا من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنه على الرغم من أنه صاحبُ شهية قوية؛ فهو يُنهي عشاءه دائمًا بالطبق الإيطالي الوطني، بغضِّ النظر عن عدد الأطباق التي يتناولها قبلَه.

تناول عشاءً شهيًّا في مطعمه المُفضَّل في سوهو، لمَّا جلس بعيدًا عن روَّاد المطعم المُعتادين وتلقَّى خدمات صاحب المطعم المُجامِلة بقَناعة، كل ذلك يُشير إلى أنه لم يأخذ أكثرَ من حقِّه.

استخدم خلَّةَ الأسنان أمام الجميع، ثم دفع فاتورته وانطلق بفخامةٍ واستقلَّ سيارةَ أجرة. كاد أن يَركبها لولا أن اقترب منه رجلان، واحد على كل جانبٍ منه.

قال أحدهما بحِدَّة: «جونز.»

قال السيد جونز: «هذا اسمي.»

«أنا المُحقق جيثيرو من سكوتلاند يارد، وسآخُذك إلى الحجز بتهمة اختطاف الكونت فيليب فينشي.»

حدَّق السيد جونز في وجهه.

سبقَ أن بُذِلَت محاولاتٌ عديدة لإحضاره إلى الملجأ غير المِضياف الذي تُوفِّره السجون الملكية، وقد باءت جميعها بالفشل.

ضحك واثقًا في كفاءة خُططه، وقال: «لقد ارتكبتُ خطأً شنيعًا، أليس كذلك؟»

قال الرجل بخشونة: «اصعد إلى سيارة الأجرة تلك.» السيد جونز شديدُ الذكاء ذو خبرةٍ في التلاعُب بالقانون؛ فلم يُقدِم على أي مقاومة.

لن يخونه أحد؛ فلا أحد يُمكنه أن يكتشف مكان الصبي، لم يُبالغ في هذا الصدد. لم يكن الاعتقالُ يعني أكثرَ من زيارةٍ للقسم، بضع كلماتٍ مع المُحقِّق، وفي أسوأ الأحوال اعتقال لليلةٍ واحدة.

لم يدخل أحدُ خاطفيه إلى سيارة الأجرة حتى خاض محادَثة مطولة مع السائق، وتساءل السيد جونز، وهو يرى عبر النافذة تمريرَ ورقة نقدية بخمسة جنيهات، عن ذلك الكرم الشديد الذي أصبحت عليه قواتُ الشرطة.

قاد السيارة بسرعةٍ عبر ويست إند، ودخل إلى وايتهول؛ ولدهشة السيد جونز، لم يَستدِرْ إلى سكوتلاند يارد، لكنه استمرَّ بالسير على جسر وستمنستر.

سأل: «إلى أين تأخذونني؟»

انحنى الرجل الذي جلس أمامه — الرجل الأصغر الذي تحدَّث إلى سائق سيارة الأجرة — إلى الأمام ودفع شيئًا ما في صدرية السيد جونز الواسعة؛ وبالنظر إلى الأسفل، رأى الماسورة السوداء الطويلة لمُسدَّسٍ آلي، وشعر بغثيانٍ مؤقت.

قال الرجل: «لا تتكلَّمْ بعد.»

حاول جونز قدْر الإمكان، ولكنه لم يستطع رؤية وجه أيٍّ من المُحققين. ومع ذلك، صُدِم عندما مرُّوا أسفل الأشعة المباشرة للمصباح الكهربائي؛ فقد كان وجهُ الرجل المقابل له مُغطًّى بغطاءٍ أبيضَ رقيق لا يكشف سوى ملامح الوجه الغامضة. ثم بدأ في التفكير بسرعة. لكن حلول مشكلاته أعادته إلى ذلك المُسدَّس الأسود اللامع في يدِ الآخر.

بعد عبور نيو كروس في لويشام، بدأت السيارة أخيرًا في خفض سرعتها نزولًا من أعلى تل بلاكهيث. تعرَّف السيد جونز على المنطقة حيث إنه عمل فيها في أوقاتٍ سابقة وحقَّق نجاحًا معقولًا.

وصلت سيارة الأجرة إلى طريق المروج، وفتح الرجل الذي يجلس بجانبه النافذةَ وانحنى للخارج مُتحدثًا إلى السائق.

وفجأةً استدارت السيارة عبر بوابة حديقةٍ وتوقفَت أمام باب منزلٍ مهجور قديم ولا يبعث على السرور.

قال الرجل الذي يحمل المسدس: «قبل أن تخرج، أريدك أن تفهم أنك إذا تحدَّثت أو صرختَ أو نطقت بأي كلمةٍ لسائق سيارة الأجرة هذه، فسوف أُطلق عليك النار من معدتك. وسوف يُمهلك ذلك ثلاثة أيام حتى تموت، وستُعاني من آلامٍ لا أعتقد أن عقلك الجسيم يُمكِنُه تخيُّلُها.

صعد السيد جونز الدرَج إلى الباب الأمامي ومرَّ بخنوعٍ وصمت إلى داخل المنزل. كان الليل باردًا وارتجف عندما دخل المسكنَ غير المريح. أشعل أحدُ الرجلَين مصباحًا كهربائيًّا، أغلق الباب على ضوئه. ثم أطفأ الضوء، ووجدوا طريقهما صعودًا على الدرَج المُغبر بمساعدة مصباح جيب كان ليون جونزاليس يُضيئه أمامه.

قال ليون بسرور: «هذا هو مأواك الصغير.» وفتح الباب وأدار مفتاح الكهرباء.

المأوى عبارةٌ عن حمامٍ كبير. من الواضح أن ليون وجد مطلبه المثالي، كما اعتقد مانفريد؛ لأن الغرفة كانت كبيرةً للغاية، بحيث يُمكن وضعُ سرير في أحد أركانها، وقد وضعه السيد جونزاليس في أحد أركانها بالفعل. رأى جورج مانفريد أن صديقه حَظِيَ بيومٍ مزدحِم للغاية. كان السرير مريحًا، وبدا بملاءاته البيضاء ووسائده الناعمة ذا جاذبيةٍ خاصة.

في حوض الاستحمام الواسع والعميق، وُضع كرسي وندسور ثقيل، ومن أحد الصنابير عُلِّق خرطوم مطاطي.

لاحظ السيد جونز هذه الأشياء، كما لاحظ أن النافذة مُغطَّاة بالبطانيات لإبعاد الضوء.

قال ليون بحِدة: «مُدَّ يدَيك.» وقبل أن يُدرك سباجيتي جونز ما كان يحدُث، وُضِع زوجان من الأصفاد على مِعصَمَيه، ورُبِط حزام ببراعة من خلال الوصلات المُتصلة، وسُحِب بين ساقَيه.

قال ليون مازحًا: «اجلس على ذلك السرير. أريدُك أن ترى كم هو مريح.»

قال السيد جونز في فورة من الغضب المفاجئ: «لا أعرف ما تعتقد أنك فاعِلُه، ولكن بالله ستعرِف ستُحاسَب على كل هذا! انزع هذا الحجاب عن وجهك ودَعْني أرَك.»

قال ليون بلُطف: «أُفضِّل ألا تراني؛ لأنه إذا رأيتَ وجهي، فسأُضطَر إلى قتلِك، ولا أرغب في ذلك. اجلس.»

أطاعه السيد جونز مندهشًا، وزادت دهشته عندما بدأ ليون في نزع حذائه اللامع وجواربه الحريرية، ولفِّ أرجلِ بنطاله.

سأل الرجل بخوف: «ماذا تنوي؟»

أشار جونزاليس إلى الكرسي في الحمام، وقال: «اجلس على هذا الكرسي. إنه كرسي وندسور مريح …»

استهلَّ جونز خائفًا: «انظر يا هذا.»

قال ليون بعنف: «ادخل.» وأطاع الرجل الضخم.

ثم سأل ليون بأدب: «هل أنت مرتاح؟»

عبَس الرجل في وجهه.

قال: «لن ترتاحَ أنت إلى أن أُنهِيَ أمرك.»

سأل ليون: «كيف ترى شكل ذلك السرير؟ يبدو مريحًا للغاية، أليس كذلك؟»

لم يرُدَّ سباجيتي جونز، وضربه جونزاليس برفقٍ على كتفه.

«الآن يا صديقي البدين، هل ستُخبرني أين أخفيتَ فيليب فينشي؟»

ابتسم السيد جونز ابتسامةً عريضة، وقال: «أوه، هذا هو الأمر إذن، أليس كذلك؟ حسنًا، يُمكنك الاستمرار في السؤال!»

نظر لأسفل إلى قدَمَيه الحافيتَين، ثم مِن أحدهما إلى الآخر.

قال: «لا أعرِف أيَّ شيءٍ عن فيليب فينشي. من هو؟»

«أين أخفيتَ فيليب فينشي؟»

قال جونز ساخرًا: «أتظن أنني إذا كنتُ أعرف مكانه فسأُخبرك، أحقًّا تظنُّ ذلك؟»

أجاب ليون بهدوء: «إذا كنتَ تعلَم، فستُخبرني بالتأكيد، لكنني أتصوَّر أنها ستكون مهمةً طويلة. ربما تستغرق ستةً وثلاثين ساعة! يا جورج، هلَّا توليتَ الساعة الأولى؟ سأذهب للنوم على هذا السرير المريح للغاية، ولكن أولًا …» التمَس طريقه خلف حوض الاستحمام وأحضرَ رِباطًا ومرَّ به حول جسد السجين، وربطه بظهر الكرسي، قال مُبتسمًا: «كي يمنعك من السقوط.»

استلقى على السرير وغطَّ في النوم بعد بضع دقائق. يحظى ليون بقُدرته على النوم متى شاء، وهي المقدرة التي يتمتَّع بها القادة العظام.

ظلَّ جونز ينتقلُ ببصره من النائم إلى الرجل المُحجَّب الذي استلقى على كرسيٍّ مريح مواجهًا له. كان قد قُطِع مكانٌ للعينَين في الحجاب، وكان المُراقِب يضع كتابًا على ركبته ويقرأ.

سأله: «كم سيستمرُّ هذا؟»

قال مانفريد بهدوء: «ليومٍ أو يومَين. هل تشعُر بالملل الشديد؟ هل ترغب في القراءة؟»

دمدم السيد جونز بشيءٍ غير سار، ولم يقبل العرْض. ولم يكن يستطيع التفكير والتكهُّن إلا فيما يتعلق بنواياهما. توقَّع منهما العنف، لكن يبدو أنه لم يكن هناك عنفٌ مُتعمَّد؛ فقد كانا يحتجزانه حتى يتكلَّم. لكنه سيجعلهما يندمان! بدأ يشعر بالتعَب. وتدلَّى رأسُه فجأةً إلى الأمام حتى لامس ذقنُه صدرَه. قال مانفريد على الفور: «استيقِظ.»

استيقظَ قافزًا.

أوضح مانفريد: «ليس من المُفترض أن تنام.»

زأر السجين: «أهو كذلك؟ حسنًا سأنام!» واستقرَّ على الكرسي بارتياحٍ أكبر.

بدأ في النُّعاس عندما عانى من انزعاجٍ حادٍّ ورفع قدمَيه صارخًا. كان الرجل المُحجَّب يُوجِّه تيارًا من الماء المُثلج على قدمَيه العاريتَين، وأصبح السيد جونز الآن مُستيقظًا تمامًا. بعد ساعة، بدأَت رأسُه تميل مرةً أخرى؛ ومرةً أخرى وُجِّه خرطوم الرشِّ الصغير إلى قدمَيه، ومرةً أخرى أخذ مانفريد منشفةً وجفَّفها بعناية كما لو كان السيد جونز مريضًا.

في الساعة السادسة صباحًا، وبعيونٍ حمراء مُحملِقة، رأى مانفريد وهو يوقظ ليون النائم ويأخذ مكانه على السرير.

كان النُّعاس يسحب ذقن الرجل الضخم إلى صدره مرارًا وتكرارًا، ومرةً تلوَ الأخرى يُرَش التيار المثلج عليه بجنونٍ فيستيقظ صارخًا.

أخذ يسحب الرباط والغضبُ من العجز يتملَّكه، صرخ: «دعْني أنَمْ، دعني أنَم!» كاد أن يُجَنَّ من التعب، وبدأ الشرَرُ يتطاير من عينَيه.

سأل ليون الذي لا يرحم: «أين فيليب فينشي؟»

صرخ الرجل: «هذا عذاب، اللعنة عليك.»

«ليس أسوأَ بالنسبة لك من صبيٍّ محبوس في غرفة بها طعام يكفي لأربعة أيام. وليس أسوأَ من قطعِ وجه رجلٍ بسكِّين، يا صديقي البُدائي. لكن ربما لا تعتقد أن إرهاب طفلٍ صغير أمر خطير.»

قال سباجيتي بصوتٍ أجش: «لا أعرف مكانه، صدِّقني.»

أجاب ليون، وأشعل سيجارة: «إذن علينا أن نُبقِيَك مُستيقظًا حتى تتذكَّر.»

بعد فترةٍ وجيزة، نزل إلى الطابق السُّفلي وعاد ومعه القهوة والبسكويت للرجل، ووجده نائمًا نومًا عميقًا.

انتهَت أحلامه في عويلٍ من العذاب.

توسَّل والدموع في عينَيه: «دعني أنم، من فضلك دعني أنَم. سأعطيك أيَّ شيءٍ إذا سمحتَ لي أن أنام!»

قال ليون: «يُمكنك النوم على هذا السرير، وهو سرير مريح للغاية؛ ولكن أولًا يجب أن نعرف أين فيليب فينشي.»

صرخ سباجيتي جونز: «سأراك في الجحيم قبل أن أُخبرك.»

أجاب ليون بأدب: «سوف تتآكل عيناك وأنت تبحث عني. استيقِظ!»

في الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم، تأوَّه الرجل الباكي والمُتشنِّج والمنكسِر بالعُنوان، وذهب مانفريد للتحقُّق من هذه المعلومات.

«دعْني أنَم الآن!»

قال ليون: «ستبقى مُستيقظًا حتى يعودَ صديقي.»

في الساعة التاسعة، عاد جورج مانفريد من ميدان بيركلي، بعد أن أطلق سراحَ الصبي الصغير المرعوب من قبوٍ كريه في نوتنج هيل؛ وقاما معًا بانتشال الرجل نصفِ الميت من حوض الاستحمام وفتحا أصفاده.

قال مانفريد: «قبل أن تنام، اجلس هنا، ووقِّعْ هذه.»

كانت «هذه» وثيقةً لا يُمكن للسيد جونز قراءتُها حتى لو كان يرغب في ذلك. كتب توقيعه، وزحف على السرير نائمًا قبل أن يسحب مانفريد الملابس فوقه. ظلَّ نائمًا حتى دخل رجلٌ من سكوتلاند يارد إلى الغرفة وهزَّه بعنف.

لم يكن سباجيتي جونز يعرف شيئًا عمَّا قاله المُحقق؛ فلم يتذكَّر اتهامه أو سماعه لاعترافه الذي وقَّع عليه وقرأه عليه رقيبُ القسم. لم يتذكر شيئًا حتى أيقَظوه في زنزانته للمثول أمام قاضي التحقيق لجلسة استماعٍ أولية.

قال حارس السجن لجرَّاح السجن: «إنه شيء غير عادي يا سيدي. لا يُمكنني جعلُ هذا الرجل يظلُّ مُستيقظًا.»

قال الجرَّاح مُبديًا مساعدته: «ربما يودُّ أخذَ حمامٍ بارد.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١