الفصل الثاني

الحكومة والثورة: التجربة المستخلصة من ١٨٤٨ إلى ١٨٥١

(١) ليلة الثورة

إن المؤلَّفَيْن الأولين في المذهب الماركسي التام وهما؛ «بؤس الفلسفة»، و«المنشور المشاعي» يطابق مقدمات الثورة التي حدثت في سنة ١٨٤٨، وبمناسبة سنوح هذه الفرصة نرى أن نبدأ بعرض المبادئ العامة للمذهب الماركسي، ولدينا هنا إلى حد ما فكرة عن حالة الثورة في ذلك العهد، وأظن أن هذه المناسبة أدعى إلى دراسة ما قاله مؤلفونا عن الحكومة أثناء تكلمهم عن الثورة، ثم نتدرج إلى خواتم التجارب التي استخلصوها من حوادث السنوات الكائنة ما بين ١٨٤٨ و١٨٥١.

كتب ماركس في كتابه «بؤس الفلسفة» ما يلي:

إن الطبقة العاملة في خلال رقيها وانتشارها ستوجد مجتمعًا جديدًا بدلًا من مجتمع الأعيان القديم، فتزول حينئذ فوارق الطبقات وخصوماتها، وإذ ذاك لا يبقى أقل احتياج إلى وجود سلطة سياسية؛ لأن السلطة السياسية ليست سوى اصطلاح رسمي قضت به الخصومات القائمة بين الطبقات المنقسمة من بعضها على بعض في بداخل جمعية الأعيان!

ومن المفيد بعد أن عرضت في هذا المقام فكرة اختفاء الحكومة، أن نلم بما جاء في هذا الصدد نفسه في المنشور المشاعي الذي اشترك في تحريره ماركس وإنجيل في نوفمبر من عام ١٨٤٧؛ إذ جاء في هذا المنشور ما يأتي:

إننا بإيرادنا أكثر الجمل زيوعًا وتداولًا عن رقي وتوسع الطبقة العاملة استطعنا أن نواصل حربًا أدبية أكثر أو أقل استتارًا ضد المجتمع الحالي، وسنظل على مواصلتها إلى أن تتحول إلى ثورة تتمكن بواسطتها طبقة العمال من إرساخ سلطانها بواسطة إسقاط فئة السراة والأعيان بعنف وقوة …

لقد رأينا مما أسلفنا القول عنه أن الخطوة الأولى التي خطتها ثورة العمال هي تطور — من الوجهة الأدبية ارتقاء — الطبقة العاملة إلى طبقة حاكمة، وهذا افتتاح الديمقراطية.

وستقيم الطبقة العاملة سلطتها السياسية على أنقاض السياسة المتداعية أركانها لتستخدمها في انتزاع رءوس الأموال من الفئة السرية شيئًا فشيئًا، ولتجمع بها كل أدوات الإنتاج بين يدي الحكومة، أي بين أيدي الطبقة العاملة المنتظمة في هيئة طبقة مستولية، ولتنمية القوى المنتجة بأسرع ما يمكن.

ونحن نرى هنا تكوُّن فكرة من أجَلِّ وأهمِّ الفكر الناهض عليها المذهب الماركسي فيما يختص بالحكومة، وهذه الفكرة هي «سلطة العمال المتحكمة» كما سماها ماركس وإنجيل على أثر تحرك المشاعية في باريس، ثم إننا نجد في هذه الكتابة تعبيرًا عن الحكومة في منتهى الإفادة والأهمية مع إيراد بعض من الألفاظ التي اندرجت في سلك النسيان من ألفاظ المذهب الماركسي، كالمثال الآتي: «الحكومة أي الطبقة العاملة المنتظمة في شكل طبقة مستولية.»

وهذا التعبير الذي وصفت به الحكومة لم يَصِر الاقتصار على عدم شرحه والتكلم عنه في أدبيات الدعوة السيارة التي تذيعها الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الرسمية فقط، بل لقد صار إغفاله فعلًا باعتباره غير قابل للاتفاق مع المذهب الاشتراكي الإصلاحي، وعلى تناقض تام مع المزاعم الانتهازية الباطلة المعهودة وخيالات الأعيان التي تزين لهم «ترقي وانتشار الديمقراطية بالطرق السلمية المشروعة».

إن طبقة العمال في حاجة إلى الحكومة التي تتغلب على الانتهازيين والاشتراكيين الوطنيين والكاوتسكيين حسبما يقرره المذهب الماركسي.

ولكن ذلك لا يتم مع تناسي ما يقرره المذهب الماركسي قبل كل شيء، من أنه لا يلزم لطبقة العمال إلا حكومة على وشك الفناء، أي مؤلفة بطريقة تجعلها تبتدئ منذ تكونها في التلاشي، وأنها لا يمكنها أن لا تتلاشى، ثم يجيء في الدرجة الثانية من الأهمية للعمال وجوب وجود «الحكومة المكونة من هيئة العمال المنتظمة في شكل طبقة مستولية».

الحكومة هي نظام خاص بإحدى القوات؛ أي هي نظام القوة المختصة بقمع وإخضاع إحدى الطبقات، فما هي إذن الطبقة التي تريد هيئة العمال أن تقمعها؟ من الواضح أنها طبقة المستغلين الوحيدة؛ أي طبقة الأعيان، فلا حاجة للعمال بالحكومة إلا لإحباط مقاومة المستغلين، ولا توجد سوى هيئة العمال هيئة أخرى تستطيع أن تحبطها وأن تكلل هذا العمل بنجاح؛ لأن هيئة العمال هي الطبقة الوحيدة المتشبعة بمبادئ الثورة المتطرفة إلى النهاية، والقادرة على ضم كل العمال وسائر المستثمرة مجهوداتهم تحت راية الصراع الناشب ضد فئة الأعيان للحلول محلها نهائيًّا.

إن ما يلزم للطبقات المستغلة هو التسلط السياسي للمثابرة على الاستغلال؛ أي لاستعماله في سبيل المصلحة الشخصية لقلة في منتهى القلة ضد السواد الأعظم من مجموع الشعب، وأما ما يلزم للطبقات المستغلة مجهوداتها، فهو التسلط السياسي الذي يقتضيه إتمام القضاء على كل استثمار؛ أي اللازم لأجل المحافظة على مصلحة السواد الأعظم من الشعب ضد الأقلية الصغرى من طائفة مستعبدي الأرقاء على الطراز الحديث؛ أي طائفة ملاك العقارات الثابتة وأرباب رءوس الأموال.

إن الديمقراطيين السراة المُتَسَمِّينَ اشتراكيين، والذين نصبوا لمصارعة الطبقات أحلامهم الحائمة حول التأليف ما بين جميع الطبقات، جعلوا من التعديل في المذهب الاشتراكي نوعًا من أنواع تصرفات الجان، فهم لا يذهبون إلى قلب سلطة الطبقة المستثمرة، بل يحاولون بكل هوادة ولطف إخضاع الأقلية المكينة في مركزها المطمئنة على سلطتها إلى الأغلبية.

وهذا الترتيب الخيالي الذي تحلم به الديمقراطية الغنية لا يمكن تحقيقه، وقد أظهرت فساده ثورتا عامي ١٨٤٨ و١٨٧١ في فرنسا؛ إذ أظهرت التجربة فيهما استحالة التوفيق ما بين الطبقات المختلفة؛ لأن فئة الأعيان خانت أمة الطبقة العاملة، وعبثت بمصالحها، ولم تراعِ لها حقوقًا، وكما أثبتت هذه الاستحالة التجربة المتخلصة من اشتراك الحزب الاشتراكي في العمل مع وزارة الأعيان في إنجلترا، وفي فرنسا، وفي إيطاليا، وفي كل مكان آخر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ولقد ظل ماركس طول حياته يصارع هذه الاشتراكية الغنية التي تذكر بالحالة الجارية على عهدنا هذا في الروسيا ما بين الاشتراكيين الثوريين والمنشفيين، وبعد أن راجع ماركس نفسه استقر رأيه على استعمال مذهبه المختص بمصارعة الطبقات حتى في رأيه عن السلطة السياسية وعن الحكومة.

ولن يتم قلب زمرة الأعيان إلا بواسطة الهيئة العاملة؛ فإنها الطبقة الوحيدة التي تساعدها أحوال كيانها الاقتصادية على أن تصير أهلًا للتأهب للقيام بهذا القلب، وبينما يقسم حكم الأعيان، وتمزق طبقة الفلاحين وسائر الطبقات الوسطى، فإنه يجعل هيئة العمال تزداد تضامنًا واتحادًا وانتظامًا.

وطبقة العمال هي الطبقة الوحيدة التي يجعلها مركزها الاقتصادي الخاص في وسائل الإنتاج الكبرى جديرة بأن تكون زعيمة كل الهيئات المشتغلة بأعمال أخرى غير الصناعة، وسائر الجماهير المستغلة في الغالب مجهوداتها، والمستعبدة والمنتهكة قواها بقدر ما أصيبت الهيئة العاملة أو أكثر منها، ولكنهن غير قادرات على التمالؤ والاتفاق فيما بينهن ليجاهدن وهن كتلة واحدة في سبيل تحررهن.

ولقد أدى مبدأ تكافح الطبقات الذي يستخدمه ماركس في مسألة الحكومة، والثورة الاشتراكية لسوء الحظ إلى الاعتراف بالسلطة السياسية، وهي حكم الطبقة العاملة المطلق؛ أي بوجوب وجود سلطة لا ينازعها إرادتها أحد، وتكون معتمدة مباشرة على قوة الجماهير المسلحة، فقلب فئة الأعيان لا يمكن تحقيقه إلا إذا تحولت الطبقة العاملة إلى طبقة متولية قادرة على إخماد المقاومة التي لا بد لفئة الوجهاء من القيام بها وهي في حالة الاضطراب واليأس، وإلا إذا أمكن تنظيم كل الجماهير النشطة المستغلة جهودها للدخول في طور جديد من الحياة الاقتصادية.

فلا بد إذن لهيئة العمال من الحصول على سلطة الحكومة التي تنظم بها القوة المركزية، والقوة الفعالة التي تخمد بها مقاومة المستقلين، وتقود بواسطتها جمهور الأهالي العظيم بما فيه طبقة الفلاحين، وطبقة الملاك المتوسطين، وذوي المهن المقتزمة من أعمال هيئة العمال إلى نظام الطريقة الاقتصادية الاشتراكية التي يصير تقريرها.

وبالتفكير في تلقين وتدريب حزب العمال على هذه المبادئ يرى أن المذهب الماركسي يعلم طلائع الطبقة العاملة التي هي خير كفء لتولي السلطة، وقيادة الشعب برمته إلى التمذهب بالاشتراكية، كما أنه خير كفؤ لإدارة وتنظيم طريقة حديثة يتبعها الشعب في سائر أجزاء حياته، ولأن تكون خير أداة وزعيم لإيجاد الحياة لسائر المشتغلين، وجميع المستثمرة جهودهم اجتماعية خالية من زمرة الأعيان والأغنياء، وأن تتم على أيديها كل هذه الأمور على الرغم من زمرة الوجهاء والماليين، أما المذهب الانتهازي، فعلى العكس من ذلك، لا همَّ له إلا أن ينفصل من المجموع، ويقتصر على تعليم زعماء العمال الذين قبلوا أن يبيعوا ضمائرهم للفئة المالية تلقاء أكلة يتناولونها على موائد الأغنياء، وأجور عظيمة يتقاضونها من ذوي النفوذ المثريين، فتعاليمهم لا تمتزج بشيء مطلقًا من مبادئ الثورة على ذوي اليسار، ولا بتغيير حالة الحياة الحاضرة بطريق الانطلاق، فهم إذن بتلك التعاليم يبتعدون بالشعب عن أي عمل ثوري ضد طبقة الأعيان وأصحاب رءوس الأموال.

إن مبدأ ماركس القائل «الحكومة أي هيئة العمل منظمة في شكل طبقة حاكمة» هو النظرية التي لا يمكن أن تنفصل عن كل التعاليم التي تعد هيئة العمل للدور الثوري الذي ستمثله في التاريخ، وهذا الدور قاعدته حكم الطبقة العاملة المطلق وحصولها على السلطة السياسية.

ولكن إذا كانت هيئة العمل في احتياج إلى الحكومة باعتبارها نظامًا خصوصيًّا للقوة اللازمة ضد فئة الأعيان، فمن الطبيعي أن يعرض هذا السؤال على أثر الاعتراف بلزومها، وهو: هل من الممكن تحقيق وجود هذا النظام بدون محو أو تدمير الآلة الحكومية التي أوجدتها فئة الوجهاء؟

إن الجواب على هذا السؤال هو الذي يتكفل به المنشور المشاعي؛ لأنه خاض في هذا الموضوع أثناء تلخيصه دروس العبر المستخلصة من الثورة التي حدثت ما بين عامي ١٨٤٨ و١٨٥١.

ملخص عن الثورة

بمناسبة مسألة الحكومة التي تهمنا نقول: إن ماركس قد درس نتائج الثورة التي قامت في باريس من ١٨٤٨ إلى ١٨٥١، ووضع عنها كتابًا عنوانه في ١٨ بريمير من عهد لويس بونابرت — أي في الشهر الأول من حكمه — جاء فيه:

ولكن الثورة متطرفة، فهي لا تزال قادمة في الطريق تجتاز أشد المحن، وتخترق النيران المطهرة، وهي تعمل عملها بطريقة مرتبة محكمة، ولقد أتمت لغاية ٢ ديسمبر سنة ١٨٥١ — وهو اليوم الذي أحدث فيه لويس بونابرت انقلابه — نصف عملها التمهيدي، هي تتابع الآن إتمام النصف الآخر، وقد بدأت عملها بتربية السلطة النيابية تربية دقيقة لتستطيع فيما بعد أن تسقطها من مكانتها.

والآن، وقد أدركت هذا الغرض فهي تثقف السلطة التنفيذية تثقيفًا كاملًا لتوصلها إلى معناها الحقيقي، ولتعزلها عن كل شيء، ولتجعلها متعارضة معها من غير أن تُنحي عليها بأية لائمة جديدة لكي تحشد ضدها كل القوى الساحقة، وحينما تنتهي الثورة من هذا النصف الأخير من عملها التمهيدي تنهض أوروبا حينئذ، وهي متشبعة بالحماسة وتقول لها: «إنك لتحسنين الكيد أيتها العجوز الشمطاء!»

وهذه السلطة التنفيذية بنظامها الديواني والحربي المتسع نطاقه، وجهازها الحكومي المتناهي في التعقد وفي التصنع والتكلف بجيش موظفيها البالغ نصف مليون إداري، وجيش مقاتليها البالغ نصف مليون من الأجناد، هذا النظام الوحشي المتطفل الذي يخفي تحت جرمه الهائل جثمان المجتمع الفرنسوي، ويسد عليه كل منافذ الفضاء، كان مبدأ تولده وظهوره على عهد الملكية المطلقة عقب انحطاط الحكم الإقطاعي الذي عمل هذا النظام المطلق على التعجيل بانحطاطه وسقوطه.

وأدت الثورة الفرنسوية الأولى إلى توسع الحكم المركزي «ومع ذلك فقد زادت في الوقت نفسه حجم وخصائص وعدد الموظفين المساعدين في السلطة الحكومية، فأتم بذلك نابليون صنع الآلة الحكومية»، ولم تزد عودة الأسرة البربونية، ولا ملكية يوليه شيئًا جديدًا على ترتيب تلك الآلة سوى إحداث تقسيم عظيم في مختلف الأعمال.

وأخيرًا رأت الجمهورية البرلمانية أنها مضطرة، وهي تصارع الثورة إلى تعزيز وتقوية وسائل الضغط، كما رأت أن تقوي وتزيد مصادر سلطة الحكومة وإشرافها المركزي، ولم يكن من شأن كل الثورات التي حدثت إلا أن تزيد في إحكام وإتمام عمل هذه الآلة بدلًا من تحطيمها، وكل الأحزاب التي كانت تتعاقب بعضها إثر بعض لم يكن لها من هَمٍّ سوى التصارع في سبيل التفوق والتسامي، وهي لأجل ذلك ترى أن حصولها على هذا الهيكل الحكومي الهائل بمثابة الغنيمة الكبرى التي تطلبت الظفر للوصول إليها.

ففي هذه الخلاصة المحكمة يتقدم المذهب الماركسي خطوة واسعة إلى الأمام بمناسبة إصداره المنشور المشاعي، ولقد بسطت هنالك بالمثل مسألة الحكومة، إلا أن بسطها كان مبهمًا ومندمجًا في الآراء والتعبيرات ذات الصبغة السطحية جدًّا، أما هنا فهذه المسألة مبسوطة بشكل محسوس، وبراهينها المتتالية من الأول إلى الآخر تبرز من تلقاء نفسها في منتهى الوضوح، وهي مشروحة شرحًا وافيًا، ومن الوجهة العملية قابلة للتنفيذ؛ إذ كل الثورات السالفة لم تزد على تحسين وإتمام الآلة الحكومية، في حين أن المطلوب إنما هو إلغاؤها وتحطيمها.

فهذه الخلاصة هي نفس روح المذهب الماركسي فيما يختص بالحكومة، وهذا الروح هو الذي لم تقتصر الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الرسمية على تناسيه وإهماله فقط، بل لقد تجاوزت إلى تشويهه، وتجريده من طبيعته — كما سنرى ذلك فيما بعد — وأهم من قام بهذا العمل المستنكر أعظم الاشتراكيين النظريين رئيس الاشتراكية الدولية العامة الثانية كارل كاوتسكي.

إن المنشور المشاعي يستخلص التعاليم العامة من التاريخ، فهو يرينا أن الحكومة العضو الحاكم من إحدى الطبقات، ثم يرشدنا إلى هذه النتيجة اللازمة؛ وهي أن الهيئة العاملة لا تتوصل إلى صرع ثلة الوجهاء إلا بعد أن تتمكن من السلطة السياسية، وبعد أن تستوثق من الحكم السياسي؛ أي بعد أن تصبح الحكومة هيئة العمال المنظمة في شكل طبقة متولية، وبعد أن تشرع هذه الحكومة المؤلفة من هيئة العمال في أن تتلاشى على أثر انتصارها؛ لأن المجتمع الذي تزول منه أسباب الخصومات والمنازعات لا يصير في حاجة إلى أية حكومة، ولا يمكن أن تبقى فيه حكومة ما.

وهنا لم يجرِ البحث لمعرفة فيما يجب أن يئول إليه — من جهة التوسع في الاستدلال التاريخي — حلول حكومة هيئة العمال محل حكومة زمرة الأعيان.

على أن ماركس بحث في هذه المسألة وحلها في عام ١٨٥٢، وبما أنه حريص على التمسك بفلسفته المادية المنطقية، فقد جعل أساس مباحثه قائمًا على ما استمده من التجارب التاريخية المستخلصة من حوادث الثورة التي توالت في السنوات العظيمة المتتابعة ما بين عامي ١٨٤٨ و١٨٥١.

وظلت مبادئ ماركس في هذا الصدد مدعمة بالتجارب المستجرة من دروس التاريخ تتلألأ عليها أشعة من الفلسفة الحكيمة، ومن المعلومات الواسعة في التاريخ المفصل.

فمسألة الحكومة تتوضح بطريقة محسوسة بالإجابة على الأسئلة الآتية:

كيف نشأت من الوجهة التاريخية حكومة الأعيان، والآلة الحكومية اللازمة لتسلط الفئة الوجيهة؟ وما هي التقلبات التي تقلبت فيها؟ وما هو النمو الذي نمته في خلال ثورات الأعيان، وإزاء حركات الحرية والاستقلال التي قامت بها الطبقات المستعبدة؟ وما هو الدور الذي ستقوم به هيئة العمال تجاه هذه الآلة الحكومية؟

إن سلطة الحكومة المركزية، وهي المسألة التي يتميز بها مجتمع الأغنياء نشأت على أثر سقوط الحكم المطلق، والهيئتان المميزتان لهذه الآلة الحكومية هما التشكيل الديواني واحتشاد الجيش الدائم، وقد وضح ماركس وإنجيل بتوسع ضافٍ في مؤلفاتهما العلائق التي تصل هاتين الهيئتين بفئة الأعيان، وهي العلائق التي تُعد بالآلاف.

وتدل التجربة على أن كل عامل يحسب حسابًا لهذه العلاقات في منتهى الوضوح والاقتناع، وقد سعت الطبقة العاملة إلى معرفة هذه الروابط بدروس تلقتها وكلفتها ثمنًا غاليًا، وهذا هو السبب في معرفتها وتطبيقها على الواقع بسهولة، وأحكام العلم الذي يقرر استحالة فصم هذه الروابط، وهو العلم الذي إما أن ينكره الديمقراطيون الأعيان جهلًا به وضلالًا، وإما أن يكونوا قد بلغوا من التضليل والإعنات إلى حدِّ تناسيهم أو إخفائهم ما قامت عليه الشواهد الحسية العديدة.

إن الهيئة الديوانية — أي موظفي الدواوين — والجيش الدائم هما العالتان اللتان أوجدهما مجتمع الأغنياء، وهما عالتان ناجمتان عن المنازعات والخصومات الداخلية التي تمزق هذا المجتمع، وما هما إلا عالتان تسدان منافذ الفضاء في وجه الحياة العامة، ويرى مذهب انتهاز الفرص على طريقة كاوتسكي، وهو المذهب الذي تستخدمه أيامنا هذه الاشتراكية الديمقراطية الرسمية أن هذه النظرية القائلة بأن الحكومة عضو ذو هيئات طفيلية هي من خصال وميزات الفوضويين فقط.

ومن الجلي أن توشية المذهب الماركسي وتسوئته بهذه الصفة في منتهى الأهمية، والفائدة لهذه الفئة المتوسطة التي لطخت صحيفة المذهب الاشتراكي بلطخة لا يمكن محوها حينما استجروه إلى تبرير وتزيين الحرب الاستعمارية تحت اسم وستار «الدفاع الوطني»، ولكن هذا التشويه ليس من الأمور التي لا يمكن إنكارها وإقصاؤها عن المذهب الاشتراكي الصحيح.

وظل جهاز هيئة الموظفين والعسكريين يزداد استكمالًا وإحكامًا وتقويًا في خلال كل ثورات الطبقة الغنية التي شهدتها أوروبا منذ سقوط العهد الإقطاعي، ومن المحقق أن الطبقة المتوسطة هي التي استسلمت إلى الانجذاب نحو الطبقة الغنية، وإلى الاستتباع والخضوع لها، وخصوصًا بفضل ذلك الجهاز الذي يمنح الطوائف العليا من الفلاحين، وصغار أرباب الصناعات والتجار وسواهم وظائف موافقة لهم بالنسبة لمراكزهم الاجتماعية، وهي وظائف بسيطة العمل رفيعة المرتبة تجعل منازلهم وحقوقهم فوق عامة الشعب، وإليك ما حدث في الروسيا:

أثناء نصف سنة مضت بعد يوم ١٣ مارس عام ١٩١٧ — وهو اليوم الذي شبَّت فيه الثورة والتهمت الحكم القيصري المستبد — فإن الوظائف التي تحجز عادة فيما سلف للمحاسيب وذوي الحظوة، أصبحت نهبًا مقسمًا ما بين الضباط من أبناء الأعيان والمنشفيين والاشتراكيين الثوريين، وأما الإصلاح فلم يحدث تفكير جدي فيه، بل إذا حدث كلام في صدده أرجئوا النظر إلى أن تلتئم الجمعية الدستورية، وهذه الجمعية لم تجتمع إلا أجزاء صغيرة إلى ما بعد الحرب.

الحرب بين الروسيا والدول المتحالفة الوسطى

وأما ما يختص باقتسام الغنيمة والاستيلاء على المناصب، فلم يفكروا في إرجائه يومًا واحدًا؛ فقد وُجد الوقت الكافي في الحال لتوزيع الوزارات ووكالات الوزارات ووظائف الولاة والمحافظين وغيرها، ولم ينتظروا لأجله انعقاد الجمعية الدستورية! ولم تكن لعبة الترتيبات اللازمة لتشكيل الحكومة إلا عبارة عن هذا التقسيم «الذي هو حصة الكلب من الصيد»، فنجم عنها الانسعار والتصارع في سائر البلاد الروسية من الأعلى إلى الأسفل سواء في الإدارة المركزية أو في الإدارات المحلية، فكانت النتيجة بعد مضي نصف سنة أي من مارس إلى سبتمبر عام ١٩١٧ ما يأتي: إرجاء الإصلاحات، والإسراع في اقتسام مراكز الموظفين، وتلافي أغلاط الاقتسام بسلسلة من الاقتسامات الأخرى.

غير أنه كلما صار اقتسام الجهاز الإداري بين الأحزاب المتنوعة من طبقتي الأعيان والمتوسطين — أي ما بين أبناء الوجهاء والاشتراكيين الثوريين والمنشفيين على مثال ما حدث في الروسيا — كلما صار من الواضح للطبقات المضطهدة، وعلى رأسها هيئة العمال وجوب اعتراضهم بالقوة ضد المجتمع المالي بجميع فئاته على اختلاف أنواعها، ومن هنا نشأت حاجة أحزاب ذوي الأموال حتى أشدها ديمقراطية — وفي جملتها حزب الثوريين الديمقراطيين — إلى مضاعفة الضغط على هيئة العمال الثوريين وتمتين جهاز الآلة الحكومية، وهكذا يلجئ مجرى الحوادث الثورة إلى جمع كل قوى التدمير ضد سلطة الحكومة، وهو لا يضطرها فقط إلى تعديل الآلة الحكومية وإصلاحها بل إلى تدميرها وإفنائها.

وليست هذه بسلسلة من النظريات والبراهين المنطقية، بل هي استقراء حقيقي للحوادث، والعظة البالغة المنتزعة من ١٨٤٨–١٨٥١، وكل هذه النتائج هي التي طرحت المسألة على بساط البحث بهذه الطريقة، ويمكن العلم بمقدار اعتماد ماركس على التجارب المستخلصة من وقائع التاريخ من الملاحظة الآتية، وهي أنه عام ١٨٥٢ لم يكن قد عرض مسألة البحث فيما يمكن أن يخلف الآلة الحكومية التي يجب إعدامها، وذلك لأن الخبرة والتجربة لم يكونا قد أوجدا إلى ذلك الحين المادة اللازمة لوضع الحل العملي المعقول لهذه المسألة، ولكن هذا الحل إنما جاء من تلقاء نفسه بحسب الترتيب التاريخي على أثر الحوادث التي جرت في عام ١٨٧١.

أما في عام ١٨٥٢ فالذي أمكن البحث في تحليله، ووضع الحل النهائي له استنادًا على التجارب التاريخية إنما هو إقدام ثورة العمال على جمع كل القوى المدمرة ضد سلطة الحكومة لأجل التوصل إلى تحطيم الآلة الحكومية.

وهنا قد يتعرضنا سؤال وجيه لا ينبغي لنا أن نتخطاه بغير الإجابة عليه، وهو: هل يحق لنا أن نعمم التجربة والملاحظات والاستنتاجات التي استخلصها ماركس، وأن ندعو إلى العمل بموجبها في وقت أبعد من التاريخ الذي حدثت فيه هذه الوقائع المستشهد بها في فرنسا، أثناء السنوات الثلاثة التي تتابعت ما بين ١٨٤٨ و١٨٥١؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب قبل كل شيء أن نورد ملاحظة خطَّها قلم إنجيل في هذا الصدد، ثم نخوض نحن في تفاصيل الإجابة على هذا السؤال.

كتب إنجيل في كلمته الافتتاحية لمقدمة الطبعة الثالثة لكتاب «١٨ بريمرير» ما يأتي:

إن فرنسا هي البلد الذي كان دائمًا لصراع الطبقات التاريخي فيه ختام حاسم في كل مرة أكثر مما يحدث من هذا القبيل في سائر البلاد الأخرى.

وفي فرنسا كانت تُصهر الحوادث العظيمة في كير تاريخ السلطات السياسية المتنوعة، لتخرج منه في كل دفعة أشكال جديدة لم تكن معروفة من قبل، وكان دائمًا للصراع بين الطبقات دخل كبير في هذه التطورات المتتابعة وتأثير مهم في نتائجها، وبالنظر لأنها كانت بمثابة مركز لدائرة الحكم الإقطاعي في الأزمان الوسطى، ونموذجًا للملكية المحتكرة منذ عهد النهضة الجديدة، فقد صار لثورتها الكبرى شأن عظيم لأنها بهذه الثورة الشهيرة قضت على الحكم الإقطاعي، وأسست حكم أصحاب الأملاك بدرجة من الوضوح لم يسبق إليها، ولم ينل مثلها أي بلد آخر من البلاد الأوروبية، ثم جاء دور مكافحة العمال لأصحاب رءوس الأموال، فرفع الأولون رءوسهم بشمم في وجوه الآخرين المتولين شئون السلطة، وقد أخذت هذه المصارعة هنا شكلًا من الجد لم تأخذ مثله في سائر البلاد الأخرى.

على أن هذه الملاحظة قد أصبحت عتيقة خيالية لا حقيقة لها الآن؛ لأن هيئة العمال الفرنسويين قد انكفت بتاتًا عن كل مصارعة ثورية من بعد حركتها الشهيرة والأخيرة التي حدثت في عام ١٨٧١، على أن هذا الامتناع وإن طال عهده، فلا يقفل باب الرجاء نهائيًّا في أن تكون فرنسا بلد الثورات القديمة، ومهد الانقلابات العظيمة في مصاف الأمم التي ستتحد هيئاتها العاملة على القيام بالثورة العامة ضد السلطات المالية والاستثمارية والاستعمارية، فتحفظ سمعتها القديمة وتواصل عملها الذي بدأته حتى تتوجه بإكليل النجاح النهائي.

لنلقِ نظرة عامة على تاريخ البلاد المتمدينة في آخر القرن التاسع عشر ومفتتح القرن العشرين، فنرى الأمور الآتية حادثة بتمهل شديد وعلى أشكال مختلفة جدًّا، وفي ميدان متناهٍ في الاتساع:
  • أولًا: الاتفاق في الطريقة المتبعة في البلاد الجمهورية كفرنسا وأمريكا وسويسرا، وفي البلاد الملكية كإنجلترا إلى حد معين وألمانيا وإيطاليا والبلاد الإسكندنافية وسواها لأجل زيادة إنضاج السلطة البريطانية.
  • ثانيًا: استطالة النزاع ما بين أحزاب كبار الملاك وصغارهم على السلطة، لأجل اقتسام غنيمة الوظائف الإدارية، في حين أن أساسات طريقة حكم الأعيان باقية بغير حراك.
  • ثالثًا: التمادي في إتقان وإكمال وتثبيت السلطة التنفيذية بجهازها الديواني العسكري.

ولا يوجد أدنى شك في أن هذه ليست المظاهر العامة لكل الرقي الحديث الطارئ على حكومات رأس الماليين بوجه عام؛ ففي الأعوام الثلاثة التي تتابعت ما بين ١٨٤٨ و١٨٥١ أظهرت فرنسا منتهى ما وصلت إليه الأوساط المالية من التوسع والسمو.

إن عهد الاستعمار هو عهد المصارف المالية ذات رءوس الأموال الكبيرة، عهد احتكارات الماليين الهائلة، عهد توسع رأس المال الاحتكاري بصفته رأس مال احتكاري حكومي، ليظهر مقدار الآلة الحكومية بدرجة لا يمكن تصديقها، ونحو الجهاز الإداري العسكري بدرجة لم يُسمع بمثلها في نفس الوقت الذي تكاثرت فيه وسائل إرهاق الهيئة العاملة سواء في البلاد الملكية، أم في البلاد الجمهورية المتناهية في الحرية.

والتاريخ العام يتمشى بنا الآن من تمهيد وبدرجة أعظم بكثير من الحالة المعروفة عن حوادث ١٨٥٢ إلى «تجمع كل القوى» الثورية التي تستعد لها هيئة العمال في سائر البقاع لتحطيم الآلة الحكومية.

وهنا يعرض أمامنا هذا السؤال: بأي شيء ستعتاض هيئة العمال عن تلك الآلة بعد تحطيمها؟

ستزودنا مشاعية باريس فيما يلي بالمعلومات الكافية للإلمام بالإجابة الشافية على هذا السؤال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠