لينين

لقد خاضت الصحف كثيرًا في سيرة لينين، وأوردت عنه الأنباء الجمة؛ لأن من الممكن اعتباره أعظم رجل على وجه الكرة الأرضية في الوقت الحاضر، ولسنا نريد بهذه الكلمة الوجيزة أن نأتي بتاريخ حياته مفصلًا؛ لأن هذا عمل آخر لا يتسع له كتابنا هذا، وإنما نريد أن نورد للجمهور المصري خلاصة مختصرة جدًّا من تاريخ حياته تقربه إلى ذهن الجمهور، حتى إذا ابتدأ في تلاوة أقواله، والاطلاع على أفكاره، يسهل عليه فهم مقاصد هذا الرجل الشهير الذي كثر مادحوه وذامُّوه.

لينين روسي لا يزال في شرخ الشباب أتم دراسة الحقوق، ولما حان وقت اشتغاله بالمحاماة كان مثله، كمثل كارل ماركس الذي انصرف عن مهنته الرسمية، وهي المدافعة عن الأشخاص جناةً أو مجنيًّا عليهم، إلى مهنته الحقيقية، وهي المحاماة عن الإنسانية المظلومة المضطهدة المعذبة، ولما كانت الإنسانية شائعة في العالم أجمع، وحمايتها أو الدفاع عنها يقتضي عملًا فوق طاقة فرد أو جماعة من أمة واحدة، فقد رأى لينين كما رأى من قبله كارل ماركس، أن يبدأ بالدفاع عن عضو الإنسانية المعذب في وطنه، وهو الطبقة المستعبدة من شعبه.

إلا أن يد الحكومة القيصرية المستبدة لم تسمح له بالاعتراف بهذه المهنة الشريفة فقضت بنفيه إلى سيبريا، ولكن القدر المتغلب على كل إرادة وقوة أراد أن ينقذه من منفاه الذي كان لا شك قاضيًا على حياته، كما قضى على مئات الألوف من شهداء الحرية الأبرار.

ولما نجا لينين من منفاه بقي في البلاد الإسكندنافية، وهو على اتصال برفاقه، ومشايعيه في داخل البلاد الروسية الذين كانوا يشتغلون في الخفاء، ويعدون العدوة لليوم المنتظر، فلما اشتدت وطأة الحرب، وتزعزعت أركان الدولة الروسية المستبدة من ضربات المطرقة الألمانية الهائلة، خشي لينين أن يخضع القيصر نيقولا الثاني للإمبراطور غليوم الثاني، فيبرم الصلح معه، وتفلت الفرصة السانحة من لينين وأشياعه، فأسرع باستخدام هذه الفرصة التي قلما يسمح الدهر بمثلها، فخابر ألمانيا واستخدم ذهبها في تنفيذ مأربه، وكانت ألمانيا إذ ذاك تبذل منتهى جهدها لحمل الروسيا على الصلح المنفرد لتتمكن من نقل جنودها الموجودين في الساحة الشرقية إلى الميدان الغربي، فما كادت تتأكد من قدرة لينين على قلب حكومة القيصر، وإيجاد حكومة اشتراكية تكره الحرب وتريد السلم، حتى أمدته بالأموال الطائلة، فزالت دولة الاستبداد.

غير أن لينين لم يكن من الرجال الذين يطمعون في الشهرة الباطلة، ويتطلعون إلى المجد الكاذب، فترك لغيره تولي شئون البلاد الروسية، واقتصر على أن يكون فردًا من جملة العاملين لخير شعبه ورقي بلاده.

ولكن الأنانية والغطرسة حملت تروتسكي على أن يستبد بالحكم، وأوشك أن يجعل نفسه دكتاتورًا؛ أي حاكمًا مطلقًا لو لم يتدارك لينين الأمر، ويعمل على إسقاط تروتسكي في البلاد ففر هذا إلى فرنسا.

وحينئذ أدرك لينين أن تخليه عن العمل، وإطلاق الأعنة لسواه من ذوي المطامع والأهواء لا بد أن يلقي الروسيا مرة أخرى بين أيدي الظلم والاستبداد، فعمد إلى الظهور حينئذ، وتولى شئون بلاده بنفسه.

وهو لا يزال حتى الآن يكافح الرجعيين، ويقاوم الدسائس الأجنبية، وكم من مرة صارت حياته عرضة للخطر، بل لقد جاءتنا الأنباء أكثر من مرة بقتله، أو القبض عليه، أو فراره، ثم أسفرت الحقيقة عن نجاته من المكائد والمؤامرات، وبقائه على قيد الحياة ثابتًا في مركزه وعمله ثبات الجبال الراسخة.

والرجل في مأكله وملبسه ومسكنه ملتزم منتهى البساطة، ولا همَّ له إلا نشر مبادئه الحرة التي ترمي إلى تحرير العالم بأسره من نير الاستعباد، وتجعل كل الناس إخوانًا متساوين.

وليس لينين من الغباوة إلى حد أنه لا يفهم أن التطرف في كل شيء مذموم، وأن الطفرة مخالفة لنواميس الطبيعة؛ ولهذا بدأ يلطف من مبادئه حتى يتمكن من جمع سائر طبقات الشعب الروسي حوله.

وقبل أن نختم هذه الكلمة، نقول: إن للينين فضلًا عظيمًا في إنقاذ تركيا، إذا قدر الله لها السلامة والحياة، ولم يقع القائمون بشئونها الآن في الأشراك الخفية المنصوبة لها بطرق باعثة على الوقوع فيها من عدة جوانب.

تنبيه من المؤلف

لقد صار وضع هذا الكتاب في شهري أغسطس وسبتمبر سنة ١٩١٧، وكنت قد وضعت أيضًا مشروع الفصل السابع الذي عنوانه التجربة المستخلصة من ثورتي ١٩٠٥ و١٩١٧، ولكني بعد أن كتبت العنوان، لم أجد متسعًا من الوقت لكي أخط سطرًا واحدًا من هذا الفصل؛ لأن الأزمة السياسية منعتني من تنفيذ هذا العزم بنشوب ثورة نوفمبر ١٩١٧، ومع ذلك فإن هذا الحائل الذي منع من نشر بقية الكتاب يدعو إلى الارتياح؛ لأن تحريرها تأجلت إلى زمن طويل؛ إذ من الأفيد دراسة «التجربة المستخلصة من الثورة» بدلًا من الكتابة في صددها.

ن. لينين
بيتروغراد في ٣٠ نوفمبر ١٩١٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠