رابعًا: القِدَم

(١) القِدَم ثاني وصف للذات

القِدَم ثاني وصف للذات. ويعني ما لا أول له ولا بداية. وقد يبدو وصف القِدَم في نظرية الوجود في قسمة الموجودات إلى قديم وحادث، والإشارة إلى القديم بأنه لم يزل وهو «الله»، وأنه وصف لذاته. ويظهر مرة أخرى بعد دليل الحدوث على أنه من صفات المحدث مع باقي أوصاف الذات وصفاتها. ويأتي القِدَم تاليًا للوجود وسابقًا على الواحد والأحد والباقي. بل ويعرف التوحيد بأنه إفراز القِدَم عن الحدوث. فكل مرة يذكر فيها الحدوث ينكر القِدَم أو العكس. فيذكر القديم مع قسمة الموجودات إلى محدث وقديم.١ وقد يظهر القِدَم في عبارات إنشائية بعد الوحدانية دون عد إحصائي. ويظهر على أنه ثاني صفة بعد الواحد. ثم يظهر من جديد كصفة ضد في أنه لا يجري عليه زمان بعد إثبات الوحدانية والقِدَم ثم ظهور صفات المعاني السبع ثم نفي العرض والجسم والجوهر والصور والحد والعد والتبعض والتجزيء والتناهي والمائية والكيفية والمكان.٢ يبدو وصف الأوَّل متميزًا عن وصف القديم في مجموعة أخرى من الصفات في إقرار التوحيد بعد موجود، واحد، ليس كمثله شيء، وفي هذه الحالة يكون أزليًّا لا أول لوجوده.٣ وقد يذكر الأوَّل مع الآخر والظاهر والباطن والقريب والبعيد في عبارات إنشائية دون صياغات عقلية. وقد يذكر نفي الزمان في المقدمات الخطابية.٤ وقد يذكر القِدَم واستحالة العدم في باب مستقل دون عد لأوصاف الذات، ويفصله عن الواحد الصفات السبع.٥ وقد يذكر القِدَم على أنه أول وصف للذات بعد الاستدلال على وصف الوجود بأن الحوادث لا بد لها من محدث وبأن صانع الحوادث أحدثها لا من شيء.٦ وأحيانًا يذكر القِدَم في آخر نعوت الذات بعد القيام بالنفس والوجود والشيء، والغنى، والواحد، ومخالفته للخلق، وكأنه نعت متفق عليه.٧ كما يأتي القِدَم كآخر وصف للذات قبل كتاب العلل، وهو مقدمة مبحث الصفات، وبعد بداية التوحيد بالوحدانية ونفي الجسمية ونفي الجهة ونفي العرض ونفي الجوهر والرد على النصارى. ولا يُذكر القِدَم لفظًا بل مع الأولوية ضد الدهرية.٨ ثم يظهر مع السمع والبصر ويرفض باعتباره وصفًا أو اسمًا، ويوضع مع صفات المخلوقين، ويفضل لفظ الأوَّل مما يشير إلى اشتراك اللفظ بين الإنسان و«الله».٩ ويذكر أحيانًا في مجال نفي ما يستحيل على «الله» كثاني وصف للصانع.١٠ وقد لا يذكر إلا سلبه مثل أنه ليس في زمان كرابع وصف في التنزيهات بعد نفي الجهة مع المكان ونفي الجسم ونفي الجوهر والعرض.١١ كما يذكر مع الصفات المختلف عليها كالتكوين والبقاء واليد والوجه والاستواء وإدراك الشم والذوق واللمس.١٢ ويذكر أيضًا مع الصفات المختلف عليها في آخر الأوصاف والصفات مع البقاء والاستواء والوجه واليد والعينين والجنب والقِدَم والأصبع واليمين والتكوين،١٣ ويضع في مكان آخر وهو: «في أن يمتنع أن يقوم بذاته حادث» على نحو سلبي. وأخيرًا يستقر الأمر، ويظهر القِدَم في أول إحصاء لأوصاف الذات في عشرة كثاني وصف بعد الوجود. وفي آخر إحصاء لها في ست عندما يكتمل البناء العقلي ويستقر في أحكام العقل الثلاثة، ما يجب لله من عشرين صفة وما يستحيل عليه من عشرين، تكون استحالة الحدوث هي الصفة الثانية أيضًا مع برهان القِدَم. وفي تفسير معنى «لا إله إلا الله» يظهر القِدَم أيضًا كثاني صفة.١٤ وفي بعض الحركات الإصلاحية الحديثة يذكر القِدَم والبقاء ونفي التركيب مع أحكام الواجب.١٥ وعندما تظهر الذات بعد الصفات يظهر القِدَم بعد الوجود.١٦
والدليل على القِدَم هو أنه لو لم يكن موجودًا ثم وُجد لاحتاج إلى موجد وهو مُحال، وهو دليل يقوم على نفي نقيض الدعوى وليس على إثبات الدعوى ذاتها، أي أنه برهان خلف.١٧ ولكن الدليل المثبت هو أيضًا دليل الحدوث لإثبات الصانع القديم.١٨ فمن صفات القديم أنه واحد لا يقبل الشركة مع حادث آخر. فهو القديم وحده، ولا قديم غيره.١٩ وهو قديم بأسمائه وصفات ذاته وليس بذاته وحدها.٢٠ وهو أخص وصف لله عند الصوفية كما أن المحدث أخص وصف للإنسان.٢١ وفي حقيقة الأمر، لا يستند الحادث إلى قديم واحد أو إلى قديم من ناحية التسلسل، بل إلى حادث مثله متحقق في المادة والزمان. وهذا ينفي ضرورة وجود قديم ليس بحادث تنتهي إليه سلسلة الحوادث ما دام الحادث لا يقوم إلا على حادث مثله. والحوادث تقوم على نفسها طبقًا لقوانين الطبيعة العامة. ولماذا يكون الأساس أفضل من المؤسس، والمعتمد عليه أفضل من المعتمد؟ ألا تنشأ الوقائع كلها في الشعور ولا تعتمد إلا على هذه النشأة وعلى تعقيلها فيه؟ حتى ولو تم القفز من الحادث إلى القديم عن طريق الرجوع إلى الوراء والبحث عن العلة الأولى المختلفة في الطبيعة والجوهر عن هذا العالم فكيف يمكن الرجوع إلى هذا العالم المتغير من جديد؟ وكيف ينشأ فعل حادث عن علة قديمة؟ إن أفعال القديم لا تكون إلا قديمة، وأفعال الحادث لا تكون إلا حادثة. أمَّا أن يكون وجود القديم لا يفسر نشأة الحادث منه ويظل الخلق بلا مبرر أو أن يكون الخلق قديمًا وهو أيضًا قضاء على العالم الحادث الذي يود المتكلم إثبات القديم منه، أي أنه قضاء على الأساس والبداية. الحادث ينتج عن حادث، وبالتالي لا يثبت الحدوث أي قِدَم أو يثبت موجودًا حادثًا، وهو ما ترفضه عواطف التأليه. والقديم ينتج عن قديم، وهو لا يثبت شيئًا لأن العالم حادث أو أن يثبت علمًا قديمًا وهو مضاد للبداية.٢٢ إن إثبات محدث للحادث لا يعني إثبات القديم. فالأولوية بالضرورة ليست أولوية زمانية. فقد يقدر الابن على ما لا يقدر عليه الأب. وقد تقدر الأجيال الحالية والمستقبلة على ما لا تقدر عليه الأجيال الماضية. إثبات القديم من المحدث هو إثبات أولوية وأفضلية عن طريق القلب النفسي واتهام الذات، وتبرئة الغير. والدليل في نهاية الأمر لا يثبت إلا المحدث. وهناك قفزة من إثبات المحدث إلى إثبات أن هذا المحدث يستلزم بالضرورة أن يكون قديمًا. القديم من أسماء الإضافة، وكذلك الحادث، أي أنه اسم يقوم على الأضداد في اللغة. كل اسم يشير إلى ضده عن طريق القلب، وبالتالي فإن وصف القديم يتحقق بعد حدوث الحادثات. كما أن القديم وصف زماني، والله ليس بموجود زماني، وبالتالي ينكر البعض أن يوصف بالقديم، فالخالق غير المخلوق، والحادث غير المحدث. فلولا العالم لما كان «الله»، ولولا التشبيه ما كان التجسيم، ولولا النفي لما كان الإثبات.٢٣

(٢) معنى القديم

قبل أن يجيب القدماء على سؤال ماذا يعني القديم، فإنهم يطرحون السؤال الأوَّل التمهيدي، وهو: هل القِدَم صفة أو معنى قائم بالذات، أم أنه هو عين الذات؟ وهو نفس السؤال الذي طُرح من قبل في بداية صفة الوجود عن ماهية الوجود قبل السؤال عن معنى الوجود. وهو السؤال الذي سيصبح المشكلة الرئيسية في موضوع الصفات فيما يتعلق بالصفات السبع التي هي صفات معانٍ وليست قائمة بالذات مثل الصفات الست.٢٤ وبينما أثبت الأشاعرة قِدَمًا «لله» زائدًا على الذات، أثبت المعتزلة قِدَمًا هو عين ذاته.٢٥ فالقِدَم ليس وصفًا لصفة، بل وصف للذات؛ لأن القِدَم المستقل بذاته ليس شرفًا، بل شرفه أنه للذات دون غيره. والواجب والقديم ليسا مترادفين. القديم أعم من الواجب، إذ لا استحالة في تعدد الصفات القديمة، ولكن الاستحالة في تعدد الذوات القديمة. كل ما هو قديم فهو واجب لذاته.٢٦ أمَّا معاني القدمية فمتعددة، منها ما يبدأ بتعريف القديم، ومنها ما يبدأ بتعريف القديم ومنها ما يبدأ بتعريف شيء آخر على أنه القديم. فالشيء هو القديم، ولا يُطلَق على الشيء اسم الحادث إلا تجوُّزًا وتوسُّعًا. لذلك كان الله شيئًا.٢٧ وقد يعني الله قديم عند البعض أنه إله لما كان الإله وحده هو القديم.٢٨ وقد يعني القديم أن وجوده غير مسبوق بعدم أي إثبات نفي عدم سابق، إذ إن الوجود مستمر منذ البداية.٢٩ والقديم في اللغة هو المتقدم على غيره في الوجود، وهذه في صفات البشر. أمَّا في صفات الله فإنه يعني أنه لم يزل بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يزل ولا يزال، تقدم على غيره في الوجود، هو الأوَّل والآخر، المتقدم على جميع المحدثات لا لغاية.٣٠ وأنكر البعض أن الله كائن متقدم على المحدثات، وأثبت معنى قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل أنه قديم.٣١ القديم هو المتقدم في الوجود على شريط المبالغة ولا يتخصص بالذي لا أول لوجوده، أي أنه يطلق أيضًا على التقدم المتقادم في الحوادث. فاللغة تُسَمِّي ما تقادم وعتق قديمًا.٣٢ وهنا يظهر مضمون القِدَم وهو الزمان. فالقديم ما لا يجري عليه زمان.٣٣ الزمان عرض متجدد. والتجدد لا يجوز على الله. والزمان عند الفلاسفة جوهر مجرد، واجب لذاته، لا يجوز عليه العدم أو حركة الفلك الأعظم، ولكن وجود «الله» منزَّه عن الزمانية. ولكن كيف يفعل «الله» ولا يتم فعله في أوقات ولا يلزم الزمان المتجدد؟٣٤ وماذا تعني إذن كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ؟ وأيهما أكثر إجلالًا، الزمان الثابت الرتيب أم الزمان المتجدد الخلاق؟ ولا يعني أن الله قديم أنه لم يزل كائنًا قبل أن يخلق الزمان وحده، بل وقبل أن يخلق المكان أيضًا، فالقِدَم قِدَم في الزمان والمكان؛ لأن القِدَم مقولة في الزمان وليست في المكان.٣٥ وكما أنه ليس في مكانه، فإنه لا يكون أيضًا في زمان؛ لأن نفي المكان يقتضي بالتبعية نفي الزمان. والمكان له أول وآخر، أي أنه يُعرَف بالزمان ويُقرَن به، بالبداية والنهاية، لم يزل ولا يزول، الزمان كله أو الأبدية.٣٦ لذلك يستعمل لفظ أزلي أيضًا بمعنى قديم، الأزلي ما لا أول له، والأبدي ما لا نهاية له، والسرمدي ما لا أول له ولا نهاية. وهذا هو الإحساس الفلسفي التقليدي بالتأليه، الأوَّل والتقدم، موجود قبل الخلق.٣٧ حتى ولو كانت هناك أولوية في الزمان، فالزمان لا يكون بالضرورة زمانًا طبيعيًّا. الزمان إنساني خالص، وما الزمان الطبيعي إلا إسقاط من الزمان الإنساني: الأشياء لا تعيش في الزمان، الإنسان هو الموجود الزماني الوحيد. ويكاد يتفق المتكلمون والحكماء على معنى واحد وأخير للقديم، وهو الذي لا أول لوجوده،٣٨ والمتقدم على جميع المحدثات.٣٩ ولا يعني القول بأنه لا أول له أنه أزلي.٤٠ فالأزلية إطلاق ومنع لكل مظاهر النقص الإنساني.٤١ على أية حال لفظ الأوَّل لفظ شرفي هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ على عكس لفظ القديم الذي لا يُطلَق إلا إجماعًا.٤٢
ولكن ماذا يعني الأوَّل؟ يعني الأوَّل أنه لم يزل كائنًا ولا شيء سواه. ولا يصح الوصف بأنه موجود إلا وهو عالم بأشياء غير كائنة، أي أنه الأوَّل نظرًا وعملًا، معرفةً ووجودًا، وهذا عند من يرى أنه لا شيء إلا وهو موجود.٤٣ وعند البعض الآخر الأوَّل لم يزل موجودًا ولا شيء سواه موجود، وإن كانت الأشياء يعلمها أشياء غير كائنة. وفي حقيقة الأمر أن الأوَّل يُطلَق على عدة معانٍ. فالأول هو الواحد الرياضي الذي منه تبدأ سلسلة الأعداد، وهو في الحقيقة ليس مطلقًا لأن هناك −١، −٢، وهي الأعداد السلبية. وهناك الأوَّل المنطقي السابق على التجربة، الأوَّل في نظرية المعرفة، ولكنه أول عقلي خالص مشروط بوجود الذهن. وهناك الأوَّل الكوني الذي يمكن معرفته من دراسة نشأة الكون، وهو أول طبيعي نسبي وليس أوَّلًا صوريًّا مطلقًا. وهناك الأوَّل بالنسبة إلى الزمان بمعنى السبق، فالأب أول بالنسبة إلى الابن، ولكنه أول يحتاج إلى آخر وليس أوَّلًا مطلقًا. وهناك الأوَّل من حيث الجهد والمنافسة في السباق، وهو أيضًا أول نسبي. وهناك الأوَّل بالنسبة إلى الشعور وهو نشأة الشيء فيه، وأول ما يتبادر إليه، وهو أول نفسي خالص مشروط بحالة الشعور. لم يبقَ إذن إلا الأوَّل من حيث الشرف والرتبة أو القيمة وهو «الله». فالذي لا أول له إذن ليس حكمًا على موضوع أو قياسًا لشيء، بل تعبير عن مبالغة إنسانية عندما يوصف بحر بأنه لا أول له أو طابور أو شارع طويل بأنه لا أول له. فهو أسلوب إنشائي للتعبير عن صيغة المبالغة التي تستعمل أيضًا للتعبير عن «الله» عندما يوصف بأنه لا أول له. والمبالغة وصف أدبي إنشائي وليست وصفًا خبريًّا موضوعيًّا. الواقع له أول ونهاية، ومحدد ذو أطراف. لذلك كانت التعبيرات الدينية جزءًا من التعبيرات الأدبية، والتجربة الدينية لون من ألوان التجارب الأدبية، فعلماء الكلام أدباء بلا أدب، وشعراء بلا شعر. والصوفية أنجح أسلوبًا وأكثر توفيقًا عندما عبروا عن مواجيدهم بالشعر، فهم أصحاب تجارب وأصحاب قريحة، والمتكلمون دعاة سلطة أو قادة معارضة، أهل جدل وخطابة وأقلهم أصحاب برهان.
والقِدَم ينافي تأثير المختار؛ لأنه مسبوق بالقصد المقارن لعدم الأثر، في حين أن الحدوث هو الذي يستند إلى المختار أو إلى قصد الإيجاد. وجود الحادث وجود قصدي، أي أن الوجود يوجد في لحظة الشعور به، فيخلق العالم في قصد الإيجاد. وهذا هو الحادث الذاتي أو الحادث القصدي. ولماذا يكون من خصائص نفي التأثير والاختيار وانعدام القصد والغائية؟ إذا كان الاختيار تعبيرًا عن الحرية، والتأثير تعبيرًا عن الفاعلية، والقصد والغائية تعبيرًا عن الحياة، فلماذا يتصور القديم بلا حرية أو فاعلية أو غائية أو قصد؟ لماذا يكون القِدَم موتًا وفراغًا وسكونًا وثبوتًا وتوقفًا؟٤٤ لذلك ارتبط القديم بموضوع الحسن والقبح والصلاح والأصلح والغائية، فالقديم عند المعتزلة يفعل ما يفعل لحسنه، وعند الأشاعرة من غير تقدير.٤٥ وكيف يمنع القديم الغائية، والغائية هي بناء الوحي، والوحي كلام، وهو صفة للقديم كما يتصور القدماء؟ كيف يكون إثبات القِدَم قضاءً على الغائية، والقضاء على الغائية قضاء على استقلال الإنسان عقلًا وشعورًا وفعلًا، هذا الاستقلال الذي هو غاية الوحي واكتماله فيه.٤٦
وتمثل الكرامية أكبر رد فعل على وصف الذات بالقِدَم، فالله لديهم ليس قديمًا بل محلًّا للحوادث، تقوم الحوادث به، والحوادث تحتاج إليه في الإيجاد إمَّا بالإرادة أو بأمر كن، وهو ما يعطي الفاعلية لله، فيجعل الله هو التاريخ، والتاريخ هو الله.٤٧ فالاعتراضات على القِدَم قوية مثل أن القبلية ذاتية وفعل وحركة ونشاط وليس قبلية صورية فارغة، وأن صفات الكمال يمكن أن تتجدد وتتلاحق، وتنتقل من كمال إلى كمال، وأنه ما دام لكل صفة حادث ولهذا الحادث حادث، والذات لا تخلو عن الشيء وضده، فما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهو باعتراف الأشاعرة الذين يتصورون أن الله شيء.٤٨ ويزيد الكرامية على هذه الاعتراضات اعتراضات أخرى، مثل أن الصفات لا تتصور إلا بالحوادث مثل السمع والمسموع، والبصر والمبصر … إلخ. سمع الباري ما لم يُسمع قبله ورأى ما لم يُرَ قبله، فيجب أن يحدث له تسمع وتبصر. فلا ذات بلا موضوع ولا إله بلا عالم، وإن القِدَم بمعنى عدم سبقه بالعدم ليس تعريفًا للقدم ومبرِّرًا له، وإن الله صار خالقًا للعالم بعد أن لم يكن، وهي نفس الحجة لإثبات قِدَم العالم بقياس العالم على الله، ولكن هنا بقياس الله على العالم.٤٩ الصفات حادثة بذات «الله» لأنه خلق العالم، ومعنى ذلك أنه محل للحوادث، لم يكن فاعلًا للعالم ثم صار فاعلًا له. يمكن إذن تسميته حادثًا أو حالًا. وهو أقرب إلى معنى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.٥٠ أقواله وإرادته وإدراكه للمرئيات والمسموعات، أعراض حادثة فيه. قوله للشيء «كن» خلق للمخلوق وإحداث للمحدث. وقوله للشيء «افنَ» إفناء للمخلوق. لا يموت شيء في العالم إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في ذات «الله»، منها إرادته لحدوث ذلك الحادث، وقوله «كن»، وهو قول بألفاظ حادثة وأعراض، ورؤية تحدث فيه يرى بها الحادث. لا يُعدم شيء من العالم إلا بعد حدوث أعراض كثيرة فيه، إرادته لعدمه أو قوله «افنَ». والحوادث الحادثة في ذلك الإله أضعاف أضعاف الحوادث من أجسام العالم وأعراضها.٥١ في ذاته حوادث كثيرة مثل الأخبار عن الأمور الماضية والآتية والكتب المنزلة والقصص والوعد والوعيد والأحكام.٥٢ وما يحدث في ذاته يحدث بقدرته وما يحدث مباينًا لذاته يحدث بواسطة الأحداث، أي الإيجاد والإعدام الواقعين في ذاته بقدرته من الأقوال والإرادات. والمحدث ما باين من الجواهر والأعراض، وهذا هو الفَرق بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود. وهنا تبرز فاعلية الله ونشاطه في العالم، وتصبح حركة العالم جزءًا من ألوهيته، وقوانين التاريخ صفاته، «الله» هنا بمثابة الوعي التاريخي. ولما ذاعت الكرامية كفرقة ضاع الوعي التاريخي من وجداننا القومي. ولما استقرت الأشعرية كفرقة رسمية للدولة استقرت السلطة وأصبح لها الأولوية على كل شيء بلا شعب ومؤسسات كما أن لله الأولوية على العالم بلا حوادث ولا تاريخ. تركز الكرامية إذن على الضد، ليس على القِدَم بل على الحدوث، وتقلب علاقة الواجب بالمستحيل، فالواجب هو الحدوث والمستحيل هو القِدَم.٥٣ وقد اختلفت الكرامية في تفصيل الخلق، فقال البعض لكل موجود إيجاد، ولكل عدم إعدام. وقال البعض الآخر إيجاد واحد يصلح لموجودين من جنس واحد، وجعلوا الأجناس خمسة. فالخلق إمَّا أن يكون فرديًّا متجددًا أو نوعيًّا عامًّا.٥٤ وما يحدث في ذاته ينقسم إلى أمر التكوين، وهو فعل يقع تحت المفعول، وما ليس أمر التكوين إمَّا خبر أو تكليف، ونهي تكليف يدل على القدرة ولا يقع تحتها مفعولات.٥٥ ولا فَرق بين «الله» والإنسان في القول والفعل، في الكلام والإرادة، في اللفظ والمعنى، في النظر والعمل،٥٦ فكلاهما حقيقة واحدة من حيث صلة الذات بالموضوع. وهناك فَرق بين القول بأن «الله» محل للحوادث وبين التجسيم. فالحوادث تاريخ، أي حركة في الزمان، بينما التجسيم ثبوت في المكان ومادية في تصور الشيء.٥٧ وفي النهاية لا يتعلق الأمر بحجج عقلية وبراهين منطقية وإيقاع الخصم في التناقض، بل يتعلق الأمر بتجربة بشرية هي الوعي الكلي بالتاريخ الشامل، الله باعتباره تاريخًا للعالم، والوحي باعتباره تجسيدًا للبشرية. الوحي قول الله، وأفعال الأفراد والجماعات، الأنبياء والشعوب إرادته، وحركة الجماهير فعله ونشاطه، وهو ما يتفق مع كل فلسفات التاريخ التي ربطت بين «الله» والتقدم، بين صفات «الله» وحركة التاريخ وقوانين مساره.
ولم تقف الكرامية وحدها دفاعًا عن الحدوث وجعل «الله» محلًّا للحوادث، بل شاركها الحكماء وبعض المعتزلة والباطنية وبعض الفِرَق الدينية الأخرى، وذلك يعني أنه اختيار عقلي وارد وليس «كفرًا» محضًا. فقالت الدهرية بقِدَم العالم، فالعالم قديم أي متقادم، وهذا متحقق في جواهر العالم.٥٨ ولقد أسند الحكماء العالم مع اعتقاد قِدَمه إلى الصانع لاعتقادهم أنه موجب بالذات، وأسندوه إلى الفاعل لأنه موجب بالذات. كما أثبتوا الإضافات مع عروض المعية والقبلية. أمَّا المعتزلة فقد أنكروا قِدَم الصفات وأثبتها البعض أحوالًا، والحال يتغير، واسطة بين الوجود والعدم.٥٩ وكذلك لا تلفظ الباطنية الحدوث من أجل القِدَم، بل ترد الاعتبار للمحدث فيكون القديم هو الأمر والكلمة، والمحدث الخلق والفطرة.٦٠ بل إن بعض الفِرَق الدينية الأخرى تقول بالحدوث، وهي فِرَق بينها وبين المسلمين عهود شرعية مثل المجوس.٦١ وهناك فِرَق أخرى انتسب إليها علماء المسلمين تقول بالحدوث كذلك.٦٢ بل إن الأشاعرة أنفسهم وأهل السنة لا يستبعدون القول به، وذلك من خلال القول بتعدد القدماء، وهي الصفات الزائدة على الذات أو من خلال إثبات النسخ وهو رفع الحكم أو انتهاؤه، وهو إثبات عدم بعد وجود وقول بالتغير والتبدل والحدوث. إن عدم الاعتراف بالحدوث في رأي الكرامية جهل وغباء، بل جبن وخوف، فإن أكثر العالم يوافقون على حدوث الله وإن أنكروه باللسان خوفًا من الشائع واتقاءً لقهر السلطة التي تمثلت قِدَم «الله» دفاعًا عن سلطة الحاكم وتفرده بالحكم دون مشاركة للعالم له فيه.
إن القِدَم من أكثر الصفات تنازعًا عليها عند القدماء، ينكره بعض الأشاعرة لأنه إذا كان لا أول له فإنه تعريف سلبي أو أنه صفة، فذلك تصوير ثم تقرير، أي أنه أمر اعتباري لا وجود له في الواقع.٦٣ كما يدل من قال إن معنى القِدَم أنه إله أن الصفة المقصود بها التأليه ليس إلا،٦٤ أي أنها عملية شعورية المقصود بها تأليه كائن مشخص وليس وصفًا لهذا الكائن بالفعل. القِدَم إذن ليس صفة موضوعية لشيء، بل هي مقولة إنسانية لإعلان مرتبة الشرف، ومن هنا أتت الأقدمية في الرتب والدرجات، والأقدمية في السن والعمر، والأقدمية في التعيينات والوظائف؛ لذلك لا يجوز أن يوصف «الله» بالقِدَم على الإطلاق أو أن تنسب إليه تجربة إنسانية.٦٥ كما أن الزمان ليس مقولة طبيعية، بل تجربة إنسانية. لا يوجد وجود سابق على الزمان وآخر لاحق عليه. الزمان الطبيعي إسقاط من الإنسان على الطبيعة. لا يوجد زمان في الطبيعة، بل الزمان تجربة حياة، تجربة نضج واكتمال. وقد ساعد على هذا الإسقاط تعاقب الليل والنهار، ودوران الأرض حول الشمس والفصول الأربعة. وكل ذلك يتم خارج الزمان أو بلا زمان، والإنسان هو الذي يزمن الظواهر الطبيعية. والقِدَم أيضًا تجربة تاريخية تشير إلى جذور الوجود الإنساني في التاريخ، وتعطي الإنسان البعد التاريخي اللازم لرؤياه للواقع، وتمده بالعمق التاريخي وتراكم الخبرات ودروس الماضي وتجربة التاريخ. القِدَم إذن هو وعي الإنسان بالزمان باعتباره وعيًا تاريخيًّا ظهر في الوعي المصري والوعي الصيني ووعي حضارات ما بين النهرين والوعي اليهودي، أي لدى الشعوب التاريخية، وغاب في الوعي الأمريكي، وهو الوعي الذي كان وراء نشأة علم فلسفة التاريخ في الغرب. وتنشأ حركات العودة إلى الأصول والبحث عن الجذور كحركات تحررية ضد تغريب العصر وتمييع الهوية، وتكون حركات نهضة وإحياء كما كان الحال في عصر الإصلاح الديني في الغرب، وفي الحركة السلفية المعاصرة؛ لذلك يخطئ من يظن أن القِدَم يعني العودة إلى الماضي والبحث عن القديم فحسب، إذ إن القِدَم من «التقدم» أي السبق واللحاق، الحركة إلى الأمام، وليس من التقادم أي الحركة إلى الوراء، وبالتالي تكشف صفة القِدَم ليس فقط عن الوعي التاريخي بل تضع أيضًا قضية الوعي المستقبلي. فالمتقدم يعني السابق، والسابق يعني المتقدم، وبالتالي يكون الرجوع إلى الوراء أو التوجه إلى الأمام كلاهما حركة تقدم.٦٦
فإذا كان القِدَم قد يكون صفة مقبولة في بعض الأحيان كالجبن القديم والخمر المعتق والأثر القديم، فإنه يكون أيضًا بمعنى سلبي بمعنى البلى كالمنزل القديم والحذاء القديم والنكتة القديمة. وهو ما يتضح في الأمثال العامية من ارتباط الوعي الشعبي بالقديم «من فات قديمه تاه» والتحسر على أيام زمان. ولكن خطورة ذلك قد تبدو في التأزم بأحوال العصر، ووقوف موقف العاجز منه، فتظهر الحركات السلفية كرد فعل على أزمة العصر، تجد في العودة إلى الماضي خلاصًا وتعويضًا، حلمًا وثورةً دون أي تجاوز أو استبصار لعالم جديد. فالبدائي أفضل من العصري، والخلافة الراشدة أفضل من الملك العضوض.٦٧ كما تبدو خطورة القديم في أولويته المستمرة على الجديد، فله قيمة أعظم وشرف أكبر وبالتالي تستحيل الجدة، ويقل الخلق، وينتهي الإبداع، ويكون نمط الحضارة كله أقرب إلى الاتِّباع منه إلى الإبداع، وتكون الروح أقرب إلى التقليد منها إلى التجديد. وفي التجربة الإنسانية لا يكون للقديم الأولوية على الجديد باستمرار. ففي الخلق الفني يعبر الجديد عن الوجود أكثر من القديم الذي لا يكون إلا صوريًّا فارغًا ساكنًا عقليًّا جامدًا. وفي الحياة، يعبر الشباب عن فورة الحياة أكثر من الشيوخ الذين يتحولون إلى جانب المحافظة والتقليد والإبقاء على الأوضاع القائمة. وفي مظاهر الحياة يكون للجديد الأولوية المستمرة على القديم، وإلا توقفت صور الحياة العامة. ولا يعني الجديد هنا الانقطاع عن القديم، ولكن تطويره واستمراره مع تغيير صوره وأشكاله. القديم والجديد كلاهما يعبر عن واقع، والواقع متغير، وبتغير الواقع تتغير الأشكال. القديم ما هو إلا شكل للواقع، والجديد ما هو إلا شكل آخر. الواقع المتغير حاليًّا لا يأخذ شكل مرحلة قديمة، بل يفرض شكله الجديد. علاقة القديم بالجديد إذن علاقة حركية زمانية تحدث في التاريخ وليست علاقة أولوية أو شرف. وصف «الله» بالقِدَم والإنسان بالحدوث نزعة تدميرية للعالم من أجل القضاء على الإنسان بلا ثمن.٦٨
وقد تنبه الفقهاء للأمر، ورأوا تحول صفة القِدَم من مجرد صفة لموصوف قديم إلى اسم فيصبح القديم اسمًا لا صفةً، مما يدل على أن القضية قضية لغة، سواء كان القِدَم وصفًا لذات أم صفة أم اسمًا أو مجرد لفظ دون أن يكون مصطلحًا؛ لذلك تحرَّج البعض من إطلاق لفظ القديم لأن السمع القطعي لم يرد به ولا بألفاظ واجب الوجود، إنما الإطلاق للفظ بالإجماع.٦٩ الألفاظ نفسها مستحدثة، وبالتالي فهي من اختيار البشر يمكن تغييرها. لم يرد بها السمع ولكن أقرها الإجماع، والإجماع يتغير من عصر إلى عصر، والإجماع السابق غير ملزم للإجماع اللاحق نظرًا لتغير الظروف والمصالح والحاجات. رفض الفقهاء استعمال اللفظ كمصطلح في علم أصول الدِّين أو اعتباره اسمًا من أسماء «الله»؛ لأنه وصف للمخلوق وليس للخالق. والحقيقة أن اللفظ الأصلي «قِدَم» ومشتقاته يعني التقدم أكثر مما يعني القِدَم، ويعني تقديم الأفعال أكثر مما يعني قِدَم الذات، والمرات القليلة التي يعني فيها القديم إنما كان يُطلَق بمعنى سلبي للإفك أو للضلال أو للتقليد أو للأشياء البالية.٧٠ فكيف يُطلَق على «الله» وصف القديم؟
١  الإنصاف، ص١٦، ص١٨، ص٢٢–٣٣، ص٤٢؛ بحر الكلام، ص١٧.
٢  النسفية، ص٥٨، ص٦٥؛ بحر الكلام، ص٢.
٣  الإنصاف، ص٢٣، ص٣٣.
٤  الإنصاف، ص٤٢؛ المسائل، ص٢٣٠.
٥  «باب في أن القديم لا يجوز عليه العدم» (التمهيد، ص٤٩).
٦  «في أن الصانع قديم» (أصول الدِّين، ص٧١-٧٢). «في أن سبحانه قديم أزلي» (المسائل، ص٣٤٢-٣٤٣). «وعلى أن للعالم صانعًا قديمًا لم يزل، ولا يزال» (العضدية، ج١، ص٢٢٦). وعند الجبائي والمعتزلة بوجه عام أن أخص وصف للباري هو القِدَم (الملل، ج١، ص١٢١-١٢٢، ص٦٦).
٧  أصول الدِّين، ص٨٨-٨٩، ص١٢٣.
٨  الشامل، ص٦١٧–٦٢٠؛ «باب القول في أن الصانع لا أول له، أسئلة لأهل الدهر والانفصال عنها»، ص٦١٨–٦٢٠.
٩  الفصل، ج٢، ص١٣٦-١٣٧.
١٠  النظامية، ص١٤، ص١٩. «وفي الدليل على قِدَم الباري» (الإرشاد، ص٣١–٣٣).
١١  «في أنه ليس في زمان» (المواقف، ص٢٧٤).
١٢  المحصل، ص١٣٦.
١٣  المواقف، ص٢٧٥–٢٩٧.
١٤  الاقتصاد، ص٢١. «الدعوى الثانية في القِدَم» (السنوسية، ص٢–٦؛ كفاية العوام، ص٣٢–٣٤؛ العقيدة التوحيدية، ص٧؛ الباجوري، ص٣؛ التحقيق التام، ص٨٩-٩٠، ص٩٤-٩٥؛ وباقي كتب العقائد المتأخرة، مثل: الجوهرة، العقيدة، الخريدة، جامع زبد العقائد، وسيلة العبيد، الحصون، القطر … إلخ).
١٥  رسالة التوحيد، ص٣١.
١٦  شرح الأصول الخمسة، ص١٨١-١٨٢؛ المحيط، ص١٤٥–١٥٠؛ «فصل في إثبات صانع الكل قديم، فصل في امتناع جواز العدم على القديم»، ص٦١٨–٦٢٠.
١٧  شرح الأصول الخمسة، ص١٨٠-١٨١.
١٨  أصول الدِّين، ص٧١؛ الاقتصاد، ص٢١.
١٩  يقول المجوس بصانعين، أحدهما شيطان محدث. ويقول غلاة الروافض أن عليًّا جوهر مخلوق محدث، لكنه صار إلهًا صانعًا بحلول روح الله فيه (الفِرَق، ص٣٣٢؛ مقالات، ج١، ص٢٢٦). وثبتت وحدانية القديم ضد الفلاسفة والمتكلمين من المعتزلة وغلاة الروافض والمجوس. فقد زاد الفلاسفة كثيرًا من الممكنات، وزاد المتكلمون صفات الله بما فيهم المعتزلة الذين جعلوا الصفات أحوالًا ثابتة في الأزل مع الذات (المقاصد، ص٢٧٥؛ المواقف، ص٢٧٤).
٢٠  الإنصاف، ص٢١.
٢١  سُئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد، فقال: «هو أن تعلم أنه باينهم بقِدَمه كما باينوه بحدوثهم.» وقال الجنيد: «التوحيد إفراز القِدَم عن الحدوث.» وقال: «أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة أن يعرف الصانع من المصنوع فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث» (الإنصاف، ص٣٢-٣٣). وقال بعض أهل التحقيق: «ألزم الكل الحدث لأن القِدَم له» (الإنصاف، ص٤٢).
٢٢  مناهج الأدلة، ص١٣٥–١٣٧؛ الإنصاف، ص٣٣؛ الإرشاد، ص٣١–٣٣؛ المسائل، ص٣٤٢-٣٤٣؛ الدواني، ج١، ص٢٢٦-٢٢٧؛ الباجوري، ص٣؛ الحصون، ص١١–١٣؛ التمهيد، ص٤٦؛ النسفية، ص٥١؛ السنوسية، ص٢–٤؛ معالم أصول الدِّين، ص٣٤–٣٦؛ كفاية العوام، ص٣٢–٣٤؛ الانتصار، ص٥؛ التحقيق التام، ص٩٠–٩٣.
٢٣  هذا هو رأي معمر (الشامل، ص٣٥٢–٣٥٥). لذلك كان يقول: «لا أقول قديم إلا إذا حدث المحدث» (مقالات، ج١، ص٢٣٧؛ مقالات، ج٢، ص١٧٩-١٨٠).
٢٤  عند أبي الحسن الأشعري والغزالي أن الله قديم لذاته، وعند عبد الله بن سعيد القلانسي أنه قديم بقِدَم أو بمعنى هو قائم به (أصول الدِّين، ص٨٨–٩٠، ص١٢٣). كما أثبت عبد الله بن سعيد صفة وراء البقاء (المحصل، ص١٣٦؛ الاقتصاد، ص٢١؛ التحقيق التام، ص٩٤-٩٥). وعند الجبائي القديم هو الله لأنه ينفي الصفات. واستدل على ذلك بأن الله قديم، وقِدَمه أخص وصفه. فلو ثبت صفة قديمة لشاركته في أخص الوصف وذلك يوجب الشرك (الشامل، ص٢٥٢). انظر أدلة إثبات الصفات (الشامل، ص٢٥٣–٢٥٨). وعند عبد الله بن كلاب أن له قدمًا (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨، ص٢٣٠؛ ج٢، ص٢٠٣).
٢٥  هذا هو رأي أبي الهذيل (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨؛ ج٢، ص١٧٩-١٨٠؛ المواقف، ص٢٩٧).
٢٦  هذا قول بعض المتأخرين مثل حميد الدين الضرير (التفتازاني، ص٥٩-٦٠).
٢٧  هذا هو قول أبي العباس الناشئ (الإرشاد، ص١٢٥).
٢٨  هؤلاء بعض البغداديين (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨؛ ج٢، ص١٧٩-١٨٠).
٢٩  الاقتصاد، ص٢١.
٣٠  بحر الكلام، ص١٧؛ مقالات، ج١، ص٢١٦. وهذا هو رأي الجبائي (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨؛ ج٢، ص٢٧٩-١٨٠، ص١٨٨-١٨٩).
٣١  هذا هو إنكار عباد (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨؛ ج٢، ص١٧٩-١٨٠).
٣٢  هذا هو رأي الأشعري (الشامل، ص٢٥١–٢٥٥). مستشهدًا بآيتي: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، إِفْكٌ قَدِيمٌ.
٣٣  النسفية، ص٦٥؛ التفتازاني، ص٦٥؛ الإسفراييني، ص٦٦؛ مقالات، ج١، ص٢١٦؛ الفِرَق، ص٣٣٣.
٣٤  هذا هو اعتراض المعتزلة (التحقيق التام، ص٨٩-٩٠).
٣٥  بحر الكلام، ص٢.
٣٦  هذا هو رأي الشبلي (الإنصاف، ص٤٢).
٣٧  مقالات، ج١، ص٢١٧.
٣٨  شرح الأصول الخمسة، ص١٨١-١٨٢.
٣٩  عند الإسفراييني كل موجود استمر وجوده وتقادم زمنًا متطاولًا فإنه يُسَمَّى قديمًا في إطلاق اللسان، مثل: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (الإرشاد، ص٣١–٣٣؛ الباجوري، ص٣). وعند جميع المتقدمين من مشايخ الأشاعرة كذلك (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨؛ الشامل، ص٦١٧-٦١٨).
٤٠  هذا هو رأي معمر (الفِرَق، ص١٥٥).
٤١  «الأزلية ضمان لمنع الأضداد والآفات كالجهل أو الشك بالنسبة إلى العلم، والموت بالنسبة للحياة والعجز بالنسبة إلى القدرة، والصمم والعمى بالنسبة للسمع والبصر» (اللمع، ص٢٥-٢٦).
٤٢  الدر النضيد، ص١٥٠-١٥١.
٤٣  مقالات، ج٢، ص١٩٩-٢٠٠.
٤٤  «ينافي تأثير المختار لأنه مسبوق بالقصد المقارن لعدم الأثر، فإن القصد إلى إيجاد الموجود محال» (طوالع الأنوار، ص٥٩). «لا يستند القديم إلى القادر المختار اتفاقًا، والقديم بالزمان يمتنع استناده إلى المختار لأن القصد إلى الإيجاد مقارن للعدم ضرورة» (المقاصد، ص٢٧٦). ولكن الآمدي جوَّز استناد القديم إلى المختار وقال سبق الإيجاد قصدًا لسبق الإيجاد إيجابًا (المواقف، ص٧٤–٧٦؛ المحصل، ص٥٥-٥٦).
٤٥  الشامل، ص٦١٨–٦٢٠؛ انظر أيضًا الفصل الثامن: «العقل الغائي» عن الحسن والقبح والعقل والنقل والصلاح والأصلح.
٤٦  انظر كتابنا: لسنج: تربية الجنس البشري، خاصة المقدمة عن الوحي كغائية في التاريخ.
٤٧  في صيف عام ١٩٦٦ إثر عودتنا من فرنسا، قابلت الأستاذ المرحوم الدكتور علي سامي النشار بمنزله بالإسكندرية، وبعد حديثي عن الله والتاريخ والغائية والمستقبل، قال: هذا محمد بن كرام، هذه هي الكرامية. ولم ألتفت لذلك في حينها إذ كنت مشغولًا بعلم أصول الفقه.
٤٨  يعرِّف الإيجي الحادث بأنه الموجود بعد العدم، أمَّا ما لا وجود له وتجدد فلا يُقال له حادثة، فمثل الأحوال (لم يُجِز تجددها إلا أبو الحسن الذي قال إن العالمية تتجدد بتجدد المعلومات) والإضافات والسلوب، فانسب إلى ما يستحيل اتصاف الله به (المواقف، ص٢٧٥).
٤٩  التحقيق التام، ص٩٢-٩٣.
٥٠  المواقف، ص٢٧٥–٢٧٧؛ المحصل، ص١١٤-١١٥؛ معالم أصول الدِّين، ص٣٤–٣٦؛ الملل، ج٢، ص١٩.
٥١  الفِرَق، ص٢١٧-٢١٨.
٥٢  كفاية العوام، ص٥٩-٦٠.
٥٣  الملل، ج٢. ص١٤-١٥؛ اعتقادات، ص٦٧؛ الفِرَق، ص٢١٧، ٢١٨؛ اعتقادات، ص٦٧؛ غاية المرام، ص١٨٠.
٥٤  الملل، ج٢، ص١٥–١٧؛ نهاية الإقدام، ص١١٤-١١٥، ص١٠٤-١٠٥.
٥٥  الملل، ج٢، ص١٨.
٥٦  قال البعض: قول الله وإرادته من جنس قولنا وإرادتنا، ثم لقوله وإرادته مفعولات مثل العالم بما فيه السموات والأرض، فيلزم أن يحصل بإرادتنا وقولنا مثل ذلك، فإن قول كن كاف ونون من جنس أقوالنا بلا فَرق.
٥٧  اجتهد ابن الهيصم في ترميم مقالة محمد بن كرام حتى ردها إلى التجسيم، فأراد بالجسم القائم بالذات مثل الفوقية والبينونة، ونفى المجاورة والمماسة (الملل، ج٢، ص١٨-١٩؛ انظر أيضًا تفصيل البرهان والمناقضة في الإلزام، وهما طريق المتكلمين في نهاية الإقدام، ص١١٥–١٢٢؛ وانظر أيضًا إبطال الأشاعرة لحجج الكرامية في طوالع الأنوار، ص١٥٩؛ الإرشاد، ص٤٤–٤٦؛ غاية المرام، ص١٨٦–١٩٣؛ العضدية، ج٢، ص٤٣؛ الدواني، ج٢، ص١٤٣–١٥٣).
٥٨  الشامل، ص٢٥١–٢٥٥.
٥٩  أثبتوا أحوالًا خمسة لا أول لها، وهي الموجودية والحيية والعالمية والقادرية والألوهية، وهي حالة أثبتها أبو هاشم علة للأربع، مميزة للذات (طوالع الأنوار ص٥٩؛ المقاصد ص٢٧٦؛ المحصل ص٥٥–٥٧؛ التلخيص، ص٥٧؛ التحقيق التام، ص٩٠). كما قال الجبائي بإرادة وكراهة حادثتين لا في محل.
٦٠  الملل، ج٢، ص١٤٧.
٦١  قالت المجوس: كل حادث قائم به، وأثبتوا صانعين أحدهما شيطان محدث.
٦٢  هم الحرنانيون من المجوس. أثبتوا قدماء خمسة: اثنان حيان فاعلان وهما الباري والنفس، وواحد منفعل وهو الهيولى، واثنان لا حيان ولا فاعلان ولا منفعلان وهما الدهر والفضاء (المحصل، ص٥٦-٥٧). وقد مال ابن زكريا الطبيب الرازي إلى هذا المذهب وعمل فيه كتاب «القول في القدماء الخمسة» (التلخيص، ص٥٧؛ المواقف، ص٧٤–٧٦؛ المحصل، ص٥٦-٥٧).
٦٣  المواقف، ص٢٩٧.
٦٤  مقالات، ج٢، ص١٧٩-١٨٠.
٦٥  لذلك قال بعض المتقدمين: «لا أقول إن الباري قديم على وجه من الوجوه» (مقالات، ج١، ص٢٣٧-٢٣٨).
٦٦  هناك تشبيه سياسي في معارك النضال باستمرار لتبرير حركة التراجع الوقتي بأن الأسد قبل أن ينطلق إلى فريسته يتراجع خطوات إلى الوراء.
٦٧  انظر الفصل الثاني عشر عن الإمامة.
٦٨  لذلك حُكي عن بعض الفلاسفة أنه كان لا يقول إن الباري قديم (مقالات، ج٢، ص١٧٩-١٨٠).
٦٩  الدر النضيد، ص١٥٠-١٥١. ويقول ابن حزم: «ومما أحدثه أهل الإسلام في أسماء الله «القديم». وهذا لا يجوز البتة؛ لأنه لم يصح به نص البتة، ولا يجوز أن يُسَمَّى الله بما لم يسمِّ نفسه. وقد قال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، فصح أن القديم من صفات المخلوقين، فلا يجوز أن يُسَمَّى الله بذلك. وإنما يُعرَف القديم في اللغة من القدمية الزمانية، أي أن هذا الشيء أقدم من هذا بمدة محصورة، وهذا منفيٌّ عن الله. وقد أغنى الله عن هذه التسمية بلفظ أول، فهذا هو الاسم الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو معنى أنه لم يزل. وقد قلنا بالبرهان إن الله لا يجوز أن يُسَمَّى بالاستدلال. ولا فَرق بين من قال إنه يُسَمِّي ربه جسمًا إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم وبين من سماه قديمًا إثباتًا لم يزل ونفيًا للحدوث؛ لأن كلا اللفظين لم يأتِ به نص. فإن قال من سماه جسمًا الحد لأنه جعله كالأجسام قيل له ومن سماه قديمًا الحد في أسمائه لأنه جعله كالقدماء. فإن قال ليس في العالم قدماء أكذبه القرآن بما ذكرنا وأكذبته اللغة التي بها نزل القرآن، إذ يقول كل قائل في اللغة هذا الشيء أقدم من هذا وهذا أمر قديم وزمان قديم وشيخ قديم، وهكذا في كل شيء» (الفصل، ج٢، ص١٣٦-١٣٧). ويقول أيضًا: «لا يحل أن يُسَمَّى الله القديم» (الفصل، ج٢، ص١٤٦).
٧٠  ذكر أصل اللفظ «قِدَم» في القرآن ٤٩ مرة، ٣٦ منها بمعنى تقدم، أي حركة إلى الأمام في صياغات وأزمنة عديدة، منها الماضي والمضارع، وتفيد معنى التقدم في الخير وتقديم الأعمال الصالحة، مثلًا: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٧٤: ٣٧)، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ (١٥: ٢٤)، يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٧٥: ١٣)، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥٩: ١٨). وفي أغلب الأحيان بمعنى سلبي، أي الأعمال السيئة، ومنها ٨ مرات بمعنى قدم الرجل بمعنى الصدق والثبات والجهاد والنضال، ومنها ٤ مرات فقط بمعنى القديم بمعنى سلبي للضلال: قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (١٢: ٩٥)، أو للإفك: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (٤٦: ١١)، أو للأشياء مثل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٦: ٣٩)، وهو المعنى الذي أشار إليه القدماء، أو للتقاليد مثل: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٢٦: ٧٥-٧٦) من أجل الثورة عليها ونصرة الجديد المتفق مع العقل والواقع، مع الإيمان والمصلحة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠