المذكرة الحادية عشر

هل رأيت الزهرة كيف تزبل أوراقها، وتسقط فتموت؟ وهل شاهدت العاصفة في طريقها تقلب الأرض ظهرًا لبطن، وتنال من باسقات الشجر، وتودي بجميل الزهور، وتنهي حياة يانع الثمر؟ ألم تر — ولو بريشة مصور — كيف يفترس الثعبان فريسته؟ يضيق عليها الخناق إلى أن تقع مستسلمة لكهرباء عينيه فتلاقي حتفها.

تلك النهايات مجتمعة أقل أثرًا في نفسي، وأخف روعة في قلبي من الموت بالكوكايين.

الشباب الناضر، الخدود اللامعة، والعيون البراقة، القد المعتدل، والذكاء الفياض، النفس التي تسيل حنانًا، والوجه الذي يستحي أن يراق ماؤه.

كل هذا يا سيدي القارئ ينقلب إلى شيخوخة في سن الثلاثين، ووجه بهاري اللون، وعيون غائرة، وعود قد أحنته الليالي السوداء، فأورثته البلاهة والفجر، وأبدلته الحياء بصفاقة، والحنان بقلب قد من حجر أو نحت من صخر، وما هو «القاسم المشترك الأعظم» في كل هذه المصائب؟ هو هدية أوروبا لنا، الكوكو يا سيادنا.

آه لو أتيح لي أن أستعمل بدلًا من القلم كرباجي، إذًا لقدر الله لوجوه كثيرة أن ينزل عليها مفرقعًا في الهواء، تاركًا أثرًا أسود على خدود ليس للدم أثر فيها.

والآن أصف لكم كيف يموت شبابنا، وتضيع تلك القوة التي هي عمادنا في المستقبل! لو تعلمون إلى أي حد انتشر لهالكم الأمر! فقد أصبحت زجاجات الكوكو مع أغلبية شبابنا ألزم من رباط الرقبة من المنديل بل من زر الطربوش.

فتراه يهون عليه أن يسير بلا رباط في رقبته، بل يقطع زر طربوشه في وسط يجمع خمسين وستين رأسًا بين مطربش ومعمم «مذكر ومؤنث» ليكون أضحوكة لرفيق له اشترط أن يعطيه «شمة» بشرط قطع الزر.

كم من مرة، وأقسم لكم بحق من بهدلني، في زمن أكثر رفاقي فيه أصحاب مراكز، تسمح لهم أن ينادوني قائلين: استنى يا أسطى، نزل الكبوت، دور على شبرا، فوت على الخياط، أقسم لكم بهذا أني كثيرًا ما وقفت بزبائن لي على دخاخنية ومحلات ماني فاتورة وقهاوي تباع بها هذه المادة السامة جهارًا نهارًا — ادفع الثمن تاخد الجرام — والحكومة تسمع وترى، لكن العين بصيرة واليد قصيرة.

وكم حدثت أزمات «كالأزمات الوزارية مثلًا» يكون العثور فيها على جرام أصعب من وجود رئيس وزارة، فنظل نبحث أنا ومن معي من الشباب الناهض، نطرق بيوتًا نام سكانها وغفا أهلها، فيكون ثمن الجرام مضاعفًا، إذ يضيف إليه حضرة البائع المحترم مبلغ بسيط هو بدل إقلاق الراحة. وينزل البيه قابضًا بيده على بغيته، على الزجاجة البيضاء، وهو يقول: دلوقت الواحد يقدر يتنفس بسهولة، دنا دماغي كانت فاضية يا ناس.

فيجيبه زميله قائلًا: متعي متع، ثم تُفتح الزجاجة ويدور السم القاتل، فلا تسمع إلا حركة الشم وهم يبتلعون ذلك الموت البطيء، يدخل في فتحتي الأنف الضيقتين كما يتسرب الطاعون من موبوء إلى أهل بلد آمن مطمئن، جالبًا معه الخراب فالدمار فالموت.

والله يا أسيادي لقد رأيت بعيني رأسي تجار الكوكايين في بيوت وعمارات، لا يسع الإنسان منا إلا أن يقف أمامها وقفة الاحترام والخشوع؛ لأنه يظن مثلًا — وبعض الظن إثم — أن الغش والخداع اللذين حرمتها القوانين السماوية والوضعية لا يعيشان تحت هذه الأسقف الطاهرة الفاخرة، فإذا بي أعرف مِن بوابي هذه البيوت وخدمها أن أسيادهم يعيشون من تجارتهم بهذا الموت السريع، ولا أنسى قول أحدهم ذاكرًا أحد أسياده بكل احتقار قائلًا: يلبس نضيف، ياكل نضيف، يركب نضيف، مناخيره في السما، لكن اسمه وسخ وإيده وسخ.

هؤلاء القوم — سواء كانوا أجانب قذفتنا بهم اليونان إيطاليا أو فرنسا، أو شرقيين رمتنا بهم سوريا أو سواحل الأناضول — تقابلهم مصر على الرحب والسعة، وتكرم وفادتهم، وتنزلهم منزلًا أرحب مما تنزل به أبناءها، ثم يكون اعترافهم بهذا الجميل استيراد الحشيش، وفتح الخمامير، والمتاجرة بشر المكيفات الكوكو، وإضعاف عقول الشباب، وهكذا يكون الجزاء الحسن.

فإذا عجبت من تقلبات الدهر؛ فاعجب لشخص كان منذ سنين معدودات يتسكع بالقهاوي متسترًا؛ مخافة أن يراه آدمي، فيشمئز من منظره القذر، وهو يعرض الجرام بثلاثة قروش صغيرة — رحم الله الأمس — أما اليوم فلعنة الله عليه، لقد أرانا أمثاله في ملابسهم النظيفة، ونفوسهم القذرة أصنامًا لا يتكلم الواحد منهم إلا بالرجاء والالتماس! ولماذا؟ لأنهم أصبحوا أغنياء من دم هذا الشباب المسكين الذي يشتري موته مقسطًا الجرام بنصف جنيه.

تصور معي — أيها القارئ — مدينة القاهرة، وقد أرخى الليل سدوله، ودقت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وتحكم الكيف في أدمغة من كانوا معي، فصاحوا جميعًا في طلب الكوكايين، وصدر الأمر إليَّ أن أيمم شارع قصر النيل، ووصلنا، وهناك أمام الأجزخانة وقفت بعربتي، وهي كبرج بابل، بجانبي وجيه نظيف لطيف، قيل لي: إنه موظف بالمالية، وبالعربة خمسة آخرون: موظف وصاحب أملاك، وأونطجي، وفتوة، ومُحضر في محكمة مصر.

كنا بالاختصار كالسردين والفانوس الأحمر، يادوبك ينير لنا الرصيف، ونحن ننتظر الموظف «النوباتجي» والغفير يوقظه ليعطينا طلبتنا.

وتعب الغفير من النقر على النافذة الصغيرة، وموظف الأجزخانة نائم، فقال صاحب الملك: خبط يا خفير خبط، أنا أبيع أطياني على شمة، دماغي فاضية يا هوه!

وقال الفتوه: وحيات راس أبوك إن ما فتحت لافتح لك مخه.

وقال المحضر: أنت حتفتح ولا آجي أحجز عليك بكرة؟

وقال الموظف: ماهيتي راحت في الحتة دي، حقي برقبتي يا عم.

وقال الأونطجي بهدوئه المعهود: هدوا أخلاقكم يا سيادنا، دلوقت يفتح ونشم.

وسألني من كان بجانبي قائلًا: ما معكش شمة يا أسطى لغاية ما يفتح؟

فتبسمت، ونظرت إليه ثم قلت: شمة إيه يا بيه، إحنا لاقيين ناكل لما نشم!

وأخيرًا أخذنا الجرامين من الغفير، من يده الكريمة، وأمام الشرطي، والبيع مستمر بهذه الطريقة ليلًا ونهارًا بطريقة منتظمة، وفي أعظم أحياء القاهرة، وأين المحافظة؟ أين الحكمدار؟ أين قسم عابدين؟

يقينًا إنه ليخيل إلي بعد تكرار هذه الزيارات الليلية أن شرطي النقطة وغفير «الدرك» يتلقى كلاهما الأمر «ممن له الأمر» بعدم التعرض لهذا المكان الموبوء؛ لأنه مقدس.

لقد كانت المحاورة لذيذة، والشارع ساكن، لا تسمع فيه إلا مزيكة جندي البوليس بعيدًا عنا، لا يشرف إلا إذا سارت المركبة؛ ليرى فاتورة البيع، كمراقب لا متطلع.

هذا قليل من كثير من حوادث ذلك الداء القتال الذي نقلته إلينا مدنية أوروبا، ولو اتخذت المحافظة طرقًا جدية لمعاقبة أولئك الذين أسميهم «بياعين الموت» لتمكنت من الضرب على أيدي هؤلاء القتلة الذين هم بمثابة عشماوي لهذه الأمة المسكينة.

لقد كان عيسى يا قسم عابدين نبيًّا يحيي الموتى، أما عيسى اليوم فيميت الأحياء، والحدق يفهم، والزعل ممنوع، ورزقي ورزقكم على الله، وأنا لا أزال العبد الخاضع.

حنفي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠