المذكرة الثالثة عشر

ابتدأ الليل يرخي سدوله على القاهرة، وأنا في طريقي من الجيزة آتيًا من سكة الأهرام، ومع من؟ ستعرف بعد قليل، ولعلعت في الفضاء وقتئذ أصوات شاويشية قلم المرور، تلقي الأوامر — ولع فانوس ورا — اليمين مطفي ليه؟ اركن يمينك، وولع النور يا عربجي.

ودخلنا شارع سليمان باشا، وسطعت أنوار الكلوبات، ومررنا على كافيه ريش، وليس بها كرسي لجالس، وبالاختصار كأنما صدر الأمر لجنود الليل من شيطانهم الخفي بابتداء المعركة الليلية بمهمتها وأدواتها.

لقد كنت راجعًا من طريق الأهرام — كما قلت لك — بعد فسحة طويلة، ومعي بعربتي «فرد» ولكنه بمقام ألف، سيدة يظهر عليها النبل، كما يتبين من خلف نقابها آية الجمال، معها ولديها طفل وطفلة «فوق روس بعض» ترى وجهها الأبيض من خلف ملاءة وقفاز وشراب وحذاء أسود، كما يتجلى لك البدر بين السحب، أوقفتني أمام محطة المترو، وتأملتها طويلًا قبل أن تركب، وأنا أرفع الكبوت.

لقد رفعته في ثلاث دقائق أو أكثر أيها القارئ، يدي ترفعه وعيناي إليها تنظر إلى هذا التركيب الذي لا يمكن أن تخرجه إلا أجزخانة المولى القدير، وبالاختصار كما كعبلتني ولفتت نظري، فإنها جعلت عربتي في سكة الأهرام كمقام أحد الأولياء، يكثر اللف والدوران حواليه للتبرك والمشاهدة.

كم من عربة وكم من سيارة مرت بنا، ثم رجعت فمرت ورقبة من فيها تكاد تنخلع من اللفتات! وأسيادنا الشبان لا يرجعهم حتى وجود الطفلين، ووجودهما يدعو على الأقل إلى غض النظر «لكن من يقرأ ومن يسمع؟» وبما أني لاحظت أن صاحب المقام تقيل، لا يهتم لهذه المناورات، أصبحت أنظر لهؤلاء الممثلين وأضحك عليهم، وأشعر أن آدابي كعربجي أرقى من آدابهم كأسياد وأصحاب عربات، ولله في خلقه شئون، بل إني عملت أكثر من ذلك، ظللت صامتًا كتمثال إبراهيم باشا لا يأبه لمن يمرون به ويدورون حواليه.

وبالاختصار كانت مظاهرة في طريق الهرم، لكنها لا تدخل تحت سلطة قانون التجمهر.

وقصدنا البلد كطابور الكشافة أنا في أوله، وأمرتني أن أقف أمام محطة المترو، ونزلت بكل هدوء وأدب بعد أن دفعت الأجرة القانونية وزيادة، ووقفت تنتظر الترام، وإذا ببقية «التلامة» وقلة «الأدب» التي تبعتنا تظهر على المرسح، فنزل شابان من سيارة، وثلاثة آخرون من عربة.

تقدم أجرؤهم إليها، وهي على رصيف المترو، وبجانبها طفلاها، وأنا واقف من بعيد «كشاهد عيان» وشجع الدنيء على كلامه معها جمالها وسكوتها، فقال لها ما لم أسمعه، ولكني رأيت يدها البضة ترتفع بقوة وتلطمه على خده «المحلوق الناعم المنتوف» وبصوت عال سمعتها تقول: حقيقة عديم التربية — أنت مالكش أم ولا أخوات، أما طاعون — إيه السفالة دي!

والتفت جمهور من الواقفين ليروا السبب الذي دفع سيدة ذات نقاب أن تلطم رجلًا، فرأوا السيدة وطربوش المجني عليه فقط، أما البيك المكمل — الذي توفي أبوه صغيرًا، وتركه لنينة المهملة، فأخرجته من مدرستها — فقد «فط» زاغ، ذاب كفص الملح.

وأما باقي الرفاق فقد أطلقوا للسيارة عنانها فسارت تسابق الريح، وأنا أؤكد أن كونستابل قلم المرور «شكهم» مخالفة لصراع في داخل المدينة …

أما من كانوا مع البطل في عربته، فقد رأيت أولهم يدخل التلغراف بسرعة كأنه في مهمة وأكثر، ويخرج بعد ذلك بإيصال في يده، لمن أرسل التلغراف؟ هذا ما لا أدر به.

ولمحت الثاني يدخل أجزخانة «ويزر» بهدوء، ويخرج بعد قليل بربطة كبيرة لا أعلم ما بها، ثم يسأل بعض المارة عن سبب «الدوشة» التي كانت في محطة المترو.

أيتها الصفاقة، أهؤلاء أبطالك؟ أنعم وأكرم! ووالله إذا كان العامة عندنا يرمون البارد المنحط القليل الأدب بأنه «لوح» فأمثال هذا كما يقولون: «مغلق خشب برمته.»

ومرت علي هنيهة، وأنا في تأملاتي سارح فيما حصل، أغمض عيني لأرى وجوه أولئك الأفاضل حينما يجتمعون وفي وسطهم «المضروب» على وجهه الجميل، ما الذي سيحدث؟ أيكون هذا درسًا قاسيًا للمستقبل؟ أم يمر على تلك النفوس المتحجرة بلا فائدة؟ ما أتعس هذه الأمة بشبابها!

وقطع عليَّ تصوراتي هذه صوت رنان يقول: «أنت فاضي؟» وركب سعادة البيه الذي كان يشغل مركزًا قضائيًّا كبيرًا «وأين هو الآن؟ مقدرش أقول، فتلك أسرار المهنة» ومعه شاب ألمعي جاوز سن القرعة بسنتين، يلبس نظارة ذهبية جميلة، تزين عيونًا كحلت منذ خلقها بسواد، وخدوده الحمراء، وصوته الناعم، وشعره الأسود الجميل، وشاربه الحديث السن، ينبئك أن قد صدق الشاعر حيث قال:

ومن أقام بأرض وهي مجدبة
فكيف يرحل عنها والربيع أتى

وسرت يميني، كما قال البيك قاصدًا الزمالك، ووالله ما تبادر إلى ذهني — أيها القارئ — أني أسير إلى نزهة ليلية، فقد ظننت أننا قاصدين منزلًا هناك في دعوة أو مأدبة.

ما دار في العربة من حديث وحوادث، أخجل والله من سردها، فكثيرًا ما «زغزغ» البيه الكبير سيدي الصغير، وتعدى الحديث إلى الهمس، إلى مد اليد، إلى قول الفتى لصاحبنا: يا شيخ اختشي، العربجي بعدين يلحظ. يا عيني عليك يا حنفي!

وأخيرًا انتهينا على خير، واقترح عليه العشاء في مطعم على شرط أن يكون هادئًا بعيدًا عن ضوضاء الانتقاد وعيون اللوام والعذال، فقصدت مطعم «سلستينو» بالتوفيقية، ودفع الكبير أجرتي بكرم وجود، وكان ما حدث لي الآن مكملًا لما كنت أقوله في نفسي «من تعاسة هذه الأمة بشبابها» فكملت حديثي قائلًا، والشيوخ أيضًا يا سادة.

فشهاب الدين … من أخيه.

«أكل العيش يحب» ولكن خبطتين في الرأس توجع، وفيما رأيته من الحوادث ما يكفي لصد النفس عن العمل، «ربك يتوب علينا وعليك» وكما ستر ما مضى يستر ما بقي، فإلى الملتقى يا زبائني.

حنفي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠