خاتمة

التوحيد العلمي
توحيد الذات والصفات إذن ليس توحيدًا عن طريق إطلاق قضايا موجبة مثل: «الله عالم» أو سالبة «الله ليس جاهلًا»، بل هو توحيد عملي عن طريق تحقيق الأوصاف الستة، والصفات السبع، والأسماء التسعة والتسعين في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية. فإذا ما تحققت هذه الصفات بالفعل فلن تدخل كمحمولات في قضايا خبرية أو إنشائية يكون «الله» فيها موضوعًا؛ لأن الله هو وعي الإنسان بذاته مدفوعًا خارج العالم بعيدًا عن الإنسان منفصلًا عنه متحجرًا جامدًا مهما حاول الإنسان معاودة الاتصال به عن طريق الصلاة والعبادة والشعائر (الفقه) أو عن طريق الابتهال والدعوة والمناجاة (التصوف) أو عن طريق التأمل والنظر والحكمة (الفلسفة). وقد فرق الفقهاء قديمًا بين التوحيد النظري وهو توحيد الذات والصفات وبين التوحيد العملي وهو تحقيق الصفات في حياة الأفراد والجماعات.١
وقد تنبهت إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة إلى التوحيد العملي، وجعلت همها إعادة بناء التوحيد الذي هو «حق الله على العبيد»، وليس الذي هو «حق العبيد على الله»، أي أن الله ما زال هو المركز والغاية، والبؤرة والقصد. فإذا كان حق الله على العبيد هو تحقيق الرسالة والدعوة المبلغة وهو كون الإنسان خليفة الله في الأرض فإن حق العبيد على الله هو حقهم في استرداد وعيهم المتحجر خارجًا عنهم وأمانتهم على الرسالة وتحقيقها في العالم. علاقة الإنسان بالله علاقة حق متبادل. فإذا كان القدماء وبعض المصلحين المحدثين قد ركزوا على حق الله على الإنسان، فإن موقفنا الحالي يحتم علينا بيان حق الإنسان على الله خاصة في هذا العصر الذي ضاعت فيه حقوق الإنسان وما زالت تضيع.٢ كان التوحيد النظري قديمًا في خطر نظرًا للالتقاء الحضاري والتشابك العقائدي بين الأديان والمذاهب والمجاورة بين الملل والنحل. ولكن التوحيد العملي كان سائرًا مؤثرًا فعالًا محركًا ومنتصرًا. ولكن في هذا العصر، والتوحيد النظري في أمان، بصرف النظر عن الغزو الثقافي ومظاهر التغريب. ولكن التوحيد العملي في خطر، في موقف وسكون، وتحول إلى توحيد فارغ بعد أن ضاعت الأرض من جوفه، وهزمت الأمة، وانهارت الدولة.٣
وقد تم التركيز في الحركات الإصلاحية الحديثة على نقد الشرك العملي وليس على تحليل الشرك النظري أي نقد استعمال الرقى والتمائم وكل مظاهر التوسط بين الإنسان والله من الأموات والأحياء، من الإنس «والجن» من أجل التأثير على العالم.٤ فالعمل، والعمل وحده هو المؤثر في العالم، ويقوم على العلم بالأسباب لا على الأعمال الرمزية التي يسقطها الشعور الجاهل على الواقع. فالأول فعل والثاني لا فعل. ولا استثناء في العمل القائم على العلم بالأسباب. حتى ولو تراكمت الشواهد على حدوث وقائع معينة، فإن ذلك لا يعني وقوعها «بالعين والحجة»، بل لأسباب طبيعية ما زلنا نجهلها حتى الآن. وبتقدم العلوم والمعارف واستقرار قوانين الطبيعة يمكن معرفتها. ولا تعني الأسبابُ الأسبابَ المادية وحدها، بل يمكن أن تكون نفسية كالإيحاء والتأثير والتوجيه. ولكن في عصر يغلب عليه التركيز على العوامل النفسية فإن المصلحة العامة تقتضي عزل الموقف والتركيز على الأسباب المادية وحدها حتى ولو أدى ذلك إلى قصور في النظرة العلمية. فمصلحة الجماهير وتربيتها ثقافيًّا أولى من المعادلة العلمية المتزنة لمجتمع مستقر ومتقدم وعلمي. الشرك هو قطع الصلة بين الأسباب والمسببات بتمائم ورقى وتبرك بشجرة أو حجرة أو استعاذة بمخلوق أو استعمال لسحر أو استعانة وتعوذ بشيء. لا تأتي المعرفة إلا من العقل وتصدق في الشعور. لذلك كانت كل معارف الكهان والتي تقوم على الطيرة والنشرة والتنجيم معارف خاطئة من حيث النهج والقصد وإن صدق بعضها من حيث النتائج بطريق المصادفة المحضة. والقصد في الفعل شرط لصحته. وإذا كانت صحة الفعل في قصده إلا أن كماله في تحقيقه واكتماله. فإذا وقع الرياء في العمل فإنه يبطله. وإذا كان القصد هو الدنيا المباشرة فإنه قد يبطل شرعية الفعل، أمَّا إذا كانت النتيجة تحقيق عالم أفضل فتثبت شرعية الفعل. وهذا هو جمع بين التصوف والأصول، فقد ركز التصوف على نقاء الباعث ونسى النتيجة وهو ما أكمله الأصول.
يجد التوحيد العملي إذن محله في العمل كنتيجة وفي الإيمان كمقصد. وبالتالي فموضوع التوحيد هو في حقيقة الأمر مقدمة لموضوع الإيمان والعمل.٥ فالعمل هو العمل المخطط القائم على معرفة مسبقة أو معرفة حادثة أثناء الفعل، والقائم على نقاء الباعث ووضوح الهدف. فإذا استكمل الفعل شروطه ولم تحدث نتائجه فالندم باسترجاع الماضي اتجاه سلبي. الأولى البحث عن أسباب الفشل بالفعل حتى يمكن أخذها في الاعتبار حين معاودة الفعل. أمَّا الاكتفاء بتمني إكمال النقص بالرجوع إلى الوراء وتخيل ميدان الفعل الماضي وقد اكتمل فذلك عجز وضعف.٦ وفي عالم يغيب عنه العدل، ولا يحكمه قانون، ولا يوجهه فكر، يكون الاتكال على الرحمة تأييدًا لقوى الظلم والعدوان. لذلك فإن عملية الخلق ليس هو الخلق الفني المجسم بل الخلق الإبداعي مثل دك العروش وإسقاط التيجان وتغيير النظم الاجتماعية والسياسية كما فعل الموحدون الأوائل في إيوان كسرى وعرش الروم.٧
والإيمان هو نقاء القصد واتفاقه مع القصد الكلي. «والله» يعني في السلوك قوة الباعث ونقاءه وشمول الهدف وعمومه، وبذل الجهد والطاقة، والاستعداد للتضحية والشهادة. وأول عمل للإنسان هو فعل الشعور قبل الأفعال الخارجية. فالتوحيد عمل الشعور، وفعل الشعور هو فعل الإنسان بما هو إنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني. العمل هو التوحيد الذي يقتضي فعله للشعور، فعل نفي ورفض، وفعل إثبات وقبول، رفض كل القوى الزائفة، القوى اللاشرعية في الطبيعة مثل قوى الاستبداد والقهر، قوى الجبر والطاغوت وإثبات قوى الطبيعة الشرعية، قوى الحرية والعدل والمساواة، قوى التحرر والثورة. الأوَّل فعل «لا إله» والثاني فعل «إلا الله». ويسبقها «أشهد» أي الشهادة على العصر وأحزانه، ورؤية هزائمه ومصائبه، وإدراك هزائمه وانهياراته. الشرك هو محو فعل الرفض والإبقاء على فعل القبول لكلا القوتين معًا القوى اللاشرعية والقوى الشرعية. والإخلاص هو الواجهة الأخرى للرياء والنفاق. الإخلاص تحقيق لفعلَي الشعور، الرفض والقبول، علنًا وصراحةً وعلى رءوس الأشهاد وأمام الناس. ولما كان النفاق توجيهًا للشعور على مستويين كان شركًا، وذلك لفقدان الشعور وحدته وتخليه عن القيام بفعل الرفض، وقبوله القوتين اللاشرعية والشرعية في آن واحد. الشرك أيضًا هي طاعة الشر الذين استحوذوا على قوى غير شرعية للتسلط على رقاب الناس والحكم في مصائرهم. والتوحيد تخليص الشعور العاقل وتحرير له من كل ما يشده إلى غير الفعل الحر فيصبح التوحيد إعلانًا لاستقلال العقل وحرية الإرادة.٨
١  يعلق رشيد رضا على رسالة التوحيد مذكِّرًا محمد عبده بالتوحيد العملي قائلًا: «فات الأستاذ الإمام أن يصرح بتوحيد العبادة وهو أن يُعبَد الله وحده ولا يعبد غيره بدعائه ولا بغير ذلك مما يتقرب به المشركون إلى ما عبدوا معه من الصالحين والأصنام المذكرة بهم وغير ذلك كالنذور والقرابين تذبح بأسمائهم أو عند معابدهم. وهذا التوحيد هو الذي كان أول ما يدعو إليه كل رسول قومه بقوله: «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»» (الرسالة، ص٤). ويفرق ابن القيم والمدرسة السلفية بوجه عالم بين التوحيد النظري والتوحيد العملي.
٢  «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، معرفة حق الله علينا، معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه» (الكتاب، ص٣).
٣  انظر «التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم»، ص١٥٩-١٦٠؛ وأيضًا الفصل الأوَّل: هل علم الكلام علم؟ وأيضًا الفصل الخامس: الوعي الخالص أو الذات، ثامنًا: الوحدانية، (٤) عملية التوحيد.
٤  يذكر محمد بن عبد الوهاب أن ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد، وتعليق الخيط والودع والرقي والتمائم والتبرك بالشجر والحجر ونحوهما والاستعاذة بالمخلوق كل ذلك شرك، وكذلك أنواع السحر من عيافة وطرق وطيرة من الجبت، والتنجيم والنفث في العقد والتميمة، وكذلك التطير وما يشمله من العدوى والهامة والصفر والفأل والنذر والذبح لغير الله. ومن مظاهر الشرك أيضًا الغلو في الصالحين وتحويل قبورهم أوثانًا. ومنها طاعة العلماء والأمراء في حريم ما أهل الله أو تحليل ما حرموه، أي قبول النظم السياسية اللاشرعية وهو معنى اتخاذ الناس لهم أربابًا من دون الله (الكتاب، ص٨–٢٦، ص٦٤–٧٥، ص٨٠، ص١١٩–١٢٣).
٥  انظر الباب الخامس: «التاريخ المتعين». الفصل الحادي عشر، النظر والعمل.
٦  وهذا هو معنى النهي الصريح عن قول: «لو» لأنها تفتح باب الشيطان (الكتاب، ص١٥٥).
٧  وهذه هي الحكمة في النهي عن التصور أو التسمي بقاضي القضاة أو ملك الأملاك واحترام أسماء الله وصفاته.
٨  وهذا هو أيضًا معنى اكتمال النبوة. انظر الفصل التاسع عن النبوة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠