الفصل الثالث

العمل على الثبوت فوق القمة

ولكنه ما استوى على سدة الولاية إلا ووجدها خشبًا يبسًا كله شظايا، ووجد أن شوك المصاعب يكتنفها من كل صوب، وجيش الهموم يزدحم حوله من كل باب، فأيقن أن الصعوبات التي اجتازها للوصول إلى السدة لم تكن شيئًا بجانب التي يلزمه التغلب عليها للثبوت فوق القمة، وأن أقل خطوة مخطئة يخطوها تُدهوره حتمًا إلى الأعماق.
figure
الدكتور كلوت بك.
فأقام لحظة يتبصر في أمره، ويتفرس مليًّا بالصعاب المحيطة به، فإذا هي:
  • أولًا: عدم خلوص نية الباب العالي من جهته ومبدأ الديوان القاضي بعدم إبقاء والٍ على كرسي ولاية مصر أكثر من سنة.
  • ثانيًا: قيام الدسائس البريطانية حوله، وسعي إنجلترا سعيًا حثيثًا سرًّا وجهارًا لإسقاطه وتسليم القطر المصري إلى المماليك.
  • ثالثًا: نزوع جنده إلى الثورات بين حين وحين تحت تأثير شتى المؤثرات.
  • رابعًا: قيام المماليك عليه، لرغبتهم في الانتقام منه، وفي العودة إلى منصة الأحكام.
  • خامسًا وأخيرًا: عدم التمكن من التغلب على هذه الصعاب الأربع إلا بالمال، وعدم وجود المال في خزائنه، ووجوب الحصول عليه بدون تنفير قلوب الناس منه.

أما عدم خلوص نية الباب العالي من جهة، فإنه ظهر جليًّا في سلوك القبطان باشا التالي لما بدا منه في تثبيت محمد علي على سدة خورشد، فإن القبطان باشا هذا لم يبرح الإسكندرية بعد انقضاء مهمته وأقام فيها كأنه — عملًا بأوامر سرية — متربص للطوارئ، فكاتبَه محمد بك الألفي، وعرض عليه أن يضم مماليكه إلى قوى سلحدار خورشد باشا — وكان لا يزال في الجيزة ويأبى الاعتراف بولاية محمد علي — وإلى الألفين والخمسمائة مقاتل الذين حضر بهم القبطان باشا نفسه، وأن يزحف الجميع إلى القاهرة، فيستخلصوها من يد محمد علي، ويطردوا الألبانيين من القطر، وعضد الإنجليز مقترحات صديقهم الألفي بك، ووعدوا بالمساعدة والمال، وأومضوا بريق وعيد يؤخذ منه أن بريطانيا العظمى — إذا أهمل القبطان باشا إجابة طلب الألفي — قد تنزل جيشًا إلى الساحل يعمل بالاتحاد مع المماليك على التخلص من محمد علي.

ولكن الفرنساويين — لعدائهم للإنجليز — أفهموا القبطان باشا أنه إذا انصاع إلى محرضات الألفي، وعمل باقتراحاته، أساء إلى دولته إساءة كبرى، وأساء إلى مصر إساءة أكبر؛ لأن الحوادث الماضية دلت دلالة صريحة على أن محمد علي خير من يصح الاعتماد عليه في تنظيم الأمور في القطر، لما بدا من عزمه وحزمه ومتانة أخلاقه، وبلغ من التحيز الفرنساوي لبطلنا أن السفير الفرنساوي في الأستانة بتأثير كتابات القنصلين الفرنساويين في القطر المصري — ماتييه دي لسبس ودروفتي — ما فتئ يلح على رجال الديوان بوجوب عدم التعرض لمحمد علي بسوء، لا سيما وأنه محبوب من العلماء والعامة، وأنه آخذ في تجهيز مهمات حملة ضد الوهابيين، أعداء السلطنة والدين.

ولم يتوان محمد علي من جهته، ولعلمه بما للهدايا من التأثير الكبير في نفوس رجال تركيا؛ عن غمر القبطان باشا ورجال الديوان بها.

أما القبطان باشا، فإنه أمام هذه المؤثرات المختلفة، أقام مترددًا مدة، فاغتنمها محمد علي للقضاء على سلحدار خورشد باشا، واضطراره إلى التسليم، والتخلي عن جنده ومهماته، واللحاق بمفرده بخورشد باشا مولاه في الإسكندرية، وأما الأستانة فإنها أصاخت سمعًا إلى أقوال السفير الفرنساوي، وطابت قلبًا لهدايا محمد علي مرة أخرى، فأرسلت إلى القبطان باشا تأمره بالعودة إلى مياه البوسفور بعمارته، فأقلع الرجل في ٢٨ أكتوبر سنة ١٨٠٥ وأخذ معه خورشد باشا، وقد قال بعض المؤرخين إنهم وجدوا في مذكرات هذا القبطان ورقة كتب عليها ما يأتي، مشيرًا إلى محمد علي: «إني أترك خلفي رجلًا سوف يصبح يومًا ما أكبر متمردٍ على الدولة العلية، وأن سلاطيننا لم يوفقوا البتة إلى سياسي داهية كهذا، ولا إلى رجل قوي العزم والحزم مثله!»
figure
سليمان باشا الفرنساوي.

وأما مبدأ الباب العالي في عدم إبقاء وال على مصر أكثر من سنة، فإنه تجلى في ظهور عمارة عثمانية في ميناء الإسكندرية في أول يوليو التالي، تحت قيادة أمير بحر غير السابق، وعليها ثلاثة آلاف جندي من جنود النظام الجديد وموسى باشا والي سلانيك المعين خليفة لمحمد علي، وما استقر المقام في الثغر لأمير تلك العمارة، إلا وأرسل رسولًا بفرمان من الباب العالي إلى محمد علي يأمره فيه بالتخلي عن ولايته إلى موسى باشا، والذهاب لتولي ولاية سلانيك مكانه.

فأظهر محمد علي رغبته في الامتثال، وأرسل مع الكابجي رسولًا إلى القبطان باشا يقول له إن جل رغبة مولاه الابتعاد عن قطرٍ الفتنُ فيه معششة ومفرخة، ولكن الجنود — ولهم متأخرات يبلغ مقدارها عشرين ألف كيس — يمانعون في ارتحاله، ولكي يظهر أن قوله هذا حقيقة لا إيهام، جعل عسكرًا يرافقونه أينما يتنقل، ويطالبونه بعلوفاتهم جهارًا، ثم أراد أن يتأكد من نفسية قواده، ومقدار عطفها عليه، فجمعهم وقال لهم إنه مستعد للخضوع والطاعة والسفر، فهتف جميعهم: «ولكنا لا نسمح لك بذلك البتة!» فقال محمد علي بحماسة: «أوَكيف؟ أتريدون منعي من تنفيذ الأوامر التي صدرت إليَّ، وليس في استطاعتكم المدافعة إذا ما هوجمنا؟! فجنودكم لا تفتأ عابثة بالنظام، فاتكة بالأهالي، ملحَّة عليَّ في كل حين بإعطائها أجورها، وأنتم رؤساؤهم وقوادهم، أتدرون كيف تعملون على إبقائهم في حدود الواجب؟ وألَا تفضلون لذَّات الراحة ونعيمها على مشقات الحروب وأخطارها؟! أنتم تتمتعون بهناءٍ بالأموال التي جمعتموها، وأنا وحدي هدف لضربات الأعداء، وأنوء وحدي بعبء الأمور الثقيل، فإذا شئتم أن أبقى معكم، رفيقًا أمينًا وزميلًا صادقًا، مثلما كنت في الماضي، فأقسموا لي على القرآن الشريف بأنكم لن تتركوني ولن تتخلوا عني، وأنكم تموتون إذا اقتضت الحال في سبيل قضية هي قضيتنا جميعًا!»

فألهبت هذه الخطبة الوجيزة البليغة أفئدة جميع الحاضرين — وكانوا أكثر من سبعين زعيمًا — فأقسموا في الحال القسم المطلوب منهم، ولكي يجعلوه مقدسًا قداسة لا يتمكن أحد معها من العبث به — مهما اشتدت صروف الليالي — أحاطوه بسياج، عادة ألبانية قديمة: فأمسك اثنان منهم — وكانا أكبر الموجودين سنًّا — حسام محمد علي من طرفيه ومداه، فمر الجميع فوقه واحدًا بعد الآخر، ولم يكن يمكن بعد ذلك — إلا للموت — أن يحل عروة تعهد عقدت بمثل هذا الشكل.

ثم أقدم الحضور على اكتتاب فيما بينهم، فجمعوا — من وقتهم — ألفي كيس سلموها إلى محمد علي، وسرعان ما أرسل هذا رسولًا من قِبله إلى الأستانة بالتحاويل السمينة، وسرعان ما جد بعد ذلك في تجهيزاته الحربية.

ثم جمع العلماء وعلى رأسهم السيد عمر النقيب والشيخ عبد الله الشرقاوي، وفاوضهم في الأمر، فأجمع رأيهم على إرسال كتابة إلى الباب العالي يشرحون له الحال، ويعرِّضون بالأمراء المماليك بجارح الكلام، ويحبذون أعمال محمد علي، ولكن بكياسة لا تجعل مجالًا للاعتقاد بأن الكتابة موحًى بها منه، ثم إذ أتاهم كتاب من القبطان باشا يعرفهم فيه بما قر عليه رأي الديوان، سألوا محمد علي عما يجب أن تكون إجابتهم عليه، فقال لهم: «سأرسل إليكم غدًا بصورة الرد.» وفي اليوم التالي أرسلها إليهم فنسخوها، وإذا بها تقول للقبطان باشا إن الجند قد لا يطيعون أميرهم، وقد يثورون إذا علموا باضطراره إلى الرحيل، فيعبثون بالأمن والنساء، وسموُّه رحيم لا يرضى بذلك.

فاتضح من هذا جميعه أن محمد علي مصمم عل عدم تنفيذ أوامر الديوان، وأن لا شيء يحوله عن تصميمه، وفاتح — هو نفسه — بعض أخصائه في الأمر، فقال لهم: «أيظنون أن مصر دار حمام مفتوحة يدخلها من يشاء؟ إني قد اكتسبتها بحد حسامي! ولن أتخلى عنها إلا مكرهًا بقوة السلاح، أنا أعرف الأتراك؛ هم قوم يبيعون أنفسهم إذا وجدوا من يشتريها، فأنا سأشتريها، قد فزت بالولاية العام الماضي وأنا على رأس خمسمائة جندي فقط مقلقلي العزم، أفأتخلى عنها اليوم ولديَّ ألف وخمسمائة بطل كلهم ولاء لي؟!»

وبينما موسى باشا على ظهر سفينة يلح على القبطان باشا بتنفيذ أوامر الديوان، وبينما القنصل البريطاني بالإسكندرية يهتم اهتمامًا فائقًا لحمل القبطان على العمل، ويرسم له خططًا للهجوم، ويجند أروامًا وإيطاليين في الإسكندرية ويرسلهم مددًا إلى الألفي الذي كان في ذلك الوقت يحاصر دمنهور، ويجتهد في تفهيم محمد علي بأن إنجلترا تضمن له البقاء واليًا على سلانيك إذا هو رضي بالذهاب إليها، وبينما الألفي — وكان قد وعد الأستانة بألف وخمسمائة كيس، بضمانة الخزينة البريطانية، إذا هي أخرجت محمد علي من مصر — يَجِدّ لحمل باقي الأمراء على الاشتراك معه في دفعها ولا يفلح؛ أقبل قنصل فرنسا يضع الألغام تحت مساعي زميله القنصل البريطاني، ويحول إلى محمد علي خدمة خمسة وعشرين مملوكًا فرنساويًّا كانوا تحت لواء الألفي، وما فتئ يؤكد للسفير الفرنساوي في الأستانة أن محمد علي صديق صدوق لفرنسا، وأن بقاءه واليًا على مصر يتفق دون وجود سواه — أيًّا كان — مع المصالح الفرنساوية في القطر، وأقبل السفير الفرنساوي في الأستانة يعضد مساعي الرسول الذي أرسله محمد علي إليها بالحوالات السمينة، ويعضدها بكل النفوذ الذي كان يستمده من مولاه ناپوليون الأول، صاحب الكلمة العليا في أوروبا، بعد أن قهر النمساويين والروس في وقعة اوسترلتز سنة ١٨٠٥.

فبعث الديوان إلى القبطان باشا يكل إليه التصرف المطلق في الأمر، وكان القبطان باشا قد أرسل مندوبًا إلى الألفي ليأتيه بالألف والخمسمائة كيس السابق ذكرها، فعاد المندوب إليه وقال: «إن الأمير محمد بك الألفي، لعدم تمكنه من الاتفاق مع زملائه على أن يقوموا جميعهم بدفع ذلك المبلغ، يعرض على سموِّكم أن تقبلوا منه وحده خمسمائة كيس!» فاستشاط القبطان غيظًا وقال: «أيظن هذا الرجل أن لحية الصدر الأعظم ولحيتي هزأة؟!» وأقبل في الحال على مخابرة محمد علي في اتفاق يبرمانه.

فاستقر الرأي على أن يدفع محمد علي أربعة آلاف كيس، وأن الديوان والقبطان يبقيانه مقابل ذلك في منصبه، على أن يعود العلماء والأعيان إلى التماس ذلك بعريضة؛ لكيلا يقال إن ذمة الديوان اشْتُرِيَتْ، فكتب العلماء والأعيان العريضة وسافر إبراهيم بك ابن الوالي الأكبر بها وبهدايا فاخرة إلى أمير البحر، وبقي رهينة حتى يفي أبوه بتعهده المالي، وأرسل القبطان باشا كتخداه إلى القاهرة بالمرسوم المثبت محمد علي في ولايته، على أن يمتنع عن محاربة المماليك ويتصالح معهم، ففرحت القاهرة ثلاثة أيام متواليات.

وأقلع القبطان باشا في اليوم الثالث من أكتوبر بعمارته، وعاد بموسى باشا والي سلانيك من حيث أتى به، وفي ٢ نوفمبر — وكان محمد علي قد دفع الأربعة آلاف كيس — قدم كابدجي من الأستانة بفرمانين: أحدهما يقر محمد علي على سدته، والثاني يأمره بتسفير الحج والمحمل وإرسال ستة آلاف إردب بُرٍّ إلى جدة.

واستمر الأمر كذلك من دفع أموال سنويًّا، وتثبيت سنوي، حتى استتبت قدما محمد علي، وأصبح مركزه في مأمن من تقلبات أهواء الديوان.

•••

على أنه لم يثبت في مأمن من دسائسه ومكائده إلا بعد أن قضى كتخداه محمد بك لازوغلو على لطيف باشا، آخر من استعمله الديوان لاستخلاص مصر من يدي محمد علي.

وتفصيل ذلك أنه كان بين مماليك محمد علي المقربين إليه شاب يقال له لطيف أغا، كان محمد علي يحبه جدًّا، وبالغ في تقريبه إليه حتى جعله أمين خزنته الخاصة.

ولما أتت الأنباء باستيلاء الجيوش العثمانية على المدينة المنورة واستخلاصها من أيدي الوهابيين أرسله بالبشائر إلى دار السعادة؛ لعلمه بأن ذلك سينيله حظوة عند الديوان والسلطان، وفي الواقع فإن الأستانة أنعمت على لطيف أغا برتبة الميرميران، ولما رأته شابًّا معجبًا بنفسه ومنفوخًا، وقع في خلدها أن تستعمله آلة للتخلص من محمد علي، ففاتحته في الأمر، فقال لطيف إنه من السهل جدًّا القيام بتنفيذ رغائب الباب العالي، لا سيما وأن محمد علي عازم على التوجه بنفسه إلى البلاد الحجازية عن قريب؛ ليباشر بنفسه إدارة رحى الحرب ضد الوهابيين، فتُقدم غيبتُه عن القطر المصري خيرَ فرصة لقلعه عن سدته، وأنه — هو لطيف باشا — يتعهد بالقيام بهذه المأمورية إذا حسن لدى الباب العالي تقليده إمارة مصر، فما كان من الديوان إلا أنه أجابه إلى طلبه في الحال، وسلمه فرمان تعيينه واليًا على مصر، وأصحبه إليها بخط شريف ينبئ بذلك فوضعهما لطيف في جيبه وعاد إلى القاهرة، وأخذ يترقب الفرص، ومع أنه لم يطلع على السر الخطير المختبئ في جيوبه إلا أقرب الناس إلى فؤاده، إلا أنه — للغرور والطيش المتغلب على طبعه — أظهر من تغير في أخلاقه، وشموخ في معاملاته، وخيلاء في حركاته وسكناته؛ ما حول قلب محمد علي عنه، وما جعل هذا الأمير — عند مغادرته عاصمته للذهاب إلى البلاد العربية لقتال الوهابيين — يوصي كتخداه بمراقبة تصرفات ذلك الشاب المغرور شديدَ المراقبة، فقام الكتخدا بالوصية خير قيام، لا سيما وأنه كان يكره من الأصل لطيفًا، وزاد حقده عليه ما شرع يراه من غطرسة فيه وإقدام — بعد سفر محمد علي — على إنفاق النقود بسخاء ليزيد عدد مريديه.

وليأخذ عليه خط الرجعة باغته ذات يوم بدعوة إلى اجتماع يعقد في القلعة للنظر في بعض الشئون، وخيره بين أن يحضر إليه من وقته أو يغادر الديار، فأسقط لطيف في يده وارتبك أمره، وما أفاق إلى ما يجب عليه عمله إلا وبيته يحيط به العسكر، فأطلق عليهم الرصاص الذي كان عنده، ولما فرغ منه خبأ كنزه ونساءَه ومملوكًا له في مخبأ وانسلّ من طريق سري إلى بيت خازنداره وكان يجاور بيته، واختفى عنده.

أما العسكر، فبعد أن كسروا أبواب المنزل المحاصر ودخلوه قلبوه، رأسًا على عقب، فعثروا بالنساء والمملوك والكنز، ولكنهم لم يجدوا لطيفًا، فأقاموا متربصين، فلما كان مساء الغد ظن لطيف أن بيت صديقه قد تتجه إليه الظنون، ووقع في خلده أن يصعد إلى سطحه ويقفز منه إلى السطح المجاور ومن هذا إلى السطح الذي بعده وهكذا حتى يبعد كثيرًا عن منزله، ويتمكن من الابتعاد بسلام عن العاصمة ريثما تتهيأ فرص أوفق، ففعل، ولكن بينما هو يحاول القفز من سطح صديقه، بصر به جندي كان على سطح مجاور يستنشق نسيم المساء، وأوقع الصوت في الجيرة، فرماه لطيف برصاصة من بندقية كانت معه فقتله، ولكن دويَّ الطلقة فعل ما لم يفعله صراخ المقتول؛ فإنه أرشد إلى القاتل مساعي الباحثين عنه، ولم تمض سويعات قليلة إلا وبات لطيف مكبلًا بالحديد وسيق إلى الكتخدا لمحاكمته، فجمع الكتخدا الديوان شكلًا، واستصدر منه حكمًا بالإعدام.

فسيق لطيف إلى عرصة تحت سلالم السراي بالقلعة، وقطع هناك رأسه يوم ٨ نوفمبر سنة ١٨١٤ وهو يبكي وينتحب ويطلب العفو بتوسل، والآذان حوله والقلوب لا تسمع ولا تشفق.

•••

أما قيام الدسائس البريطانية حوله وسعي إنجلترا سعيًا حثيثًا إلى إسقاطه فقد تجلى فيما سبق لنا ذكره عرضًا فيما مضى من الكلام، ولما لم يفلح ذلك جميعه أرسلت بريطانيا العظمى حملة على مصر تحت قيادة الجنرال فريزر، وأنزلتها في العجمي يوم ١٧ مارس سنة ١٨٠٧، فاستولت هذه الحملة على الإسكندرية، بدون قتال بعد يومين فقط من وصولها تحت أسوارها، بتأثير القنصل البريطاني السيئ على محافظها أمين أغا، وبالرغم من كل ما بذله لذلك المحافظ من نصائح وتشجيعات القنصلُ الفرنساوي، الذي لم ير بدًّا — بعد وقوع المدينة — من الفرار إلى رشيد؛ هربًا من سقوطه في أيدي الإنجليز.

فأسرع الجنرال فريزر وبعث فرقة تحت قيادة الجنرال ويكب للاستيلاء على رشيد، فدخلتها في ٢٩ مارس بلا قتال، فظنت لذلك أنها إنما أرسلت إلى نزهة عسكرية وأن المدينة خالية من حُماة، فاطمأنت وانتشر جنودها هنا وهناك وانطرحوا في ظل البيوت والأشجار للراحة، وتخلى معظمهم عن أسلحتهم ليناموا.

فاغتنمها علي بك محافظ المدينة فرصة جميلة، وسار إليهم بالحامية المؤلفة من خمسمائة جندي وهاجمهم على غرة، وأخذ الأهلون يُصْلُونهم نارًا حامية من النوافذ والسطوح، فما هي إلا لحظة وقُتل الجنرال ويكب ودب الرعب إلى قلوب جنوده، ولولا أن الأتراك أضاعوا الوقت في قطع رؤوس الواقعين لما نجا من الإنجليز أحد، ولكن حماة رشيد أسروا — مع ذلك — مائة وعشرين منهم، فوضعوهم في مراكب، ووضعوا فيها بجانبهم تسعين رأسًا مقطوعة، وسيروا الجميع إلى العاصمة، فشكت الرؤوس هناك على حراب، وغرست الحراب في جانبي بركة الأزبكية، لتتفرج عليها العامة.

ولما بلغ نبأ هذا الفوز محمد علي استدعى العلماء، فأخبروه بأن الشعب مستعد للزحف إلى مقاتلة الكفار، فقال لهم محمد علي: «إن جنودي تتكفل بالقضاء عليهم، ولست أطلب من الشعب إلا دفع الضرائب!» ورجا السيد عمر مكرم النقيب بتحصيل تسعمائة كيس من أهل العاصمة، ثم شرع في تحصينها بسرعة وإقامة الاستحكامات والمتاريس حولها، ونصب بطاريات المدافع في الجزيرة أمام إمبابة وفي أماكن أخرى، فاشترك العلماء مع الشعب في العمل بحماسة متناهية.

ووجه محمد علي فرقة من جنده عددها أربعة آلاف مقاتل كانت عائدة من الصعيد حيث كانت تقاتل المماليك، إلى الشمال تحت قيادة كتخداه، فلما بلغت منوفًا انقسمت قسمين: قسم تحت قيادة ضابط يقال له حسن باشا، سار على شاطئ النيل الأيسر، وقسم تحت قيادة الكتخدا، سار على شاطئ النيل الأيمن.

وكان الجنرال فريزر في الأثناء — لرغبته في الثأر لشرف الجيش البريطاني — قد سير حملة أخرى إلى رشيد مؤلفة من أربعة آلاف رجل تحت قيادة الجنرال ستيورت، فاستولت على حماد، وأقامت على آكام أبي مندور بطاريتين، أخذتا تطلقان قنابلهما على المدينة، وإذا بالفرقة التي يقودها حسن باشا ظهرت أمام الجيش البريطاني، وانفصلت منها قوة مؤلفة من مشاة وفرسان وهاجمت حماد، فرُدَّت على أعقابها، ولكن بُلُكًّا من البلكات الخمسة الإنجليزية التي صدتها تاه وهو يتعقب أثر المرتدين وضل عن رفاقه، فلما رآه فرسان الترك والألبان بعيدًا عن معسكره كرُّوا عليه وأحاطوا به، وقتلوا عشرين من رجاله، وأسروا خمسة عشر، ثم قطعوا رؤوس المقتولين والجرحى، وذهبوا بها — علامة لنصرهم — إلى بونيال، حيث كان قد وصل الكتخدا وعسكره، فقام في الحال بفرقته، وانضم إلى فرقة حسن باشا، وسار بجنده مجموعًا واجتاز به النيل، وأقامه على بعد فرسخ فوق معسكر الجيش الإنجليزي.

فأول ما علم الميجر ووجلسند، قائد القوات البريطانية في حماد بهذه الحركة، بعث إلى الجنرال ستيورت يطلب منه مددًا، فأمر هذا الكرنل مكلود بالذهاب مع خمسة بلكات لنجدته، ولما كان يوم ٢٢ أبريل، تحرك الترك في الساعة السابعة صباحًا، وتقدموا للهجوم، فرأى الكرنل مكلود أن مركزه غير أمين، فانسحب إلى بحيرة إدكو، وأضاف إلى هذه الغلطة غلطة تقسيم قوته إلى ثلاثة أقسام، كل واحد منها بعيد جدًّا عن الآخر، فهاجم فرسان الترك بعنف يمنة هذه القوى، وداسوا تحت حوافر جيادهم مائتي رجل كانوا هناك تحت قيادة الميجر مور، وأسروا قائدهم هذا، ثم تعدوا إلى القلب، فنظم الكرنل مكلود مائة اسكتلندي مربعًا، وقاوم المهاجمين ببسالة، وأبعدهم عنه، فلما رأت مشاة الأتراك ذلك، أسرعت إلى نجدة الفرسان، فرأى مكلود أن يعمل على الاقتراب من الميجر ووجلسند، ولكنه أصيب إذ ذاك بجرح مميت في رأسه، فقام مكانه يوزباشي يقال له ميكاي وحاول إتمام الحركة المرغوب فيها، ولذلك غير نظام الجند من مربع إلى كتيبة عمودية، فما رأى الفرسان ذلك إلا وتدفقوا عليها كالسيل الجارف وأعدموها ما عدا سبعة من رجالها واليوزباشي؛ فإنهم تمكنوا من الانضمام إلى ووجلسند، حينئذ تجمهرت قوى الأتراك كلها، وانقلبت على هذا الأخير، وكان — مع بلكَّاته الخمسة ومدفع واحد فقط — مقيمًا على منخفض من الأرض تحيط به آكام رمل، فلم يستطع المقاومة بفائدة، واضطر عقب قتال عنيف، وبعد أن فقد نصف رجاله، إلى تسليم سلاحه.

فلما نظر الجنرال ستيورت ما آل إليه القتال، لم ير أن في استطاعته البقاء في مركزه، واعتبر الانسحاب الوسيلة الوحيدة للنجاة، فأمر به، بعد أن أتلف ذخيرته وسمر مدافعه، وما زال يرتد، والجيش التركي يتعقبه، حتى بلغ خليج أبي قير، حيث كانت في انتظاره مراكب عادت به إلى الإسكندرية، هكذا فاز نجم محمد علي على نجم بريطانيا العظمى في ذلك اليوم! وكان فوزًا مبينًا، أثبته لشعب القاهرة وصول خمسمائة أسير إنجليزي، ومرورهم منهوكي القوى، لاهثين ظمأً أمام رؤوس رفاقهم المشكوكة على الحراب في الأزبكية!

بعد هذه الكسرة لم تقم للحملة الإنجليزية قائمة، فإن الجنرال فريزر اكتفى بفصل الإسكندرية عن باقي القطر، بقطعه حاجز بحيرة مريوط، وأقام ينتظر ما تسفر عنه مفاوضات رسل أرسلهم إلى المماليك ليذكرهم بوعود الألفي، ويحضهم على الانضمام إليه، لاسترجاع الأحكام إلى أيديهم، كما كانت قبل الحملة الفرنساوية، ولكن المماليك، لما علموا ما أصاب الإنجليز من فشل، صموا آذانهم عن سماع ذلك الحض، وأظهروا للرسول كبير اندهاشهم من أن جندًا كالأتراك والألبان لم يكونوا — هم المماليك — يعبَئون بهم؛ يفوزون مثل ذاك الفوز البين على جنود أوربية منظمة، فلم يبق للجنرال فريزر سوى الانسحاب، وبينما محمد علي يتأهب للزحف إليه بثلاثة آلاف من المشاة وألف فارس بمدفعية جيدة، أتاه من لدنه مندوب ليفاوضه في شأن الجلاء عن الإسكندرية، وكان ذلك بأمر من الوزارة البريطانية، اضطرت إلى إصداره على أثر عقد معاهدة تلست بين ناپوليون وإسكندر إمبراطور الروس، وتفرغ ناپوليون لقتال الإنجليز في صقاليا.

فقال محمد علي للمندوب إنه قائم بنفسه للاقتراب من الجنرال فريزر ومفاوضته مباشرة، وسار في الحال إلى دمنهور، حيث قابل الجنرال شربروك المرسل لملاقاته من الجنرال فريزر، فأبدى له طلبات الإنجليز، ولم تكن سوى التماس إعادة أسراهم إليهم، فأجابه محمد علي إلى ذلك، وأرسل يستدعي الأسرى من مصر، فلما وصلوا سَلمهم إلى قُوادهم، فاستعد الإنجليز للرحيل، وفي يوم ١٤ سبتمبر سنة ١٨٠٧ أقلعت عمارتهم بهم، واستلم محمد أغا طبوز أوغلو الكتخدا مدينة الإسكندرية.

١٤ سبتمبر! ألا ليت شعري! من كان يُدري أهل ذلك العصر — الفائزين والمهزومين على السواء — أن حملة إنجليزية أخرى سوف تقدم إلى البلاد بعد خمس وسبعين سنة، وتحتل عاصمتها وقلعتها في يوم ١٤ سبتمبر هذا عينه، فتقلبه من تذكار سنوي لنصر باهر إلى تذكار سنوي لخطب جلل يوجب احتجاجًا دائمًا؟!

ولما علم محمد علي بانسحاب الإنجليز، ودخول جنوده الإسكندرية، أسرع إليها، ودخلها على دوي المدافع وفي وسط تهاليل الشعب ومظاهر ابتهاجه!

هكذا انقضت تلك الحملة الإنجليزية المشئومة الطالع، وهكذا زال عن محمد علي أكبر خطر هدد سلطته الناشئة، فهنأته الأستانة على فوزه، وأعادت إليه ابنه إبراهيم بك.

ولكن إنجلترا حفظتها له ضغينة، لم تنسها مدى الدهر.

•••

وأما روح التمرد في العسكر، فإنه كان يكاد لا يفارق الجنود غير النظاميين البتة، وكان كل فوز يحرزونه ينميه فيهم نموًّا هائلًا، وذلك بالرغم من أن محمد علي طهر عسكريته من الطوائف الأكثر نزوعًا إلى العصيان، والعبث بالطمأنينة والأمن، (كالدلاة، مثلًا، فإنه، بعد جلوسه على السدة بمدة يسيرة، صرفهم عن القطر، وكلف فرقة ألبانية بمرافقتهم حتى التخوم السورية، على أنهم لم ينجلوا إلا بعد أن نهبوا الوجه البحري نهبًا مخيفًا ترتعد له الفرائص لدى قراءة تفاصيله في الجبرتي)، وبالرغم من أنه لم يفتأ متيقظًا لإخماد كل فتنة تبدو من الباقين، ولكبح جماح كل من تنكب عن جادة النظام العسكري، ليعكف على النهب والسلب، ولكن تيقظه هذا عيْنَه كثيرًا ما أثار حول سدته أنواء وأعاصير كادت تذهب بها، المرة تلو المرة.
figure
بوغوص بك أحد أعوان محمد علي في المسائل المالية.

ففي سنة ١٨٠٧ هذه عينها، وعقب الفوز على الحملة الإنجليزية رأى محمد علي من نزوع جنده إلى السلب، ومن تخليهم عن راياتهم، وانسلالهم جماعات جماعات إلى الريف والعاصمة للنهب والفتك بالأهلين؛ ما رأى معه وجوب تأديبهم تأديبًا صارمًا، وكانوا أكثر من عشرة آلاف، فغادر الإسكندرية إلى رشيد حيث رمم السور والحصون، وسار بمركب في النيل إلى مصر، ولكن المركب انقلبت به أمام وردان، فاجتاز النهر سباحة، وتابع بقية سفرته راكبًا، وإذا بالجواد — على غير عادته — كبا وسقط على الأرض، كما كبا جواد ناپوليون الأول به بعد اجتيازه نهر النيمين.

فتطيَّر أتباع الباشا من الأمرين، وباتوا يعتقدون قرب وقوع شر.

وقد وقع فعلًا؛ فإن الجند لما أقبل محمد علي يخمد روح التمرد فيهم ثاروا عليه وأطلقوا نيران بنادقهم على منزله، ولم يبد حرسه الشخصي إلا دفاعًا واهيًا عنه.

فأدرك محمد علي في الحال خطورة الموقف وحرجه المتناهي، وقبل أن يتفاقم الخطب، وتسري روح العصيان إلى أخصائه، تخفى وتخفى معه أصدقاؤه والموالون له والمماليك الفرنساويون الذين رأيناهم ينضمون إليه، وسار الجميع بكنوزهم إلى القلعة.

فلما فطن الألبانيون الثائرون إلى ذلك أقبلوا أولًا ينهبون سراي محمد علي، ثم انقسموا على أنفسهم، فمنهم من قال بوجوب الانضمام إلى الترك والعمل معًا على ما فيه المصلحة العامة، ومنهم من أبى إلا العمل على انفراد، بدون اعتراف بأية سلطة تكون، ورأى غيرهم أن العمل في غير نهب الأهلين وسلبهم وخطف النساء والأولاد؛ مضيعةً للوقت.

فاضطربت القاهرة أيما اضطراب، واختلت الحياة فيها إلى درجة أنست القوم الاحتفال برؤية رمضان! فتداخل العلماء والنقيب في الأمر وما زالوا بمحمد علي حتى حملوه على الصفح عن الثائرين ومنحهم ألفي كيس، وما زالوا بالثائرين حتى حملوهم على قبول المبلغ والاكتفاء به، والإخلاد إلى السكينة، ولكن أتدري أيها القارئ، من دفع هذا المبلغ؟ أهل القاهرة المساكين؛ فإنه وزع عليهم بواسطة شيوخهم، وكانت تعزيتهم الوحيدة أن توزيعه لم يقترن بجور أو عسف.
figure
مختار بك أول ناظر للمعارف في مصر.

وكان محمد علي، مذ رأى حركات الجيش البوناپرتي والجيش الإنجليزي الأول الذي أخرج الفرنساويين من مصر؛ معجبًا جدًّا بالجيوش النظامية، ومقتنعًا بأن السر في انتصارات الجيش البوناپرتي — على الأخص — على المماليك والعثمانيين راجع إلى حسن نظامه، فكان يُمنِّي نفسه بإنشاء جيش على طرازه، وزادت رغبته في ذلك لما علم أن السلطان سليمًا الثالث أقبل على إخراج هذه الفكرة عينها إلى الوجود، ولكن الثورة الانكشارية التي أثارها على ذلك السلطان المنكود الطالع عمله هذا؛ فثلَّت عرشه وذهبت بحياته؛ جعلت محمد علي يؤجل تحقيق أمنيته.

غير أنه بات لا يستطيع على تحقيقها صبرًا، بعد أن توالت الانكسارات على جيشه غير المنظم في حروبه مع الوهابيين، ولا سيما بعد حادثة لطيف باشا التي رويناها؛ فإن هذه الحادثة جعلته يعتقد أنه مهما أدى للديوان من خدمات، فإنه لن يؤيده إلا رغبة في تنزيله عن سدته، وشوقًا إلى تحقيق هذه الرغبة، وقد كان محمد علي حتى ذلك الحين صادق الولاء والإخلاص للسلطان، لا يطمع إلا في أن يكون ذراعه الأيمن وخادمه المطيع، ولكن الريب انتشرت في قلبه بعدئذ، وصمم من ذلك الحين على الاستقلال بمصر، ولعلمه بأنه لم يكن لديه جند خاص به، مقسِم يمين الولاء والطاعة لشخصه، جند مدرب على الطريقة الغربية، يمكنه أن يعتمد عليه كل الاعتماد في درء الملمات والتغلب على المحن، فإن تصميمه على الفوز بالاستقلال قد لا يذهب أدراج الرياح فحسب، بل قد يُفقده عرشه؛ أخذت الرغبة في تحقيق أمنيته من إنشاء نظام عسكري جديد لا تترك في صدره مجالًا للصبر.

ففي أواخر يوليو سنة ١٨١٦ أصدر أمره بإنشائه، وبصفة مستعجلة، فهاج ذلك سخط الجند لا سيما الألبانيين منهم، فإنهم صاحوا: «إن هذه لبدعة، وكل بدعة في النار!» وشرعوا يقتلون الضباط المكلفين بالتعليم والتدريب في الشوارع، بل في ساحة المناورات ذاتها، فاتخذ محمد علي ضد البعض منهم إجراءات صارمة، فما كان من بعض كبار الزعماء إلا أنهم دبروا مؤامرة لاغتياله، وفي مساء ٣ أغسطس اجتمع ثلاثة منهم في منزل زميل لهم اسمه عابدين بك، كان قد عاد حديثًا من بلاد العرب، وطفقوا يتكلمون معه في الأمر، لكي يستميلوه إليهم، وأطلعوه على ما قر عليه الرأي من مباغتة محمد علي في منزله لدى بزوغ فجر الغد، وألحوا عليه بأن يكون عونًا لهم، ويشاركهم في عملهم، فتظاهر بالقبول، ثم تذرع بحجة، فتركهم وتنكر، وركب حمارًا، وأسرع إلى محمد علي وأطلعه على ما قيل له، ثم عاد إلى منزله، ولم يدر أحد من الموجودين فيه بما تم.

فأسرع محمد علي واستدعى إليه فرقة من الجند كان يثق بها، فأقامها على حراسة قصره، وأخذ معه نفرًا عديدًا من المخلصين له الولاء، وسار بهم إلى القلعة، فدخلها في منتصف الليل من باب الجبل.

ولما بزغ الفجر رأى زعماءُ المتآمرين أن التدبير قد خاب، فخافوا وما حركوا ساكنًا، ولكن الجند البسيط أبى إلا الاندفاع في تيار فتنة عسكرية هائلة، لم يعد لها من غرض سوى النهب والسلب، وما عتمت نارها أن خبت من تلقاء نفسها؛ لأنها كانت فتنة لا يديرها رؤساء، على أن محمد علي اضطر مع ذلك أن يعِدَ بقَسَم صريح بعدم العود إلى فكرة إنشاء النظام الجديد، ولكنه اشترط من جهته أن لا يحمل الجند أسلحتهم إلا متى كانوا في الخدمة.

هذه المؤامرة ونتائجها جعلته يدرك أنه لا سبيل له إلى تحقيق أمنيته إلا إذا تخلص من جماهير الجند المأجور غير النظامي الذي تَساعد به على البلوغ إلى الذروة، فما انفك يرسل فَيَالِقَهُ الواحد تلو الآخر إلى البلاد العربية؛ أولا لمحاربة الوهابيين، فإلى مجاهل السودان، ثانيًا للبحث عن مناجم الذهب والإتيان بالعبيد، حتى تمكن من إفناء أكابر الزعماء المعارضين في إنشاء النظام الجديد، ومعظم القوات المتململة والمتذمرة منه، وتسنى له بذلك التخلصُ من تمردات الجند، والنظر بطمأنينة إلى المستقبل.

•••

وأما المماليك فإن محمد علي لم يجعل عينيه تغفلان لحظة عن أن النزاع بينه وبينهم لم يكن بنزاع على السلطة والحكم فحسب، بل كان نزاعًا على البقاء والحياة، وأنه يلزمه إذًا أن يبرز لهم تارة في جلد الثعلب، وطورًا في جلد الأسد، وفقًا للفرص والظروف، فأول ما كان من أمره معهم أنه أرسل إليهم من أخصائه رجالًا عرضوا عليهم إدخالهم في العاصمة خلسة، إذا هم أتحفوهم بمبلغ من المال عينوه لهم، فاطمأن المماليك إليهم لما رأوا كلامهم معززًا بكتابات من السيد عمر مكرم ومن أكابر المشايخ، واعتقدوا أن الرأي العام عاد إلى العطف عليهم، وكان النيل قد بلغ الوفاء، فاتفقوا على اغتنام فرصة خروج الوالي مع الناس للقيام بمراسم العيد، والدخول إلى العاصمة على غِرَّة من الجميع، ولكن محمد علي أمر بقطع الخليج في الليل وبترك أبواب المدينة مفتوحة بلا حراس، فلما أتاها المماليك ووجدوها على تلك الحالة، توطد فيهم اليقين بنجاح المؤامرة، ودخلوا في كبكبة عظيمة، وخلفهم نقاقير كثيرة وجمال وأحمال، وقصد فريق منهم الجامع الأزهر، وذهبوا إلى بيت السيد عمر، فأغلق في وجههم الباب، فقصدوا بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي ودخلوه، فوافاهم السيد عمر إليه.

وفي تلك الأثناء سار فريق آخر إلى باب زويلة وتقدم إلى جهة الدرب الأحمر، فأطلق عليهم العساكر الساكنون هناك الرصاص، فرجعوا القهقرى، وإذا بفرقة من الجند قد أخذت عليهم الطريق، ففقدوا صوابهم، وترجل بعضهم ولجأ إلى جامع البرقوقية، وذهبت طائفة كبيرة منهم تعدو بخيولها إلى جهة باب النصر، فإذا به قد أقفل.

فنزلوا هم أيضًا عن خيولهم، وتسلق بعضهم الأسوار، فنجا بنفسه، وتفرق آخرون في العطوف واختفوا في الجهات، وأما الذين دخلوا في جامع البرقوقية، فإن اثنين منهم فقط تمكنوا من الخروج والذهاب إلى المماليك النازلين في بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي، وبعد أن أخبروهم بالواقع فر الجميع، وأما الباقون فإن العسكر احتاطوا بهم، وأحرقوا عليهم الباب، وهاجموهم وقبضوا عليهم، وعرَّوْهم من ثيابهم، وأخذوا ما معهم من الذهب والنقود والأسلحة، وذبحوا منهم نحو الخمسين ذبح الأغنام، وسحبوا خمسين آخرين عراة موثوقي الأيدي إلى محمد علي، وكان قلقًا، ينتظر نتيجة تدبيره، فلما رأى المماليك يُساقون إليه على تلك الحال ابتهج وجهه بفرح قلبه، فوجه الكلام إلى أحمد بك تابع البرديسي، وكان — حين الاستيلاء على دمياط في أيام خسرو — قد عين أميرًا عليها، وقال له متهكمًا: «أوقعت في الشرك يا أحمد بك؟» فطلب هذا ماءً، فحلوا وثاقه وقدموا له قلة، فخطف في الحال يطقانًا من وسط بعض الواقفين، ووثب على الباشا يريد قتله، فصعد محمد علي بسرعة بضع درجات من سلم بيته، ونجا بذلك من الموت، وتكاثر القوم على أحمد بك وأثخنوه جراحًا، فوقع ميتًا، ولكن بعد أن قتل بعض أنفار من مهاجميه، ثم وُضع باقي المأسورين في القيود وربطوا في حوش الدار، وهم على حالتهم من العري والذل، وفي اليوم الثاني أحضر جزارون وأمروا بسلخ رؤوس القتلى بين يدي أولئك المعتقلين وهم ينظرون، وأحضرت جماعة من الإسكافيين، فحشوها تبنًا وخيطوها، ثم لما جن الليل قتل المعتقلون أيضًا وعُمل برؤوسهم ما عُمل برؤوس رفاقهم في الصباح، وأرسلت الرؤوس كلها إلى الأستانة برهانًا على الإيقاع بالمماليك، وكانت هذه ضربة قوية فلَّت عزم الأمراء، فابتعدت جموعهم عن مصر، وذهبت إلى أسيوط.

وبينما محمد علي يتجهز لقتالهم، إذا بعون أتاه من حيث لم يكن لينتظر؛ فإن ملاك الموت مرَّ في أواخر سنة ١٨٠٦ بمظال عثمان بك البرديسي أحد زعيمَي الأمراء الكبيرَين، متقمصًا في شخص طبيب مغربي أرسل إليه من مصر ليعالجه من حمى صفراوية انتابته، فأرداه وهو في الثامنة والأربعين من عمره، فخلص محمد علي بذلك من عدو باسل كان بمثابة سيف بتار مسلول أبدًا في وجهه، وقد رأت بلدية الإسكندرية، في عهد خلفاء الباشا العظيم من أسرته الفخيمة أن تطلق اسم ذلك البطل المهيب والفارس الصنديد على أحد شوارعها تخليدًا لذكره، وبمثابة اعتراف من محمد علي — وهو في جنة الخلد، حيث لا عداء بين ساكنيها — بفروسية ذلك العدو وشجاعته وشدة بأسه، ومحمد علي خير من يعترف لعدو بالفضل الذي فيه!

وكان الألفي — الزعيم الكبير الثاني — بعد أن حاصر دمنهور مدة، واضطره إلى رفع الحصار عنها امتناعُ الأقواتِ عنه بسبب هجر فلاحي الريف المجاور بلادهم حوله، قد سار إلى الصعيد، والغيظ والحنق يملآن فؤاده، فجاءه رسل من لدن الأميرين إبراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن، يدعونه إلى وضع خطة سير يتبعها الكل تحت زعامته، فتقدم الألفي نحوهما، وهو قليل الوثوق بإخلاصهما، وأتى وأقام معسكره في شبرامنت، ولكنه كان مكتئب المزاج، حادَّه إلى درجة لم يكن أحد ليجسر معها، أن يخاطبه.

وفي ظهر يوم ٣٠ يناير سنة ١٨٠٧ خرج للتنزه راكبًا، لا يتبعه إلا بعض الحراس على أقدامهم، فرأى عربانًا من جيشه حطوا بجمل في حقل مزروع غلة، وأقبلوا يتلفونه، فاشتعلت ثورة الغضب في رأسه، فانقض على أولئك الناس، وقتل بيده أربعة منهم، بينهم شيخ من مشايخ القبائل، ولكن هذا الانفعال الشديد قلب كل كيانه، فلما عاد إلى خيمته اعتراه قيء مستمر كله دم، وما لبث الأمير قليلًا إلا ورأى ملاك الموت قادمًا نحوه بمنجله المهلك، فقال: «لقد قضي الأمر، وبات القطر المصري من نصيب محمد علي، لا ينازعه فيه منازع!»

ثم بعث واستدعى رجال لوائه، فأوصاهم بعضهم ببعض خيرًا، وأوصى بدفنه في البهنسة حيث توجد قبور الشهداء — ولا ندري أي الشهداء عَنَى! — وما انتصف الليل إلا وكان في عداد الأموات، وليس له من العمر سوى خمس وخمسين سنة، فازرق جسمه، وظهرت عليه عوارض جعلت الجهلاء من الناس يعتقدون أنه مات مسمومًا، ولكنها عرَّفت الخبيرين بأن موته سببه وباءٌ عرف فيما بعد باسم الكوليرا.

فتخلص محمد علي بوفاته من خصم عنيد في وقت مناسب للغاية، وبلغ من ابتهاجه بذلك أنه أعطى البدوي الذي أتاه مبشرًا بموت الألفي خمسة أكياس.

وإنما قلنا إن ملاك الموت خلص محمد علي من الألفي في وقت مناسب للغاية؛ لأن الإنجليز في ذلك الحين ذاته — وكانوا قد أعلنوا الحرب على تركيا — كانوا يستعدون لغزو القطر المصري، ولو بقي الألفي حيًّا لساعدهم مساعدة فعالة.

على أن محمد علي لم يكن يعلم حينئذ بالضبط مقدار الخدمة الجليلة التي أداها له ملاك الموت، وكل ما اعتقده هو أن هلاك كبيرَي المماليك أعدائه يسهل عليه جدًّا مهمة الفوز عليهم، وأخذ يستعد لذلك، فعبأ جيشًا زاهرًا، وملأ ثمانمائة مركب مؤنًا وذخائر وتجهز للزحف إليهم، ولكنه أصيب هو أيضًا بالكوليرا وهو في وسط تجهيزاته، فأقام طبيبه الإيطالي المسيو بتزري يعالجه، وهو يكاد يعتقد — في اليوم الأول — أن الشفاء متعذر، وأن شعلة الحياة لمطفأة حتمًا، ولكن بنْية محمد علي القوية تغلبت على الداء، وما مضت بضعة أيام إلا ولم يعد لذلك المرض من أثر، وكل ما كان منه أنه أظهر مقدار عطف العلماء والأعيان على محمد علي، وحبهم الشديد له، فلما نقه تمامًا، عهد في أمر المحافظة على الأمن في العاصمة إلى كتخداه محمد أغا طبوز أوغلو، وسار في ١٢ فبراير سنة ١٨٠٧ بثلاثة آلاف من المشاة، وثلاثة آلاف فارس، وست مراكب مسلحة إلى قتال المماليك، وكانوا قد اجتمعوا في المنيا وضواحيها، ولكنه وقف في بني سويف وأقدم يتخابر مع أعدائه بواسطة العلماء، وبينما هؤلاء يفاوضونهم، أعمل محمد علي نقوده في العربان الموالين لهم، وفي ذات ليلة مدلهمة الظلام تقدم بألفي فارس، وبإرشاد أولئك العربان أنفسهم، إلى المعسكر الذي كانت حراسته موكولة إليهم، وإذا بالمماليك نائمين فيه نومًا عميقًا، فانقض محمد علي عليهم، وفتك بهم فتكًا ذريعًا، واستولى على كل مدافعهم ومهماتهم، وتعقب الفارين حتى حدود الصحراء، وبعد أن أوقع بهم في منقباد أيضًا، أقام معسكره في أسيوط.

وأنه لفي سكرة فوزه، وإذا بالنجب أتته بأنباء ظهور العمارة الإنجليزية بحملة الجنرال فريزر، فأرسل محمد علي، في الحال، إلى العلماء المتفاوضين مع المماليك، بالاتفاق مع هؤلاء الأمراء على ما يطلبونه، بشرط أن ينضموا إليه بلا تردد في قتال الإنجليز أعداء الجميع.

فأبرم العلماء مع المماليك اتفاقًا مبدئيًّا، وقر الرأي على ذهاب الأمراء إلى مصر لعقد الاتفاق النهائي هناك، بحضور العلماء والوجاقلية والأعيان، وعلى ذلك نزل الجيشان — جيش محمد علي وجيش المماليك — مجرى النيل: الأول على ضفته اليمنى، والثاني على ضفته اليسرى.

ولما انسحب الإنجليز رأى محمد علي أن القطر — لا سيما الريف — بات منهوكًا ناضب المَعين، وأن فلاحيه باتوا يفضلون الموت على الاشتغال بأعمال فلاحة لا يجنون منها إلا خرق حرماتهم والأذى، وأن المدن ذاتها باتت بائرة التجارة والصناعة، لا ثروة فيها.

فرأى أن يفاتح جاهين بك، الزعيم الذي أخلف البرديسي والألفي على لواء مراد، في أمر مصالحة نهائية، فقبل جاهين المفاوضة، واتفق مع الباشا على الإقامة في الجيزة، وعلى أن يكون له إيراد عشر نواحٍ في الجيزة وثلاثين ناحية في البهنسة وإيراد الفيوم برمته، وجميع ذلك خال من كل ضريبة.

فلما وقع الفريقان هذا الاتفاق ذهب جاهين لزيارة الباشا، فأكرم محمد علي وفادته، ودعاه إلى تناول طعام الغداء على مائدة طوسن ابنه، فحذا مثل جاهين بك بغيره من أمراء المماليك إلى الاقتداء به، حتى إن كثيرين منهم تركوا حياتهم البدوية وأتوا وانتظموا تحت رايات محمد علي، وحتى إن إبراهيم بك الكبير نفسه أرسل إلى القاهرة مرزوق بك ابنه بحاشية عديدة.

فأدى ذلك إلى وضع مشروع اتفاق عام، منح البكوات بمقتضاه حق التمتع بإيرادات بلدان عينت لهم، على شرط أن يقدموا للميري كمية معلومة من الغلال، فوضعوا أيديهم على البلدان، ولكنهم لم يقدموا إلا جانبًا يسيرًا مما تعهدوا بتقديمه، فاضطر الباشا أن يخرج إلى محاربتهم بجيش يربو عدده على ستة آلاف مقاتل، غير أنهم لما رأوا هذه القوة أذعنوا! ووقعوا اتفاقًا جديدًا على قاعدة الاتفاق الماضي، لم يزد على هذا شيئًا سوى فيما حتم على الأمراء من سكنى القاهرة، فأتاها أكثرهم ثقة بكلام الباشا، ولاقوا منه كل ترحاب وإكرام.

غير أن المماليك ما لبثوا أن رأوا محمد علي منهمكًا كل الانهماك في إعداد مهمات حملته، برًّا وبحرًا، لقتال الوهابيين، ورأوه ينفر منه قلوب الأهلين بالضرائب والمغارم التي ألزمته شئون تلك الحملة بفرضها عليهم، إلا وأخذ البعيدون منهم عن العاصمة يقتربون إليها، والموجودون فيها يخامرون في السر، وكان محمد علي يومًا في السويس، يلاحظ بنفسه سير الأعمال هناك، فورد إليه نبأ يفيده بأن وراء الأكمة مؤامرة غرضها مهاجمته حين عودته إلى مصر، والاستيلاء على شخصه في الطريق، فقام من ساعته، وركب هجينًا من أسرع الهجن، وقطع المسافة ما بين السويس ومصر في ثماني عشرة ساعة، بحيث لم يستطع أحد من رجال حرسه مواصلة السير معه، إلا سائس تعلق بلجام هجينه، وما فتئَ يجري حتى دخل القاهرة، ووقع ميتًا عند باب سراي مولاه.

فألقى ذلك الرجوع السريع الرعب في قلوب المتآمرين وثبط عزائمهم، على أن محمد علي لم يبد إشارة تدل على أنه مطلع على سر ما دبر له، وبقي وجهه باشًّا، وتصادف يومًا أن عيارًا ناريًا وجه إليه وهو يجتاز أحد شوارع المدينة، فمرت الرصاصة بملابسه، وقتلت ضابطًا بجانبه، فأوصى من معه بالسكوت وعدم إفشاء الحادثة، ولكنه أقبل يتخذ تدبيراته سرًّا، ويحشد جندًا عظيما حول شبرا.

فلم يُرض المماليكَ ذلك، وما كان من جاهين بك إلا أنه أتلف يومًا جميع أثاث بيته الذي لم يمكنه نقله معه، ثم غادر مقره في الجيزة، وانضم إلى رفاقه القادمين من الصعيد، فلم يعد مفر من الحرب.

فدارت، وكانت سجالًا، فإن المماليك هزموا الألبانيين والأتراك — أولًا — في واقعتين، ولكن محمد علي سار إلى الأمراء بنفسه، وأوقع بهم عند جسر اللاهون، فضربهم ضربة أليمة، ظنها القاضية، وأرسل بها بلاغًا إلى مصر كان الأول من نوعه، وتاريخه ١٤ أغسطس سنة ١٨١٠ الموافق ٢٥ رجب سنة ١٢٢٥، ثم عاد إلى مصر، ليتمم تجهيزات الحملة على الوهابيين، وإذا بباش أغاي السراي السلطانية قد حضر إليه بسيف وخنجر من الأستانة، وبرتبة الباشوية وطوخين إلى طوسن ابنه المعقود له لواء تلك الحملة، وبتعليمات بشأنها للباشا وولده، فقرئت المرسومات السلطانية علنًا، وصدرت الأوامر بجمع كل المؤن اللازمة، وإرسالها إلى السويس، وأمرت العساكر المؤلفة منهم الحملة بالاحتشاد في قبة العزب.

غير أن محمد علي — بالرغم من أنه قال في بلاغه المرسل إلى القاهرة إن دولة المماليك قد زالت تمامًا — لم يكن مطمئنًا البتة من جهتهم، لما كان في الماضي من عبر بليغة له، فهل يوجه الآن جميع قواه أو معظمها إلى قتال الوهابيين، ويبقي القطر بلا حماة، وسيف الأمراء مسلول فوق رأسه؟ إن هذا لم يكن ممكنًا، فأمر — إذن — رؤساء جنده المتعقبين المماليك بعد هزيمتهم عند جسر اللاهون بمطاردة الفارين باستمرار حتى يجلوهم عن القطر المصري، فصدع قواده بأوامره، وما زالوا بمن لم يشأ المصالحة من الأمراءِ حتى أجبروهم على اجتياز الشلالات الأولى ودخول بلاد النوبة، وأما من شاء المصالحة منهم، فإن محمد علي فتح له ذراعيه، وأغدق عليه شتى النعم، فعاد الكثيرون من الأمراء إلى القاهرة جماعات جماعات، وعلى رأسهم جاهين بك عينه، وأقاموا في المنازل الفخمة التي خصصها محمد علي لهم، يلهون وينعمون، وأقبل الأمير يتمم ما نقص من لوازم حملته.

فلما كملت معداتها عين يوم الجمعة — أول مارس سنة ١٨١١ — لسفرها، وأعلن الباشا عزمه على إقامة مهرجان في القلعة للاحتفال بتوديعها، وإلباس ابنه طوسن باشا رسميًّا فروة الإمارة عليها، فلما كان مساء آخر يوم من شهر فبراير، بعث الباشا دعوة لحضور ذلك المهرجان إلى جميع أرباب الوظائف المدنية والعسكرية في مصر، وطلب إلى أمراء المماليك القدوم إليه بملابس التشريفة الكبرى.

فلما كان صباح يوم الجمعة المضروب موعدًا، لم تكد الشمس تعلو الأفق، إلا واحتشدت الجماهير العديدة في الطريق المؤدي إلى القلعة، للتفرج على مواكب العسكر العثماني والألباني السائرة إلى ذلك الحصن المنيع براياتها وطبولها، وبالأخص على موكب الأمراء المماليك الفخم الذي لم يكن له مثيل في الوجود، في بهجة ملابسه، وجمال هندامه، وجلال خيوله، وسطوع أسلحته المفضضة والمذهبة، بل الفضية والذهبية، وكان عدد من لبى الدعوة من الأمراء أربعمائة وسبعين، فلما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب — وهو باب القلعة من جهة الغرب، ويُفتح الآن على ميدان صلاح الدين، الذي كان يقال له في ذلك العهد ميدان الرميلة — لما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب انغلق مصراعاه وراءه، وأقامت أقوام المتفرجين تنظر فتحه لخروج الداخلين منه.
figure
قصر العيني.

وكان الباشا قد قضى ليلته في سراي القلعة، وقام مبكرًا كعادته، فاستقبل وفود القادمين بكل بشاشة وحفاوة، وبالغ على الأخص في إكرام الأمراء المماليك، فإنه قدم إليهم القهوة، وما فتئَ يحادث أكابرهم، حتى أتاه من أخبره بأن المدعوين استقروا في أماكنهم وأن جميع فيالق العسكر اصطفت في مواضعها فنهض، وقام لنهوضه محادثوه، وامتطى أكابر المماليك جيادهم، ووقفوا بها على رأس فيلقهم الباسل.

فلما تمت الحفلة، وقلد الأمير طوسن اللواء أذن بالانصراف، فتقدم الانكشاريون المماليك مباشرة، وسار الألبانيون خلفهم، وتلا الألبانيون فيلق مشاة يقوده الكتخدا، ومشى الجميع نحو باب العزب.

فنزل الانكشاريون المنحدر أولًا، ثم تبعهم المماليك على بعد قليل، حتى إذا خرج آخر انكشاري من الباب، كان الأربعمائة والسبعون أميرًا مملوكًا يشغلون بجيادهم المنحدر كله من أسفله إلى أعلاه.

حينئذ حدث أمران: الأول: أن باب العزب أقفل حالًا بعد خروج آخر انكشاري منه. والثاني: أن صالح أغا أق قوش أصدر أمره إلى ألبانييه، فانسلوا من وراءِ المماليك، وتسلقوا الصخور المحيطة بالمنحدر، وأسرعوا فكمنوا وراءَها من الجهتين، ومن أسفل إلى فوق، وفي الحال تقدم الفيلق الذي يقوده الكتخدا وانتشر على الأسوار.

حينئذ دوت طلقة مدفع، فما شعر المماليك إلا والرصاص يتناولهم من كل جانب، وهم لا يستطيعون عن أنفسهم دفاعًا، وما هي إلا لحظة وتكدست في الممر الضيق جثث الرجال والخيل، بعضها فوق بعض، وجعلت الحركات متعذرة أكثر مما كانت.

أما المماليك الذين وصلوا إلى باب العزب ورأوه مقفلًا، فإنهم لووا أعنة جيادهم، وقصدوا الرجوع، ولكن حركتهم هذه زادت الذعر ذعرًا والخبل خبلًا، وأما المماليك الذين كانوا على رأس المنحدر، فما دوى حولهم الرصاص إلا ولووا هم أيضًا أعنة جيادهم، وقصدوا البلوغ إلى داخل القلعة، ولكن فيلق البيادة المنتشر على الأسوار أصلاهم نارًا حامية، أردتهم بالعشرات.

فكبر الهول واشتد البلاء.

ورأى المماليك التعساء — وموت غير منظور يحصد صفوفهم حصدًا — أن لا فائدة لهم من جيادهم، فترجلوا، وتعروا بسرعة من ملابسهم الثمينة الفاخرة، التي لم يكن من شأنها إلا أن تعيق حركات أيديهم وأرجلهم في ذلك الموقف الرهيب، وأقبلوا يجْرون، وسيوفهم مشهرة في يد، وطبنجاتهم في الأخرى، يبغون لقاء عدو يثأرون بقتله للكارثة التي حلت بهم.
figure
كلوت بك يلقح نفسه بالطاعون.

ولكنهم لم يجدوا أحدًا، واستمر الرصاص الخفي الممطر من كل صوب يحصدهم حصدًا، فسقط جاهين بك أمام عتبة قصر صلاح الدين، وبلغ سليمان بك البواب — والدم يسيل من كل أعضاء جسمه — باب السراي، فانطرح على عتبته، وصاح: «في عرض الحريم!» — وكانت استغاثة مقدسة في ذلك العهد — ولكن السيف تناول رقبته فقطعها، وجرت جثته مَهينة إلى مكان بعيد، وتمكن سبعة أو ثمانية من الأمراء من الوصول إلى المكان الذي كان طوسن باشا مقيمًا فيه، فتراموا على قدميه وسألوه الأمان، ولكن الشاب لم يجسر على مخالفة أوامر أبيه، وتخلى عنهم، فقُتلوا صبرًا بين يديه.

وما انفك الرصاص يدوي ويتساقط كالمطر والمماليك يُقتلون، حتى فنوا عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا واحد فقط اسمه أمين بك، كان قد تخلف، في الصباح لمهمٍّ، ولم يأت القلعة إلا وأول الموكب هالٌّ من بابها، فوقف ينتظر ريثما يخرج إخوانه، لينضم إليهم، ولكنه لما رأى الباب يقفل، وسمع دوي البنادق، أدرك أن هناك غدرًا، فلوى عنان جواده، وفر إلى البساتين، ومنها إلى سوريا.

على أن هذا ليس ما تناقلته الألسن عن كيفية نجاته، والرواية التي قرت في الأذهان هي: أنه لما دوى نذير الموت وثب بحصانه إلى داخل القلعة، يبحث عن منفذ، فلم يجد في كل جهاتها سوى سور ارتفاعه ستون قدمًا، فلم يتردد، وفضل نوع موت فيه بصيص أمل بالنجاة على نوع موت لا أمل فيه، فأجرى حصانه، وقفز به من فوق السور، فقتل الجواد ونجا الفارس، ولا يزالون حتى يومنا هذا يشيرون إلى المكان الذي قفز منه، ويدعونه محل وثبة المملوك!

•••

لما انتهت المأساة، ورأى الألبانيون أنه لم يعد هناك مملوك إلا وهو مردى، برزوا من مكامنهم، ونظروا بدون خوف لأول مرة في حياتهم إلى أولئك الفرسان المجزورين، فأجهزوا على الجرحى، ومثلوا بالقتلى، واستولوا على الأسلاب.

•••

وأما محمد علي، فإنه بعد أن رتب كيفية خروج الموكب، عاد إلى قاعة الديوان الكبرى وأقام فيها، يحيط به أمناؤه، ومع أنه لم يهمل في اتخاذ احتياطاته شيئًا، إلا أن القلق كان باديًا عليه في روحاته وجيئاته الصامتة في طول تلك القاعة وعرضها، ولما سمع طلقة المدفع المنذرة ببدء المجزرة وقف بغتة، وجرى دمه نحو قلبه بسرعة، فعلا وجهَه الاصفرارُ، ولكنه ما أطل من نافذة، ورأى الفرسان تُردى تباعًا، والرؤوس تقطع إلا وانتظمت دورة الدم في عروقه، وفارق الاصفرار وجهه، غير أنه لم ينبس بكلمة واحدة، ولما وافاه الجنوي مندرتشي — أحد أطبائه — وقال له مهنئًا: «أجل، هذا أمر قد فرغ منه، واليوم يوم سعيد لسموكم!» لم يجب بشيء، ولكنه طلب ماءً وشرب جرعًا طويلة!

•••

وبينما كانت المأساة تجري في القلعة مجراها، سارت النجب بكتب الباشا إلى حكام الأقاليم، تأمرهم بقتل كل مملوك يوجد في دائرة أحكامهم، وكل مملوك يقع تحت أيديهم، فنفذ الكشاف الأوامر، وتباروا فيمن يرسل إلى القاهرة رؤوسًا أكثر من زميله، حتى بلغ عدد القتلى في الأقاليم ألفًا وزاد.

ولما سمع المماليك الذين كانوا لا يزالون في الصعيد بأنباء الكارثة التي حلت بهيئتهم، سقطت قلوبهم، وخارت هممهم، فأرسلوا إلى محمد علي يطلبون أن يعين لهم المكان الذي يختاره لإقامتهم، فيعيشوا حياتهم الباقية في سلام، فبعث إليهم جيشًا تعقبهم بعنف وبلا ملل، وما زال يطاردهم حتى أجلاهم عن البلاد، وألجأهم إلى الإقامة بدنقلة، حيث عاشوا معيشة مهينة، وماتوا موتًا لم يلفت أحدًا.

هكذا كانت آخرة هذه الطائفة التي حكمت مصر ما يزيد على خمسة قرون ونصف، وهكذا فرغ محمد علي من أمرهم، فزالت بزوالهم آخر الأشواك المحيطة بسلطته، وأخذ خشب سدته يملس وينعم تحته.

وكأني بالتمثال المقام له في الإسكندرية يمثله في هذه الآونة من حياته، حين نزوله من القلعة، ليهدئ روع العاصمة المضطربة، وليتقبل التهانئ في بيت الشيخ الشرقاوي؛ فإنك إذا ما مررت أمامه، وشخصت إليه برهة، كما تشخص إلى رجل حي تصمت أمام أعماله الأرض إِعجابًا، رأيت كأن نارًا تتقد في حدقتيه، وشعرت بأنها نار هزة المجد وعزة القلب الذي بلغ مقصوده، فتسودُّ أمام مخيلتك — في تلك اللحظة — لحيته البيضاء، وتدرك من جلال اليد الموضوعة على خاصرته القوية، ومن عظمة اليد القابضة على زمام حصانه النافر تحته والمختال تيهًا بالراكب على صهوته، أن محمد علي أدرك مناه، وأذل الصعاب حوله، وتغلب على مقاوميه وأعدائه، وثبت قدميه فوق القمة التي بلغ إليها.

•••

وأما صعوبة المال، فإن محمد علي عالجها في بادئ الأمر بالقبض على مُتَولِّي الحسبة العام — وكان اسمه جرجس الجوهري — ومطالبته بحساب السنوات الخمس الفائتة، فتحصل منه بذلك على أربعة آلاف وخمسمائة كيس.

وما عمله بالمعلم جرجس الجوهري، عمله بباقي متولي الحسبة في الأقاليم، فاجتمع لديه من المتأخر بين أيديهم مال وفير.

ثم أعاد العمل عينه مرة أخرى، فاستخلص مالًا جزيلًا، ولكن المعلم جرجس الجوهري خاف تجدد هذا الإرهاق في المستقبل، ففر والتجأ إلى المماليك.

ثم عمد محمد علي إلى طرق أخرى، فاستولى يومًا على بضائع قافلة أتت مصر من السويس، ولم يرفع يده عنها إلا بعد أن دفع له أصحابها ألف كيس، واتهم يومًا آخر البطرك الرومي بأنه ساعد جرجس الجوهري على الهرب، وفرض عليه مائة وخمسين كيسًا، ووضع يومًا ثالثًا يده على عقارات نساء المماليك، ولم يردها إلى صاحباتها، إلا مقابل ذهب رنان فاضت أيديهن له به، وضبط مرة خمسمائة جمل محملة تبنًا، ولم يُخل سبيلها إلا مقابل أن يدفع التجار له ثلاثين فرنكًا عن كل إردب.

ولكنه بالرغم من ذلك جميعه، ما فتئ ينظر الفراغ ملازمًا لخزائنه، فرأى أنه لا بد له من فرض ضريبة عامة جديدة، وتحاشيًا لتنفير الناس منه جمع العلماء وكبار الوجهاء، وقال لهم: «إن العساكر باق لها ثلاثة آلاف كيس، ولا أعرف لتحصيلها طريقة، فانظروا رأيكم في ذلك، أما أنا فإني عازم — بعد دفع المتأخر — على تسريح هؤلاء العساكر وتسفيرهم إلى بلادهم؛ تخفيفًا للأعباء العمومية، وأن لا أبقي منهم إلا من كان أمر الحكم في احتياج إليه وأرباب المناصب!»

فكثر التروي في الأمر، وتعددت الآراء، فاقترح محمد علي أن يصرَّح له بقبض ثلث إيراد الملاك والملتزمين، ولما كان القوم المجتمعون كلهم ملاكًا أو ملتزمين ضجوا وقالوا: «قد يصير هذا عادة، وتضيق في وجوه الناس أبواب الارتزاق!»

فقال محمد علي: «نكتب فرمانًا»، ونلتزم بعدم عود ذلك البتة، ونرقم فيه «لعن الله من يفعلها مرة أخرى!» فرضي الناس وانفرجت بذلك الأزمة المالية، نوعًا ما.

ولكن بقرات الإنفاق العجاف ما فتئت تأكل بقرات الإيراد السمان، وتتابع ما ذكرنا من الحوادث ما فتئ يثبت قدمي محمد علي في المنصب الذي أقام على سدته، ويقلل إذًا من احتياجه إلى الملاطفة والعرف.

فشرع — مع توالي الأيام — يزداد جسارة في طرق أبواب لجمع المال الذي يعوزه، لم يكن ليفتق إلى وجودها إلا ذهن كذهنه، فاحتكر أولًا التبغ والتنباك، ثم أقدم على تنقيص كمية الذهب من العملة مع إبقائها على قيمتها في التداول بين الناس، ثم أرهق مرة أخرى عمال الحسبة إرهاقًا جعل الكثيرين منهم يهجرون البلاد، ثم زاد الضرائب عامة بمقدار الثلث، ولما لم يكف هذا جميعه — لأن ضرورة التغلب على الصعاب الأربعة التي قلنا عنها كانت تستلزم إنفاق الأموال بكف سخية للغاية — تجاسر محمد علي واستولى — بتصريح من العلماءِ ورجال الإفتاء — على نصف إيرادات أوقاف الجوامع والمساجد، ثم ما لبث أن استولى عليها كلها.

ولم يقف عند هذا الحد، بل أمر بفحص جميع الرزق والأوقاف، وأنكر على معظمها الصحة، وأمر كشاف الأقاليم بالاستيلاءِ — باسم الحكومة — على الأطيان المذكورة في تلك الحجج، ولم يبق من الموقوف على أصله إلا ما كان عقارًا مبنيًّا أو بستانًا.

فاضطرب المستحقون، وازدحموا في الأزهر، وأقسم العلماء بزعامة السيد عمر مكرم بالموت في سبيل الدفاع عن حقوق الشعب وعن أملاكهم.

فلما نمى خبر اجتماعهم إلى محمد علي أرسل إليهم يستدعيهم للمداولة معه، فأبوا إلا إذا ألغى الضرائب التي أرهق بها العباد، فإن لم يفعل فإنهم يبطلون التدريس ويعطلون إقامة شعائر الدين ويكون هو المسئول.

فقال لهم المندوب: «اتقوا غضب الباشا، فإنه رجل شديد الانفعال، وتعالوا إليه للاتفاق.»

فأصروا على عنادهم، وسلموا إلى المندوب شكواهم مكتوبة.

فمضت خمسة أيام، ولم يأتهم رد، فملوا الانتظار، وذهبوا جميعًا إلى دار ناظر المهمات للاستفهام، فقال لهم هذا الضابط: «إن الباشا مستعد لسماع أقوالكم على شرط أن تذهبوا إليه!»

فأوفد المشايخ اثنين منهم إلى محمد علي، فاستقبلهما ببشاشة، وقال: «أبلغا أسيادنا العلماء أني مستعد دائمًا لقبول نصائحهم، حتى لو كانت زجرًا، ولكني لا أقبل مطلقًا الاجتماعات والمخامرات والمؤامرات، فقولا لي من هم الذين أقسموا يمين المقاومة لي!» فلم يجيبا وعادا إلى قومهما بما دار بينهما وبين الباشا من حديث.

وكانت نيران الحسد ترعى منذ مدة قلوب المشايخ، من السيد عمر مكرم لمنزلته الرفيعة عند محمد علي، وكان النقيب في هذه الحادثة روح المقاومة، وبلغ به التحمس فيها أنه قال في اجتماع تالٍ: «إننا نرفع أمرنا إلى الباب العالي، إذا استمر الباشا على غيه، وإني لأتكفل بإنزاله عن السدة التي رفعته أنا إليها!»

فاغتنمها المشايخ فرصة للإيقاع به عند محمد علي، وبلغ من تحاملهم على الرجل أنهم حرضوا الباشا عليه قائلين: «لا تخفه؛ فإنه لا شيء بلانا!» فأكرمهم محمد علي، وبالغ في تقديم التحف إليهم، ثم أفهمهم بأنه إنما استولى على أوقاف المساجد ليصلح ما فسد من أمر جباية الضرائب.

وبعث بعد ذلك يستقدم السيد عمر مكرم، فرفض النقيب الذهاب، فأعاد محمد علي الكرة، فأجاب النقيب: «إذا كان لا بد للأمير من مقابلتي، فليوافني إلى بيت الشيخ السادات!»

فأرسل محمد علي حينئذ سلحداره إليه، مكررًا طلبه فما زاد ذلك السيد عمر إلا إصرارًا على عناده.

فاستدعى محمد علي حينذاك القاضي وجميع العلماء، ولما استقر بهم المجلس بعث طلبًا رسميًّا إلى السيد عمر مكرم بالحضور، وإذ قوبل هذا الطلب أيضًا بالرفض استفز الباشا عليه نفوس الحاضرين — وكان الحسد قد جعلها على استعداد تام لذلك — وعزله في الحال من نقابة الأشراف، وقلدها الشيخ السادات مكانه، ثم طلب إلى الجمعية الحكم بنفي السيد عمر، فأجابت، على أن يمهله ثلاثة أيام.

فرضي محمد علي بالمهلة على شرط أن لا تكون أسيوط محل النفي؛ لأنها مسقط رأس السيد، فعينت له دمياط.

ثم استكتب محمد علي الجمعية عرضًا أُلصقت فيه بالسيد عمر تهم عديدة تبرر عزله، وأرسل ذلك العرض إلى الباب العالي، لإعلامه بما تم.

فكانت نتيجة انقسام المشايخ على أنفسهم، وارتكابهم من الأمور ما كانوا يعلمونه مخالفًا لضمائرهم، أن هيبتهم ضاعت من النفوس، ومكانتهم فيها تلاشت، وأن محمد علي أصبح لا يخافهم ويعتبرهم آلات صماءَ بين يديه، كما أنه أصبح مطلق اليدين فيما استولى عليه لتعمير خزائنه.

وبما أن الشهية للأكل يزيدها الأكل تفتحًا — كما يقول الغربيون — فإن محمد علي بعد أن استولى على أطيان الرزق والأوقاف، ورأى أنها لا تكفي لسد ما يجعله دأبه في التثبت فوق القمة في حاجة إليه من النقود، فرض ضريبة جسيمة على باقي أطيان القطر، فأثار ذلك ثائرة تملمُل وتذمُّر في صدور ملاكها وملتزميها، فأمرهم محمد علي بإبراز حجج ملكيتهم لتطبيقها على ما يمتلكون، فأبرزوها.

وكان هو في الأثناءِ قد تخلص من المماليك وأمن الأستانة، وبعث بالجند الميال للتمرد إلى بلاد الحجاز لقتال الوهابيين فيها، ولم يبق في مصر إلا جندًا وقوادًا يثق بولائهم وثوقًا تامًّا، وأخرس المشايخ بما سجله عليهم من حطة جعلهم حسدهم يتدنئون إليها؛ فلم يعد يخاف ولا يهاب أحدًا.

فضبط تلك الحجج وأعدمها، ووضع يده على باقي أطيان القطر مقابل ترتيب إيراد سنوي لأصحابها السابقين يوازي إيرادها السنوي المعتاد، أصبح هو حرًّا في دفعه أنى يشاء، وفي عدم دفعه متى شاءَ، وهذا كان الغالب، ثم لم يكتف بذلك، بل حكر الزراعة والتجارة، فأصبح مُزارِع البلاد وتاجرها الوحيد.

•••

وهكذا حقق الحلم الذي رآه في صباه وقصه على الشيخ الوقور من أنه رأى نفسه يشرب كل ماء النيل ليروي ظمأٍ اعتراه، ولا يرتوي!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠