سادسًا: المخالفة للحوادث

(١) رابع وصف للذات

المخالفة للحوادث رابع وصف للذات يشمل عدة أوصاف أخرى، مثل: «ليس بجوهر، ليس بعرض، ليس بجسم، لا يحل في شيء، لا يتحد بشيء».١ وهي في معظمها صفات نافية موجهة ضد عقائد العصر التي كانت منتشرة من الديانات المجاورة والتي كانت تمثل حينئذٍ خطرًا على عقيدة التوحيد الجديدة. ويصعب التفرقة بين هذا الوصف الرابع والوصف الخامس، القيام بالنفس والذي يعني عدم وجوده في محل، في جوهر أو عرض أو إنسان أو جماد.

وهي أهم الصفات الست، وتكاد تبتلعها جميعًا. فواجب الوجود مخالف للحوادث لأنها جميعًا ممكنة الوجود. القديم مخالف للحوادث لأن الحوادث حادثة، والبقاء مخالفة للحوادث لأنها فانية، والقياس بالنفس مخالفة للتحيز والوجود في محل، والواحد مخالف للحوادث الكثيرة المتعددة. هذه الصفة هي التي تعبر بالأصالة عن التنزيه، وبالتالي فهي موجهة ضد كل صنوف التشبيه.

ولا يوجد اسم مكون من لفظ واحد مثل التنزيه أو مثل الصفات الثلاث الأولى الوجود والقِدَم والبقاء، بل هناك اسم مركب وهو المخالفة للحوادث مما يدل على الطابع السلبي للصفة، وأنها نفي للعالم أكثر منها إثبات لله، ورفض للحس أكثر منها قبول للتجريد، وأن النفي أساس الإثبات في قضايا التعبير عن «الله»، وأن قياس الغائب على الشاهد هو في حقيقة الأمر إسقاط الشاهد نفسه على الغائب ثم نفيه عنه. وقد يصبح التوحيد مرادفًا لنفي التشبيه بكل صوره من جسمية وحيز. ويظهر نفي التشبيه على أنه باب التوحيد الأوَّل والأخير. فمع أن «أساس التقديس» يدور حول أربعة أقسام إلا أن الأوَّل في نفي الجسمية والثاني «تأويل المتشابهات»، والثالث والرابع «تقرير مذهب السلف»، وكلها تدور حول نفي التشبيه وإثبات التنزيه.٢ وفي الخطب والمقدمات يبدو نفي التشبيه على أنه الانفعال الثاني للتوحيد، قال لإثبات الوحدانية.٣ وفي إبطال التشبيه يتميز بين ما يجوز (الرؤية) وبين ما لا يجوز دون تفصيل لنفي الجسم والجوهر والعرض والحلول والاتحاد والزمان والمكان، أي كونه محلًّا للحوادث أو الجهة.٤ وفي المؤلفات الأولى يظهر نفي التشبيه مع إثبات الوحدانية على أنه من العقائد التي اختلفت عليها الفِرَق.٥ وقد يكون نفي النقائص الدالة على الحدوث وإثبات أوصاف الذات هو التوحيد، فالتوحيد أن تعلم أنه غير مشبه بالذوات ولا بالصفات.٦ وعند الفقهاء خاصةً يظهر نفي التشبيه على أنه موضوع في التوحيد.٧ ويبدو نفي التشبيه في صيغ إنشائية وهو الحق بذاته تذكر مع الواحد والكمال ضمن الحياة.٨ كل ذلك يدل على أن بداية الصفة هي مجرد مواقف انفعالية وعبارات إنشائية قبل أن تتحول إلى مرحلة ثانية من التصور العقلي المحكم الداخل في نسق عقلي من الصفات التي تستنبط الواحدة تلو الأخرى.
ثم تظهر مخالفة ماهية الذات لسائر الماهيات على أنها أول صفة سلبية للذات بعد الوجود، وهو الوصف الوحيد للذات. وتظهر ماهية الذات غير مركبة على أنها صفة سلبية ثابتة.٩ ويظهر هذا الوصف الرابع، مخالفته لجميع الخلق بذاته بعد القيام بالذات والوجود بالذات، والشيء والغنى والواحد.١٠ وفي المؤلفات المتقدمة يظهر نفي التشبيه على أنه أول وصف بعد دليل الحدوث وقبل الوحدانية.١١ ثم يظهر نفي الجسم بعد الوحدانية وجواز إعادة الخلق. ويظهر نفي التشبيه على أنه أول وصف للذات بعد صفات المعاني السبع، وقبلها إثبات القِدَم والوجود.١٢ وقد يظهر نفي التشبيه في أواخر دليل الحدوث وكأنه نهايته وبداية التوحيد، وكأن هذا هو دفاع عن النفس أو الذات ونفي المشاركة فيها.١٣ وفي المؤلفات السابقة على العد الإحصائي يظهر نفي التشبيه تاليًا للوحدانية نفيًا للتشبيه ومرة أخرى بعد الصفات في أنه شيء لا كالأشياء ونفي الجسم والجوهر والعرض والحد والضد والند والمثل.١٤ كما يظهر نفي التشبيه في عبارة «ليس كمثله شيء» بعد الوجود والوحدانية.١٥ ويأتي نفي الجسمية بعد التوحيد كثاني صفة في كتاب التوحيد، وذلك ضمن الحديث عن الجسم والتأليف والأكوان. أي أن الجسمية تنفى في معرض دليل الأكوان كما يُنفى التشبيه في آخر دليل الحدوث.١٦ وقد يظهر نفي التشبيه بعد الوحدانية والقِدَم في عبارات إنشائية دون إحصاء مع نفي الصورة والكيف.١٧ ويظهر أيضًا بعد إثبات الوجود والوحدانية في شرح «الصمد»، ويعقد فصل لإبطال التشبيه بعد الوحدانية.١٨ وقد يظهر في التحميدات بعد الوجود والبقاء والوحدانية.١٩ وقد يكون نفي التشبيه آخر صفة بعد ذكر جميع الصفات من وحدانية وقِدَم وصفات سبع ونفي العرض والجوهر والجسم والصور والحد والعد والتبعيض والتجزئة والتركيب والتناهي والمائية والكيفية والمكان والزمان.٢٠
ويظهر لأول مرة تعبير مخالفة الحوادث على أنه رابع وصف للذات بعد الوجود والقِدَم والقيام بالنفس.٢١ وقد يدخل نفي التحيز والتخصص بالجهات.٢٢ ويظهر أيضًا استحالة أن يكون الله جسمًا،٢٣ وعدم قبول الله للأعراض.٢٤ وفي استحالة كون الرب جوهرًا والرد على النصارى،٢٥ دخل الرد على النصارى في المخالفة للحوادث وليس في الوحدانية. ويظهر معتقد اليهود والنصارى كرابع وصف بعد الوجود والوحدانية ونفي التشبيه وتفسير آية: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.٢٦ وينفي التشبيه (النور) بعد إثبات القِدَم وجواز الوجود، وإثبات الوحدانية، وجواز التشبيه، وجواز النعت.٢٧ ويظهر عدم قيام الحوادث بالذات بعد نفي مشاركة الذات لغيرها ونفي تركيبها، ونفي التحيز، ونفي الاتحاد، ونفي الحلول، ونفي الجهة.٢٨ وتظهر استحالة قيام الحوادث بالذات على أنه خامس وصف للذات بعد نفي الجسمية، ونفي الجوهر وهو المكان، ونفي الحلول، ودخول الوجود في دليل الحدوث والإمكان.٢٩ ويظهر نفي قيام الحوادث كرابع وصف بعد نفي المشاركة والجسمية والاتحاد والحلول.٣٠ وقد يظهر نفي قيام الحوادث بالذات بعد نفي الاتحاد وقبل الحلول، وكلاهما يظهران بعد نفي التشبيه والشرك اللذين يظهران بدورهما بعد صفات المعاني السبع التي ظهرت هي الأخرى بعد إثبات القِدَم والوجود.٣١ ويظهر وصف عدم قيام ذاته بالحوادث كسادس وصف في التنزيهات بعد نفي الجهة والمكان ونفي الجسمية ونفي الجوهر والعرض ونفي الزمان ونفي الاتحاد والحلول.٣٢ وأخيرًا وبعد اكتمال البناء النظري للعقائد في أحكام العقل الثلاثة تظهر المخالفة للحوادث على أنها رابع وصف للذات فيما يجب لله من صفات عشرين، واستحالة المماثلة للحوادث وأن يكون جوهرًا أو عرضًا أو في جهة أو في مكان أو زمان مع البرهان على وجوب مخالفته للحوادث فيما يستحيل لله من صفات عشرين وأيضًا كوصف رابع في تفسير «لا إله إلا الله» على أنه الغني عن كل ما سواه. وفي بعض الحركات الإصلاحية الحديثة يظهر القِدَم والبقاء ونفي التركيب كأحكام الواجب.٣٣

(٢) التأليه

ويتنازع هذا الوصف الرابع، المخالفة للحوادث، تياران: التشبيه والتنزيه. الأوَّل يعطي صفات المخلوق للخالق، والثاني ينفي صفات المخلوق عن الخالق وينتهي بإعطاء صفات الخالق للمخلوق. والتشبيه على درجات. يبدأ من التأليه، تأليه الإمام وإعطائه وظائف كونية، وحلول الله في الأئمة ثم الحلول والاتحاد، حلوله في الصوفية واتحاده عند النصارى، ثم التجسيم، تجسيم الله في الإنسان الكلي أو في أبعاضه حتى تأليه الجسم واشكال الجسم ومادة الجسم وتأليه الجواهر وأنواع الجواهر، ثم التشبيه خضوعًا للغة الحرفية مع نفي الكيفية، وأخيرًا التنزيه ونفي الصفات إلى آخر ما هو معروف في عقائد الفِرَق ابتداءً من الحس إلى العقل، من العياني إلى المجرد، من الخاص إلى العام، من الشخص إلى اللاشخص. وقد يعبر ذلك عن بعدي الشعور وتوتره بين هذين القطبين المادي الحسي والخالص العقلي في قالب ديني هو في الحقيقة وصف للوعي الخالص كمعرفة وكوجود.

(٢-١) تأليه الأئمة

وأول درجة من درجات الحس هو تأليه الشخص المتعين الموجود في الزمان والمكان، والمعروف باسمه ووصفه وعينه. هو الشخص التاريخي الذي وُلد وعاش ومات، وله أثر وقبر، ومشهد وزيارة. تبدأ عملية التأليه إذن بوجود شخص تاريخي معين يكون مشجبًا لتعليق الانفعالات الإنسانية، وبحركة صاعدة من الشخص المعين إلى الشخص المؤله، على ما هو معروف في تاريخ الأديان في تراثنا القديم وفي التراث الغربي بعد أن أصبح أحد روافد فكرنا المعاصر. فقد كان لاوتزي شيخًا فاضلًا في قريته قبل أن يصير إلهًا، وكان بوذا معلِّمًا فاضلًا قبل أن يصبح إلهًا، وكان المسيح أيضًا نبيًّا مُرسَلًا قبل أن يتحول تدريجيًّا إلى إله في شعور الجماعة المسيحية الأولى، وهو ما حدث لعلي أو لبنيه أو لبعض الأئمة من بعدهم. فقد كانوا أشخاصًا تاريخيةً موجودة بالفعل بدأت منهم عملية التأليه (فجأة وبلا مقدمات) نتيجة للصدمات النفسية التي حدثت في شعور الجماعة الأولى.٣٤
وتبدأ عملية التأليه ليس من أي شخص كان، بل من شخص تاريخي معين له بعض الأوصاف أو الشروط منها:
  • (١)
    الكمال الخلقي قولًا وعملًا: وذلك أنه من السهل الانتقال من الكمال الإنساني إلى الكمال المطلق. فغالبًا ما كان الشخص المؤله متمتعًا بصفات الكمال المادية والمعنوية، مثل الشجاعة والشهامة والقوة أو الحكمة والعلم والتقوى وحب الخير. وقد اجتمعت هذه الصفات في «علي» كما تروي النصوص وكما حفظ التراث المدون والشفاهي على السواء. بل إن هذه الصورة الكاملة للشخص التاريخي كانت باعثًا على وضع كثير من النصوص المشابهة التي تذكر فضائله وآثاره وعلمه وحكمته. كما أن الكتب تُؤلَّف باسمه وتُنسَب إليه.٣٥ ويساهم الخيال الشعبي في إحكام الصورة حتى تتحول إلى أسطورة خالصة.٣٦ والآثار المروية في فضائل «علي» لا تُعد ولا تُحصى. ويمكن تتبع نشأتها وتطورها ووصف عملية الخلق التي قام بها الخيال الشعبي. وتقوى الأسطورة وتتأصل إذا كان بعض هذه الآثار مذكورًا في النصوص الدينية التي تؤمن بها الجماعة. تتأكد هذه الصفات وتتحقق في حياة الشخص كما يرويها التاريخ، ثم تتضخم في الأساطير الشعبية التي تحيل الشخص إلى بطل أسطوري يقوم بالمعجزات، ويقرأ الغيب، وينصر المظلوم، ويأتي في المنام متوشِّحًا بالبياض.
  • (٢)
    الحق الضائع: لما كان هذا الكمال الخلقي يعطي صاحبه نظرًا وعملًا الحق في الزعامة والأولوية في أخذ مكان الصدارة، فإن الذي يحدث بالفعل هو العكس، زحزحة هذا الشخص عن مكان الريادة فيصبح صاحب حق مهضوم. وبدافع إنساني خالص من نصرة المظلوم ورغبةً في الحصول على الحق الضائع واسترداد الزعامة أو بدافع الرثاء والتعاطف والمشاركة الوجدانية يظهرها الأتقياء أو تعبر عنها العامة تنشأ حركة مناصرة واعية أو غير واعية للشخص صاحب الحق المهضوم، وتكون تيارًا للمعارضة لها الحق نظرًا وإن لم يكن لها الحكم عملًا. وتأتي الصور والصيغ من التجارب المشابهة في البيئات الحضارية المجاورة، إمَّا بطريق الأثر والتأثر أو بطريق الاستعارة اللاشعورية. وأحيانًا تفرض التجارب الشعورية صورًا وصيغًا متشابهةً دونما أثر أو تأثر أو استعارة.٣٧
  • (٣)

    الهزيمة: فإذا ما تشعبت المعركة بين دعاة الأمر الواقع وأصحاب الحق الضائع، ودارت الدائرة على المظلوم، واشتدت قوى الظلم، أصبح صاحب الحق المهضوم شهيدًا لا يمكن مناصرته إلا بالانفعالات والنيات الحسنة أو باستمرار النضال مع بنيه وباقي الأئمة. فإذا ما توالت الهزائم على الأئمة ولم يحدث أن عاد الحق الضائع، ويئست الجماعة الناصرة له، واستحال النضال، تحولت المعركة إلى مجرد أماني وبكاء على الشهداء وتعظيمًا للأئمة وإكبارًا للزعماء. وكلما ازداد الظلم اشتد التعظيم، وتحول الشخص التاريخي إلى شخص معنوي ثم تحول الشخص المعنوي إلى فكرة وحقيقة خالدة، فصار الشخص إلهًا، والأمير ربًّا. وهذا ما حدث لعلي وبنيه والأئمة من بعدهم.

  • (٤)

    الاضطهاد: وبعد الهزيمة يتوالى الاضطهاد على أصحاب الحق الضائع. وتنشأ معظم الأفكار التي تنشأ غالبًا من سيكلوجية الاضطهاد مثل الخلود والخلاص والعودة والاتجاهات الباطنية كما هو معروف من تاريخ اليهود القدماء أيام الأسر البابلي. وفي المسيحية نشأت عبادة القديسين واحترام رفات الأولياء والشهداء من اضطهاد المسالمين وقتل الأبرياء وظلم أصحاب الحقوق في عصر الشهداء. وقد عبرت رؤيا يوحنا عن هذا البناء النفسي القائم على الشعور بالاضطهاد، الصراع بين الخير والشر، وانتصار الخير بالخيال في النهاية. فاضطهاد الأمويين للشيعة كاضطهاد الرومان للمسيحيين، وأسر نبوخذ نصر للعبرانيين.

وكما يحدث التأليه من الشعور الجماعي بالنسبة إلى الشخص الذي تجتمع فيه شروط التأليه يحدث أيضًا من الشخص نفسه الذي تخلقه الجماعة كمخلص لها. ففي كل مجتمع مضطهد مغلوب على أمره، مستضعف يبغي الخلاص، تنشأ فيه أفكار الخلاص في المستقبل وتتشخص في صورة شخص المخلص الذي سيظهر عاجلًا أم آجلًا لتحقيق هذا الخلاص. فإذا ظهر الشخص ولم تؤلهه الجماعة أله هو نفسه إمَّا فجأة من عنف الصدمة التي تلقاها المجتمع المهزوم فيؤله نفسه، وبالتالي يصبح نبيًّا وإمامًا، وإمَّا تدريجيًّا عندما يصعب الخلاص ويصر على طلب النصر، فيحوِّل نفسه من مجرد إمام إلى نبي ثم إلى إله ويكون التأليه هنا تعمية عما يحدث في الواقع وغطاءً يستر الهزيمة، وأملًا في سراب كتعويض عن مرارة الواقع واليأس من الخلاص. وهكذا ادعى صاحب كل فرقة من غلاة الشيعة الألوهية أو على أقل تقدير يبدأ بادعاء النبوة والرسالة. وما أن يفشل في تحقيقها أو بدلًا من أن يحققها بالفعل حتى ينال الخلود يظن أنه قد حققها بالفعل، فيؤله نفسه ويخلدها ويعبدها نظرًا بعد أن فشل أو عجز عن القيام بالرسالة عملًا. فكل تأليه فشل وعجز. ويسهل تأليه الإنسان لأنه عندما يتأمل نفسه يجد أنه أشرف ما في الكون وأعظم آياته، فيؤله نفسه بالخيال بدلًا من أن يعمل جاهدًا فيخلد نفسه بالعمل. التأليه عملية يقوم بها العاجز أو معركة في الهواء يقوم بها الضعيف في حين أن تخليد الذات بالفعل عمل إيجابي ووجود موضوعي للخلود من خلال الفعل.٣٨

(٢-٢) درجات التأليه وطرقه

ويمكن التمييز بين ثلاث درجات في التأليه: الألوهية، والنبوة، والإمامة، تبعًا لعنف الصدمة أو ضعفها. فإذا كانت صدمة الجماعة الأولى عادية نشأ التأليه متدرجًا من الإمامة إلى النبوة ثم إلى الألوهية تبعًا لإضافة كل جماعة من خيالها وخلقها. أمَّا إذا كانت الصدمة عنيفة نشأ التأليه أوَّلًا في أعلى صورة له في الألوهية ثم انخفض تدريجيًّا من الألوهية إلى النبوة ويصل إلى أقل درجاته في الإمامة، وقد تجمع الدرجة القصوى بين الألوهية والنبوة والإمامة معًا، فإذا خفت حدتها جمعت النبوة والإمامة فحسب.٣٩
تعني الألوهية إذن على هذا النحو الانتقال من العدم المطلق إلى الوجود المطلق، ومن الهزيمة الشاملة إلى الانتصار المحقق، ومن الضياع الكامل إلى الوجود الكلي، وفي كل مرة يتأكد الضياع يزداد التأليه. ومع الإحساس بالعجز عن استرداد الحق الضائع تشتد انفعالات التأليه كتعويض عن هذا الإحساس بالعجز، وكأن النصر لا بد وأن يحدث بهذه الصورة الانفعالية الفردية، وكأن غياب الواقع لا بد وأن يجد تعويضًا له في متاهات الخيال. التأليه إذن غياب للموضوعية، وإغراق في الذاتية، ونقصان في العقل، وزيادة في الانفعالات، وانسياق وراء العاطفة، وكأن الطاقة الإنسانية لا بد وأن تتصرف على أي وجه حتى ولو كان غير طبيعي، وعلى هذا النحو ادعت كل الفِرَق من غلاة الشيعة ألوهية «علي».٤٠
وكما يحدث التأليه ابتداءً من شخص تاريخي موجود بالفعل مستوفٍ للشروط، ويتم رفعه حتى يصير إلهًا، يحدث أيضًا بحلول الله في الشخص ونزوله إليه بدل أن يرتفع الشخص إليه ويصير في مقامه. يأخذ التأليه إذن إحدى طريقين: الأول تأليه الشخص ذاته وتصعيده من حيز الشخص إلى نطاق الإله، وهو نوع من الإجلال والتعظيم عن طريق التفخيم بالتصعيد، وهو ما حدث لعلي ولبنيه ولبعض الأئمة، وهو ما حدث أيضًا للأوتزي وبوذا. والثاني حلول الله في الشخص ذاته، أي تنزيل الله من نطاق الألوهية إلى حيز الشخص، وهو أيضًا نوع من الإجلال والتعظيم عن طريق نزول الله وحلوله فيه. وهو ما حدث أيضًا لعلي وبنيه ولبعض الأئمة من بعده، وهو الطريق المفضل عند الصوفية أنصار الحلول، وفي المسيحية عند بعض الفِرَق القائلة بطبيعتين للمسيح.٤١
والعجيب تأليه من قتل الإله!٤٢ هل لأنه هو الذي كشف عن ألوهيته، خالصةً من جسده، من أجل إطلاق روحه وتناسخها في غير؟ هل لأن الإله لا بد أن يقتل كما هو الحال في المسيح وأن ذلك جزء من الخطة الإلهية للكون، وبالتالي تدخل كل عناصرها وتصبح كل مكوناتها إلهية؟
وغالبًا ما يرفض الشخص التاريخي المؤله والذي وقع عليه التأليه إسقاط هذه العملية الشعورية عليه، مما يدل على أن التأليه من فعل الجماعة وليس من ادعاء المؤله إذا كان على قدر كبير من الوعي النظري دونما حاجة إلى اللجوء إلى عقيدة الألوهية تقويةً للعزائم وشحذًا للهمم كما هو الحال في المجتمعات المتخلفة وجماعات الاضطهاد.٤٣
ويبدو أن التأليه الديني القديم قد تحول إلى تأليه سياسي معاصر، وأن الإمام القديم أصبح هو سلطان العصر، وأن أئمة الأجداد أصبحوا هم حكام العصر، وأن أولاد الحسن والحسين هم أولاد الجيش، وضباط الجند، وسواري العسكر. وبالرغم من أن التأليه قد حدث لدى فِرَق الشيعة باعتبارها جماعات الاضطهاد قديمًا، إلا أنه استمر عند أهل السنة باعتبارها جماعة الاضطهاد حديثًا بعد المد الاستعماري الأوروبي والقهر الداخلي. ومن الطبيعي أن يحدث تأليه قائد الجماعة المضطهدة بفعل شعور الجماعة تعبيرًا عن تجاوزها لآلام الهزيمة وانتصارها المعنوي، وتحويلها من الواقع إلى الخيال، ومن المشاهدة إلى الحلم، ومن الزمن إلى الخلود. ولكن العجيب أن يحدث ذلك من قواد الثورة، وعسكر الانتصار، وأن يدعى كل قائد اليوم الإله الفرد، والحاكم الأوحد، والسلطان المطلق. وهنا يبدو أثر التراث كمخزون نفسي عند الجماهير.٤٤ الجماهير ما زالت مطحونة، مضطهدة، يقوم شعورها على سيكلوجية الاضطهاد، وبالتالي فهي مستعدة بهذا التكوين لتأليه الحكام. فيدرك الحكام ذلك أن الدين أنجع وسيلة للسيطرة على الشعوب، سواء طبقًا لنصائح الاستعمار وخبرائه أو بدونها، ومع ذلك فهي سيطرة موقوتة لأن وعي الجماهير بمصالحها يستطيع أن يفك الإسار التاريخي، فيقضي ثقل الحاضر على قيود الماضي، وهو ما حدث في الثورة الإسلامية في إيران. لم تمنع عقيدة التأليه من ثورة الجماهير، وأصبحت قيادة الإمام سياسية خالصة تقود الجماهير، فانقلبت الشيعة سنة، والسنة شيعة.٤٥

(٢-٣) وظائف الإمام الكونية

والإمام المؤله يشارك الله في وظائفه. بل إنه يقوم بها كليةً بمفرده وعلى رأسها وظائف الخلق وإحياء الموتى، وإجراء المعجزات في الدنيا، وحساب الخلق، وعقابهم في الآخرة. وبتحليل إحدى أساطير الخلق نجد الآتي:٤٦
  • (١)

    يتم الخلق بطريقة كونية خالصة دون أي تمييز بين خالق ومخلوق. فالإمام الإله والكون شيء واحد، خالق ومخلوق معًا. الله لا ينفصل عن الأكوان والأشخاص، بل يتجلى فيها كما هو معروف في الديانات البدائية في أساطير الخلق وتفسير نشأة الطبيعة من ذاتها ما دامت الطبيعة هي الله. يبدأ العالم من وحدة واحدة هو الله. كان الله ولا شيء معه، وحدة مجردة خالصة لا انفصام فيها ولا تعدد أو تكثر، خالصة بلا مادة أو تعين. ولما كان على صورة بدن له رأس، يطير ويحط، له ملبس وعلى رأسه تاج، فإن الخلق يحدث بانفصال جزء خارجي عنه وهو التاج، ولكنه جزء فاضل عزيز طبقًا لتفاضل الأعضاء، فالوجه أفضل من اليدين، واليدان أفضل من الأرجل، يبصر ظله في البحر فهو والعالم وجهان لشيء واحد، يخرج الكون من بدنه طبقًا للصلة الكونية بين بدن الله وبدن الطبيعة. البحران من عرق الله، ومعروف في تاريخ الأديان أن النيل من دموع إيزيس، والعالم جسد المسيح، والكنيسة رأسه. الشمس من ظل بدن الله في البحر، والعالم كله صورة لله أو انعكاس له في الماء. وقد تم الخلق بالكلام لا بالإرادة بمجرد أن تحدث الله باسمه. فالعالم صدى لكلامه ورنين لصوته. وعلى هذا النحو يفسر التجسيم نشأة الطبيعة نشأة أسطورية عندما يتم الخلط بين النفس والبدن، بين الروح والطبيعة، وتتوحد الثنائيات من خلال الإشراقيات، وفي هذه الأحوال تسبق الطبيعة الإنسان، ويخرج الإنسان من الطبيعة، وتكون الطبيعة هي الكون كله علوه وسفليه، ويخرج الجماد من السائل، والسائل من الجماد، الحي من الميت والميت من الحي. الدورة أساس الطبيعة. تتشخص الطبيعة، ويحيا الجماد، وتظهر للأشياء إرادة وعقل، وتتحدث الموجودات، تأبى وترفض، تجادل وتقترح حتى يمحى الفَرْق بين «الله» والطبيعة والإنسان.

  • (٢)
    يكشف الخلق الكوني في حقيقة الأمر عن سيكلوجية الاضطهاد. فقد كان الله وحده أي تدمير العالم الظالم باستثناء الله العادل. وتم الخلق بالكلمة، فالكلمة سبب الشهادة. وقد ركز شعراء الجماعات المضطهدة على أهمية الكلمة، وكذلك في تاريخ الأديان، في البدء كانت الكلمة. ويرمز التاج الواقع إلى السلطة السياسية المنهارة، واقعًا أو بالتمني، كرغبة مكبوتة، كما تعبر الأسطورة عن قدرية الأفعال، وجبرية المصائر، والقدر المحتوم في مسار التاريخ ليس فقط في الظلم بل أيضًا في العدل، أو في الهزيمة وحدها بل أيضًا في الانتصار. وقد كانت كثير من الحركات الثورية جبرية بمعنى اتحادها مع حتمية قوانين التاريخ، طبقًا لجدل السيد والعبد. كما تبين الأسطورة رفض المعاصي والظلم والغضب من الشرور والآثام، فالوعي ما زال خالصًا لم يتزيَّف بعد بفعل الدولة والنظام القائم. ويشير التعارض بين العذب والمالح، بين النور والظلمة، إلى الصراع بين الحق والباطل، بين العدل والظلم على ما هو معروف في الجماعات الإسلامية المعاصرة التي تمثل جماعات الاضطهاد اليوم.٤٧ وتكشف الأسطورة في ظل «الله» عن التمايز بين الوجود والظهر، بين الباطن والظاهر، بين الحق والباطل. بين الحقيقة والوهم. أمَّا فردية الإله ووجوده ولا شيء معه فإنها تعبر عن الحكم المطلق والرغبة في التسلط: «لا ينبغي أن يكون معي إله غيري». أمَّا عدم تحمل الأمانة وتخلي الناس عن مناصرة الحق، فإنه وصف لواقع جماعات الاضطهاد. ومِنْ ثَمَّ تعبر الأسطورة مرة عن الواقع ومرة عن الحلم، مرة عن مرارة الألم والاضطهاد والهزيمة، ومرة أخرى عن قرب الفرج والفرح والانتصار. وبالرغم من هذه الوحدة الأولى في الخلق، فإنه يمكن التمييز في عملية الانفصال بين طرفين يمثلان الثنائية الخالدة المعروفة في تاريخ الأديان بين الخير والشر، وتشخيصهما في الطبيعة أو في الألوهية. هناك بحر مظلم، والآخر نير عذب، الأوَّل يمثل الشر والثاني يمثل الخير، الأوَّل خُلق منه الكفار والثاني خُلق منه المؤمنين.٤٨ وبالتالي يتحول البشر الفانون إلى أنماط أبدية للسلوك البشري تجسيدًا للخير المطلق والشر المطلق.
  • (٣)
    بعد الخلق الكوني يأتي الخلق الشخصي، ويبرز من الكون الشخص الأوَّل كما هو الحال في حكايات الخلق والنصوص الدينية من خلق آدم بعد خلق الكون. ولكن الشخص الأوَّل هنا هو محمد، وهو ظل، أي وهو صورة مجردة قبل أن تتمثل في مادة، وحقيقة خالصة أبدية قبل أن تتعين وتتزمن ثم إرسال هذا الظل إلى الناس قبل إرساله وهو رسول بشري. وهو ما قاله الصوفية فيما بعد عن «الحقيقة المحمدية» التي تشارك في صفاته ووظائفه، محمد الخالد الأزلي السابق على الخلق والتكوين الذي يوجِّه ظواهر الطبيعة، والذي تنبع منه العلوم والمعارف.٤٩ وفي أسطورة أخرى يأخذ على الدرجة الثانية بعد آدم. وفي أسطورة ثالثة أن الله لم يخلق شيئًا، بل فوض كل ما فعله إلى محمد أو إلى علي، وهو الذي قام بهذه الوظيفة الكونية.٥٠ ويُلاحَظ في أسطورة التدبير عن طريق التفويض تضخم محمد وتحوله إلى كون ومدبر أول للعالم وواسطة بين الله والخلق. والإمام وريث لمحمد، لإرادته وتفويضه، مما يعطي إمام الجماعة المضطهدة قدرة إلهية، وتمثيلًا للحق من خلال النبي. تضخم النبي ناتج من أنه في علاقة قرابة مع إمام الجماعة المضطهدة فقرابة الدم حامل لتفويض الرسالة. ومعروف في تاريخ الأديان أن بولص قال مثل ذلك في المسيح الأزلي الخالد السابق على الكون والخليقة المتحد بالله قبل المسيح عيسى ابن مريم.٥١ وهو ما يحدث في كل بيئة يقع الاضطهاد على قائدها، فترفعه وتجعله يند عن كل اضطهاد ويتجاوز كل هزيمة، ويتغلب على كل ظلم. وأقصى درجات الرفع هي الألوهية بما تتصف به من خلود وأولوية على كل شيء، وعزاء وتعويض من كل شيء. ويتضخم الإمام حتى يبتلع الكون كله فيكون الكون هو الشخص، والشخص هو الكون، ويصبح الرسول وأهله السماء، وعلي وأهله الأرض.٥٢ وكأن التأليه الذاتي للعقائد وحده لا يكفي للتعبير عن العظمة والجلال، فيتحول إلى تأليه موضوعي ولأهله وللكون. وتتضخم ذات العقائد، إمامًا أو رسولًا، وتتجه نحو الموضوع وتتحد به وتتمثله وتحتويه في باطنها. وكلما قوي الإحساس بالهزيمة والضياع اشتد التأليه للشخص حتى يحوي الكون كله. وقد يحدث هذا التشخيص للطبيعة كنوع من إسقاط العواطف الإنسانية على الطبيعة في حالات الهستيريا. فالمجنون يخاطب الأشياء، ويتحدث مع الموضوعات، ويوجه الحديث إلى الكون. قد يكون تشخيص الطبيعة نوعًا من آثار الصدمة الأولى التي تلقاها الشعور الجماعي فأفقدته صوابه وأصبح لا يتحدث إلا مع الأشياء كما هو الحال في الديانات البدائية وفي المسرح اليوناني القديم عندما يخاطب البطل الموتور أو الكورس أو الأشياء المحيطة به.
  • (٤)

    هذه الأولوية للشخص، سواء كان آدمًا أو محمدًا أو عليًّا أو عيسى، ليست أولوية مادية كونية فحسب، بل هي أيضًا أولوية معنوية خلقية. فالشخص هو الإنسان الذي رضي بحمل الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال وعلى الناس كلهم أن يمنعن عليًّا فأبين جميعًا ولم يقبل إلا أبو بكره فأمره أن يتحمل منعه. وأعانه عمر غدرًا كي يأخذ الخلافة من بعده. وهنا نجد تحويرًا للأفكار الدينية وتوفيقًا لها مع الظروف النفسية للجماعة. أوَّلًا، لم تعد الأمانة كما هو الحال في النصوص الدينية تطبيق الوحي، أي الإيمان بالله وفعل الخير، بل منع علي من القيام بالرسالة. وقد حدث هذا التحوير بالقلب من الضد إلى الضد، من القيام بالرسالة إلى منع القيام بها. ثانيًا، بدل أن تعرض الأمانة على الطبيعة وحدها، كما هو الحال في أصل الوحي، عُرضت على الطبيعة والبشر معًا. فالبشر جزء من الطبيعة، والطبيعة مشخصة. ثالثًا، بدل أن يكون الإنسان العام هو الذي يقبل الأمانة أصبح الإنسان الخاص هو الذي يقبلها وهو أبو بكر. فالظروف النفسية للجماعة حولت الأفكار الدينية إلى أسطورة بطريق القلب والتخصيص.

  • (٥)

    هذا الإمام الكوني تسوده الأهواء والانفعالات، يسر ويغضب، ينافس ويصارع، يمحق ظله في البحر لأنه لا يريد إلهًا غيره، فهو ليس إلهًا عاقلًا حكيمًا خلق الكون بناءً على نظام وقانون، بل إله منفعل، وكل شيء خاضع لهواه. بل إن انفعالاته النفسية يصاحبها ظواهر جسمية. فهو يغضب ومن شدة غضبه يعرق بدنه. وهذا طبيعي بما أن هذه الصورة من خلق الشعور الانفعالي الذي هزته الصدمة وأفقدته الهزيمة التوازن النفسي. غاضب لما ألم به من ظلم وعدوان، يصارع الأعداء، ولا يقبل أحدًا بجواره؛ لأنه لم يعد يثق بأحد، وهي الصورة التي أصبحت فيما بعد صورة المتسلط القاهر.

  • (٦)
    والإمام المؤله لا يموت. فكما أنه أزلي لا أول له فهو أيضًا أبدي لا نهاية له. وهو ليس وحده خالد، بل يكون أيضًا كل من اتصل به أو عبده أو على الأقل البعض منهم، فالخلود يسري بالاتصال وينتشر بالتبعية. كل من اتصل بالخلد فهو خالد، وكأن الإمام يشع خلوده على الآخرين، وتسري عدوى خلوده في جماعته. ليس الخلود صفة خاصة ثابتة، بل هي صفة مشعة. وقد يكون الخلود لأبدان الآلهة، ففي لحظة الموت يرفع الإمام ببدنه إلى السماء، وتحل روحه في بدن إمام آخر. فالإمام خالد بدنًا وروحًا.٥٣
  • (٧)
    والإمام المؤله قادر على إحياء الأموات وإجراء المعجزات، سواء بفعله أو باسم الإله الأعظم تبعًا لدرجة التأليه، فهو يفعل باسمه لو وصل إلى أقصى درجات الألوهية. ويفعل باسم الله الأعظم لو كان يحفظ بينه وبين الله درجة. وإجراء المعجزات رد فعل على العجز في الطبيعة، والسيطرة المطلقة عليها رد فعل فقدان السيطرة الكلية عليها. ويتدخل الخيال للتعبير عن طريق إجراء المعجزات مستعينًا بالصور الدينية مثل انشقاق الأرض. فبدل أن تنشق الأرض في نهاية الزمان تنشق الآن، ويرجع الموتى أحياءً إلى الدنيا. وهو قادر على إحياء الموتى وإعطاء الخلود كقدرة عيسى، وكأن قدرة الإنسان الإله على السيطرة على الطبيعة العلوية تعوضه عن خسائره في الدنيا في عالم البشر، وتعطيه من جديد الثقة بالنفس والأمل بالانتصار.٥٤
  • (٨)
    ويأخذ الإمام المؤله وظائف الإله في حساب وعقاب المؤمنين. فهو الذي يحاسب ويعاقب، يرحم ويشفع، يقف الجميع بين يديه كما هو معروف في تاريخ الأديان من معاقبة المسيح وإثابته للناس.٥٥ ويكون الحساب هذه المرة أكثر عدلًا من حساب البشر الذي يقوم على الظلم، والعدل الإلهي في النهاية هو القاضي على الظلم الإنساني في البداية.
ومن التأليه يمكن استخلاص النتائج الآتية:
  • (١)

    الإنسان إله، أو على الأقل يمكن أن يؤله. فهو الموجود الوحيد الذي يمكن أن تبدأ منه عملية التأليه، ويكون الإنسان إلهًا ليس فقط عن طريق الاتحاد بالمؤله كما هو الحال عند الصوفية، بل كبديل عن المؤله ذاته. الإنسان ليس نبيًّا ملهمًا كما هو الحال عند الفلاسفة وليس وليًّا ملهمًا كما هو الحال عند الصوفية، بل هو نفسه إله. وهذا يجعل الإنسان في أعلى مستوى من الشرف بالنسبة للموجودات الطبيعية.

  • (٢)

    لا يسقط الإنسان من ذاته تصوراته وصوره وعباراته على المؤله فحسب، ولا يسقط عليه آماله وأحلامه ورغباته وأشواقه فحسب، بل يؤله ذاته مشخصًا، أي يتجاوز الإسقاط النفسي واللغوي إلى الاعتقاد الشخصي. فالإنسان يؤله ذاته، ويعبد نفسه، ويقدس شخصه، وهو موقف نرجسي خالص، تتضخم فيه الذات حتى تمحى من أمامه كل الموضوعات.

  • (٣)

    الله هو في الحقيقة عملية تأليه، ابتداءً من شخص فاضل يتم تعظيمه وهو الله. وهو في الحقيقة في نشأته إنسان فاضل. وهذا ما حدث في عديد من الديانات الأخرى، فقد كان بوذا معلِّمًا فاضلًا في مدينته، وكان تاو شيخًا فاضلًا في قريته كذلك.

  • (٤)

    تحدث عملية التأليه هذه في جماعة وقع على قائدها الظلم، وعجزت عن الانتصار له بعد أن حاولت مرات عديدة. ومِنْ ثَمَّ تتحول الهزيمة في الواقع إلى انتصار في الخيال، ويتحول الموت في الواقع إلى خلود في الخيال، ويصير عجز البطل في الواقع تأليهًا في الخيال، وإعطاءه قوة خارقة للعادة تجعله قادرًا على إجراء المعجزات.

(٣) الحلول والاتحاد: الحلول في الأئمة والصوفية والاتحاد عند النصارى

(٣-١) الحلول في الأئمة

فكما يكون الحلول كليًّا بحلول ذات الله في الإمام يكون أيضًا جزئيًّا بحلول روح الإله في الشخص إن لم تحل ذاته في ذاته، وذلك إبقاءً لبعض الفَرق بين المستويين، بين المطلق اللامحدود والنسبي المحدود، وجعل العلاقة على مستوى الروح إن لم تكن على مستوى الطبيعة.٥٦
وينتقل هذا الروح الإلهي من إمام إلى إمام عن طريق التوارث. فلا يُتَوارث العلم وحده، بل أيضًا الشيء وهو الروح الإلهي. المعرفة والوجود كلاهما متوارثان. تنتقل الروح من النبي إلى آخر، أو من إمام إلى آخر حتى تصل إلى آخر الأئمة. فلا حديث هنا عن ذات الله، بل عن روح الله، وهو الروح القدس الذي يحل في الأنبياء ثم في الأئمة، ويكون الحلول هنا حلولًا روحيًّا خالصًا. الذي يهم هو روح الله وروح الإمام، لا شخص الله وشخص الإمام. الروح باقية، وبين الله والأئمة حبل لا ينقطع واستمرار دائم بفعل الروح. إذا تُوفي الإمام حل الروح في إمام آخر.٥٧ ويمكن وصف الحلول من أوله إلى آخره، من روح الله إلى آخر الأئمة. تحل روح الله في آدم ثم في الأئمة من بعده حتى الإمام الأخير، قد يكون السابع أو الثاني عشر أو الغائب الذي يظهر في آخر الزمان.٥٨ وانتساب الأئمة الآلهة إلى آدم أول الخلق يعطيهم أولوية في القِدَم. فالقِدَم أكثر تعبيرًا عن الإجلال والتعظيم من الحدوث، والسابق أكثر عراقةً من اللاحق، والآباء أكثر مدعاة إلى الاحترام من الأبناء على الأقل في النظرة المحافظة. وقد حدث نفس الشيء في تاريخ الأديان عندما ألحق بولص المسيح بآدم وألحق الصوفية مُحمدًا بآدم، وقص كتاب التوراة حياة موسى ابتداءً من آدم. وهذا إحساس وجداني أكثر منه حقيقة موضوعية ظهر في كل قيادات الجماعات المضطهدة التي نالت الشهادة، تعظيمًا وإجلالًا.
وقد تكون علاقة الأئمة بالإله علاقة توالد، ويكون الأئمة الآلهة أبناء الله، أبناء آلهة كالأب الإله.٥٩ فعلاقة الأبوة والبنوة أفضل ما لدى الإنسان من تعبير عن الاتصال والاستمرار والقرب والاتحاد على ما هو معروف في تاريخ الأديان في المسيحية خاصة، وفي الدين المصري القديم والدين اليوناني عامة. فالمسيح وفرعون أبناء الله، وآلهة اليونان صدرت عن زيوس، وهي صورة شعبية تدل على وجوب القرب بين الشخص المبجل المعظم وبين الله، فيصبح ابن الله وحبيبه. وكثيرًا ما يعظم الابن الأب وينده أو على أقل تقدير يكون مثله في العظمة، فيصير الابن إلهًا كالأب كما هو معروف في حالة المسيح وفرعون: فالمسيح إله، وفرعون إله.
وفي التأليه تتعدد الآلهة وتتعدد الأئمة، ويتفاضلون فيما بينهم. هناك إله أعظم من إله، وإمام أفضل من إله.٦٠ صحيح أنهم كلهم يعيشون في مدينة الآلهة كآلهة الأولمب أو كمدينة الصوفية كأقطاب وأبدال تجمع بينهم علاقة الأبوة والبنوة، أي علاقة التوالد والأنساب، علاقة الأصل بالفرع ولكن ذلك يقتضي أيضًا ترتيب الأئمة الآلهة أو الآلهة الأئمة في سلم قُيِّم حسب قدرهم من العظمة والجلال. هناك الإله العظيم، وهناك الإله الأقل عظمة. هناك إله الآلهة، وهناك صغار الآلهة على ما هو معروف في تاريخ الأديان، خاصةً في الديانتين اليونانية والرومانية.
وقد يكون الحلول مجرد تشكُّل الروح في عديد من الصور وتقلُّبه عليها، وهو المعروف بعقيدة التناسخ.٦١ إمَّا لأن الروح لا تُرى إلا في صورة حسية ولا تُرى مجردة بلا صورة، وإمَّا لتفسير تعدد الآلهة والأئمة وصدورهم من مصدر واحد، وردِّ التعدد إلى الوحدة. والتناسخ نوع من الخلود لأن الروح تبقى والأجساد تفنى، الروح واحدة تتوالى على أجسام كثيرة.٦٢
وهناك عدة فروق بين الحلول والتناسخ. منها أن الحلول يبدأ من روح المعبود ثم ينتقل في الإنسان ثم في إنسان آخر بالوراثة حتى آخر الأئمة. الإمام من حيث المبدأ وإنسان من حيث النهاية. فهو إله وإنسان معًا. أمَّا التناسخ فقد لا يبدأ من روح المعبود ضرورة، ويكون بحلول الروح أيًّا كانت سواء إلهية أم إنسانية في بدن آخر، وبالتالي فهو أقل درجة من الحلول. ولا يتم الحلول إلا في بدن إنساني في حين أن التناسخ قد يحدث في بدن الإنسان وجسم الحيوان. وإذا كان الحلول نوعًا من الفضل، فإن التناسخ نوع من العقاب إذا حل في بدن أو في جسم أقل درجة من البدن الأوَّل أو من الجسم الأوَّل. والحلول للروح في حين أن التناسخ للعقل. فالإنسان مكلف بالعقل قبل الرسالة وقبل الخلق. وفي الحلول إسقاط للتكاليف على الإطلاق في حين أن في التناسخ فرضًا للتكاليف على الإطلاق.٦٣
وفي عملية التأليه تظهر الأضداد. فلكل إله أو إمام ضد. والأضداد معروفة في تاريخ الأديان. هناك إله للنور وإله للظلمة، إله للخير وإله للشر، أهرمان وأرمزدا، خاصةً في الديانات المثنوية كالمانوية والمزدكية والزرادشتية. النبي ضده أبو بكر، وعلي ضده عمر، والحسن ضده عثمان، والحسين ضده معاوية، وفاطمة ضدها عمرو بن العاص.٦٤ وقد لا تكون الأضداد بالضرورة مرذولة لأن بفضلها أمكن معرفة أضدادها الخيرة، فالنقيض هو الذي يوجد الموضوع ويظهره، والحقيقة لا تظهر إلا بنقيضها. والأضداد حقيقة إنسانية شخصها اللاهوت في عملية التأليه، ولكن أساسها الانفعالات. هناك المحبة والكراهية، الولاية والعداوة، التواضع والغرور، الأمل واليأس، الفرح والحزن إلى آخر ما هو معروف من تحليل الصوفية أو علماء النفس للانفعالات الإنسانية وتثبيتها بين النقيضين، سماها الصوفية أحوالًا وعلماء النفس انفعالات موجبة وسالبة. وقد تتحول هذه الأضداد من مستوى الانفعال إلى مستوى العقل، فتظهر ثنائيات الأخلاق المثالية بين الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، الأنانية والغيرية أو ثنائيات التشريع المثالي من حلال أو حرام، وإيمان وكفر، وثواب وعقاب، وأمر ونهي. وقد تتشخص الأضداد في التشبيه فيما يتعلق بالأخرويات من جنة ونار، وملاك وشيطان، ونور وظلمة، ويمين ويسار، وحلو ومر، وإشباع وحرمان.
وكثيرًا ما تساعد العامة على التأليه. فالعامة بتكوينها النفسي البدائي، وضعفها العقلي الثقافي تحتاج إلى وظيفة جماعية أو إلى فرد تصب عليه انفعالاتها وعواطفها، ترى فيه المحقق لأمانيها والملبي لرغباتها، والمدافع عنها في ساعة الخطر؛ لذلك تحتاج المجتمعات البدائية أو المتخلفة للزعامة، وتأليه الأفراد، وعبادة الأشخاص بخلاف الجماعة الواعية التي إن ادَّعى فيها أحد الأشخاص الألوهيات لأخمدت الدعوة في مهدها لمعارضة الجماعة لها. فألوهية الأشخاص لا تسري في الجماعة الواعية. وقد تستعمل الخرافة والخزعبلات ووسائل السحر المختلفة لإيهام العامة بألوهية الأشخاص كما هو معروف من وظيفة السحر في الديانات البدائية.٦٥ فإذا وعت الجماعة اكتشفت كذب الإمام ولكن ألَّهت غيره، وذلك لاستمرار وظيفة التأليه في شعور الجماعة.٦٦ فإذا ما وعت الجماعة فإنها قد تتبرأ من الإمام. فبالرغم من تسلسل الأئمة من نفس المصدر وارتباطهم بنفس الروح وتعبيرهم عن نفس الحقيقة قد تظهر العداوة بينهم، فيُكفِّر بعضهم بعضًا على لسانهم أو على لسان جماعتهم مما يدل على أن ظروفًا اجتماعيةً أخرى أقوى كانت مدعاة للتفرقة بينهم استطاعت أن تحتوي الظروف الاجتماعية الأولى التي كانت سببًا في نشأة التأليه.٦٧

(٣-٢) الحلول في الصوفية

وقد يكون الحلول جماليًّا خالصًا كما هو الحال في حلول الصوفية. وهنا يظهر ارتباط الألوهية بالجمال كما هو معروف في علم الجمال الديني وفي الحركات الرومانسية وفي الشعر الصوفي. جمال الطبيعة تجربة دينية، «فالله» جميل يحب الجمال، كما عبر عن ذلك الصوفية أصدق تعبير. ولا يمكن الرد على ذلك بعدم جواز حلول الجوهر في الأعراض، فالتجربة الصوفية الجمالية ليست تجربة عقلية منطقية.٦٨ وقد يكون الحلول نفسيًّا خالصًا نتيجة لإحساس الفرد بالرسالة ووهب حياته لها والتزامه بمبادئها حتى ليشعر أنه قد اتحد بالغاية فيقول الوطني «أنا مصر» أو الفنان «أنا الفن» أو الشاعر «أنا الشعر» أو الصوفي «أنا الحق».٦٩ وذلك يتم عن طريق الإخلاص التام والتطهر المطلق والتضحية حتى تظهر شفافية النفس ويسقط بينها وبين موضوعها أي حجاب.٧٠ والطريق إلى ذلك محبة الله وإسقاط الشرائع؛ لذلك سمى الصوفية «أهل الإباحة» كرد فعل على كراهية العالم وظلم قوانين البشر ونفاق الشعائر والعبادات المظهرية. وفي حقيقة الأمر قد يؤدي الإحساس بالعجز وحده دون الإحساس بالاضطهاد إلى عملية التأليه كما حدث في التصوف الذي نشأ في ظروف مشابهة تقريبًا لنشأة التشيع، مما يجعل البعض يوحد بين التشيع والتصوف. كلاهما انتهى إلى أن يصبح حركة مقاومة سلبية ضد النظام القائم وانقلابًا روحيًّا فرديًّا إلى الداخل بعد أن استعصى مقاومة الخارج بالفعل، بعد أن استُشهد أئمة آل البيت كما استُشهد كبار الصحابة في مقاومة الظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التشيع حركة مقاومة شيعية والتصوف حركة مقاومة سنية. فكل من الإمام والصوفي لديه إحساس بالرسالة والدعوة لتحقيق الوعي من جديد كنظام مثالي للعالم بعد أن ضاعت فيه الرسالة، وأصبح العالم مسيَّرًا بطبيعة أحادية الطرف. فالصوفي هو الإنسان الذين ما زالت الرسالة ظاهرة فيه وإن انحسرت عن العالم وضاعت من مجتمعه، وهو نفس الإحساس الذي لدى الإمام. وعند الصوفي إحساس بالعجز أمام القوى المادية وأنظمة الحكم. ونظرًا لغياب أية محاولة لتحقيق الرسالة علميًّا بمعنى تكوين حزب أو جماعة سرية لمناهضة هذه القوى المادية ونظم الحكم القائمة وتجنيد الجماهير من أجل تمثل الأفكار الجديدة والعمل على تحقيقها اقتصر جهد الصوفي على الدعوة الفردية لبعض الأفراد وتكوين جماعات صغيرة منعزلة تقتصر على التربية الروحية، وتحول الدعوة شيئًا فشيئًا من دعوة عامة إلى دعوة خاصة ومن دعوة سياسية إلى دعوة أخلاقية، ومن العمل في العالم إلى الخروج منه. وهو ما حدث للتشيع أيضًا من انغلاقه على نفسه، وتكوين جماعات سرية تعبر عن نفسها في التأويلات الباطنية والإغراق في الروحانيات. ولما كان الإحساس بالرسالة قويًّا، يزداد يومًا بعد يوم بفضل التربية، ولما كان الإحساس أيضًا بالعجز قويًّا يزداد يومًا بعد يوم بفضل العزلة، تحولت الطاقة الإنسانية لها إلى أعلى وليس إلى الأمام، فصعدت الروح إلى أعلى بدل أن تسير في التاريخ إلى الأمام، فيشعر الصوفي أنه قد اتحد بغايته القصوى وأن رسالته قد تحققت بالفعل، في حين أن هذا التحقق قد حدث بطرقة منحرفة، إذ إنها تتحقق في الخيال وفي الشعور وليس في الواقع وفي العالم الخارجي، وهو وقوع في النرجسية الخالصة كنوع من الاكتفاء الذاتي والرضا عن النفس. كما أنها تتحقق بطريقة فردية في شخص الصوفي وليس على نحو جماعي في التاريخ، في جماعة وفي حركة تاريخية عامة. وهي تحقق إلى أعلى وليس إلى الأمام، فقد أصبحت الغاية متعالية وليست غاية في التاريخ، وما أسهل من تحقيق الفكر الطوباوي في الأذهان.

(٣-٣) الاتحاد عند النصارى

ومع رفض الحلول يُرفض الجوهر ومعه أقانيم النصارى بعد رفض الثنوية وذكر الأوصاف والصفات.٧١ ثم يُفصل التنزيه عن الاتحاد والحلول بعد إثبات القِدَم والبقاء والوجود والشيء ونفي الجسم والجوهر والتنزيه عن المكان والجهة والحيز.٧٢ كما يظهر نفي الحلول بعد نفي الجسمية وإثبات مخالفة ماهية الذات وعدم مشاركتها للذوات الأخرى ونفي تركيبها.٧٣ ويُنفى الحلول كرابع وصف بعد نفي الجسمية، ونفي الجوهر، ونفي المكان بعد دخول الوجود في دليل الحدوث والإمكان.٧٤ ويُنفى الاتحاد كسادس وصف بعد نفي الجسمية ونفي الجوهر ونفي المكان ونفي الحلول ونفي قيام الحوادث به.٧٥ وقد يُنفى الاتحاد والحلول كثالث صفة بعد نفي المشاركة والجسمية.٧٦ وقد ينفي الحلول بعد نفي الشبه والشرك بعد صفات المعاني السبع وقبلها بعد إثبات القِدَم والوجود، ثم يُنفى الاتحاد بعد نفي القيام بالحوادث.٧٧ وقد يظهر نفي الاتحاد والحلول على أنه خامس وصف في التنزيه بعد نفي الجهة مع المكان ونفي الجسمية ونفي الجوهر مع العرض ونفي الزمان.٧٨ وقد يُنفى الجوهر ويُرد على النصارى بعد مبدأ التوحيد بإثبات الوحدانية ثم نفي الجسمية ونفي الجهات والمحاذيات.٧٩ وفي المؤلفات المتأخرة يقل الهجوم على الحلول والاتحاد، فالنصرانية لم تعد خطرًا، والتصوف تحول إلى أخلاق سلبية دون نظريات ميتافيزيقية صريحة كما كان الحال من قبل مع أنه كان من الموضوعات البارزة في المؤلفات الأولى لدرجة أنه كاد أن يصبح موضوعًا مستقلًّا في التوحيد.
وبالرغم من أن الحلول عند أئمة الشيعة والصوفية والاتحاد عند النصارى إلا أنهما يوضعان معًا في نطاق واحد وبمعنى واحد تقريبًا، خاصةً فيما يتعلق بالصوفية الذين يصعب لديهم التمييز بين الحلول والاتحاد. ويرد على الاتحاد والحلول معًا بأدلة عقلية منطقية تسترجع من جديد دليل الحدوث ومباحث الجوهر والأعراض وأدلة إثبات القديم واستحالة الحدوث على الله، وإثبات البقاء واستحالة العدم. يستحيل الحلول لأن القديم لا يحل في الحادث (حلول الذات) كما يستحيل حلول الصفات لأنها قائمة بالذات.٨٠ ينافي الحلول واجب الوجود وصفاته مثل القِدَم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية. كما أن الصورة ليست فكرة، والتشبيه ليس تصورًا. وكل تقريب لمعنى في النفس، وهو معنى الاتصال والفاعلية والتوحيد لا يكون جوهرًا. أمَّا تشعيب طرق الاتحاد ومعاني الاتحاد، فهي أدخل في علم تاريخ الأديان المقارن الذي أصبح فرعًا من علم أصول الدِّين.٨١

وقد يُقال إن النظرة الحلولية كانت باستمرار حركة تقدم في التاريخ أدت إلى ثورات شعوب وحركات نهضة، واستعادت فعالية الله، وأنهت عزلة العالم وسكونه. وهذا صحيح. ولكن هناك فرق بين حلول الإله أو روحه في الأئمة أو الصوفية وبين الحلول العام للفكر في التاريخ. فحلول الأئمة حلول شيئي، حلول شيء في شيء، في حين أن الحلول العام في التاريخ حلول معنوي، وأقرب إلى الصورة الفنية منها إلى الاتحاد الفعلي للروح في المادة. حلول الأئمة حلول حقيقي في حين أن الحلول العام في التاريخ حلول مجازي لا يعني أكثر من توجيه الفكر للتاريخ، وفاعلية الروح في الطبيعة. فالفكر لا وجود له إلا بفعل التوجيه والروح لا وجود لها إلا في فاعليتها. حلول الأئمة حلول فردي شخصي، حلول فرد في فرد أو شخص في شخص، في حين أن الحلول العام في التاريخ حلول عام، وتوجيه عام للفكر لمجرى التاريخ، وأنظمة لحكم، وأبنية المجتمعات، وعلاقات الأفراد بما في ذلك بناء الأفراد. حلول الأئمة حلول أسطوري يتم في شعور الأئمة بالخيال، في حين أن الحلول العام في التاريخ حلول ملحمي، عملي علمي، يتم في التاريخ بفعل الجماهير. فهو ليس مجرد افتراض حلول نظري، بل تحقيق الحلول العملي بالفعل. حلول الأئمة عجز عن تغيير الواقع، ورغبةً في الحصول على نصر بأي ثمن، وعلى أي نحو، في حين أن الحلول العام في التاريخ تعبير عن قدرة الجماهير على التغيير والحركة، وليس تعويضًا عن عجز أو رد فعل على هزيمة. فهو ليس عكوفًا على الذات، بل انفتاح للذات على الخارج والاتحاد به. وبهذا المعنى قد يؤدي التنزيه من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نفس الدور الذي يقوم به الحلول في تثوير الجماهير وفي تحقيق الثورات في التاريخ.

(٤) التجسيم

والحقيقة أن تأليه الأئمة والصوفية والحلول والاتحاد عند النصارى، وكذلك التجسيم، كل ذلك استطراد للوصف الرابع، وهو المخالفة للحوادث، الذي يبدأ بنفي هذه النظريات التي امتلأت بها كتب الفِرَق، وإن لم تذكر بهذا التفصيل في كتب العقائد.

ويظهر هذا الوصف في أول إحصاء لأوصاف الذات في عشر على أنه نفي الجوهر، كرابع صفة بعد الوجود والقِدَم والبقاء،٨٢ أو كخامس صفة بعد إثبات القِدَم والبقاء والوجود ونفي الجسم.٨٣ كما يظهر نفي الجوهر على أنه ثاني وصف بعد نفي الجسم بعد أوصاف الوجود في دليلي الإحداث والإمكان.٨٤ كما يظهر نفي الجوهر بعد إثبات الوحدانية والقِدَم ثم ظهور الصفات السبع ثم نفي العرض والجسم.٨٥ ويُنفى الجوهر على أنه ثالث نفي في التنزيه بعد الجهة والمكان والجسم، وتُنفى الجسمية في معرض الجدل حول الذات.٨٦ وفي أحد الإحصاءات للأوصاف يظهر نفي الجسمية على أنه خامس وصف للذات بعد الوجود والقِدَم والبقاء ونفي الجوهر.٨٧ وقد ينتفي الجسم في معرض نفي التشبيه.٨٨ ويبدو نفي الجسم كرابع وصف بعد إثبات القِدَم والبقاء والوجود مرتين ضد الباطنية والفلاسفة.٨٩ ويُنفى الجسم بعد إثبات صفة الوحدانية والقِدَم وظهور الصفات السبع ونفي العرض.٩٠ ويُنفى الجوهر والعرض والجسم بعد نفي الاتحاد والحلول وقيام الحوادث بالذات بعد نفي الشبه والشريك، والكل بعد صفات المعاني السبع التي ظهرت بعد القِدَم والوجود.٩١ كما يُنفى التحيز بعد إثبات أن ماهية الذات مخالفة لسائر الذوات وغير مشتركة وأنها مركبة رفضًا للجسمية.٩٢ وتُنفى الجسمية كأول وصف للذات بعد إدخال الوجود في دليل الحدوث والإمكان.٩٣ وتُنفى الجسمية والجهة كثاني وصف في التنزيهات بعد نفي المشاركة في الذات أو الوجود. فنفي الجسمية هو في نفس الوقت نفي للجهة.٩٤ ويُنفى الجسم على أنه ثاني وصف في التنزيهات بعد نفي الجهة والمكان.٩٥ ويُنفى الجسم كرابع وصف للذات بعد إثبات الوجود والقِدَم ونفي الحاجة،٩٦ أو بعد إثبات الوجود والقِدَم فقط.٩٧ وقد يُنفى الجسم مع رفض الثنوية والجوهر والرد على إنكار النبوة وإثباتها والرد على إنكار النسخ وإثباته.٩٨ وتظهر لأول مرة صفة نفي الحد والنهاية على الصانع ضد الحسم الطبيعي ثم يُنفى الحد في صفة لا محدود بعد إثبات الوحدانية والقِدَم وظهور الصفات السبع ثم نفي العرض والجسم والجوهر.٩٩ وقد يظهر نفي التبعيض والتجزيء والحد والنهاية حتى بعد نهاية موضوعات التوحيد وظهور موضوعات العدل.١٠٠
ويلحق بنفي الجوهر نفي العرض لما كانت الجواهر لا تتعرى عن الأعراض، ولما كانت الأعراض لا توجد إلا في الجواهر. ويبدو نفي العرض على أنه ثالث وصف لله بعد الوحدانية والقديم، وبعد ظهور الصفات السبع بعد القديم وقبل نفي العرض.١٠١ كما يذكر استحالة كونه عرضًا في معرض نفي الجهات والمحاذيات بعد بدء التوحيد بإثبات الوحدانية ونفي الجسم.١٠٢ ويظهر نفي العرض مع نفي الجوهر والجسم والجهة بعد نفي الشبه والشرك (الحلول والاتحاد)، والكل بعد صفات المعاني السبع التي ظهرت بعد إثبات القِدَم والوجود.١٠٣ ونفي الجسم.١٠٤ وفي أول إحصاء لأوصاف الذات في عشرة يظهر نفي العرض على أنه سادس وصف بعد الوجود والقِدَم والبقاء ونفي الجوهر ونفي الجسم. ويظهر نفي العرض على أنه خامس وصف بعد إثبات الوجود والقديم ونفي الحاجة ونفي العرض.١٠٥
وقد تتخصص الصفة أكثر من الجسم. فكما أنه ليس جسمًا، فإنه أيضًا ليس بدنًا أي جسمًا حيًّا من لحم ودم؛ لأن البدن موضوع للفناء، و«الله» أعظم من كل البناء الإنساني وأجلُّ منه ولا يوصف بالصورة أو الأعضاء وليس فيه تركيب أو تحيز وكل أمارات الحدوث، وليس محدودًا أو له نهاية، ولا يعد ولا يحصى لأنه خال من أية كميات متصلة أو مقادير منفصلة. وليس متبعضًا ولا متجزئًا وليس متناهيًا.١٠٦ ولما لم يكن جسمًا فإنه لا يكون مدركًا بالحواس، فلا يكون حارًّا أو رطبًا أو يابسًا أو طريًّا لأنه ليس جسمًا تحول إلى جسم أو إلى الشعور أو مادة مصمتة تحولت إلى مادة حية في الشعور الخالص.١٠٧ وهو غير محدود لا متناهٍ، فالتحدد والتناهي من صفات النقص ولا يتصل بالمحدود المتناهي. وهنا يبدو أن التنزيه هو الجامع لكل الاتجاهات: التأليه والحلول والاتحاد والتجسيم والتشبيه.١٠٨ التنزيه هنا يتعدى الحدود ويرفض التقسيم، ويكسر القيود، ويتحرر من كل قيد. يقوم الشعور فيه بعملية التحرر هذه عن طريق التعالي المستمر.١٠٩ وليس المهم في كل ذلك هو الحجج العقلية التي تكرر أدلة الحدوث، بل المهم هو الانتهاء إلى نقطة اتفاق وهي رفض التجسيم والتشبيه على أنها مواقف يرفضها الشعور ويقف منها موقف السلب.

(٤-١) البدن

إذا قل التأليه درجة، وإذا غاب الشخص التاريخي الذي يُستخدم كنقطة بداية للتأليه أو كمشجب تعلق عليه العواطف والانفعالات الإنسانية، حدث التجسيم، أي تصوير الله في صورة بدن أو جسم أو شيء، لا بدنًا بعينه، بدن علي أو أبدان بنيه أو بدن الإمام، بل أي بدن يكفي أنه بدن الإنسان، فالله لا يمكن تصويره إلا على صورة إنسان، أي إنسان، الإنسان العام دون أي تعيين للأطراف. وهنا لا يكون الحديث عن الإمام بالذات، بل عن أي بدن. وقد يكون إنسانًا بلا جسم، تكفي صورة الإنسان.١١٠ فلا يحتم القول بالبدن القول بالتجسيم، فقد يحدث التشبيه دون التجسيم، حينئذٍ يكون المعبود إنسانًا دون تعيين أو تجسيم، يكون «الله» على صورة إنسان دون أن يكون له لحم ودم. الإنسان هنا هو الإنسان من حيث هو إنسان، الإنسان الأنطولوجي الخالص. وقد يظهر التجسيم في صورة المجوف والمصمت. فالمصمت صورة للملاء والرزانة والثقل والعظمة كالجبل وكرة الحديد، وهي إحدى الصور الدينية «الله الصمد»، والأجوف صورة للخلاء والشفافية والخفة والطهارة والعلو والصعود، وهو تجسيم للتنزيه أو تنزيه للتجسيم، صورة إنسانية خالصة. الجزء الأسفل محل للشهوات والغرائز، والجزء الأعلى مجوف محل للحكمة والمعارف العقلية، سواء كان البدن حيًّا أم ميِّتًا، له أعضاء أم ليس له أعضاء.١١١
ولكن الغالب أن الجسم بدن، ذو أعضاء، أطراف وحواس مثل أطراف وحواس الإنسان، مثل اليد والرجل والأنف والأذن والعين والفم. وقد يزيد البعض كل شيء إلا اللحية والفرج.١١٢ «الله» بدت له أطراف ووجه وعينان ويدان ورجلان وجوارح وأعضاء، وله حواس خمس.١١٣ وتتفاضل أجزاء البدن، فالوجه أفضل ما في البدن، وإذا هلك البدن فإن الوجه يظل خالدًا.١١٤ فالوجه هو الذي يحمل العلامات المميزة للإنسان، وهو الذي يؤخذ كعلاقة له في الصورة للتعرف على الشخص، وهو الذي يتغنى به المحبوب، ويصف به وجه الحبيب، حسنه وجماله، ويتمنى رؤياه. وفي بعض الأحيان يكون أفضل ما في البدن هو الرأس، أي المكان الذي به الوجه؛ لأن الرأس به حياة البدن، بها الوجه المعنوي، وبها مراكز الحس والحياة، بل هو شرط الحياة.١١٥ فالحياة بلا أطراف ممكنة، ولكن الحياة بلا رأس مستحيلة. الحياة بأطراف صناعية ممكنة، ولكن الرأس لا يمكن استبداله. وصورة الرأس معروفة في تاريخ الأديان، فرأس المسيح يمثله البابا، ورأس بولص تدحرج ثلاث مرات إثباتًا للتثليث، وفي الأمثلة الشعبية القسم بالرأس. وفي الصور اللغوية رأس الشيء قمته وأساسه وصلبه. وفي التصور الشعبي قيمة العضو الجنسي للذكر ليس فقط في الطول بل في الرأس. وفي بعض الأحيان يكون أفضل ما في البدن هو الجوف إشارةً إلى القلب أو الروح.١١٦ فالجوف يرمز إلى الداخل، الداخل أكثر قيمة من الخارج، وهو صورة للسر والباطن والمختبئ. الجوف مصدر للحكمة، وهو منبع العلن. وقد يكون الحديث عن البدن بلغة مكشوفة. فلا حرج في الحديث عن العورة والاستدارة، ولا حياء في البدن.١١٧ وهنا يلتقي التجسيم مع الأدب الصوفي في استعمال الأسلوب المكشوف أحيانًا في التعبير عن الله ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا. ولو كان المجسمة فنانين لأعطونا لوحات عديدة أو تماثيل عدة تمثل جمال البدن بجميع أعضائه، ولو كانوا أدباء لأعطونا نماذج رائعة من الأدب المكشوف في المسرح أو السينما أو الرواية. وأحيانًا لا يوصف البدن وحده عاريًا، بل يوصف بلباسه، فيكون المعبود إنسانًا في أبهى حلة وأروع زينة. وأحلى الأبدان هو البدن الملوكي، وأحلى ما يزينه هو التاج.١١٨ فالتاج كمال للرأس وزينة لها، وتأكيد لأهمية صاحبها ودور شخصها في الرئاسة. وقديمًا طالما تقاتلت المجتمعات والأسر من أجل التاج، وطالما كان التاج مطمعًا للطامعين وسببًا لاغتيال الآباء والأبناء وذوي الأرحام، وموضوعًا خصبًا للأدباء عامةً ولكُتَّاب المسرح خاصةً «في سبيل التاج».
وقد يكون الجسم بلا حياة، جثة هامدة، جثة إنسان من لحم ودم وشعر وعظم.١١٩ ويبدو هنا أن التجسيم مجرد صورة فنية من صنع الشعور أو الخيال دون تطبيق لقواعد المنطق أو لقوانين العقل. كيف يكون المعبود جثة بلا حياة وهو رمز الحياة؟ وكيف تكون الجثة بلا حياة ولها في نفس الوقت أعضاء؛ لأن انعدام الحياة يؤدي إلى تحلل الجسم وتآكل الأعضاء؟ كيف تتقلب صورة الثبات على صورة الحركة؟ هل هذه صورة الزعيم القتيل المسجى تعبر عن رعب الجماعة؟ أم أنها صورة الزعيم القوي نظرًا، الميت عملًا، القادر على العمل بالأطراف، والكلام باللسان؟ قد يشير ذلك إلى مبلغ الحب الذي توليه الجماعة للزعيم الشهيد أو الصوفي لله فيتمثله إمَّا بشرًا سويًّا، جسدًا للعناق والملامسة والمجاورة في الدنيا أو للتأمل والبكاء والنواح والتحنيط والتخليد ثم العبادة والتأليه. وقد تعقد التشبيهات للإنسان ككل فإمَّا أن يكون المعبود شابًّا أمرد جعدًا قططًا أو شيخًا أشمط الرأس.١٢٠
وأحيانًا يكون البدن بلا لحم أو دم أو عظم. وفي هذه الحالة يكون من نور ساطع بياضًا. ثم يتجسم النور درجة ويصبح للمعبود وفرة سوداء وقلبًا تنبع منه الحكمة حتى تكتمل الألوان ويظهر التقابل بين الأبيض والأسود١٢١ تجسيمًا للنور والظلمة. وهذه الشعرة السوداء نور أسود. والنور مادة أشرف من الشعر، وأكثر شفافية وإثارةً للخيال. ومع ذلك لا تجوز عليه الحركة والانتقال لأن الثبات أكثر عظمة من الحركة. النور هو التأليه من خلال الضوء، فالضوء أكثر الأجسام الطبيعية شفافية وأسهلها في الرؤية. النور مادة ولا مادة، يجمع بين التجسيم والتشبيه والتنزيه. وهي المادة المختارة لتشخيص الآلهة ولتصوير الله كما هو حادث عند الصوفية. ولغة النور والظلمة موجودة في كل دين، ترمز إلى الخير والشر، ويتجسدان في إلهين كما هو الحال في المانوية والزرادشتية. والنور في الصور الدينية شائع في الفن الديني، فيُرسَم المسيح أو أمه يحيط برأسه هالة من نور. وفي الفن المصري القديم ترمز أشعة الشمس ونورها للوجود الإلهي. وفي المأثورات الشعبية يحيط النور بالملاك وبالقديس، ويستعمل في لغة الترحاب، ويحل بقدوم القريب أو الصديق، ويهل بدنو الحبيب، ويقترب مع شهر الصيام. وكما يكون النور خالصًا بلا أجسام ولا أبدان، فإنه قد يتجسم ويصبح نارًا تُعبَد.١٢٢ وقد يقوى النور فيصبح نارًا، منها مادة الخلق، وتنسج حولها أسطورة من أساطير الخلق قائمة على تعارض النور والظلمة وعلى درجاتها المتفاوتة، ويصبح المعبود أكثر درجات النور شفافية تعظيمًا له وإجلالًا، وذلك في مقابل الظلمة التي تطرأ عليها الآفات. الحق في مواجهة الباطل، والعدل ضد الظلم، وهو الموقف السياسي الذي توجد فيه جماعة الاضطهاد.
وقد يكون السبب في التجسيم الرغبة العارمة في الحصول على الشيء الضائع، والانكباب على الحس، ومد اليد للقبض على الموجود. فمن يضيع منه الإمام ينكب على بدنه كبكاء الإنسان على فقد عزيز وارتمائه على جثته، وتشبثه بنعشه، وكتمسك الأم بثياب الابن، وكتشبث امرأة العزيز بثياب يوسف. والضائع يذهب يمينًا ويسارًا، ويمسك بأي شيء رغبةً في الاستقرار والهدوء. وفي الحضارات المجاورة لنا الآن التي بدأت برفض كل الموروث لجأت إلى الحس والتجربة من أجل تجسيم الحقيقة الضائعة أو المرفوضة.١٢٣ ومن الطبيعي أن تكون الصورة المثلى للتشبيه هي صورة الإنسان لطبيعة الصلة بين الإنسان والله. فالإنسان بطبيعته لا يدرك الأشياء إلا طبقًا لتكوينه، ولا يدرك العالم إلا عالمًا إنسانيًّا، فإذا عظم عظم الإنسان مضخمًا إلى الحد الأقصى. وقد ساعد الخبر على ذلك. إذ إن الخبر يؤكد نفس المعنى وهو «أن الله خلق آدم على صورته ومثاله». لذلك لا يفترق الشيعة عن أهل السنة في إثبات التجسيم بالرغم من اختلاف الدوافع، جماعة الاضطهاد عند الشيعة والخبر الحرفي عند أهل السنة، والخلاف بينهما هو في الدرجة لا في النوع. وبالرغم من التجسيم إلا أنه يبدو أحيانًا أن المعبود جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء، وكذلك في سائر الصفات لا يشبه شيئًا من المخلوقات ولا يشبهه شيء،١٢٤ مما يدل على أن التجسيم هو البداية، ولكن قد يكون التنزيه هو النهاية، وأن التجسيم هو الموقف العارض وأن التنزيه هو الموقف الدائم بصرف النظر عما إذا كانت أمثال هذه العبارات المثبتة والمنفية لنفس الشيء تدل على شيء.

(٤-٢) الجسم

ويتدرج التجسيم من صورة البدن ذي الجوارح والأطراف إلى صورة الجسم، أي جسم، ثم إلى صورة الشيء، أي شيء. تكبر صورة البدن وتصبح جسمًا مجسَّمًا، وتختلف تصورات الجسم. فمرة يكون جسمًا ذا أبعاد ثلاثة، ومرة يكون جسمًا قابلًا للقسمة وللاجتماع والافتراق، ومرة جوهرًا قابلًا للأعراض. ولكن التصور الذي استقر هو الجسم ذو الأبعاد الثلاثة فهو الأقدر على التصوير في حين أن القسمة تفتيت وتصغير، والجوهر القابل للأعراض تصور طبيعي، وكلاهما دخل من قبل في أدلة إثبات الصانع.١٢٥ الجسم له أبعاد ثلاثة: الطول والعرض والعمق، انتقالًا من بدن الإنسان إلى جسم الطبيعة، ومن الجسم البشري إلى الجسم الكوني.١٢٦ المجسم أكثر عظمةً من المسطح. وفي الحياة اليومية يوصف الغبي بالسطحية والذكي بالعمق. وفي حضارات أخرى مجاورة أمكن تجاوز المسطح في الرسم والسينما إلى التكعيبية والسينما المجسمة. كما أمكن في الرياضيات صياغة هندسة أخرى غير مسطحة وهي الهندسة اللاإقليدية. وفي الحساب يكون حساب الأحجام أكثر تعقيدًا من حساب المسطحات. وفي الطبيعيات أمكن إدخال الزمان كبعد ثالث للظاهرة الطبيعية. الأبعاد الثلاثة إذن أكثر تجسيدًا للروح من الأجسام ذات البعدين، فالأجسام أعمق من المسطحات. والأبعاد الثلاثة متساوية. فالتساوي أكثر اتساقًا من الاختلاف، وأكثر رونقًا من اللاتساوي. لذلك كان المعبود عند البعض رياضيًّا، علة الاتساق في الطبيعة. الأبعاد المتساوية تعبير عن التآلف والانسجام وهما من مقولات الروح. التساوي هو الصورة المثلى في الرياضة. فالمثلث المتساوي الأضلاع رمز للتجانس الرياضي. هذا التآلف والانسجام، كما هو معروف في تاريخ الرياضة عند القدماء، الهنود واليونان وعند بعض الفلاسفة المحدثين، تعبير عن المعاني الروحية والأذواق الدينية والعواطف الإلهية.١٢٧ كذلك يرى البعض أن هذا التصور مجرد صورة فنية للتعبير عن عواطف التأليه دون أن تصف شيئًا في الواقع.١٢٨
وأحيانًا يدخل المقدار لقياس الجسم فيكون المعبود سبعة أشبار بشبر نفسه، له قدر من الأقدار في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه.١٢٩ والمقدار مقولة كمية تتفق مع الجسم. وقد اختير المقياس سبعة لما في العدد من رمز معروف في الاتجاهات الغنوصية، سواء في حضارتنا القديمة عند الإسماعيلية والباطنية والصوفية بوجه عام أو في الحضارة اليونانية عند الفيثاغورية أو في الفكر المسيحي في رؤيا يوحنا وفي الاتجاهات الإشراقية. ولكن ما هو شبر النفس؟ يبدو في المقدار تداخل المقياس الإنساني «سبعة» مع المقياس الإلهي «شبر نفسه» حتى يظل التجسيم مفتوحًا على التنزيه، والمحدود متصلًا باللامحدود. قد يكون ذراعًا أو ميلًا، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٢٢: ٤٧). وقد يكون المعبود عند البعض الآخر أحسن الأقدار، فهو ليس بالعظيم الجافي أو القليل القميء.١٣٠ فالذي يحدد مقدار الجسم هنا هو الكمال الذي يفرض على الجسم مقداره كما أن الذي يحدد عدد التواتر عند الأصوليين هو اليقين الحاصل منه والذي يسببه الخبر. وكما أن الذي يحدد الاستقراء التام عندهم هو المعنى في الاستقراء المعنوي. فالكمال الحسي بدليل عن الكمال المعنوي. والإحساس بالكمال هو أيضًا إحساس بالوسط المتناسب، وهو إحساس رياضي عبر عنه قدماء اليونان بالوسط الذهبي، وسموه فضيلة الاعتدال.١٣١ وقد يكون للمعبود جسم له مقدار في المساحة دون أن ندري ذلك القدر، وذلك لأن التعين تورط في التجسيم في حين أن مجرد التشبيه أو الاتجاه نحو التعين يحفظ التوازن بين التشبيه والتنزيه.١٣٢ ويحدد البعض الآخر المساحة بالاتجاه فيجعلها بلا نهاية ولا غاية ولكنها ممتدة في الجهات الست، أو مماثلًا للفضاء.١٣٣ حينئذٍ يقترب التجسيم من التشبيه درجة، ومِنْ ثَمَّ لا يقع عليه اسم جسم أو طول أو عرض أو عمق أو هيئة أو قطب. وأحيانًا يؤخذ العالم كله كمقياس، ويكون المعبود مساحته قدر مساحة العالم، وهو تورط كلي في الكم. لذلك يستدرك البعض ويجعل مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء حفاظًا على التوازن بين التشبيه والتنزيه. وقد ينازع التنزيه تصور الجسم فيصبح موجودًا في كل مكان. ويبدأ تحديد الجسم خارج الأشبار السبعة والوسط المتناسب ومساحة العالم إلى كونه أكبر من العالم أو موجودًا في كل مكان.١٣٤
ولما كانت الاستدارة إحدى صور الخلود كان المعبود كاللؤلؤة المستديرة. فالدائرة تحتوي على التناهي واللاتناهي معًا. وهي أنسب صورة للجمع بين المادة والصورة. فهي متناهية لأنها محدودة داخل المحيط ولا متناهية لأنه يمكن تتبع المحيط إلى ما لا نهاية، إذ إنه لا أول له ولا آخر. وتتجسم الدائرة في العجلة. فهي متناهية لأنها محدودة بالمحيط ولا متناهية في اللف والدوران، إذ إنها تتحرك وتدور إلى ما لا نهاية. الدائرة هنا تفضل الخط؛ لأن الخط يمكن أن يكون صورة للاتناهي، إذ يمكن مده من الطرفين إلى ما لا نهاية، ولكنه أيضًا يكون صورة للتناهي لأنه يضم مساحة. وقد أُخذت صورة الدائرة عند الفلاسفة كأفضل صورة تعبر عن صلة الله بالعالم ولحل مشكلة قِدَم العالم وحدوثه، فجعلوا «الله» مماسًّا والعالم دائرةً حتى يكون الله منفصلًا عن العالم ومتصلًا به في آن واحد. فالخط لا نهائي في حين أن محيط الدائرة متناهٍ. وحتى يشارك العالم «الله» على الأقل في صفة واحدة هي أزلية الحركة. كان التصور الدائري في التاريخ القديم عند قدماء الشرقيين وقدماء اليونان وحتى عند ابن خلدون في حضارتنا القديمة وعند بعض الفلاسفة المعاصرين في الحضارة المجاورة١٣٥ هو أفضل تصور يمكن التعبير به عن البدء ثم العود على البداء وتفسير التاريخ في حلقات متصلة تبدأ وتعود سواء كانت تبدأ من الصفر أو تحتوي بداخلها على عنصر تقدم في صورة حركة لولبية، وفي الأمثلة الشعبية «تدور الدائرة» أو «تدور عليه الدوائر» أو «دارت الأيام» تمثل صورة القدر الذي لا مفر منه، وبالتالي تكون الحقيقة في الحس الشعبي أيضًا دائرية.
ولما كانت الأجسام المُشعة أكثر شفافية من الأجسام المعتمة كانت الروح أقرب إلى النور منها إلى الظلام، ولكنه نور السبائك حتى لا يضحى بالجسم في سبيل الأشعة. وبالتالي تتحد لغة النور ولغة الجسم باتحاد الشيء والشعور، الشيء المعتم والشعور المضيء، فيصبح المعبود جسمًا شفافًا أو سبيكة صافية أو جسمًا نورانيًّا أو لؤلؤة مضيئة. قد تتغلب لغة النور على لغة الجسم فيكون المعبود نورًا خالصًا من غير بدن ولا جسم، نورًا ساطعًا ليس على أية صورة.١٣٦ ولغة النور الخالص هي اللغة المفضلة عند الصوفية، وهي لغة تجمع بين التجسيم والتنزيه. فالنور جسم شفاف. وبالتالي فلغة النور ليست لغة خارجية أو أثرًا أجنبيًّا، بل لغة موجودة في كل نزعة صوفية تعبر عن ماهية التجربة الروحية وبنائها المزدوج وتحويلًا للصراع السلبي في الواقع إلى صراع إيجابي في العواطف والقيم وتعبيرًا مجسَّمًا عن هذا الصراع بلغة النور والظلمة. وصور النور والنار صور ملائمة للمعبود الجسم الذي هو في نفس الوقت أكثر من جسم؛ لأنه يسمع أو يضيء.١٣٧
وقد يكون المعبود هو الفضاء، أي جسم تحل الأشياء فيه، ليس بذي غاية ولا نهاية.١٣٨ فالفضاء صورة الاتساع، وهو ليس بجسم ولكن الأشياء قائمة به. فصورة الفضاء تجمع بين الصورة والجسم، فلا هو صورة لأن الفضاء جسم ولا هو جسم محدد معين، فيكون حينئذٍ صورة. هو إثبات للمكان ونفي له، في كل مكان وفي مكان، في السماء وفي الأفق، وسط في كل الاتجاهات، الأمام والخلف، الأعلى والأسفل، اليمين واليسار، محيط بالإنسان من جميع جوانبه، وسط بين الحركة والثبات، لا يتحرك لأنه ثابت، وليس بثابت لأنه يتحرك، فالريح والكواكب والطيور تتحرك فيه. وهو وسط بين النور والظلمة، مرة مظلم بالليل ومرة منير بالنهار وفي ضوء القمر، وسط بين السماء والأرض يجمع بينهما بل ويوجد بينهما في الأفق، وسط بين العتمة والشفافية، فالفضاء ليس شفافًا لأنه محمل بجسيمات الأتربة وليس معتمًا لأنه يسمح بالرؤية. صورة الفضاء إذن أفضل صورة تعبر عن مقتضيات التشبيه والتنزيه فهو جسم، ولكن لا حدود له، كما يجمع بين الحس والعقل، فهو مرئي بالحس ومعقول بالذهن.
وقد يكون المعبود أحد مظاهر الطبيعة أو مشابهًا لها أو أقل منها. فمثلًا يكون الجبل أعظم منه لأن الجبل شاهق عظيم جليل،١٣٩ مما يدل على أن المعبود افتراض محض، وأن المجسم باحث عن الطبيعة لا عن الجسم. التجسيم إحساس بالطبيعة مختلط بعواطف التأليه الناشئة عن ظروف نفسية واجتماعية، لكن الإحساس بالطبيعة هو الغالب. وقد عينت عواطف التأليه المعبود وحددته رغبة في الإمساك بشيء لا يضيع تعويضًا عن الحق الضائع.
وأحيانًا يخف التجسيم للغاية ويقترب من التنزيه، بل وتستعمل عباراته وصوره. حينئذٍ يكون المعبود مشابهًا للأجسام من جهة وإن لم يكن جسمًا، فما بين المعبود وبين الأجسام مجرد تشابه.١٤٠ هو جسم لا كالأجسام أو جسم خارج عن جميع صفات الجسم، ليس بطويل ولا عريض ولا عميق، لا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام. هو موجود فقط، ويقتصر على هذه الصفة دون غيرها من الصفات. يقل التعيين بالصورة، ويصبح جسمًا دون صورة لا كالأجسام. تعني جسم أنه موجود دون أن تكون له أجزاء مؤلفة وأبعاض ملتصقة. وهي في حقيقة الأمر عبارات لا تدل على شيء لأنها تنفي ما تثبت. هي مجرد صورة ورغبة في الإبقاء على توازن الشعور بين الحس والعقل، وهو أقرب إلى تصور بعض المنزهة.١٤١ في هذه الحالة يطغى التنزيه على التجسيم ويتحول المعبود إلى جسم لا كالأجسام، وشيء لا كالأشياء.١٤٢ وقد يكون التشبيه مطلقًا بلا تعيُّن فيكون المعبود شبيهًا بخلقه وهو ما يعنيه البعض بدلالة المخلوق على الخالق. فهناك شيء واحد ذو طرفين. فإذا كان الخلق يعني حركة الخالق للمخلوق، فإن المعرفة تعني الحركة المقابلة من المخلوق إلى الخالق كما تقول الصوفية الذين يشاركون أيضًا في التشبيه.١٤٣

(٤-٣) الجوهر

لما فرضت الطبيعة نفسها على التوحيد في التجسيم والتشبيه على حد سواء في تصور المعبود على أنه جسم طبيعي له حد ولون وطعم ورائحة، ويمكن رؤيته كان الجسم أكثر تعبيرًا عن الروح من المجرد، الجسم الميتافيزيقي، الأنطولوجي، الوجود، الشيء ضد المبدأ الفارغ، الهوية الصورية الذي يخاطر التنزيه بإثباته. لذلك يفصل التعبير بالجوهر، فيكون المعبود جوهرًا أي جسمًا لكن أكثر عظمةً وجلالًا. كل الأجسام جواهر ولكن ليست كل الجواهر أجسامًا. هناك الجواهر الخالصة والمفارقة كما يتصورها الفكر الديني. فاعتبار المعبود جوهرًا لا جسمًا ابتعاد عن التجسيم في الطبيعة واقتراب من التنزيه في العقل في محاولة الشعور إيجاد التوازن بين قطبيه: الحس والعقل.١٤٤ وليس في ذلك أي أثر خارجي.١٤٥ فالجوهر هو الجسم حسب الثقافة المعاصرة في ذلك الوقت عند القدماء، وهو يسمح بالتعبير عن الجسم الفريد وهو المعبود، بل إنه أكثر ملاءمةً في التعبير عن مضمونه من لفظ الجسم. هي إذن عملية استعارة لغوية لا أكثر، بل إنها ليست استعارة لأن لفظ الجوهر أصبح شائعًا في ثقافة العصر عند القدماء ومتداولًا بينهم، على حين أصبح لفظ «الجسم» قديمًا لا يستطيع أن يعبر عن كل مضمونه.١٤٦ ويرفض أهل السنة إثبات هذا الجوهر الذي ليس هو جسم أو عرض، واحد بالذات، قابل للمتضادات، قائم بنفسه، لا يتحرك، لا مكان له ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا يتجزأ أو يحمل من كل عرض عرضًا واحدًا فقط كاللون والطعم والرائحة والمجسة لأن البرهان العقلي والدليل الحسي ينفيانه. فالحس لا يشاهد إلا الجوهر الحسي، والعقل لا يعرف إلا واجب الوجود، وهو الخالق.١٤٧ ويذكر القدماء مثالًا للجوهر البارئ، والنفس، والهيولى، والعقل، والصورة. والهيولى هي لطيفة أو الخميرة أو الجسم العاري عن الأعراض والأبعاد. وزاد البعض الخلاء والمدة، أي المكان والزمان ثم الجوهر الفرد. ويرفض الفقهاء اللفظ لأنه لا يستمد شرعيته من اللغة أو من الشرع حتى ولو كان بمعنى يتفق مع صفات الله.١٤٨ والحقيقة أن لفظ الجوهر لفظ مشتبه؛ لأنه يشير إلى الجوهر الطبيعي أي الجسم المتحيز القابل للأعراض والجوهر الميتافيزيقي أي الجسم اللامتحيز غير القابل للأعراض. فقد لا يعني الجوهر بالضرورة الجوهر الإلهي كما هو الحال عند النصارى، بل قد يعني الجوهر الطبيعي أي الجسم، ويكون نفي الجوهر ليس نفيًا للجسم الطبيعي بل نفي للجسم الإلهي أي للجوهر المفارق؛ لأن الله لا يتحيز وليس بجسم ولا تطرأ عليه الأعراض وليس حادثًا.١٤٩
ويحاول أهل السنة تفنيد التجسيم بحجج منطقية إجمالية أو تفصيلية مع أن التجسيم موقف نفسي اجتماعي خالص ينشأ منه تصور عقلي. ولا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى هذا الموقف الأوَّل الذي منه نشأ. لذلك جاءت حججًا باردةً في معظمها تقنع العقل ولكن لا تشفي غليل جماعات الاضطهاد التي تبحث عن الحق الضائع وتريد أن تمسكه باليد وتراه بالعين. مثلًا لو كان جسمًا للزم التحيز والتركيب والحدوث والأضداد والمقدار والأعراض والقسمة والتجزئة والجهة والمكان والزمان والأبعاد، والطول والعرض والعمق، والاجتماع والافتراق، والكيف والكم. ويسهل الرد عليها بأنه جسم لا كالأجسام بلا كيف، أي بمفهوم الأشاعرة نفسه. أو: لو كان جسمًا للزم الترجيح والاحتياج والاختصاص والافتقار. والرد عليها أنها مفاهيم إنسانية خالصة وليست حجة عقلية. مما يدل على أن «الله جسم» عبارة تعبر عن موقف نفسي اجتماعي وليس لها معنى ذهني. وعبارة قد لا تثبت شيئًا مثل جسم لا كالأجسام، بل تنفي ما تثبت، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، تعبر عن توتر الشعور بين التشبيه والتنزيه. ولا مشاحة في الألفاظ لأن أسماء الله توقيفية ولا يليق قياسها بما لا يليق.١٥٠ وتكشف حجج التجسيم عن التشبيه واستحالة تصور الله إلا في مقولات إنسانية خالصة فمثلًا: كل موجودين لا بد أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر كالجوهر والعرض أو مباينًا في الجهة كالسماء والأرض أو أن الجسم يقتضي الحيز والجهة لكونه قائمًا بالنفس والله لا يشارك في ذلك، كلاهما قياس للغائب على الشاهد، وهو قياس إنساني خالص.١٥١ كما يصعب إثبات التجسيم بحجج عقلية منطقية صرفة إذ يسهل نقدها. فالقول مثلًا بأنه لا يوجد في العقول إلا جسم أو عرض فلما بطل أن يكون الباري عرضًا كان جسمًا هو قسمة ناقصة. والقول بأنه لا يصح الفعل إلا من جسم مغلوط لأن الجسم ما له أبعاد ثلاثة ويستحيل أن يطلق على الله.١٥٢ وهناك أدلة تفصيلية أخرى تقوم على الجدل المنطقي أو على الحجج اللغوية والشواهد النقلية لا تنفي التجسيم بقدر ما تكشف عن التشبيه. يحاول أحدها إثبات أن المؤله ليس جسمًا بناء على تفنيد العكس في قضية شرطية منفصلة وإبطال الاحتمالين الضدين معًا. فالجسم كثرة والمؤلَّه واحد، والجسم لفظ متواضع عليه في دلالته على الموصوف. والحقيقة أن كلا الاحتمالين يقومان على عواطف التأليه بالنسبة للجسم وبالنسبة إلى اللغة. فالجسم لا يعني بالضرورة التكثر، وأبعاد الجسم لا تعني بالضرورة التركيب. فالجسم يكون واحدًا أيضًا بالرغم من أن له أبعادًا ثلاثة. ولكن عواطف التأليه فرضت على العالم التكثر من أجل إبقاء الوحدة للمؤله. كما فرضت على اللغة تطابق الاسم مع المُسَمَّى والصفة مع الموصوف، لا من أجل نظرة اجتماعية للغة ولكن من أجل تخصيص التسمية بالاسم دون الصفة للمؤلَّه وحده. فهو راءٍ دون أن يكون له عين، وسامع دون أن يكون له أذن.١٥٣ ولما كان نفي الجسم قد تم، فإن نفي كون «الله» عرضًا يكون أسهل لأن العرض لا يقوم بذاته، ويعتمد في وجوده على غيره. وهو صفة زائدة على الذات، أي الجوهر. العرض في اللغة ما يعرض في الوجود، ولهذا يُقال للسحاب عارض هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا.١٥٤ والحجج النقلية مسئولة عن التجسيم، والجهة مسئوليتها عن التشبيه. وقد لا يكون هناك فرق بين التجسيم والتشبيه إلا في الدرجة لا في النوع. الفَرق الوحيد بين التجسيم والتشبيه هو أن الأوَّل تشبيه المخلوق بالخالق بينما الثاني تشبيه الخالق بالمخلوق.١٥٥

(٥) التشبيه

وهي النزعة الناشئة من التفسير الحرفي للآيات والأحاديث أكثر من نشأتها من موقف نفسي بناءً على موقف اجتماعي. فالتشبيه نظريًّا نتيجة المنهج الحرفي في التفسير لآيات تذكر الرأس والوجه والعين واليد واليمين والأصبع والجنب والساق والقَدَم والنزول والصعود والمجيء والذهاب. ولا دليل على ثبوته إلا المنقول، وبالتالي يكون خارجًا عن علم أصول الدِّين الذي يعتمد على أوائل العقول وشهادات الحس ومعطيات الوجدان، والنقل فيه لا يعطي إلا الظن كما ورد في نظرية العلم.١٥٦ لذلك لا تظهر هذه الصفات في بعض المؤلفات المتقدمة.١٥٧ وإذا ظهرت فإنها تكون مع صفات التشبيه مثل الاستواء والعين والوجه واليد والجنب واليمين والساق والمجيء على أنها دلائل سمعية لإثبات كون الإله جسمًا، وليست كصفات مستقلة زائدة على الصفات السبع أو داخلة فيها.١٥٨
ولا يوجد إحصاء دقيق لها أو ترتيب معين أو مكان خاص. فقد يأتي إثبات اليد والوجه والنفس بعد إثبات الصفات السبع ورفض تفسيراتها المجازية بالمعاني.١٥٩ وقد تأتي صفات الوجه واليدين والعين بعد ذكر الصفات.١٦٠ وقد تذكر مع الاستواء.١٦١ وتثبت صفات السلوب (للذات) وصفات الثبوت السبع على أنها صفات مختلف عليها مثل البقاء والتكوين عما يثبته الأشعري من صفة اليد وراء القدرة، وصفة الوجه وراء الوجود، والاستواء كصفة.١٦٢ وكذلك تذكر صفات الاستواء والعينين والجنب والقَدَم والأصبع والتكوين من الصفات المختلف عليها مع البقاء والقِدَم في آخر الصفات والأوصاف.١٦٣ وهكذا تظهر صفات التشبيه مرة مع أوصاف الذات ومرة مع صفاتها، مرة كصفات مستقلة ومرة كتشبيهات لصفات موجودة بالفعل، وقد تطغى حتى على بعض أوصاف الذات وتحيلها إلى تنبيهات مثل الوجود والقِدَم والبقاء. ولكن مكانها الطبيعي في الغالب هو في التوحيد ونفي التشبيه، سواء كان ذلك في الذات أو الصفات أو الأسماء. فيذكر أحيانًا الوجه واليد والعين والجنب والقدم والأصابع والتنزل وصفات المكان ومعها بعض صفات الأسماء كالعزة والرحمة والأمر والقدرة وبعد أوصاف الذات مثل النفس والذات.١٦٤ ويجوز اليد والساق والأصبع والقِدَم بعد إثبات القِدَم وتجويز الوجود وإثبات الوحدانية وتجويز الشيئية والنفس ونفي الشبه (النور).١٦٥ ويستمر الاضطراب في إيجاد مكان لصفات التشبيه وترددها بين الذات والصفات والأسماء. فتأتي اليدان والعينان والوجه والجنب والساق والمجيء والنزول والنور مع الأسماء بعد أوصاف الذات وصفات المعاني السبع.١٦٦ وقد تأتي مع الصفات السبع ومن خلالها بعد الكلام والاستواء وقبل الإرادة وإثباته مع السمع والبصر.١٦٧ وتأتي بعد الصفات كجزء من مسألة إثبات الصفات أو نفيها. وقد لا تظهر مسائل اليدين أو الكرسي أو العرش إلا في نهاية التوحيد العملي بعد أن تحول التوحيد إلى عمل وكأن التشبيه كتصور ضروري في التوحيد كعمل.١٦٨ ونظرًا لارتباط التشبيه بالتجسيم وتمايزه عنه يظهر نفي الأبعاض عن الصانع ضد جسم الإنسان وصورته والوجه واليد، ونفي التبعض والتجزيء والتركيب والتناهي بعد إثبات صفات الوحدانية والقِدَم وظهور الصفات السبع ونفي العرض والجسم والجوهر والصور (الأعضاء) والحد والعد.١٦٩
وقد تدخل في صفات التشبيه صفات أخرى مثل الاستواء أقرب إلى الوصف الخامس للذات، وهو القيام بالنفس واستحالة الجهة والمكان.١٧٠ وقد تدخل صفات أخرى لا تشير إلى جسم الإنسان، بل إلى أفعاله مثل التكوين.١٧١ وقد تأتي صفات أخرى مثل إدراك الشم والذوق واللمس،١٧٢ أو صفات أقرب إلى الانفعالات أو الأسماء أو الإرادات مثل الرحمة والكرم والرضا والسخط.١٧٣ وقد تظهر أوصاف الذات السابقة مثل الوجود والقِدَم والبقاء، وكأنها صفات تشبيه.١٧٤ ويمتد الأمر إلى إثبات الصفات، العلم وراء المعلوم، والعالمية وراء العالم عند مثبتي الأحوال.١٧٥ أو عند الصفاتية إثباتًا لليد وراء القدرة والوجه وراء الوجود.١٧٦ يقع التشبيه إذن في الذات كما يقع في الصفات.١٧٧ وبعد إثبات الصفات من السهل الوقوع في التشبيه باعتبارها أعضاء «الله»، ومِنْ ثَمَّ ينتهي إثبات الصفات إلى التشبيه وأحيانًا إلى التجسيم، في حين ينتهي نفي الصفات إلى التنزيه. إثبات الصفات زائدة على الذات يؤدي إلى التشبيه غالبًا وإلى التجسيم أحيانًا، في حين أن اعتبار الصفات عين الذات يؤدي إلى التنزيه.١٧٨ والكل لا يجب التوقف فيه إثباتًا للصفات وبالتالي التشبيه أو يجب تأويله بحيث لا يخرج عن الأوصاف والصفات.١٧٩

ولا يوجد ترتيب معين لصفات التشبيه. ولكن إبقاءً على بناء الصورة تشمل كل جوانب الإنسان: الرأس والجسم والأطراف. وفي الرأس الوجه والعينان، وفي الجسم الجنب، وفي الأطراف اليد واليمين والأصبع والساق والقَدم. لذلك يمكن تقسيم آيات التشبيه إلى أربع مجموعات رئيسية:

(٥-١) آيات الرأس والوجه والعينين

ويرجع إثبات صفاتها إلى التفسير الحرفي للآيات ورفض نفيها خوفًا من التعطيل. والقول بصفة بلا كيف هو مثل القول بجسم لا كالأجسام، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء، إقدام ثم إحجام، تشبيه ثم تنزيه، فالصفة لا يدركها الإنسان إلا على نحو معين، ولا توجد صفة تشبيه بلا إحالة إلى شيء.

وللرأس أولوية على البدن نظرًا لأنها تحتوي على مراكز السمع والبصر.١٨٠ ولكن لا تظهر إشارة إلى الرأس بقدر ما تظهر صفات الوجه والعينين. ولا يعني الوجه العضو أي واجهة الرأس، ولا يعني حتى الجهة إلى الأمام والصدارة، بل الذات والوجود والحقيقة، وبالتالي فإن ضرورة المجاز والتأويل ليس خروجًا على النص بل التزام بقواعد اللغة.١٨١ وإثبات أن أوجه الله هو الله إثبات الأعضاء منفصلة عن الذات، بل تكون هي والذات شيئًا واحدًا حتى تقل حدة التشبيه، ذات مجردة من ناحية وصفات مشبهة من ناحية أخرى، فالذات المتوحدة مع الصفات يمكن أن ترفع التشبيه. الوجه صورة فنية تعني ذات الله أو الفعل الخالص الذي لا يهدف إلى شيء خارجه أو إلى بقاء الحق. وإذا أمكن لأحد إنكار الأعضاء فلا يمكنه إنكار الوجه، فالوجه له دلالة خاصة لأنه المميز لفرد عن آخر. أمَّا العين فهي ليست عضو الرؤية الذي بالرأس في أعلى الوجه، فهي إمَّا عين الماء، وفي هذه الحالة تكون في حاجة إلى تأويل ثانٍ، وإمَّا العلم لما كانت العين أداة للبصر والرؤية ومصدرًا للمعرفة الحسية، وإمَّا الحفظ والرقابة والعناية وهو العلم العملي، وكما هو واضح في الأمثال العامية. وهي كلها تعبيرات إنسانية كما يدل على ذلك العرف في الحلف بالرأس والتغني بالوجه والحفظ في العين.

(٥-٢) آيات اليد واليمين والأصبع

وهي آيات الأطراف بعد الرأس وقبل الجسم. ولا تعني اليد عضو الجسم، بل القدرة والقوة، وهي من الصفات التي أفاض فيها القدماء.١٨٢ اليد مجرد صورة فنية تعبر عن الإرادة ومعاني القوة والقدرة والعلو والقهر والاستيلاء والاحتواء والتنزيه. أمَّا اليمين فلا تعني أيضًا طرف الجسم، بل القدرة والإتقان في العمل والحفظ للأفضل والإمساك. فاليمين أفضل في العمل من الشمال على ما هو وارد في الشعر العربي.١٨٣ أمَّا الأصبع فإنه ليس لفظًا شرعيًّا يُضاف إلى الله.١٨٤ أمَّا ألفاظ الكف والأنامل فهي ليست ألفاظًا شرعية في أصل الوحي، وأقصاها روايات تقوى وتضعف، وأصل العقائد في الوحي، إذ إن السنة تبيين عملي لأوجه التطبيق وليست مصدرًا لعقائد نظرية.١٨٥

(٥-٣) آيات الجنب والساق والقَدم

وهي الآيات التي تشير إلى جذع البدن والأطراف السفلى. ولا يعني الجنب جنب البدن، بل أمر الله ونهيه، فالجنب صلب البدن والذي عليه يرتكن.١٨٦ أمَّا الساق والقَدم فإنهما ليسا لفظين شرعيين في أصل الوحي يطلقان على «الله».١٨٧ وغالبها ألفاظ رواية لا تكون أصلًا في العقائد نظرًا لضعف الرواية، ومهمتها العملية لا النظرية. وقد انتشرت هذه الروايات في الدين الشعبي لما فيها من خيال فني خصب يؤثر على العامة في تصوراتها لله.١٨٨

(٥-٤) آيات النفس

ولو أن النفس ليست من صفات التشبيه إلا أنها تشير أيضًا إلى أبعاض الإنسان، تخبر عنه لا عن شيء غيره، تشير إلى الذات، وتميل إلى الهوية. بل إن نسبة الحواس الخمس له وجعله مدركًا للعالم إنما كان القصد منها الإشارة إلى وعيه بالأشياء في مقابل ذكر الأشياء له، فيكون شعورًا في مقابل الأشياء وتكون أشياء في مقابل الشعور.١٨٩ لا سبيل إذن لتجاوز التشبيه إلا بالتنزيه والتخلي عن التفسير الحرفي للنصوص إلى التفسير المجازي لها وهو أقرب إلى قواعد اللغة. ليس التشبيه هو الحق والتنزيه هو الضلال، فسلاح التكفير هو سلاح ضد الخصوم.١٩٠ ويتم تجاوز التشبيه إلى التنزيه عن طريق إبطال التشبيه لغويًّا وفهم دوافعه نفسيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وهي الدوافع التي يشارك فيها التشبيه التجسيم. فالفرق بينهما في الدرجة لا في النوع. والتنزيه هو القادر على جذب التشبيه إليه بعيدًا عن التجسيم عن طريق النفي، إذ لا يكفي إطلاق القرآن أو التوقف أو نفي الكيفية.١٩١ وفي هذه الحالة قد لا يفترق التشبيه عن التنزيه إلا قليلًا نظرًا لحرص التشبيه على التفسير الحرفي للنصوص دون الوقوع في التجسيم، كذلك كانت فِرَق أهل السنة بين التشبيه والتنزيه.١٩٢
ولا يرجع التشبيه إلى أثر خارجي في دوافعه، بل قد ترجع بعض صوره الفنية إلى البيئة الشعبية في خيالها وأساطيرها. وفي الخيال الشعبي يصعب التمييز بين ما هو محلي وما هو وارد؛ لأنه مصب لكل شيء بإبداع ذاتي خاص.١٩٣ إنما التشبيه خطأ في تفسير النصوص، ووقوع في التفسير الحرفي حيث يصح المجاز. التشبيه تجاوز الحرف إلى الشيء، وانتقاله من مستوى اللغة إلى مستوى الطبيعة، ومرور من المعرفة إلى الوجود. فالمؤلَّه ليس مجرد حالة شعورية يمكن التعبير عنها على درجات متفاوتة من التنزيه بالقوالب العقلية، بل هو جسم وإن لم يكن بذي جسم، وصورة وإن لم يكن بذي صورة. فالحروف الأربعة مثلًا «ا، ل، ل، ﻫ» ليست مجرد كلمة بل هو شيء حي. الألف موضع القدم، والهاء العورة.١٩٤ ومعروف في تاريخ الأديان تشخيص الكلمة، فالمسيح ليس كلمة Logos بل هو كلمة مشخصة في بدن. التشبيه إذن بهذا المعنى عود إلى التجسيم الأوَّل، ولكن كرد فعل متأخر على التنزيه وإنكار الصفات تجنُّبًا لأي تشابه بين المؤلَّه والإنسان أو كإقلال من التجسيم الذي كان أقرب إلى التأليه.١٩٥
لذلك لا يُلغي التوقف في التأويل المشكلة ولا يحلها أساسًا. التوقف موقف تكتيكي عملي حذر وليس طرحًا نظريًّا. أمَّا التفويض وقول «الله أعلم» فإنه معارض بقراءة: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إذا كانت الفصلة بعدها. كما أنه خوف وجبن وإرجاء. وهو اتِّباع لسلف الأمة ينتهي إلى التقليد، وإيمان المقلد لا يجوز طبقًا لنظرية العلم،١٩٦ ولا يمكن الاعتماد على سلطة النقل وسلطة الإجماع، فذلك أيضًا تقليد بدعوى الاتِّباع دون الابتداع. وترك التعرض أسوة بالرسول ينفي حاجات العصر المتجددة ويغفل مقاصده النظرية واتجاهاته في الفهم. فحل القضية في التأويل، فإنها تدخل أيضًا في موضوع النقل والعقل لأنها أخبار لا تثبت إلا بالسمع دون العقل.١٩٧ هي مجموع الصفات الخبرية التي يؤدي إثباتها إلى الوقوع في التشبيه.١٩٨ لا يوجد دليل على صفات التشبيه إلا من المنقول، ولا يوجد عليها دليل من المعقول، وبالتالي لا يمكن أن تكون أصلًا من أصول الدِّين طبقًا لنظرية العلم. فالحجج النقلية مهما تضافرت على شيء فإنها تظل ظنية ولا تتحول إلى يقين إلا بحجة عقلية ولو واحدة. فمدلولات النقل مرتبطة بالوضع اللغوي والعرف الاصطلاحي والصحة التاريخية إذا كان النص رواية. لا سبيل إلى الاحتراز من التشبيه إذن إلا بآيات السلوب وفي مقدمتها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. النفي قبل الإثبات، النفي للتنزيه والإثبات للتقريب إلى الأفهام وليس لإثبات الصفات وإلا وقعنا من جديد في مخاطر التشبيه وربما التجسيم.
وإذا كان التجسيم الأوَّل قد نشأ رد فعل على الهزيمة وكرغبة في تخليد الزعيم لدرجة التأليه حرصًا على الحق الضائع وإثباته على الأقل في الخيال كامتداد طبيعي للعقل، فإن التشبيه هذه المرة يحدث نتيجة للرغبة في المحافظة على المعاني الحرفية للنصوص وتفسيرها تفسيرًا ماديًّا شخصيًّا وعدم معرفة بدور الصورة الذهنية كأحد وسائل التعبير.١٩٩ فإذا كان التجسيم نتيجة لوضع سياسي ورد فعل على الهزيمة، فإن التشبيه خطأ في نظرية التفسير وفي فهم طبيعة اللغة ورفض أي عمل عقلي أو حضاري على النص.٢٠٠ لذلك كانت الحجج المقدمة حججًا نقليةً خالصةً مفسرة تفسيرًا حرفيًّا دون أي تدخل من جانب العقل. وقد يكون الدافع على ترك السلف للتأويل ليس استبعادًا للسؤال النظري، بل لأنهم كانوا مشغولين بالفتوح وتحرير البشر، والدعوة للدين الجديد، وتحقيق الرسالة، أي إثبات الصفات عمليًّا عن طريق تحقيقها بالفعل. لم يكن السؤال النظري مطروحًا ثم استبعدوه. لم يُطرَح السؤال نظريًّا إلا بعد توقف الفتوح، فالنظر تعويض عن العمل. وإذا كُنَّا الآن في ظرف مشابه لتحرير الأرض، فهل يظل السؤال مطروحًا نظريًّا أم يتحقق عمليًّا؟٢٠١

(٥-٥) إيجابيات التشبيه

وبالرغم من التشبيه وجزع النفس منه، وصدمه للعقل، واستنكاف الشعور منه، إلا أنه يكشف عن عدة حقائق، منها:
  • (١)

    يستحيل التعبير عن عواطف التأليه إلا باللغة الإنسانية. ولما كانت اللغة الإنسانية بطبيعتها مستقاة من حياة الإنسان، فاستعمالها يؤدي حتمًا إلى التشبيه، والتعبير عن كل شيء بلغة الإنسان. ومِنْ ثَمَّ لا يمكن الحديث عن المؤلَّه إلا بالحديث عن الإنسان المؤلِّه المدفوع إلى أقصى حد له، وكأنه لا يمكن الحديث عن الموضوع دون الحديث عن الذات، فموضوع التأليه والذات المؤلهة واحد.

  • (٢)

    لا يمكن التعبير عن المؤلَّه بأسلوب مجرد خالص كما هو الحال في الرياضيات، بل بأسلوب التشبيه والاستعارة والكناية، أي بلغة الصورة الفنية. وبالرغم من تجاوز التشبيه، خاصة في التجسيم، من اللغة إلى الشيء، إلا أن الصورة هي الأسلوب المعبر عن عواطف التأليه، لا لأن الصورة أقرب إلى العامة وأسهل على فهمها بل لأنها حقيقة تعبر عن وجود حقيقي، فاللغة تحيل إلى الشيء، والتصور إلى الوجود، وهو نوع من الأنطولوجيا الشعبية البدائية قبل الإحكام النظري المتقدم لحضارات الذهن.

  • (٣)

    ليس التأليه موضوعًا مجرَّدًا خالصًا، بل هو شيء يُوصَف ويُلمَس، شيء موجود بالفعل وليس مجرد موضوع عقلي. لا يوجد في التشبيه مشكلة كيفية الخروج من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان كما هو الحال في التنزيه؛ لأن المؤلَّه موجود من قبل في العالم في صورة حسية مرئية. لا يوجد المؤلَّه كلما بعدنا عن العالم، بل يوجد كلما قربنا منه. فالمؤلَّه هو العالم الضائع والتعويض عنه بالعالم الممسوك.

(٥-٦) مخاطر التشبيه

ولكن من ناحية أخرى يمثل التشبيه عدة مخاطر، أهمها:
  • (١)

    التشبيه إسقاط من الذات على الموضوع، ولكنه إسقاط من أسفل إلى أعلى. يرى الإنسان في موضوعه التأليه ذاتًا تشبه ذاته، ويرى فيها صورته الخالصة، ظانًّا أنها صورة موضوعية لوجود موضوعي. يرى فيها مشاكله الخاصة ظانًّا أنها مشاكل موضوعية كمن ينظر إلى السحب فيجد فيها صورًا وأشكالًا لما تعوَّد أن يراه في حياته على ما هو معروف في التجارب النفسية للكشف عن مكونات الشخصية وسماتها. وبالتالي يمكن القول: «إن الذات خلق الموضوع على صورته ومثاله.» التشبيه إعدام للموضوع وتحويل الذات نفسها وقسمتها إلى ذات وموضوع، وبالتالي خروج الموضوع من الذات.

  • (٢)

    في التشبيه يتحول الكلام إلى شخص، وتتحول اللغة من نطاق الفكر إلى نطاق الشخص، في حين أن اللغة حامل للفكر، والفكر مستقل عن الأشخاص. التشبيه خطأ في استعمال اللغة وفي معرفة وظيفتها، وخلط بين مستويات اللفظ والمعنى والشيء. وبالرغم من أهمية ظهور المادة في التشبيه إلا أنها تظهر في غير موضعها. فموضع المادة في اللغة وفي الصورة وفي الشخص وفي الشعور وفي الفكر مع أن المادة صورة مصغرة ومحدودة للواقع العريض، مادة من خلال تجربة معاشة تكشف عن العالم وتحيل إليه. التشبيه خطأ في نظرية اللغة وعدم دراية بوظيفتها في التعبير، وخلط بين أنواع الخطاب التقريري منه والإنشائي، فأسلوب الوحي لا يهدف إلى إثبات شيء مادي، بل يستعمل الصورة الفنية للتأثير النفسي من أجل إعطاء تصورات للعالم وبواعث للسلوك.

  • (٣)
    يؤدي التشبيه إلى الوقوع في الخرافة بعد زحزحة العقل وفقدان سلطانه، والاعتماد على الخيال، وتحويل الموضوعات من الوضوح والبداهة إلى نطاق السر والمجهول. وأسلوب التشبيه ليس أسلوبًا علميًّا للتعبير عن مضمون العلم. استعمله القدماء لأنه متفق مع منهج العلم في عصرهم، وهو التأمل أو السحر، ومع موضوعات العلم حينذاك مثل العالم والكون وغيرها من الموضوعات الكونية العامة. ويمكن وصف أسلوب التشبيه على النحو الآتي:
    • (أ)

      يُستَبدل التشبيه بالشيء غيره. فبدلًا من الحديث عن الشيء يتحدث عن الصورة، ويغرق في وصف الصورة، ويناضل من أجل الصورة. والصورة شيء، والشيء شيء آخر. التشبيه معركة في الهواء تحدث في الخيال مع طواحين الهواء.

    • (ب)

      التشبيه فكر وصفي خالص، يصف الشيء من الخارج، وليس فكرًا تحليليًّا أو يقوم على التجريب لكشف جديد. هو أقرب إلى تحصيل الحاصل وتكرار الذات لما تعرف على نحو آخر، من الإحساس الذاتي إلى الرؤية الموضوعية للذات.

    • (جـ)

      التشبيه يتناول الشيء ككل، ويعطي أحكامًا كليةً عليه، ولا يقوم بتحليل الأجزاء بغية الدقة والموضوعية من أجل إصدار حكم.

    • (د)

      أقصى ما يصل إليه التشبيه هي النتائج العامة التقريبية وليست النتائج المحددة التي يصل إليها الباحث عن طريق التعريف الجامع المانع أو القياس الدقيق. يقينه ذاتي يعتمد على دقة الصور والقياس بين الدلالة والشيء، وهو ما يستحيل عملًا نظرًا للفَرق بين الدلالة والدال في الرؤية والإيحاءات.

    • (هـ)

      يقوم التشبيه على الخيال دون العقل، وهو أقرب إلى أسلوب الفن منه إلى أسلوب العلم. غايته التأثير في النفس كالخطابة وليس إعطاء وصف علمي للواقع بالبرهان. فالتشبيه أقرب إلى تاريخ الفن منه إلى تاريخ العلم، والمشبهة فنانون دون أعمال فنية، شعراء دون نظم، ورسامون دون لوحات.

    • (و)

      يعبر التشبيه عن انفعالات نفسية نحو الشيء، ولا يعطي قوانين عقلية لضبط الواقع والتحكم في مساره. يعطي وسيلة لضبط النفس وإعادة تصحيح موقفها، ولكن ليس للسيطرة على قوانين الطبيعة. التشبيه ليس فكرًا، بل مجرد التعبير عن عواطف الإجلال والتعظيم بصورة فنية. لا يصدر أحكام واقع بل أحكام قيمة تعبر عن مزاج قائلها ودرجة حدة الانفعالات. يمكن إرجاعها إلى أسسها النفسية التي ترجع بدورها إلى الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الموقف كله.

  • (٤)

    التشبيه، بالرغم من تميزه عن التجسيم، إلا أنه عود إلى الوثنية القديمة التي طالما حاربها الوحي، وخلق وثنية جديدة أخطر وأعظم؛ لأنها وثنية يدعمها الوحي ذاته بالتفسير الحرفي لنصوصه، وبالتالي بوجودها الشرعي منه. التشبيه تجريد للوحي وتفريغ له من مضمونه الاجتماعي ثم تجسيد له وغلقه على ذاته وخلق جسم من داخله، ونقله من مستوى الفكر والنظام إلى مستوى الشيء والمادة. التشبيه خطأ في اتجاه الوحي ومقصده، تجسيم له من ذاته وتفريغ العالم منه. وقد أدى ذلك إلى السماح بدخول كثير من الأبنية الأسطورية القديمة من البيئات الثقافية المجاورة نظرًا لتشابه المواقف النفسية والاجتماعية مما أفقد الفكر الديني أصالته وهويته واستقلاله عن الفكر الديني القديم في الحضارات والبيئات الثقافية المعاصرة له، وأصبح جزءًا من تاريخ الأديان.

  • (٥)

    وللتشبيه كما للتأليه وللتجسيم وللتنزيه استخدام سياسي، عن طريق تصوير الله الحاضر الذي يرى بالعين ويسمع بالأذن ويتكلم باللسان ويبطش باليد ويحرك بالأصبع ويدوس بالأقدام. يتحول الشخص باعتباره قمة عواطف التأليه المشخصة إلى سلطة مركزية تجمع في يديها كل مظاهر السلطة من قوة وسيطرة، تجب لها الطاعة المطلقة وتستحيل معارضة أوامرها. فالتشبيه أساس السلطة، وركيزة التسلط، وقوام القهر والطغيان، تستعمله الدولة لإبراز حضورها في كل مكان. لذلك قام التأليه بدور المعارضة السرية النشطة، تأليه الإمام الغائب الذي سيملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا. كما قام التجسيم بدور المعارضة السرية الكامنة غير المنظمة في حزب. وكما سيقوم التنزيه بدور المعارضة العلنية من الداخل (المعتزلة) أو من الخارج (الخوارج) باسم المبدأ غير المشخص، وتمثل الذات له، والتوحيد بين المبدأ والذات. فالتأليه والحلول والاتحاد والتجسيم والتشبيه ليست فقط تصورات للألوهية، بل هي أنظمة دفاعية للذات عن نفسها، إمَّا في موقع السلطة كالتشبيه، أو في موقع المعارضة كالتأليه والتجسيم والتنزيه. وأن تصورات الألوهية لتكشف عن أوضاع اجتماعية من خلال أبنية نفسية دون أن تكون وصفًا لأي موضوع إلهي. وهي في واقع الأمر أيديولوجيات سياسية في مجتمعات دينية.

(٦) التنزيه

لم يبقَ إذن بعد تأليه الأئمة وحلول الصوفية واتحاد النصارى وتجسيم الكرامية وتشبيه أهل السنة إلا التنزيه عند المعتزلة، أي محاولة الحديث عن الذات بأقصى درجة ممكنة من التجريد دون الوقوع في التجسيم أو في التشبيه.

(٦-١) أدلة التنزيه

ولما كان التشبيه في حقيقة الأمر بناءً على نفي الكيفية هو أحد درجات التنزيه، فقد حاول الأشعري صياغة أدلة عقلية لنفي التشبيه وفي مقدمتها دليل نفي الشبه. وهو دليل يلحق بدليل الحدوث، مهمته نفي الشبه بين الحادث والقديم، أي أنه دليل على التنزيه أكثر منه دليلًا على وجوه المؤلَّه. ويقوم دليل نفي الشبه على قسمة بديهية، قسمة الأشياء إلى كل وجزء واستحالة التشابه بينهما. وهي في واقع الأمر قسمة لا تثبت شيئًا ولا تزيد عن كونها عملًا عقليًّا زائدًا يقوم العقل به للتنفيس عن عواطف التأليه والتقليل من حدتها. ويقوم الدليل أيضًا على رفض أي تشابه بين هذا العالم وبين الذات المشخصة من عواطف التأليه، لا كلًّا ولا جزءًا، حتى ولو كان التشابه جزئيًّا. يظل جزء آخر لا تشابه فيه إبقاءً على بعض عواطف التأليه خالصةً من كل شائبة من هذا العالم. وهو موقف تطهري خالص يقوم على البحث عن الخالص واعتبار المادي الحسي المرئي الملموس عيبًا ونقصًا ورذيلةً. كما أنه لا يقضي على كل أنواع التشابه بين العالم والذات، يكفي نسبتهما وإضافتهما وإدراكهما المزدوج بالهوية أو بالاختلاف أو الحديث عنهما.٢٠٢ ويقوم دليل الشبه على القياس المعكوس، أي على نفي القياس كتشابه بين شيئين. والقياس يكمن في الطبيعة نظرًا للاطراد. وبما أن الأشياء توجد على نفس المستوى الطبيعي، فإذا تغير المستوى بطل القياس ولا يوجد قياس بين الأقل شرفًا والأعظم شرفًا، بل القياس هنا من أجل إبطال القياس، أي أنه يستعمل ضد استعماله.٢٠٣ هذا بالإضافة إلى أن قياس الشبه أضعف أنواع القياس عند الأصوليين. ويأتي في ثالث مرتبة بعد قياس العلة وقياس الدلالة. كما أن التمثيل في المنطق الصوري أضعف من الاستنباط والاستقراء، وعلى التمثيل يقوم دليل الشبه. وفي نهاية الأمر يتغلب قياس الغائب على الشاهد، وهو أساس الفكر الديني كله على دليل نفي الشبه، ويثبت الشبه بالرغم من دليل نفيه. وأن كل ما قيل عن التأليه هو في الحقيقة عمليات شعورية قائمة على موقف الشعور في العالم، يستعمله التشبيه لرفض التجسيم ويستعمله التنزيه لرفض التشبيه.٢٠٤
ويؤدي دليل نفي التشابه إلى دليل الكمال، وهو أيضًا أحد نتائج دليل الحدوث. ويقوم نفي التشابه عن العالم والمؤلَّه أيضًا على أساس من عواطف التأليه التي تتحول باطنيًّا ثم ذهنيًّا إلى حكم قيمة وشرف. فالعالم أقل شرفًا وكمالًا من المؤلَّه، والمؤلَّه أعظم شرفًا وكمالًا من العالم. ليس العالم فاعلًا لنفسه لأن الفاعل لا بد وأن يكون حيًّا قادرًا غير مشابه.٢٠٥ وقد حاول متأخرو الأشاعرة صياغة أدلة أخرى لا تخرج عن هذين الدليلين المستقين من دليل الحدوث والمعبرين عن عواطف التأليه على درجات متفاوتة من التعقيل.٢٠٦ كما حاول المعتزلة صياغة أدلة لنفي الشبه وإثبات المخالفة للحوادث، ولكنها مثل أدلة الأشاعرة وأضعف بكثير من طريق النفي والسلب، ويمكن الرد عليها وتجريحها.٢٠٧
وقد لجأ أهل السنة إلى طريق التنزيه عن طريق النفي والسلب. فهو ليس كالخلق، ولا يشابهه أحد من مخلوقاته، وهي الثنائية الفلسفية المشهورة بين عالمين، الأوَّل الثابت الأزلي الكامل المطلق، والثاني المتحرك الفاني الناقص النسبي، هذه الثنائية التي تقوم على استقلال الأوَّل وتبعية الثاني، وتجعل علاقة الطرفين علاقة الشارط بالمشروط.٢٠٨ واستمر طريق النفي حتى في كتب العقائد المتأخرة.٢٠٩ وقد عُرف المعتزلة بهذه الطريقة وأصبح نفي الجسمية عن التوحيد هو أكبر رد فعل على التجسيم والتشبيه إبقاءً على التنزيه المطلق.٢١٠ وهي أيضًا طريقة الباطنية في إحدى لحظاتها الفكرية وتجاربها النفسية بحثًا عن الحد الأقصى في التصور والأبعد في القصد والغاية.٢١١ والحقيقة أن الطريقة المثلى لإثبات التنزيه هي طريقة النفي، نفي كل الصفات تحاشيًا للتشبيه، وهي طريقة المعتزلة وقد أثبتها أيضًا أهل السنة. ويأتي النفي بلا أو بليس تحاشيًا لمشاكل اللغة والتشابه في الألفاظ.٢١٢ وقد تأتي أوصاف الذات كلها كنفْيٍ لنقص وإثبات لكمال.٢١٣
كان التنزيه أكبر ردِّ فعل على التجسيم. واستطاع أن يقضي على التشخص والتعين والتحدد وأن يتخلى عن الجسمية والشيئية والمادية والحسية في عملية التأليه. وأطلق ذلك كله، وجعل عملية التأليه عملية شعورية خالصة يتجه فيها الشعور نحو المطلق بلا تعيُّن أو تحدد أو تشيؤ. ثم واجه الشعور شيء آخر، هل التنزيه المطلق مجرد عملية شعورية خالصة يحدد فيها الشعور اتجاهه في العالم أمام لا شيء أم أنه اتجاه نحو شيء وإن كان مُنزَّهًا؟ ما هو الموضوع الذي يتجه الشعور نحوه في حالة التنزيه؟ هل التنزيه وصف لحالة شعورية خالصة أم أنه أيضًا وصف لموضوع يتجه الشعور نحوه؟ هنا يظهر فرضان: الأوَّل ضرورة إثبات موضوع يتجه الشعور نحوه ويكون مطلبه في التأليه بعد أن تم القضاء على الشخص الذي بدأ منه التأليه وعلى البدن والجسم والشيء في التجسيم. فالشعور لا يكون إلا شعورًا بشيء، والتنزيه كعملية شعورية لا بد وأن يكون لها موضوع، هو الموضوع المنزه.٢١٤ والثاني أن الشعور ليس بحاجة إلى مشجب لتعليق الصفات عليه، ولا يستطيع أن يتجوهر في موضوع ويثبت حياته لتعليق الصفات عليه، ولا يستطيع أن يتجوهر في موضوع ويثبت حياته في نقطة ارتكاز، ويظل في حركة وحياة دائمتين، ويكون مجموعة من الصفات بلا موصوف، ويكون موضوع التنزيه مجرد صفة. ولا يحتاج الشعور هنا إلى ذات تتعلق حولها الصفات، بل توجد الصفات بلا ذات، وتكون مجموعة من الأقوال تختلف درجاتها في التشخيص. تكون الذات في هذه الحالة افتراضًا وهميًّا خالصًا ينشأ بفعل عاطفة التنزيه كما هو الحال عند الصوفية عندما يخلق تركيز القلب موضوعه أو عند الحكماء عند يخلق التأمل موضوعه. وبالتالي يكون العالم أو الذات تعبيرًا عن إيمان ديني بالصفة التي تعبر بدورها عن أماني الإنسان، هذا الإيمان الذي يخلق موضوعه كما هو الحال في الدليل الأنطولوجي الذي يخلق فيه الفكر موضوعه والكمال وجوده. ولكن هذه المرة ليس دليلًا عقليًّا أو بداهةً، بل تجربة شعورية وموقف إنساني. ولما كانت الماهية لا وجود لها، فهي ليست موضوعًا للإدراك بحاسة من الحواس الخمس أو بحاسة سادسة في هذا العالم أو في عالم آخر. وافتراض ماهية معلومة قول بلا برهان، وإثبات وجود بلا معرفة كما يثبت الموقف الإنساني معرفة بلا وجود. إنما إثبات الماهية هو تشخيص لعملية شعورية وخلق لموضوع ذاتي خالص وتوهم له في الخارج ثم وضع ذلك على حساب الإدراك حين يستمر التشخيص فتتحول الآخرة إلى مكان ويتم افتراض حاسة سادسة تُدرك بها الماهية المتوهمة. هنا يتوقف العقل، وينتهي الواقع، ويبدأ الخيال وتدخل الأسطورة. أمَّا افتراض ماهية لا يعلمها الناس فهو تحصيل حاصل؛ لأنه إثبات وجود بلا معرفة أو إثبات علم وجهل في آن واحد، والحقيقة أنه من صنع الوهم.٢١٥ ومع ذلك يبقى علم الصفات، كعلم للمبادئ والأفكار أو النظريات، وهو ما يُسَمَّى في لغة العصر بالأيديولوجية. ومِنْ ثَمَّ يكون علم التوحيد والصفات هو عملية صياغة الأيديولوجية ثم تحقيقها.
التنزيه هو أكبر رد فعل على التأليه في كل درجاته وعلى التجسيم بكل صوره. وهو رد فعل تاريخي وشعوري معًا، تاريخي لأن التنزيه الذي ساد القرن الثاني عند المعتزلة الأوائل٢١٦ تلا التأليه والتجسيم اللذين سادا القرن الأوَّل عند الشيعة الأوائل، وشعوري لأنه تحول للشعور من الحس إلى العقل، ومن المادة إلى الصورة، ومن المتعين إلى اللامتعين، ومن المتناهي إلى اللامتناهي. وقد تظهر هذا القلب الشعوري في صياغة العبارات نفسها. فبدلًا من العبارات التقريرية المثبتة التي تعزو للمعبود صورًا وأشكالًا ظهرت العبارات التقريرية النافية التي تنفي عن الله كل الصور والأشكال حتى أصبح التنزيه مرادفًا لنفي الصفات بوجه خاص وللسلب بوجه عام.
ويكشف تاريخ الفِرَق تطور الوعي الخالص أو الذات كما يكشف عن بنيته. فإن وصف التطور التاريخي لها مطابق لبنيته. والمعروف أن مادة علم أصول الدِّين في جميع موضوعاته بلا استثناء قد تطورت تطورًا جدليًّا من الموضوع إلى نقيضه ثم إلى مركب الموضوع ونقيضه. فقد بدأ التوحيد بالتجسيم على اختلاف درجاته من تأليه وتجسيم وتشبيه وتشيؤ، ثم ثنَّى بالتنزيه ونفي الصفات كنقيض للتجسيم، ثم ثلَّث بإثبات الصفات الذي يجمع بين التشبيه والتنزيه في آن واحد. وكأن الوعي الخالص باعتباره وعيًا تاريخيًّا قد بدأ بالحس، ثم ثنَّى بالعقل، ثم ثلَّث بالجمع بين الحس والعقل.٢١٧ كما تعطي بنية المادة ذاتها بصرف النظر عن تطورها التاريخي وصفًا لبناء الوعي الخالص ودرجات أبعاده بين الحس والعقل ابتداءً من المتعيَّن، هذا الوعي بالذات، إلى اللامتعيَّن، الوعي الخالص. وفي هذه الحالة يكون التشبيه بعد التجسيم لأنه قريب من الحس وإن لم كن حسًّا متعينًا. ثم يأتي التنزيه في النهاية يمثل قطب الشعور الثاني وهو العقل. وإذا أردنا القسمة فإنه يمكن وضع التأليه والتجسيم والتشبيه معًا في طرف الحس، ووضع التنزيه في طرف العقل، إذ إن التأليه والتجسيم تشبيه الذات، والتشبيه تجسيم للصفات.٢١٨ ولما كان الحس والعقل معًا قطبين للشعور، فإن مادتي علم أصول الدِّين الحسية والعقلية يمكن إعادة عرضهما على أنهما مادتان شعوريتان وتكملتهما معًا بمادة أصولية شعورية أخرى حتى يكتمل الموضوع في الشعور. وفي كلتا الحالتين تكون مادة القدماء وصفًا للشعور؛ لأنها مادة للشعور. ولما كان الشعور يجمع بين الحس والعقل، أو إن شئنا بين المادة والصورة فيما يُسَمَّى بين التشبيه والتنزيه، فالتشبيه مادة للتوحيد أتت من الحس، والتنزيه مادة أخرى أتت من العقل.

(٦-٢) إيجابيات التنزيه

والتنزيه بالرغم من كل ما يُقال عليه من خصومه أقرب إلى روح الوحي وروح العلم على حد سواء من التجسيم والتشبيه للآتي:
  • (١)
    التنزيه أكبر معبر عن التوحيد؛ لأنه ينفي أي تشابه بين الله والإنسان. فالله في التنزيه يند عن كل تصور أو تصوير إنساني. وهو بهذا يتفق مع المعنى التقليدي للتوحيد. وبهذا يمتاز التنزيه عن التشبيه الذي يقترب من الوثنية الحسية المباشرة.٢١٩ كما أنه يحمي من الوقوع في التشخيص، والحديث عن المؤلَّه كمشجب تعلق عليه الصفات كما حدث بعد ذلك في التشبيه. فالمؤلَّه حالة شعورية خالصة يعبر عنها العقل بأكثر الوسائل إمعانًا في التجريد.
  • (٢)
    لما كان التنزيه مجرد حالة شعورية، فإنه يعني التعالي المستمر ورفض التشبيه والمماثلة، ويعني التعالي إمكانية التقدم المستمر ورفض أي تحول للذات إلى موضوع، والاستبعاد المستمر للصيغ الجاهزة التي تريد إيقاف العلم إلى الأبد في صيغ ثابتة دون البحث عن صيغ أخرى. التعالي صورة للتقدم البشري، وهو بناء نفسي وحركة شعورية أكثر منه عقيدة.٢٢٠ والعجب أن أحدًا من القدماء لم يذكر صفة «التعالي»، في حين أنها مذكورة كمديح وثناء. ففي كل مرة يُذكر فيها اسم الله يُردف بعبارة «سبحانه وتعالى» أو «تعالى عما يصفون» أو «سبحان ربك رب العزة عما يصفون».٢٢١ فالتسبيح علاقة الإنسان به، وهو موقف ذاتي تعبيري. التعالي وصف من أوصاف الذات أو وظيفة الذات في الشعور بها يتم نقد الصياغات القائمة لبيان المسافة بينها وبين الماهية، ورفض القطعية والمذهبية والتوقف والخلط بين الصياغة والموضوع. وبها يتجه الشعور باستمرار نحو المجرد والصوري والخالص حفاظًا على الشعور من المادية والشيئية وحفظًا له من الوقوع في الثقل الطبيعي للبدن. يعني التعالي كسر نطاق الوضعية والثقة بنطقية الإنسان وروح النقد لما هو موجود والتقدم المستمر، وهو روح العلم.
  • (٣)
    يعني التنزيه أيضًا الرغبة في الحصول على الخالص Le Pure دون الوقوع في التطهر، أي الخالص المنفصل عن المادي المعارض له كما هو الحال في كل العقائد الثنوية. الحقيقة في التنزيه من جانب الصورة التي يقوم التنظير بالبحث عنها. التنزيه هو عالم الصورة الخالصة أو الأنطولوجيا العامة أو الرياضيات الشاملة.٢٢٢ هو اتجاه نحو الصوري الخالص، وتأسيس للعلم تأسيسًا صوريًّا خالصًا. والصورية مقياس لتقدم العلم، ومصير كل فكر ينمو باطراد. لذلك اقترب تشبيه كثير من المتأخرين من التنزيه بعد أن اختفت الظروف النفسية والاجتماعية التي أدت إليه. بل لقد استعمل المشبهة نفس الخطاب الذي يستعمله المنزهة والفلاسفة في نفي الصفات الحسية بحرف النفي لا.٢٢٣ ثم عاد التشبيه في عصرنا الحالي لعودة نفس الظروف النفسية والاجتماعية القديمة كالاضطهاد، والهزيمة، والضعف، والتعويض … إلخ. التنزيه كعملية شعورية مهمتها البحث المستمر عن الحقيقة، وتقدم العلم. ومع ذلك «الله» كفكرة محددة مهمتها المحافظة على المستويات وعدم الخلط بين الصوري والمادي، بين الدلالة والدال، بين المعنى والشيء؛ لأنه يجعل الشعور توترًا بين قطبي الحس والعقل.
  • (٤)

    استطاع التنزيه التعبير عن العواطف البشرية وعلى رأسها التأليه في صورة عقلية خالصة، وبالتالي أمكن إخضاع التجارب الشعورية إلى التحليل العقلي الخالص، وهو ما لم يحدث في التأليه والتجسيم والتشبيه. فالتنزيه يعبر عن سلطة العقل المطلقة على الانفعالات والأهواء، بينما يعبر التشبيه عن الإدراك الحسي، وكما يعبر التجسيم عن الرؤية الموضوعية. هذا التنزيه العقلي الخالص هو السبب في تحريم التصوير في الشرع من أجل إبعاد أي احتمال للوقوع في التشبيه أو التجسيم. ولذلك خرج الفن صوريًّا خالصًا يقوم على الأشكال الهندسية وتكرارها في كل الاتجاهات المتقابلة والمتماثلة من أجل خلق الجمال الصوري الخالص.

  • (٥)
    يؤدي التنزيه إلى القضاء على أية فاعلية متوهمة للمؤلَّه المشخص، ويعطي الاستقلال التام للعالم. فشبهة التعطيل إذن لا تمثل نقدًا للفكر، بل هي ضرورة تمليها الروح العلمية واستقلال ظواهر الطبيعة. يمنع التنزيه كل مظاهر التسلط والقهر والطغيان باسم الإله المشبَّه الذي يسمع ويرى كل شيء، ولا تخفى عليه خائنة الأعين وما تكنُّ الصدور، كما هو الحال في أجهزة المخابرات في نظم القهر والتسلط، فعين الله الساهرة هي عين المباحث الساهرة.٢٢٤ بل يجعل التنزيه العقل قادرًا على تمثل الصفات كمبادئ عامة مطلقة وشاملة غير مشخصة في إرادة والجميع قادر على إدراكها وتمثلها، وهي المبادئ الإنسانية العامة التي طالما ضحى الأفراد والشعوب في سبيلها.

(٦-٣) سلبيات التنزيه

ولكن من ناحية أخرى، وبالرغم من كل هذه المزايا في التنزيه كتعبير صادق عن الوعي الخالص أو الذات، وبالرغم من كونه رد فعل تاريخيًّا مشروعًا على التأليه والتجسيم والتشبيه، أدى دوره في المحافظة على التوحيد الخالص وفي إعلان سلطان العقل على الانفعال واستقلال قوانين الطبيعة وحرية الإنسان والمجتمع، بالرغم من هذا كله فقد يثير التنزيه عدة تساؤلات تدفع المتكلم الأصولي الجديد إلى مزيد من التأمل والبحث عن كيفية الحرص على الوعي الخالص دون أن يرتد إلى بعض عناصر التشبيه، ومنها:
  • (١)

    بالرغم من كل ما حاوله التنزيه من بُعد عن التشبيه وتخليص المؤلَّه من كل شبهة إنسانية، إلا أنه ما زال أيضًا مُشابًا بالتماثل من مجرد استعمال اللغة بألفاظها وتصوراتها. وبالرغم من استعمال أسلوب النفي وهو أسلوب التطهير، إلا أنه يستعمل أيضًا اللغة حتى ولو كانت تنفي ألفاظها وتصوراتها. فما دامت عواطف التنزيه قد تمت صياغتها في لغة، فإنها لم تعد تنزيهًا. لذلك فضَّل الصوفية الصمت أو على أكثر تقدير استعمال الرمز الذي يتجاوز حدود اللغة الإنسانية. فالتنزيه مهما بلغت درجة صوريته وتجريده مرتبط باللغة والتصورات الإنسانية لأنه يستحيل تجريد الإنسان من مواقفه الحياتية وتجاربه الاجتماعية، وضعًا وهدفًا. ولما كانت الناس مختلفة فيما بينها في المجتمعات والعصور والبيئات الثقافية واللغات، فقد اختلفت بينها في درجات التنزيه. وزيادةً في التنزيه يمكن أن يُقال إنه لا يمكن التعبير عنه على الإطلاق بالمقولات الإنسانية حتى تلك التي تقوم على أقصى درجة في التجريد مثل الجوهر والعرض أو الممكن والواجب؛ لأن هذه التصورات الثقافية لا تتعدى كونها في الحقيقة تعبيرًا عن عواطف التأليه التي هي أيضًا تعبير عن عواطف التطهر والتقوى والترفع والعلو. ويكون الخطاب حينئذٍ نوعًا من التمرينات الذهنية التي تعبر عن مضمون الشعور وتحليل العقل لها. فإذا كان في التجسيم قد أُضيف المكان كبُعد للتأليه يتحدد فيه المؤلَّه ففي التنزيه يُضاف الزمان ويُطلَق. وإذا كان التجسيم تصوُّرًا للتأليه في المكان، فإن التنزيه تصور التأليه مثل باقي القسمات كالجوهر والعرض، والواحد والكثير، والنفس يقوم بها الذهن البشري للتعبير بها عن عاطفة الطهارة التي هي أساس التأليه مثل باقي القسمات كالجوهر والعرض، والواحد والكثير، والنفس والبدن، وهي القسمة التي فضَّلها الحكماء فيما بعد للتعبير بها عن التأليه في الوجود. فكما أن الجوهر أشرف من العرض، والكيف أشرف من الكم، والصورة أشرف من المادة، والنفس أشرف من البدن، فإن القديم أشرف من الحادث. وبإضافة التشخيص للتأليه يكون الله هو القديم وما سواه هو الحادث. إن كل صور التوحيد القديمة ظواهر إنسانية خالصة، نجد نظائرها في العلوم الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد. فقد ظهر التأليه على أنه تعويض مطلق عن العجز والضياع والهزيمة، ونتيجة للرغبة في الحصول على انتصار كامل ودائم تعويضًا عن الهزيمة الشاملة. ونشأ التجسيم أيضًا لنفس السبب، وهي الرغبة في الحصول على انتصار واسترداد للحق الضائع. فبدل رفع المظلوم إلى العدل المطلق كما هو الحال في التأليه، يأتي العدل المطلق في الظلم ويتجسم الحق ويصبح البعيد قريب المنال.

  • (٢)

    بالرغم من استطاعة التنزيه القضاء على كل وثنية حسية، إلا أنه انتهى إلى نوع من وثنية مضادة هي الوثنية العقلية. يتحول التأليه إلى موضوع عقلي خالص، وتتوقف حركة الشعور لديه، ويصبح مشجبًا سهلًا تعلق عليه الأماني الإنسانية مدفوعة إلى حد الإطلاق، ومن هذه الناحية قد لا يكون هناك فرق بين التنزيه والتشبيه، وأن الفرق هو في الدرجة لا في النوع. كلاهما إثبات لمؤلَّه مشخص، ولكن التشخيص في التنزيه عقلي خالص، مجرد صوري، وفي التشبيه حسي مادي، عياني شيئي، كلاهما وثنية. الأوَّل عقلي غير مرئي والثاني حسي مرئي. كلاهما تجسيم، الأوَّل تجسيم ناعم مرهف، والثاني تجسيم فظ غليظ. فاتهام أهل السنة المعتزلة بأنهم مشبهة الصفات عندما جعلوها حادثة لا يدل على التشبيه لأن إثبات حدوث الصفات تنزيه للذات عن كل تشبيه. وقد يكون الاتهام موجَّهًا لأهل السنة أصدق لرفضهم التأويل والمجاز. ومع ذلك فقد وقع كلا الفريقين في التشبيه إمَّا الحسي أو المعنوي، والخلاف بينهما فقط في درجة التجريد. التنزيه والتشبيه كلاهما من خلق الذات، وإسقاط من الشعور إلى أعلى، وتأليه صور إنسانية خالصة مهما تفاوتت مستويات التجريد. وفي كلتا الحالتين يؤله الإنسان ذاته دون أن يدري، يؤله الأنا ثم يعزو إليها الآخرية كما حدث من قبل في التأليه والتجسيم عندما ألَّه الآخر ثم نُسبت إليه الأنية.

  • (٣)

    يوحي التنزيه بالخارجية، وبأن قمة عواطف التأليه خارج العالم وليست بداخله، وأنه كلما بعدنا عن العالم وصلنا إلى تنزيه أعظم، وكلما أغرقنا في الصورية والنظر استُل مِنَّا الواقع والعمل. ومِنْ ثَمَّ يوحي التنزيه بأن المؤلَّه المنزه في جانب وأن العالم الإنساني في جانب آخر، وبأنه لا صلة له بهذا العالم على الإطلاق، وهو ما ظهر فيما بعد في إعلان الحرية الإنسانية والإرادة الإنسانية المستقلة وفي حتمية قوانين الطبيعة واطرادها. وكلما تم الإيغال في الصورية ظهر العالم بعيدًا عن الذات، ماديًّا طبيعيًّا، لا تشخيص فيه ولا ألوهية، ونشأ العلم العقلي التحليلي الطبيعي الصرف. وكأن التنزيه قد دعا إلى حركتين متناقضتين، أقصى درجة في التعالي بالنسبة للذات وأقصى درجة في المادية بالنسبة للعالم. فإذا كان التنزيه قد استطاع إلى حد كبير إنقاذ عواطف التأليه من كل أثر للتشبيه، فإنه ترك العالم المادي ذاته دون أي أساس تصوري أو تبرير أنطولوجي، ولم يبقَ إلا تحليل العقل للطبيعة، وبالتالي نشأ العلم.

  • (٤)

    يؤدي التنزيه بالرغم من كل محاولاته من أجل الحصول على الوحدة إلى التصور الثنائي للعالم. فهناك عالمان، عالم الصورة الخالصة الذي يعبر بصدق عن عواطف التأليه، وعالم مادي يمثل خطورة التشبيه والتجسيم. فالتنزيه تبرير أنطولوجي لوجود الصورة على حساب المادة. وتكون علاقة العالمين، عالم الصورة وعالم المادة، علاقة تعارض مستمر. كلما أعطينا الأوَّل شيئًا سلبناه عن الثاني. وهو ما ظهر بوضوح أكثر عند الحكماء عندما تحول التنزيه لديهم إلى تصور عام للوجود وقسمته إلى وجودين، الوجود الصوري والوجود المادي. وقد تتعدد هذه القسمة وتتداخل وبالتالي تتحول إلى طبقات متعددة وإلى مستويات عديدة متداخلة. عندئذٍ يوحي التنزيه بأن الكمال في البعد الرأسي وليس في البعد الأفقي، وبأن السماء أشرف من الأرض، مما قد يؤدي إلى نوع من الرضا الذاتي عن النفس ما دام الشعور قد وصل إلى قبة السماء «فكان قاب قوسين أو أدنى» في عملية التنزيه. ثم يؤدي الرضا إلى الاكتفاء الذاتي بالتنزيه ورغبة في التأمل، مما يؤدي بدوره إلى ضمور في الفعل وقصور في التوجه نحو العالم.

  • (٥)

    وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في التنزيه، وهو كيف يتم الخروج من هذا التصور العقلي الخالص إلى الواقع؟ كيف يتم الانتقال من الفكر إلى الوجود؟ ومِنْ ثَمَّ يحتاج التنزيه إلى دليل أنطولوجي يجعل المؤلَّه هو الوحيد الذي يجمع بين الفكر والوجود، يحتوي تصوره على وجوده. ولكن حتى هذا الدليل الأنطولوجي افتراض عقلي خالص يعبر عن أماني الذات في الحصول على الوجود من مجرد الحصول على فكرته بلا حركة أو جهد أو مقاومة. ولما كان التنزيه صوريًّا فارغًا، فقد استطاعت السلطة أن تكون مضمونًا له، وبالتالي لعبت دوره، ومارست وظائفه في العالم بكل شيء (أجهزة الأمن) والسيطرة على كل شيء (أجهزة القمع)، وأصبح التعالي رمزًا للجبروت السياسي بالنسبة للحاكم الذي لا يجوز الاقتراب منه. ولكنه في نفس الوقت قد يتحول في وعي المعارضة إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر في صيغة «الله أكبر» ضد الحاكم المتعالي ردًّا له إلى وضعه الإنساني حتى يظل الوعي الخالص متفرِّدًا بصفاته المجردة.

كان التنزيه هو اختيار القدماء ضد مخاطر التأليه والاتحاد والحلول والتجسيم والتشبيه، وهي العقائد السائدة في الديانات القديمة. وقد تغيرت الظروف الآن، ولم تعد المخاطر آتية من العقائد، بل محيطة بالأرض والثروات واستقلال الشعوب. فأي التصورات للذات الخالص أقدر على الدفاع عن مصالح الأمة؟ تأليه الأرض؟ تجسيم الشعب؟ تنزيه الحكام من الأغراض والأهواء وكراسي الحكم؟ تمثل المبدأ والتمسك به لدرجة التضحية والشهادة حتى ولو ظهر ذلك بلغة الاتحاد والحلول وأن يقول المواطن أنا الحرية والاستقلال؟ إن البدائل القديمة كلها على مستوى واحد من القيمة، والاختيار بينها حر دون تكفير أحد منها. ولجيلنا أن يقول هل هو راغب في اختيار تصورات جماعات الاضطهاد أم تصورات جماعات السلطة.٢٢٥
١  «مخالف في ذاته لجميع الخلائق، فليس بجسم ولا عرض، ولا يتصف بالمكان ولا بالزمان ولا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام» (العقيدة التوحيدية، ص٣٠٢).
٢  أساس التقديس، ص٣–٧٩، ص٧٩–١٧٣، ص١٧٣–١٩٧.
٣  الإبانة، ص٤؛ التمهيد، ص٤٦؛ الإنصاف، ص٣٢-٣٣؛ المواقف، ص٢٦٩-٢٧٠.
٤  غاية المرام، ص١٥٧–٢٠٠.
٥  الإبانة، ص٨.
٦  الإنصاف، ص٢٣، ص٣٣.
٧  الفصل، ج٢، ص١١٠.
٨  الفصل، ج٢، ص١٤٤.
٩  المحصل، ص١١–١١٢.
١٠  الأصول، ص٨٨.
١١  اللمع، ص١٨–٢٠.
١٢  اللمع، ص٢٣-٢٤؛ العضدية، ج٢، ص١١٩.
١٣  الشامل، ص٢٨٧–٣٤٣.
١٤  الفقه الأكبر، ص١٨٤، ص١٨٥.
١٥  الإنصاف، ص٢٣.
١٦  الشامل، ص٤٠٩–٤٠٧.
١٧  بحر الكلام، ص٢-٣.
١٨  نهاية الإقدام، ص١٠٣–١٢٢.
١٩  أساس التقديس، ص٢.
٢٠  النسفية، ص٦٧.
٢١  الإرشاد، ص٣٤–٣٩.
٢٢  الإرشاد، ص٣٩–٤٢.
٢٣  الإرشاد، ص٤٢–٤٤.
٢٤  الإرشاد، ص٤١–٤٤.
٢٥  الإرشاد، ص٤٦–٥٢.
٢٦  بحر الكلام، ص٣.
٢٧  بحر الكلام، ص١٩.
٢٨  المحصل، ص١١٤-١١٥.
٢٩  معالم أصول الدِّين، ص٣٤–٣٦.
٣٠  طوالع الأنوار، ص١٥٩.
٣١  العضدية، ج٢، ص١٤٣.
٣٢  المواقف، ص٢٧٥–٢٨٧.
٣٣  السنوسية، ص٢–٦؛ كفاية العوام، ص٣٦-٣٧؛ العقيدة التوحيدية، ص٧؛ الباجوري، ص٣؛ رسالة التوحيد، ص٣١–٣٣؛ وباقي كتب العقائد المتأخرة مثل: الجوهرة، جامع زبد العقائد، وسيلة العبيد، الحصون، التحقيق التام، القطر المغيث.
٣٤  هذه كلها اتجاهات الفِرَق، غلاة الروافض التي تجعل من «علي» وبنيه آلهة، وكذلك قول النصارى في عيسى (التنبيه، ص١٩؛ الانتصار، ص١٠٤).
٣٥  وذلك مثل كتاب «نهج البلاغة» المنسوب إلى «علي».
٣٦  الآثار المروية في فضائل علي لا تُحصى. وهناك مجال خصب للدراسة العلمية لهذه الآثار ابتداءً من القرآن والحديث الصحيح حتى الآثار الموضوعة والأساطير الشعبية التي خلقها شعور الجماعة، تطبق فيها مناهج تاريخ الأديان، وعلم الأساطير المقارن.
٣٧  يشرح ابن حزم مواقف الغالية على هذا النحو فيقول: «هم الذين غلوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخلقية وحكموا فيهم بأحكام الإلهية. فربما شبهوا الإله بالخلق، وهم على طرفي الغلو التقصير. وإنما نشأت شبهاتهم من مذاهب الحلولية ومذاهب التناسخية ومذاهب اليهود والنصارى، إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق. فسرت هذه الشبهات في أذهان الشيعة الغلاة حتى حكمت بأحكام إلهية في حق بعض الأئمة. وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة. وإنما عادت على بعض أهل السنة بعد ذلك وتمكن الاعتزال فيهم لما رأوا أن ذلك أقرب إلى المعقول، وأبعد عن التشبيه والحلول». وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه، والبدأ، والرجعة، والتناسخ. ولهم ألقاب. وبكل بلد لقب. يُقال لهم بأصفهان الخرمية والكوذية وبالري المزدكية والسنباذية وبأذربيجان الذقولية، وبموضع المحمرة وبما وراء النهر المبيضة (الملل، ج٢، ص١١٥-١١٦). ويلاحظ الشهرستاني هنا أن الاعتزال رد فعل طبيعي وأصيل على التشبيه. وأن عقائد الشيعة لها نسق خاص مثل القول بالتشبيه والبدأ (أي البدأ كتأويل للنسخ حتى يراجع الله نفسه بالحق، والرجعة حتى يعود النصر، والتناسخ حتى يكون الإمام أكثر روحانية وألوهية من ظالمه البشري). كما يلاحظ تفسير أسمائهم طبقًا للأماكن مما يدل على أثر البيئات المحلية مع الحضارات في تكوين عقائد الفِرَق.
٣٨  زعم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين أنه رب وأنه نبي، فعبده شيعته، وأن الأرواح تناسخت، وأن روح الله كانت في آدم ثم تناسخت فيه (مقالات، ج١، ص٦٧). وزعمت الخطابية أن الأئمة آلهة وأنهم كذلك. وعبدوا ابن الخطاب، وزعموا أنه إله، وأن جعفر بن محمد إله (مقالات، ج١، ص٧٧). وكان أبو الخطاب يزعم أوَّلًا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة وأن أولاد الحسن والحسين كانوا أنبياء الله وأحباؤه، وكان يقول إن جعفرًا إله. وكان أبو الخطاب يدعي الإلهية لنفسه وزعم أتباعه أن جعفرًا إله، غير أن أبا الخطاب أفضل منه وأفضل من علي (الفِرَق، ص٢٤٧). كما زعموا أنهم يعلمون الغيب وما هو كائن قبل أن يكون (الفِرَق، ص٢٤٨). وزعمت البزيغية (الخطابية) أن جعفر بن محمد هو الله، وأنه لا يُرى بل تشبه للناس بهذه الصورة، وأن الإمام بعده بزيغ (الملل، ج٢، ص١٢٦؛ مقالات، ج١، ص٧٨؛ الفِرَق، ص٢٤٨-٢٤٩). وزعمت المعمرية (الخطابية) أن جعفرًا ربهم وعبدوه، وأن معمر هو النبي بعد أبي الخطاب وعبدوه بعده (مقالات، ج١، ص٧٧). والإلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الإمامة، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار (الملل، ج٢، ص٢٤). وتقول المفضلية (الخطابية) بربوبية جعفر ونبوته (الفِرَق، ص٢٤٩-٢٥٠). كما ادَّعى بيان بن سمعان الربوبية كالحلولية وزعم أنه كان إلهًا (الفِرَق، ص٢٣٧). وزعمت الباطنية أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الرب (الفِرَق، ص٣٠٢-٣٠٣). وقالت العذافرة بإلهية أبي العذافر المقتول ببغداد (الفِرَق، ص١٢). وبوجه عام يقول غلاة الروافض بإلهية الأئمة (الفِرَق، ص٢٣؛ التنبيه، ص٢٨).
٣٩  زعم ابن سبأ أن عليًّا كان نبيًّا، ثم غلا فزعم أنه إله. وكذلك ادَّعى غلاة الشيعة من بعده (الفِرَق، ص٢٣٣؛ اعتقادات، ص٥٧). وقال بعض السبئية لعلي: أنت الإله، فأحرق علي قومًا منهم (الفِرَق، ص٢١). قالوا لعلي: أنت أنت، قال: ومن أنا؟ قالوا: الخالق البارئ، فاستتابهم فلم يرجعوا، فأوقد لهم نارًا ضخمةً وأحرقهم (التنبيه، ص١٨). وقد نفاه علي إلى ساباط المدائن، وقيل إنه كان يهوديًّا وأسلم. وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى، مثل ما قال في علي. وهو أول من أظهر القول بالفرض بإمامة علي. ومنه انشعبت أصناف الغلاة فزعموا أن عليًّا لم يُقتَل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يُستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه (الملل، ج٢، ص١١٦). ومن غلاة الرافضة من زعم أن عليًّا إله من دون الله، وإنما هو روح في الجسد كقول النصارى في عيسى عندما زعموا أنه إله (التنبيه، ص١٥٦). وقال غلاة الروافض بإلهية الأئمة (الفِرَق، ص٢٣). وقال آخرون منهم بإلهية سلمان الفارسي (مقالات، ج١، ص٧٩).
٤٠  عن رواية ابن الراوندي أن الجاحظ قد زعم أن في المعتزلة من يقول بأن عليًّا هو الله كمن يزعم أن المسيح خلق العالم، وهو رب العالمين والآخرين، وهو المحاسب للناس يوم القيامة والمتجلي لهم، والذي عناه النبي في حديث: «ترون ربكم …»، وقد فضَّل ابن حابط المسيح على النبي. وهذا قول السبئية وليس قول المعتزلة (الفِرَق، ص٢٢٨، ص٢٣٣). وابن حابط وفضل الحذَّاء ليسا من المعتزلة (الانتصار، ص١٤٨-١٤٩). وزعمت الذمية من الرافضة أن عليًّا هو الله، وشتموا مُحمدًا (الفِرَق، ص٢٥١). ومنهم من قال بإلهيتهما معًا، ويقدمون عليًّا في أحكام الإلهية ويسمونهم العينية، ومنهم من يقدم مُحمدًا في الإلهية ويسمونهم الميمية. ومنهم من قال بإلهية خمسة أشخاص أصحاب الكساء: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وقالوا: خمستهم شيء واحد، والروح حالَّة فيهم بالسوية، وكرهوا أن يقولوا فاطمة بالتأنيث فقالوا: فاطم (الملل، ج٢، ص١١٩).
٤١  المنصورية أتباع أبي منصور العجلي الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه صعد إلى السماء، وأن الله مسح بيده على رأسه وقال له: يا بني، بلغ عني، ثم انزل إلى الأرض وزعم أنه الكسف الساقط من السماء (الفِرَق، ص٢٢٦، ص٢٤٣-٢٤٤). كما تقول العجلية بربوبية جعفر دون نبوته ورسالته (الملل، ج٢، ص١٢٦). أمَّا المغيرة أتباع مغيرة بن سعد العجلي فقد ادعى الإلهية ثم أُحرقوا بالنفط والنار (اعتقادات، ص٥٨).
٤٢  قال بعض غلاة الروافض بألوهية سلمان الفارسي (مقالات، ج١، ص٧٩).
٤٣  لما قالت السبئية لعلي: أنت أنت، وسألهم: من أنا؟ قالوا: الخالق البارئ! استتابهم فلم يرجعوا، فأوقد نارًا وأحرقهم، وأنشد:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا
أججت ناري ودعوت قنبرا
التنبيه، ص١٨. ومع ذلك سمت السبئية عليًّا إلهًا وشبهوه بذات الله. ولما أحرق قومًا منهم قالوا: الآن علمنا أنك إله؛ لأن النار لا يعذب بها إلا الله (الفِرَق، ص٢٢٥).
٤٤  «التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم»، (١) تجديد معنى التراث، (أ) مستويات التراث، ص١٠–١٨.
٤٥  يمكن أن يدخل موضوع تأليه الأئمة في نظرية الإمامة، آخر موضوع في العقائد، لأنه مرتبط بالسياسة، فتأليه الإمام تعبير عن سيكلوجية الاضطهاد، ويكشف عن دور الزعيم في الجماعة المضطهدة. انظر الفصل الثاني عشر عن الإمامة. وقد ظهر هذا الموضوع في كتب الفِرَق أكثر من ظهوره في كتب العقائد نظرًا لأن عقائد هذه الفِرَق وعلى رأسها غلاة الرافضة لم تستمر في وجدان الأمة، وكانت عقائد تاريخية صرفة، موقوتة بظروف مجتمعها.
٤٦  هي أسطورة الخلق عند المغيرة بن سعيد. كان الله وحده ولا شيء معه، فلما أراد أن يخلق الأشياء تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع فوق رأسه التاج، ثم كتب بأصبعه على كفه أعمال العباد من المعاصي، فعرق فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما مالح مظلم والآخر نير عذب. ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عين ظله، فخلق منها شمسًا، ومحق ذلك الظل وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري. ثم خلق الخلق كله من البحرين، خلق الكفار من البحر المالح المظلم، وخلق المؤمنين (الشيعة) من النير العذب. وخلق ظلال الناس، فكان أول من خلق منها، ثم أرسل مُحمدًا إلى الناس كافة، وهو ظل ثم عرض على السموات أن يمنعن عليًّا من ظالميه، فأبين، ثم عرض على الأرض والجبال فأبين، ثم على الناس كلهم. فقام عمر إلى أبي بكر فأمره أن يتحمل منعه وأن يغدر به، ففعل أبو بكر، وقال عمر: أنا أعينك على علي لتجعل لي الخلافة بعدك، فالشيطان عمر (مقالات، ج١، ص٧٢-٧٣؛ الفِرَق، ص٢٣٩-٢٤٠؛ الملل، ج١، ص١٢٠–١٢٢).
٤٧  انظر دراستنا «الأصولية الإسلامية، دراسة في التحقيقات». وأيضًا دراستنا عن أبي الأعلى المودودي والمفكر الشهيد سيد قطب في «الدين والثورة في مصر، ١٩٥٢–١٩٨١، ج٤، في اليسار الديني».
٤٨  علي قديم أزلي، وعمر قديم أزلي، إلا أن عليًّا كان خيرًا محضًا، وعمر كان شرًّا محضًا، وكان يؤذي عليًّا دائمًا، وكأنهم اقتبسوا هذه المقالة من المجوس (اعتقادات فِرَق، ص٦١).
٤٩  هذا هو موضوع الجزء الثالث من «التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم» عن علوم التصوف. انظر مؤقتًا: «ماذا تعني أشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحمدًا رسول الله؟»، وأيضًا: «محمد الشخص أم المبدأ؟» (الدين والثورة في مصر، ١٩٥٢–١٩٨١، ج٤، اليسار الديني).
٥٠  زعمت إحدى فرق الغلاة أن الله فوَّض الأمور إلى محمد، وأنه أقدره على خلق الدنيا، فخلقها ودبرها، وأن الله لم يخلق شيئًا. ويقولون مثل ذلك في علي (مقالات، ج١، ص٨٦). وقد فصلت المفوضة من نفس الأسطورة أن الله خلق مُحمدًا ثم فوض إليه خلق العالم وتدبيره. فهو الذي خلق العالم دون الله، ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي. فهو المدبر الثاني (الفِرَق، ص٢٥١). كما يزعمون أن الباري خلق روح علي وأرواح أولاده، وفوض العالم إليهم فخلقوا هم الأرضين والسموات. وكانوا يقولون في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى لأن الله هو علي وأولاده. وأمَّا الإله الأعظم فهو الذي فوض إليهم العالم (اعتقادات فِرَق، ص٥٩).
٥١  زعم أبو منصور والعجلي أيضًا أن عيسى هو أول من خلق الله، ثم علي (مقالات، ج١، ص٧٤؛ الملل، ج٢، ص٢٤). وشبه أحمد ابن خابط المنسوب إلى المعتزلة (النظام) عيسى ابن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني (الفِرَق، ص٢٢٨). انظر في ذلك رسالتنا: La Phénoménologie de L’Exégèse, essai d’une Hérméneutique existentielle à pratir du Nouveau Teslament.
٥٢  زعم أبو منصور أن آل محمد هم السماء والشيعة هم الأرض، وأنه الكسف الساقط من بني هاشم (مقالات، ج١، ص٧٤-٧٥). وقد زعم العجلي أن عليًّا هو الكسف الساقط من السماء، وربما الساقط من السماء هو الله. وزعم حين ادَّعى الإمامة لنفسه أنه عُرج به إلى السماء ورأى معبوده، فمسح بيده على رأسه وقال له: يا بني انزل فبلغ عني، ثم اهبط إلى الأرض، فهو الكسف الساقط من السماء. وزعمت بعض السبئية أن عليًّا في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه. ومن سمع صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين. لذلك قالت البيانية في تفسير: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ أنه علي (الفِرَق، ص١٣٤؛ الملل، ج٢، ص٧٩، ص١٢٢-١٢٣؛ مقالات، ج١، ص٨٧؛ اعتقادات، ص٥٣).
٥٣  تزعم البزيغية (الخطابية) أنه لا يموت منهم أحد. وإذا بلغ أحدهم عبادته رُفع إلى الملكوت يعاينون أحوالهم بكرةً وعشيةً (مقالات، ج١، ص٧٨).
٥٤  زعم بيان بن سمعان أنه يدعو الزُّهرة فتجيبه، وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، وأنه يهزم العسكر (مقالات، ج١، ص٦٦؛ الفِرَق، ص٢٣٧). وقال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة ملكوتية، بنور ربها مضيئة. فالقوة الملكوتية في نفسه كالمصباح في المشكاة، والنور الإلهي كالنور في المصباح (ج٢، ص٧٨). وزعم المغيرة بن سعيد أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم، وأراهم شيئًا من النيرنجيات والمخاريق (مقالات، ج١، ص٧٢؛ الفِرَق، ص٢٣٩).
٥٥  تقول الخابطية إن عيسى هو الذي يحاسب الخلق يوم القيامة (الفِرَق، ص٢٢٨). ويروي ابن الراوندي عن أبي الهذيل قوله إن عليًّا عند أهله يضر وينفع، يُثيب ويعاقب، يختار ويفعل، والله عند أبي الهذيل لا يضر ولا ينفع، ولا يُثيب ولا يعاقب، وكذَّب الخياط هذه الرواية (الانتصار، ص١٥١).
٥٦  هم الحلولية بوجه عام، الذين يزعمون حلول الله في أشخاص الأئمة، ويعبدون الأئمة من أجل ذلك (الفِرَق، ص٢٢٦). وذهب غلاة الشيعة إلى حلوله تعالى في علي وأولاده، وقالوا لا يمتنع ظهور الروحاني في الصورة الجسمانية كجبرائيل في صورة دحية الكلبي، فلا يبعد أن يظهر الله في صورة بعض الكاملين كعلي وأولاده والأئمة المعصومين. ويضيف الدواني: «وأنت تعلم أن الظهور غير الحلول، وأن جبرائيل لم يحل في دحية، بل ظهر بصورته، وهذه قرينة على أنهم لم يريدوا بالحلول المعنى الحقيقي» (الدواني، ج٢، ص١٤٢-١٤٣). ووصفت السبئية عليًّا بأنه إله، وقالت: روح ربي في الجسد (الفِرَق، ص٢٢٥، ص٢٧٢). وقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي (الملل، ج٢، ص١١٧). وزعم الشريعي أن الله حل فيه وأن روح الله حلت في خمسة أشخاص: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وبالتالي فهم آلهة (مقالات، ج١، ص٨٢–٨٤؛ الفِرَق، ص٢٥٥-٢٥٦). وقالت الخطابية بحلول روح الله في جعفر الصادق ثم في أبي الخطاب الأسدي. فقد حل الله في علي ثم في الحسن ثم في الحسين ثم في زين العابدين ثم في الباقر ثم في الصادق. وتوجه هؤلاء إلى مكة في زمن جعفر الصادق وكانوا يعبدونه. فلما سمع الصادق بذلك أبلغ به أبا الخطاب وهو رئيسهم، فزعم أن الله قد انفصل عن جعفر وحل فيه، وأنه هو أكمل من الله (الفِرَق، ص٢٥٧؛ اعتقادات، ص٥٨). ودعا ابن أبي العذافر (أبو العذافر) حلول روح الله فيه، وسمى نفسه روح القدس، ويخاطبه أتباعه بالرب والمولى ويصفونه بالقدرة على ما يشاء. وحين قتله طلب ثلاثة أيام مهلة تنزل فيها براءته من السماء والنقمة على أعدائه (الفِرَق، ص٢٦٤–٢٦٦). وتقول القرامطة والديلم بحلول اللاهوت في الناسوت على قول النصارى سواءً (التنبيه، ص٢١). وإن جزءًا إلهيًّا حل فيه واتحد بجسده (الملل، ج٢، ص٧٨). كما تقول بالحلول والتناسخ من الرافضة المختارية والسمعانية والجارودية كما تقول البيانية بإلهية أمير المؤمنين علي (التنبيه، ص٢٣).
٥٧  ادَّعى بيان بن سمعان أن روح الله تناسخت في الأشياء والأئمة حتى صارت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ثم انتقلت إليه من خلال ابنه أبي هاشم (الفِرَق، ص٢٣٧، ص٤٠-٤١، ص٢٥٥–٢٧٢). وزعم عبد الله بن جعفر ذي الجناحين أن الأرواح تناسخت، وأن روح الله كانت في آدم ثم في شيث ثم دارت في الأنبياء والأئمة ثم في علي ثم في أولاده الثلاثة ثم في عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، ثم تناسخت حتى صارت فيه (مقالات، ج١، ص٦٧، ص٩٥؛ الفِرَق، ص١٣، ص٢٤٦، ص٢٧٣). كما زعم عبد الله بن حرب أن روح أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية تحولت فيه بعد أن تناسخت روح الله في الأنبياء والأئمة (مقالات، ج١، ص٦٨، ص٩٤-٩٥؛ الفِرَق، ص٢٤٣). وزعم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أن روح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه وادَّعى الإلهية والنبوة معًا (الملل، ج٢، ص٧٦-٧٧). كما زعمت الخطابية أن روح الله دارت في الأنبياء ثم انتهت إلى أبي الخطاب، وهم يقولون بتناسخ روح الإله دون أرواح الناس (الفِرَق، ص٢٧٣). كما ادعت المسلمية أن روح الله دارت في الأنبياء ثم انتهت إلى أبي مسلم (الفِرَق، ص٢٧٣). وزعمت الكيسانية أن روح الله كانت في أبي هاشم ثم انتقلت إلى بيان ومنهم من زعم أن تلك الروح انتقلت من أبي هاشم إلى عبد الله بن عمرو بن حرب، وادعت هذه الفِرَق إلهية عبد الله بن عمر (الفِرَق، ص٤٠-٤١). وزعمت الاثنا عشرية أن الروح القدس هو الله، كان في النبي ثم علي ثم في الحسن ثم في الحسين ثم في علي بن الحسين ثم في محمد بن علي ثم في جعفر بن محمد بن علي ثم في موسى بن جعفر ثم في علي بن موسى بن جعفر ثم في محمد بن علي بن موسى ثم في علي بن محمد بن علي بن موسى، ثم في الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى، ثم في محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي! وكلهم آلهة على التناسخ، والإله يدخل في الهياكل (مقالات، ج١، ص٨٢). وادعى بيان بن سمعان أنه قد انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع من التناسخ، ولذلك استحق أن يكون إمامًا وخليفة، وذلك الجزء هو الذي استحق به آدم سجود الملائكة (الملل، ج٢، ص٧٩). كما زعم أن الله حل في علي وأولاده (اعتقادات، ص٧٥).
٥٨  الإمام السابع عند الإسماعيلية، والثاني عشر عند الاثني عشرية. وادَّعى أبو مسلم أنه صار إلهًا بحلول روح الإله فيه، وأنه خير من جبريل وميكائيل وسائر الملائكة (الفِرَق، ص٢٥٧). كما ادعى النميري أن الله حل فيه (الفِرَق، ص٥٥٢).
٥٩  قالت الخطابية بأن ولد الحسين أبناء الله وأحباؤه، وقالوا قبل ذلك في أنفسهم فهو آدم وهم ولده (مقالات، ج١، ص٢٧؛ الفِرَق، ص٢٥٥).
٦٠  زعمت الخطابية أن أبا الخطاب أعظم من جعفر بن محمد، بل وأعظم من علي (مقالات، ج١، ص٧٧).
٦١  هذه هي عقيدة التحول أو المسخ Métamorphose، وهو تصور المقنَّعية. فقد ادعى المقنَّع لنفسه الإلهية، تصور مرة للناس في صورة آدم، ثم في نوح، ثم في إبراهيم، حتى محمد، ثم في علي، ثم في أولاده، ثم في أبي مسلم، ثم في هشام بن الحكم، وينتقل في الصور لأن عباده لا يطيقون رؤيته في صورته التي هو عليها، ومن رآه احترق بنوره. وزعم أتباعه أنه هو الإله (الفِرَق، ص٢٥٧-٢٥٨). وزعم المقنَّع أنه إله مصور في كل زمان بصورة مخصوصة (الفِرَق، ص٢٢٦-٢٢٧). وزعمت البزيغية (الخطابية) أن جعفر بن محمد هو الله، وأنه لا يُرى بل تشبه للناس بهذه الصورة (مقالات، ج١، ص٧٨). ويروي الجاحظ عن الرافضة أنهم يقولون بأن الله ينتقل في الصورة، ويؤيدها الخياط، ويفندها ابن الراوندي (الانتصار، ص١٤٤-١٤٥).
٦٢  ادعت المقنَّعية أتباع مقنَّع — وكان من أصحاب أبي مسلم صاحب الدعوة، ثم ادَّعى بعده النبوة وعظم أمره واجتمع عليه خلق كثير، ثم ادَّعى الألوهية، وقُتل عاقبة الأمر بالمبيضة بما وراء نهر جيحون — أن المقنع كان إلهًا وأنه مصور في كل زمان ومكان بصورة مخصوصة (اعتقادات، ص٧٩-٨٠؛ الفِرَق، ص٢٢٦-٢٢٧).
٦٣  ومنهم الحلولية الحلمانية المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي الذي زعم أن الإله يحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة (الفِرَق، ص٢٢٦). والغلاة على أصنافهم كلهم متفقون على التناسخ والحلول. ولقد كان التناسخ مقالة لفرقة في كل أمة تلقوها من المجوس والمزدكية والهند البرهمية، ومن الفلاسفة والصابئة. ومذهبهم أن الله قائم بكل مكان، ناطق بكل لسان، ظهر بشخص من أشخاص البشر، وذلك معنى الحلول. وقد يكون الحلول بجزء وقد يكون بكل. أمَّا الحلول بجزء فهو كإشراق الشمس في كوة أو كإشراقها على البلورة، وأمَّا الحلول بالكل فهو كظهور ملك بشخص أو كشيطان بحيوان. ومراتب النسخ أربعة: النسخ والمسخ والفسخ والرسخ! (الملل، ج٢، ص١١٨). وأهل التناسخ في الفِرَق الإسلامية مثل البيانية والجناحية والخطابية والراوندية من الروافض والحلولية. وقد قالت كلها بتناسخ روح الإله في الأئمة (الفِرَق، ص٢٧٢). ومن مشبهة الشيعة من مال إلى مذهب الحلولية. وقال: يجوز أن يظهر الباري بصورة شخص كما كان جبريل ينزل في صورة أعرابي وقد تمثل لمريم بشرًا سويًّا (الملل، ج٢، ص١١). وقد قالت النصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة إن ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل، إمَّا في جانب الخير كظهور جبريل ببعض الأشخاص أو في جانب الشر كظهور الشيطان بصورة إنسان أو ظهور الجن بصورة بشر. ظهر الله بصورة أشخاص، ولم يكن بعد الرسول شخص أفضل من علي وأولاده. فقد اختُص علي بتأييد من الله فيما يتعلق ببواطن الأمور، قتال المشركين للنبي والمنافقين لعلي. شبهه بعيسى ابن مريم: «لولا يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى ابن مريم لقلت فيك مقالًا.» وربما أثبتوا أن له شركة في الرسالة «فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهو خاصف النعل.» فعلم التأويل وقتال المنافقين ومكالمة الجن وقلع باب خيبر كل ذلك بقوة روحانية. وكان موجودًا قبل الخلق «كُنَّا أظلة على يمين العرش، فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا»، «أنا من أحمد كالضوء من الضوء»، لا فرق بين النورين إلا أن أحدهما أسبق. النصيرية أميل إلى تقرير الإلهية، والإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة (الملل، ج٢، ص١٣٩–١٤١؛ المواقف، ص٧٤؛ اعتقادات فِرَق، ص٦١). ويُقال إن الحلول مذهب الرافضة والتناسخ بهذا المعنى مذهب القدرية كما يرويه بعض الخصوم للتشنيع عليهم.
٦٤  زعمت الشريعية (من غلاة الشيعة) أن الله حل في خمسة أشخاص: النبي، وعلي، والحسن، والحسين، وفاطمة، وهم آلهة لها أضداد خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وعمرو بن العاص (مقالات، ج١، ص٨٢–٨٤؛ الفِرَق، ص٢٥٤).
٦٥  لما ادَّعى المقنَّع لنفسه الإلهية وهزمه المهدي، أحرق المقنَّع نفسه في تنور أذاب فيه النحاس مع القطران حتى ذاب فيه. ولما لم يجدوا جثته ولا رمادًا زعم أصحابه أنه صعد إلى السماء (الفِرَق، ص٢٥٧).
٦٦  زعم فريق من الكيسانية أن أبا هاشم نصب عبد الله بن عمر بن حرب إمامًا، وتحولت روح أبي هاشم فيه، ثم وقفا على كذبه ونصبوا عبد الله بن معاوية إمامًا (مقالات، ج١، ص٩٥؛ الفِرَق، ص١٣).
٦٧  خالفت المفضلية في البراءة من أبي الخطاب لأن جعفرًا أظهر البراءة منه (مقالات، ج١، ص٧٨).
٦٨  كان إذا الصوفية رأوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لعل الله حالٌّ فيه (مقالات، ج١، ص٨٠-٨١، ص٣١٩). وادَّعى أبو حلمان الدمشقي (السلمانية) أن الإله يحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة لأن الله قد حل فيها، ويستدل على ذلك بآية: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. لذلك خر الملائكة ساجدين لآدم لحلول الله فيه، ويستلزم ذلك السجود لكل إنسان وإن كان قبيح الصورة. والسجود لكل أصحاب الصور الحسنة بما فيها الغرس الرائع، والشجرة المثمرة، وذوات الصور الحسنة من الطيور والبهائم، ولهب النار ذي الصورة الرائعة (الفِرَق، ص٢٥٩-٢٦٠؛ أصول الدِّين، ص٧٧-٧٨).
٦٩  يرى الحلاج أن من هذَّب نفسه في الطاعة وصبر على اللذات والشهوات وارتقى إلى مقام المقربين، ثم لا يزال يصعد ويرتقي حتى يصفو عن البشرية، فإن لم يبقَ من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى. وكان يكتب «من الهو هو رب الأرباب المتصور في كل صوره إلى عبده فلان»، ويرد عليه: «يا ذا الذات في منتهى غاية الشهوات نشهد أنك المتصور في كل زمان بصورة، وفي زماننا هذا بصورة الحسين ابن منصور، ونحن نستجيرك، ونرجو رحمتك يا علام الغيوب» (الفِرَق، ص٢٦٠–٢٦٣). وقال الحلاج في نفس المعنى:
رق الزجاج وراقت الخمر
وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنه خمر ولا قدح
وكأنني قدح ولا خمر
ويذكر أيضًا:
أنا أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
ونُقل عن أبي يزيد البسطامي قوله: «سبحاني ما أعظم شاني». ويرى الإيجي أن كلام الصوفية مخبط بين الحلول والاتحاد (المواقف، ص٢٧٤-٢٧٥؛ غاية المرام، ص١٧٩؛ المحصل، ص٣١٢-٣١٣؛ معالم أصول الدِّين، ص١١٣؛ التلخيص، ص١١٣؛ أصول الدِّين، ص٧٢؛ طوالع الأنوار، ص١٥٨؛ العضدية، ج٢، ص١٣٩؛ الدواني، ج٢، ص١٣٩–١٤٢؛ التحقيق التام، ص٨٩).
٧٠  أنكر جهم أن يكون بينه وبين الله حجاب. وقال أتباعه (الحلاج) إنه ليس بين الله وبين خلقه حجاب ولا خلل، لا يتخلص منه خلقه ولا يتخلص الخلق منه إلا أن يفنيهم أجمع فلا يبقى من خلقه شيء، وهو مع الآخرين في آخر خلق ممتزج به، فإذا مات خلقه تخلص منهم، وتخلصوا منه، لا يخلو شيء من خلقه ولا يخلو هو منهم (التنبيه والرد، ص١١٢).
٧١  التمهيد، ص٧٨–٩٦. يُعتبَر الباقلاني المتكلم الذي فصَّل هذا الباب وجعله لب التوحيد.
٧٢  المسائل، ص٣٥٦-٣٥٧، ص٣٥٧–٣٥٩.
٧٣  المحصل، ص١١٢، ص١١٢-١١٣.
٧٤  معالم أصول الدِّين، ص٣٣-٣٤.
٧٥  معالم أصول الدِّين، ص٣٦.
٧٦  طوالع الأنوار، ص١٥٨؛ الخريدة، ص٢٨.
٧٧  العضدية، ج٢، ص١٣٩، ص١٥٣.
٧٨  المواقف، ص٢٧٤-٢٧٥.
٧٩  الشامل، ص٥٧٠–٦٠٩. وقد يدخل الكلام على النصارى (النساطرة واليعاقبة) في الوحدانية لا في مخالفة الحوادث، «والسبب أنهم رأوا معجزات عيسى فلجئوا إلى القول بالاتحاد وحلول اللاهوت لتفسير القوى الخارقة»، أي أن عملية التأليه رد فعل على المعجزات وإثبات نوع من «السوبر مان» فاعلًا لها (شرح الأصول الخمسة، ص٢٩١–٢٩٨). ويربط الظواهري بين الوجود والعلم والحياة عند المتكلمين وبين الأب والابن والروح القدس، كما يربط بين الجوهر القائم بالنفس وبين الأقنوم كصفة (التحقيق التام، ص٨٧-٨٨).
٨٠  هذه هي حجج الرازي (معالم أصول الدِّين، ص٣٦؛ المسائل، ص٣٦؛ المحصل، ص١١٢؛ العضدية، ج٢، ص١٥٣).
٨١  يعرض الدواني شارح العقائد العضدية ثلاث طرق للاتحاد، وكلها تستحيل على الله: (أ) أن يصير الشيء بعينه شيئًا آخر من غير أن يزول عنه شيء أو أن ينضم إليه شيء (الزيت والماء). (ب) أن ينضم إليه شيء فيحصل منهما حقيقة واحدة (الخمر والماء). (ﺟ) أن يصير الشيء شيئًا آخر بطريق الاستحالة في الجوهر أو في العرض (صار الماء هواء). ويعتمد الباقلاني على الحجج النقلية من الإنجيل مستشهدًا بكتاب النصارى. ويبرز المعاني المختلفة للاتحاد مثلًا: (أ) الكلمة هي الابن حلت في جسد المسيح. (ب) الاتحاد اختلاط وامتزاج (اليعاقبة). (ﺟ) كلمة الله انقلبت لحمًا ودمًا بالاتحاد (اليعقوبية). (د) اتحاد الكلمة بالناسوت اختلاط وامتزاج كاختلاط الماء وامتزاجه بالخمر واللبن. (ﻫ) اتخاذ الكلمة الناسوت لها هيكلًا ومحلًّا، وتدبير الأشياء وظهورها فيه وذلك بعدة معانٍ: (١) أنها حلت فيه ومازجته واختلطت به اختلاط الخمر واللبن بالماء. (٢) على سبيل ظهور صورة الإنسان في المرآة من غير حلول الصورة فيها وكظهور نقش الخاتم في الشمع والطين. (٣) حلت فيه من غير مماسة ولا ممازجة ولا مخالطة كما أن الله حل في السماء أو أن الجوهر حل في النفس. (و) أن الاثنين صارا واحدًا وصارت الكثرة قلة (الملكية الروم) (التمهيد، ص٨٦–٩٦). وقد قال بالاتحاد من القدماء فرفوريوس، الاتحاد عن طريق عقل الشيء، أي اتحاد الذات بالموضوع (الإرشاد، ص٤٨–٥١). ويُحال في ذلك إلى النوبختي في «الآراء والديانات» مما يدل على أن الموضوع كله قد تحول إلى علم تاريخ الأديان أو مقارنة الأديان ابتداءً من نقد العقائد ونقد الفكر الديني.
٨٢  الاقتصاد، ص٢٣-٢٤.
٨٣  المسائل، ص٣٥١-٣٥٢.
٨٤  معالم أصول الدِّين، ص٣١.
٨٥  المواقف، ص٢٧٣-٢٧٤؛ النسفية، ص٦٢.
٨٦  الانتصار، ص١٠٧-١٠٨.
٨٧  أساس التقديس، ص١٥–٣٢، ص٧٧–٧٩.
٨٨  الاقتصاد، ص٢٤.
٨٩  المسائل، ص٣٤٩–٣٥١.
٩٠  النسفية، ص٦٢.
٩١  العضدية، ج٢، ص١٦٢.
٩٢  المحصل، ص٢٩-٣٠.
٩٣  معالم أصول الدِّين، ص٢٩-٣٠.
٩٤  طوالع الأنوار، ص١٥٧.
٩٥  المواقف، ص٢٧٣–٢٧٥.
٩٦  شرح الأصول الخمسة، ص٢١٦–٢٣٠.
٩٧  المحيط، ص١٩٨–٢٠٢.
٩٨  التمهيد، ص١٤٧–١٥٢؛ أصول الدِّين، ص٧٣.
٩٩  النسفية، ص٦٣.
١٠٠  العضدية، ج٢، ص٢١٧.
١٠١  النسفية، ص٦١.
١٠٢  الشامل، ص٥٤٢-٥٤٣.
١٠٣  العضدية، ج٢، ص١٦٢.
١٠٤  المواقف، ص٣٧٣.
١٠٥  الاقتصاد، ص٢٤-٢٥؛ شرح الأصول الخمسة، ص٢٣١-٢٣٢؛ المحيط، ص٢٠٢–٢٠٨.
١٠٦  مقالات، ج١، ص٢١٦؛ الانتصار، ص٢٠٧؛ الفِرَق، ص٣٣٢-٣٣٣؛ النسفية، ص٦٢-٦٣؛ التفتازاني، ص٦٢-٦٣؛ العضدية، ج٢، ص١٦٢؛ الدواني، ج٢، ص١٦٢؛ التحقيق التام، ص٨٤؛ أصول الدِّين، ص٧٠٦.
١٠٧  مقالات، ج١، ص٢١٦.
١٠٨  مثلًا عند بعض الروافض أنه ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس (مقالات، ج١، ص١٠٥). وعند زهير الأثري أنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول والمماسة (مقالات، ج١، ص٣٢٦). وعند المعتزلة لا تحيط به الأقطار، ولا يحول ولا يزول ولا يتغير ولا ينتقل. وعند أبي الهذيل أنه ليس بجسم ولا بذي صورة ولا حد (الانتصار، ص٥، ص٨؛ مقالات، ج١، ص٣٢٦).
١٠٩  مقالات، ج١، ص٢١٦؛ الفِرَق، ص٢٣٣؛ الانتصار، ص١٠٧.
١١٠  هذا هو رأي بعض الروافض وإحدى الروايات عن هشام ابن سالم الجواليقي (مقالات، ج١، ص١٠، ص٢٥٩). وعند شيطان الطاق الله ليس جسمًا على صورة إنسان (الفِرَق، ص٢١٦). وفرقته النعمانية (أصحاب محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق والشيعة تقول مؤمن الطاق) وافقت هشام بن الحكم أن الله على صورة إنسان دون أن يكون له جسم، وقد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورته وعلى صورة الرحمن ولا بد من تصديق الخبر (الملل، ج٢، ص١٣٧؛ مقالات، ج١، ص٢٥٨-٢٥٩). ويشكك الجويني في صحة الحديث بأنه غير مروي في الصحاح وسبب نقله ما روى أن رجلًا كان يلطم عبدًا له حسن الوجه فنهاه الرسول وقال: «إن الله …» والهاء راجعة على العبد المنهي عن ضربه أو إلى آدم نفسه (الإرشاد، ص١٦٣-١٦٤). أمَّا ابن حزم والبغدادي فإنها يُؤوِّلان الحديث وكذلك آية لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ بأن ذلك لا يعني أن الله على صورة إنسان، بل أن الله خلق الإنسان في أحسن صورة وهداه، أو تحولًا في الأرحام وتطورًا حتى أخرجه (أصول الدِّين، ص٧٥-٧٦؛ الفصل، ج٢، ص٤٩). أمَّا الرازي فإنه يرد القول بتأليه الإنسان إلى الأثر اليهودي، فقد كان أكثر اليهود مشبهة تعلم منهم الرافضة مثل بيان بن سمعان وأبو هشام بن الحكم وهشام بن سالم ويونس بن عبد الرحمن القمي، وأبو جعفر الأحول (شيطان الطاق) (اعتقادات فرق، ص٦٣-٦٤).
١١١  يرى هشام بن سالم الجواليقي أن معبوده على صورة إنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت (الملل، ج٢، ص١٣٥؛ الفِرَق، ص٢٥٧). كما يرى داود الجواربي ومقاتل بن سليمان معبودهما جثة له أعضاء وجوارح ولكنه مصمت (مقالات، ج١، ص٧٢، ص١٢٤، ص٢١٤، ص٢٥٨-٢٥٩؛ أصول الدِّين، ص٧٤-٧٥). وعند داود الجواربي ومقاتل بن سليمان الله جسم، جثة على صورة إنسان (الملل، ج٢، ص٦-٧).
١١٢  يُحكى عن داود الجواربي ونعيم بن عماد المصري وغيرهما من أصحاب الحديث أنه تعالى ذو صورة وأعضاء. ويُحكى عن داود أنه قال: أعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك، فإن في الأخبار ما يثبت ذلك (الملل، ج٢، ص١٣٧؛ اعتقادات فرق، ص٦٥-٦٦؛ الفِرَق، ص٢٢٨).
١١٣  هذا هو رأي المجسمة بوجه عام (مقالات، ج١، ص٢٦٥-٢٦٦). ويرى هشام بن سالم الجواليقي أن الله ذو حواس كحواس الإنسان، له يد ورجل وعينان، وأذن وأنف وفم، يسمع بغير ما يبصر به، حواسه متغايرة (الفِرَق، ص٦٩). ويرى المغيرة بن سعيد أن الله رجل له من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل (مقالات، ج١، ص٧٢). وحُكي عن بعض الرافضة أنها وصفت معبودها بصفة الأجسام المحدثة، فزعمت أنه صورة وجوارح وآلات (الانتصار، ص١٤٦). وقالت النابتة إن الله خلق آدم على صورته وإنه يضحك حتى تبدو نواجذه (الانتصار، ص١٤٤-١٤٥). ويُحكى عن قوم من النساك أنهم يجوِّزون على الله المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا. ومنهم من يرى أنه ذو أعضاء وجوارح وأبعاض ولحم ودم على صورة الإنسان، له ما للإنسان من الجوارح (مقالات، ج١، ص٣١٩). ويرى داود أن معبوده جسم له لحم ودم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأذنين (الملل، ج٢، ص٢–٧؛ الفِرَق، ص٣٣٢-٣٣٣).
١١٤  يرى بيان أن معبوده على صورة إنسان عضوًا فعضوًا، جزءًا فجزءًا، يهلك كله إلا وجهه لقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (الملل، ج٢، ص٧٩؛ مقالات، ج١، ص٦٦؛ الفِرَق، ص٢٢٦، ص٢٣٧؛ أصول الدِّين، ص٧٣-٧٤، ص٨١).
١١٥  يرى المغيرة بن سعيد أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج (مقالات، ج١، ص٧٢).
١١٦  يرى المغيرة بن سعيد أن الله له قلب تنبع منه الحكمة (مقالات، ج١، ص٧٢؛ الفِرَق، ص٢٢٧؛ الملل، ج٢، ص٦-٧).
١١٧  يرى المغيرة أيضًا أن معبوده ذو أعضاء، وأعضاؤه على صور حرف الهجاء. الألف منها مثال قدميه، والعين على صورة عينيه، وشبه الهاء بالفرج والعورة (مقالات، ج١، ص٧٢؛ الفِرَق، ص٢٢٦، ص٢٣٩؛ اعتقادات فرق، ص٦٥-٦٦).
١١٨  يرى المغيرة كذلك أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج (مقالات، ج١، ص٧٢).
١١٩  يرى داود الجواربي ومقاتل بن سليمان أن المعبود جسم، جثة على صورة إنسان، له لحم ودم وشعر وعظم، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين (مقالات، ج١، ص٢١٤).
١٢٠  الدواني، ج٢، ص١٦٢؛ غاية المرام، ص١٨٠.
١٢١  يرى هشام بن سالم الجواليقي أن معبوده على صورة إنسان، ولكن ليس بلحم ولا دم، بل نور ساطع بياضًا (الفِرَق، ص٦٩، ص٢٢٧؛ مقالات، ج١، ص١٠٤-١٠٥؛ الملل، ج٢، ص١٣٥؛ اعتقادات فرق، ص٦٤-٦٥؛ العضدية، ج٢، ص١٦٢؛ مقالات، ج١، ص٧٢). ويرى أن لمعبوده وفرة سوداء وأنه نور أسود وباقيه نور أبيض (الفِرَق، ج٦٩). وقال شيطان الطاق إن الله نور على صورة إنسان (الملل، ج٢، ص١٣٧). وقال فريق من الرافضة إن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد. وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء. وعند المغيرة بن سعيد المعبود رجل من نور. وعند بيان بن سمعان أنه إنسان من نور على صورة إنسان ذي أعضاء، وهو رجل من نور يفنى كله إلا وجهه (الفِرَق، ص٢٢٦، ص٢٣٧). وعند القرامطة الديلم (الرافضة) أن الله نور علوي لا تشبهه الأنوار ولا يمازجه الظلام، تولد من النور العلوي النور الشعشعاني فكان منه الأنبياء والأئمة بخلاف طبائع الناس، وتولد منه نور ظلامي وهو النور الذي في الشمس والقمر والكواكب والنار والجواهر الذي يخالطه الظلام وتجوز عليه الآفات والنقصان، وتحل عليه الآلام والأوصاف، ويجوز عليه السهو والغفلان والنسيان والسيئات والشهوات والمنكرات. تولد الخلق كله من القديم الباري وهو النور العلوي (التنبيه والرد، ص٢٠). وقال أصحاب التناسخ إن الله نور على الأبدان والأماكن (التنبيه والرد، ص٢٢). وقالت الجارودية، وهم من الغالية، إن الله نور (التنبيه والرد، ص٢٣). وقد اعتدوا على النقل مثل «الله نور السموات والأرض» (الفصل، ج٢، ص١١-١٢). ومعنى الآية عند أهل السنة الله هادي السموات والأرض، وهو خالق النور، والنور ليس جسمًا والله يضرب الأمثال للناس (بحر الكلام، ص١٩؛ الإرشاد، ص١٥٨).
١٢٢  هذا هو رأي فريق من الباطنية ينبغي أن تجمر المساجد كلها، وأن يكون في كل مسجد مجمرة يوضع عليها الند والعود في كل حين. وقد زين البرامكة للرشيد أن يتخذ في جوف الكعبة مجمرة يتبخر عليها العود أبدًا وقطع كل يد أو لسان يطفئ النار (الفِرَق، ص٢٨٥-٢٨٦).
١٢٣  هذا ما حدث بالنسبة للحضارة الأوروبية في صورها الحديثة، وهو موضوع القسم الثاني من «التراث والتجديد» (موقفنا من التراث الغربي).
١٢٤  هذا هو رأي داود الجواربي، وكذلك مقاتل بن سليمان، بقولهما إن الله جسم وإن له جمجمة وإنه على صورة الإنسان من لحم ودم وشعر وعظم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت، وهو مع هذا لا يشبهه غيره ولا يشبه غيره (الملل، ج٢، ص٧٦؛ مقالات، ج١، ص٢١٤).
١٢٥  مقالات، ج١، ص٢٢٤.
١٢٦  يرى هشام بن الحكم أن الله جسم محدود له نهاية، عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يوفي بعضه على بعض. ولم يعن طولًا غير الطويل لأنه ما لم يكن كذلك لدخل في حد التلاشي (مقالات، ج١، ص٢٠٣، ص٢٥٧؛ الفِرَق، ص٦٥، ص٢٢٧). ودعا ابن كرام إلى تجسيم معبوده، وأن له جسمًا، وأن له حدًّا ونهايةً من تحته، والجهة التي لا يلاقي منها عرشه (الفِرَق، ص٢١٦، ص٢٢٨؛ غاية المرام، ص١٨).
١٢٧  هوليبنتز ونظرياته عن الانسجام المسبق L’harmonie Pré-établie والإشارة إليه لا تعني أية مقارنة مع الحضارة الأوروبية، بل تُستَخدم فقط كمخزون نفسي وحضاري معاصر في وعينا الحضاري الآن. انظر القسم الثاني من «التراث والتجديد» (موقفنا من التراث الغربي).
١٢٨  قال البعض إن طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق (مقالات، ج١، ص١٠٢).
١٢٩  يرى هشام بن الحكم أن معبوده له قدر من الأقدار، سبعة أشبار بشبر نفسه (مقالات، ج١، ص١٠٢، ص١٠٤-١٠٥، ص٢٥٧؛ الفِرَق، ص٦٥، ص٢٢٧؛ الدواني، ج٢، ص١٦٢؛ الملل، ج٢، ص١٣٣-١٣٤). ويعلل الرازي هذا المقدار لأنه أقرب إلى الاعتدال من سائر المقادير (اعتقادات فرق، ص٦٤؛ أصول الدِّين، ص٧٠٠؛ الفِرَق، ص٣٣٢).
١٣٠  هذه هي إحدى مقالات المجسمة (مقالات، ج١، ص٢٥٨).
١٣١  الإشارة إلى اليونان هنا لا تعني الإحالة إلى حضارة غريبة، وذلك لأنهم أصبحوا أحد روافد الفكر الإسلامي القديم، كما أصبحت بعض جوانب الحضارة العربية الحالية أحد روافد الفكر الإسلامي الحديث.
١٣٢  هذه هي مقالة الرافضة بوجه عام التي ترى المعبود جسمًا ذا قدر وهيئة وصورة وحد، يسكن ويدنو، ويبعد ويخف، ويثقل وينتقل (الانتصار، ص٥–٨).
١٣٣  هذه إحدى مقالات المجسمة دون تحديد للفرقة (مقالات، ج١، ص٢٥٨).
١٣٤  مقالات، ج١، ص٢٠٣.
١٣٥  هو نيتشه في فكرة العود الأبدي L’éternel retour.
١٣٦  يرى هشام بن الحكم أن ربه نور ساطع له قدر من الأقدار في كل مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، كالبلورة، كالشمع الذي من أي جانب نظرت إليه كان ذلك الجانب وجهه (مقالات ج١، ص١٠٢، ص١٠٤، ص٢٥٧؛ الفِرَق، ص٦٥؛ اعتقادات فرق، ص٦٤).
١٣٧  يعزو أهل السنة التجسيم إلى أثر خارجي هو الأثر الثنوي زيادة في إخراج المجسمة من الدين (الفِرَق، ص٢١٦).
١٣٨  هذه مقالة إحدى فرق المجسمة (مقالات، ج١، ص٢٥٨؛ اعتقادات فرق، ص٦٤؛ مقالات، ج١، ص١٠٢–١٠٤).
١٣٩  لقي أبو الهذيل هشام بن الحكم في مكة عند جبل أبي قبيس، فسأله أيهما أكبر: معبوده أم الجبل؟ قال: فأشار إلى أن الجبل يوفى عليه وأن الجبل أعظم منه (مقالات، ج١، ص٢٥٧؛ الفِرَق، ص٦٦، ص٢٢٧).
١٤٠  يرى هشام بن الحكم أن بين المعبود وبين الأجسام المشاهدة تشابهًا من جهة من الجهات. ولولا ذلك ما دلت عليه. هو جسم من غير صورة أو جسم لا كالأجسام. هو جسم ذو أبعاض لا يشبهها ولا تشبهه، جسم خارج من جميع صفات الجسم، ليس بطويل ولا عريض ولا عميق، ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام، وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له وأنه فوق الأشياء وفوق العرش، ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها (مقالات، ج١، ص١٠٤، ص٢٦٠؛ ج٢، ص١٨٠؛ الفِرَق، ص٦٦؛ الملل، ج٢، ص١٣٣–١٣٦). وفي رأي ابن الراوندي أن هذا القول أقل شناعة من قول المعتزلة بأن الله شيء ليس بجسم. ويرد الخياط عليه بأن قول الرافضة بمنع تشابه الله مع الأجسام متناقض مع قولهم بأنه يتحرك ويسكن ويدنو ويبعد، وأنه ذو صورة وقدر وهيئة (الانتصار، ص١٠٣–١٠٧).
١٤١  ترى المعتزلة أيضًا أن الله شيء لا كالأشياء (الفِرَق، ص٢٢٥).
١٤٢  قالت إحدى فرق الرافضة إن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام، وتعني جسم أنه موجود، ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة، ويزعمون أن الله على العرش مستوٍ بلا مماسة ولا كيف (مقالات، ج١، ص١٠٤). ومنهم من تستر بالبلكفة فقال هو جسم لا كالأجسام وله حيز لا كالأحياز، نسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها، ينفون جميع خواص الجسم حتى لا يبقى منه إلا الاسم، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية (الدواني، ج٢، ص١٦٣).
١٤٣  يقول ابن الراوندي: يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات، ولولا ذلك ما دلت عليه (مقالات، ج١، ص٢٥٧). وهذا أيضًا رأي الشيبانية (الثعالبة العجاردة الخوارج) (مقالات، ج١، ص١٦٨).
١٤٤  وصف محمد بن كرام معبوده في كتابه «عذاب القبر» وفي بعض كتبه بأنه جوهر، وقال: إن الله أحد الذات، أحدي الجوهر، وإن كان أتباعه لا يبوحون بلفظ الجوهر خوفًا من الشناعة عند الأشاعرة وإطلاقهم اسم الجسم أشنع من اسم الجوهر (الفِرَق، ص٢١٦). عند الكرامية الله جسم وجوهر (اعتقادات فرق، ص٦٧؛ التمهيد، ص١٠٤).
١٤٥  يرى البغدادي في مفهوم الجوهر أثرًا نصرانيًّا (الفِرَق، ص٢١٦؛ الملل، ج٢، ص١٢، ص١٩). وهو رأي أهل السنة بوجه عام في أن المفهوم وارد من المجوس والصابئة والدهرية والنصارى (الملكية والنسطورية واليعقوبية والهارونية). لذلك يرفض أهل السنة الجوهر في معرض رفض الجوهر الميتافيزيقي أو رفض نظريات الحلول والتجسيد وذلك عن طريق إثبات أن الجوهر في مصطلح المتكلمين هو المتحيز وهو ما يستحيل على الباري، وكذلك رفض الأقانيم الثلاثة: الوجود والحياة والعلم، الأب والابن (الكلمة) والروح القدس، ورفض حلول اللاهوت بالناسوت والكلمة في المسيح (الإرشاد، ص٤٦–٥١؛ المسائل، ص٣٥١-٣٥٢؛ التمهيد، ص٧٨–٨٦؛ الشامل، ص١٤٣؛ غاية المرام، ص١٨٤-١٨٥).
١٤٦  «التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم»، ص١٩٤–١٩٦.
١٤٧  الفصل، ج٥، ص١٤٣–١٤٧. ويرى ابن حزم أن اعتبار النفس جوهرًا قول العطار أحد رؤساء المعتزلة طبقًا لنظرية الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر، فالقيام بالنفس صفة لله وليس للجوهر.
١٤٨  هذا هو موقف ابن حزم والغزالي (الاقتصاد، ص٢٣-٢٤).
١٤٩  يورد الأشعري في مقالاته أربعة معانٍ للجوهر: (أ) القائم بذاته وهو المعنى عند النصارى. (ب) القائم بالذات القابل للمتضادات عند الفلاسفة، وهو جوهر بسيط لا تركيب فيه، موجود لا في موضوع. (ﺟ) الحامل للأعراض عند المتكلمين (الجبائي). (د) الحامل للأعراض احتمالًا (الصالحي)؛ (مقالات، ج٢، ص٨). ويورد الجويني أربعة معانٍ أخرى: (أ) ما يقبل العرض وهما المعنيان السابقان الثالث والرابع. (ب) ما يشغل الحيز أو المتحيز عند بعض الأئمة (وحصول الجوهر في الحيز صفة قائمة به). (ﺟ) كل جزء (القاضي، وبعض الأئمة) ما له حظ من المساحة. (د) ما تحيز في الوجود (المعتزلة) (الشامل، ص١٤٢-١٤٣؛ المعالم، ص٢١). والتحيز نفسه له معانٍ كثيرة، منها الوجود الذي لا يوجد، والجرم (القاضي) والذي له حظ من المساحة (القاضي)، والذي وجوده جوهر (القاضي). وعند بعض الأئمة التحيز تقدير مكان، وهو تحيز بنفسه. التحيز من صفات النفس والدليل عليه الجرم وأنه صفة قائمة بالذات وليس معنًى ينفصل عنه. وما يجب للجوهر التحيز وقبول العرض والقيام بالنفس، وما يجوز عليه طروء الأعراض ويستحيل عليه الانقلاب إلى ضده (الشامل، ص١٥٦، ص١٦٥-١٦٦). وعند أبي الهذيل والجبائي ليس كل جوهر جسمًا، وعند الصالحي كل جوهر جسم (مقالات، ج٢، ص٨).
١٥٠  المواقف، ص٢٧٣-٢٧٤؛ المحصل، ص١١٢؛ اللمع، ص٢٣-٢٤؛ التنبيه والرد، ص١٩. وهي حجج موجهة ضد الكرامية والمشبهة، ويعطي الرازي أربع حجج يجمعها أن القول بالجسمية يوجب الافتقار والحدوث والتركيب والانقسام وتعدد الآلهة (الاقتصاد، ص٢٥؛ التمهيد، ص١٤٨–١٥٢؛ شرح الأصول، ص٢١٦–٢٣٠، وص٣٢٠-٣٢١).
١٥١  طوالع الأنوار، ص١٥٦–١٥٨؛ الفصل، ج٢، ص١١٠-١١١.
١٥٢  هذه هي الحجج كما يعرضها ابن حزم (الفصل، ج٢، ص١١٠-١١١؛ الإرشاد، ص٤٢–٤٤).
١٥٣  اللمع، ص٢٣-٢٤. ودليل آخر يقوم على نفس البناء المنطقي لدى الرازي (المحصل، ص١١٢).
١٥٤  غاية المرام، ص١٧٩، ص١٨٥-١٨٦؛ العضدية، ج٢، ص١٦٢؛ الدواني، ج٢، ص١٦٢؛ مقالات، ج١، ص٢١٦؛ النسفية، ص٦١؛ التفتازاني، ص٦١-٦٢؛ المواقف، ص٢٧٣؛ شرح الأصول الخمسة، ص٢٣٠–٢٣٢. ويورد الباقلاني أربعة أدلة لنفي كون الله عرضًا: (أ) لا يخلو إمَّا أن يكون شبهًا بالأعراض وبالتالي يكون متضادًّا أو شبيهًا بالبعض دون البعض فيكون محدثًا. (ب) الأعراض إمَّا لا تبقى على الله. (ﺟ) الأعراض إمَّا تُدرك أو لا تُدرك، والأول مستحيل والثاني يحتاج إلى مخصص، وهو أيضًا مستحيل. (د) الأعراض إمَّا علة أو معلول، وليس الله علة بهذا المعنى أو معلولًا.
١٥٥  كلاهما غلاة الشيعة. الأوَّل أن شخصًا إله أو فيه جزء من الإله، والإله متشخص به نسجًا على منوال النصارى والحلولية في كل أمة. والثاني (المغيرية والبيانية والهاشمية) أن الإله على صورة إنسان ونسج على منوالهم مشبهة الصفاتية تمسُّكًا بقول الرسول: «خلق الله آدم على صورة الرحمن»، وفي رواية أخرى: «على صورته» (النهاية، ص١٠٣-١٠٤).
١٥٦  انظر الفصل الثالث: نظرية العلم، ثامنًا: الأدلة.
١٥٧  اللمع.
١٥٨  شرح الأصول الخمسة، ص٢٢٦–٢٣٠.
١٥٩  الفقه الأكبر، ص٨٥.
١٦٠  الإنصاف، ص٢٤.
١٦١  أصول الدِّين، ص١٠٩–١١٤.
١٦٢  المحصل، ص١٣٥-١٣٦؛ طوالع الأنوار، ص١٨٤.
١٦٣  المواقف، ص٢٩٦–٣١٠.
١٦٤  الفصل، ج٢، ص١٤٧–١٥٣.
١٦٥  بحر الكلام، ص١٩–٢٢.
١٦٦  الإرشاد، ص١٥٥–١٦٤.
١٦٧  الإبانة، ص٣٥–٣٩.
١٦٨  كتاب التوحيد، ص١٨٢.
١٦٩  أصول الدِّين، ص٧٣–٧٦؛ النسفية، ص٦٣؛ الانتصار، ١٤٤–١٤٨.
١٧٠  هذا هو موقف الأشعري والإسفراييني.
١٧١  قالت الحنفية إنها صفة قديمة تغاير القدرة.
١٧٢  هذا عند القاضي.
١٧٣  هذا عند عبد الله بن سعيد.
١٧٤  هذا أيضًا عند عبد الله بن سعيد.
١٧٥  بالإضافة إلى مثبتي الأحوال هو أيضًا رأي أبي سهل الصعلوكي.
١٧٦  هذا هو رأي الأشعري.
١٧٧  إثبات الصفات هو مذهب عبد الله بن كلاب والأشعري والإسفراييني وعبد الله بن سعيد (لمحصل، ص١٣٥-١٣٦؛ بحر الكلام، ص١٨–٢٤). ويقترب منهم الحشوية (غاية المرام، ص١٣٥–١٣٨؛ كتاب التوحيد، ص١٨٢).
١٧٨  الفِرَق، ص٢٢٥.
١٧٩  طوالع الأنوار، ص١٨٤؛ المحصل، ص١٣٥-١٣٦؛ بحر الكلام، ص١٨–٢٤؛ غاية المرام، ص١٣٥–١٣٨؛ كتاب التوحيد، ص١٨٢.
١٨٠  يُذكر الرأس في القرآن ١٨ مرة، منها ١١ مرة جمعًا، وهو ما يستحيل على الله، ومنها ٩ مرات مُضافة إلى ضمير الجمع «رءوسكم» (٣ مرات)، «رءوسهم» (٦ مرات)، وهو أيضًا مستحيل على الله. ويشير اللفظ إلى رأس البشر ورءوسهم، إمَّا رأس هارون أو يحيى أو المريض أو السجين أو المؤمن في مسح الوضوء أو الكافر مطأطأ الرأس أو المنافق الذي يلويها، ولا تُستعمل لله على الإطلاق. وفي غالب استعمالاتها (١٥ مرة) لها معنى سلبي، إمَّا شدها من اللحية تأنيبًا كما فعل موسى وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ (٧: ١٥٠)، قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي (٢٠: ٩٤)، أو بالشعر الأبيض رمزًا لكبر السن كما هو الحال مع زكريا: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا (١٩: ٤)، أو رأس المريض: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ (٢: ١٩٦)، أو السجين المحكوم عليه بالإعدام تنهش في لحمه الطيور الجوارح بعد الصلب: وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ (١٢: ٤١)، إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ (١٢: ٣٦)، وإمَّا موطن صب العذاب للكافرين: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٤: ٤٨)، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (٢٢: ١٩)، أو رءوس الشياطين: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٣٧: ٦٤-٦٥). أو حسرةً وندمًا: ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٢١: ٦٥)، وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (٣٢: ١٢)، أو لويها نفاقًا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ (٦٣: ٥)، والمجاز واضح في الاستعمالات في رأس المال: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢: ٢٧٩).
١٨١  عند ابن كلاب الوجه والعينان صفات بالخير، لا هما الله ولا هما غيره (مقالات، ج٢، ص٢٠٣، ص١٨٣). وعند أهل السنة وأصحاب الحديث لله وجه وعينان. وأثبت الأشعري الوجه في أحد القولين وكذلك الإسفراييني. وعند السلف صفة زائدة. وفي قول آخر وافقه القاضي على أنه الوجود. والمشبه كالصفاتية في إثبات الوجه. والوجه عند عبَّاد يعني الوجود، وعند غيره من المعتزلة مثل أبي الهذيل وسليمان بن جرير أنه الله، وعند الزيدية وجه الله أيضًا هو الله (مقالات، ج٢، ص١٨٣؛ الفصل، ج٢، ص١٤٧-١٤٨؛ الإبانة، ص٣٥؛ مقالات، ج١، ص١٣٨، ص١٤٤). وقد نفت الجهمية أن يكون لله وجه (الإبانة، ص٣٥). ينكر عبَّاد بن سليمان الوجه والنفس والذات والعين واليدين والجنب خارج القرآن (مقالات، ج١، ص١٢٦، ص٢٤٤، ج٢، ص١٦٥). وقد أنكرت المعتزلة جميع الأعضاء إلا الوجه (مقالات، ج١، ص١٤٨، ص٢٢٨، ص٢٦٦). وعند النظَّام ومعتزلة بغداد أن الوجه لا يُقال لله إلا توسعًا (مقالات، ج١، ص٢٤٤). ويبقى الرب من غير إثبات وجه ويُقال هو الله (مقالات، ج١، ص٢٢٨، ص٢٦٦). وتذكر المصنفات بعض الآيات القرآنية التي ذكرت الوجه (التحقيق، ص٩٥؛ غاية المرام، ص١٤٠؛ شرح الأصول الخمسة، ص٢٢٧؛ الإنصاف، ص٢٤؛ المواقف، ص٢٨٨؛ أصول الدِّين، ص١٠٩-١١٠؛ الإرشاد، ص١٥٧) وقد ذُكر لفظ الوجه ٧٥ مرة في القرآن، منها ٣ مرات أفعال وجه بمعنى اتجه، وهو أحد معاني لفظ الوجه: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا (٦: ٧٩)، وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ (١٦: ٧٦)، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٨: ٢٢). ومرة واحدة اسمًا بمعنى اتجاه أو وجهة: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (٢: ٢٤٨)، ومنها أيضًا «وجيهًا» أي حسن الوجه والاستقبال والمآل مرتين، خاص بالسيد المسيح: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (٣: ٤٥)، فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (٣٣: ٦٩). وقد استُعمل اللفظ ٣٤ مرة مفردًا، ٣٨ مرة جمعًا، ومستحيل أن يُشار إلى وجوه الله بالجمع مما يدل على أن المعنى الغالب هو الاستعمال الإنساني أي الوجه الإنساني، ومنها ٢٤ بلا ضمير، ٤٨ بضمائر ملكية، ١٧ مرة مخاطبًا، ٣١ مرة غائبًا، مرتان متكلمًا، مما يدل على نسبة الوجه إلى شخص. والأهم من ذلك كله أنه من بين ٧٢ مرة لم يُذكر وجه الله إلا ١١ مرة في حين ذُكر وجه الإنسان ٦١ مرة، أي أن الاستعمال الغالب للإنسان لا لله. ومن هذه المرات الإحدى عشرة ثلاث فقط تشير إلى وجه الله بمعنى حضور أو وجود أو حقيقة وَلِلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ (٢: ١١٥)، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٥٥: ٢٧)، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (٢٨: ٨٨). أمَّا المرات الثماني فكلها بمعنى الغاية والهدف والنية والقصد، وهو معنى الاتجاه الذي للفعل مثل: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ (٢: ٢٧٢)، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ (١٣: ٢٢)، ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ (٣٠: ٣٨)، وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ (٣٠: ٣٩)، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ (٧٦: ٩)، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٩٢: ١٩-٢٠)، وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (٦: ٥٢)، وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (١٨: ٢٨). أمَّا الاستعمالات الإنسانية الأخرى فإنها تشير إلى وجه أبي يوسف ثلاث مرات: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ (١٢: ٩)، اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا (١٢: ٩٣)، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا (١٢: ٩٦)، وإمَّا تشير إلى وجه الرسول مأمورًا بالتوجه إلى القبلة (٧ مرات): قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (٢: ١٤٤)، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢: ١٤٤)، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢: ١٤٩)، (٢: ١٥٠)، أو توجه نداءً عامًّا بالتوجه والاستقامة في الدين: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (٣٠: ٣٠)، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ (٣٠: ٤٣)، ويُشير استعمال شائع إلى وجه المؤمنين (١٥ مرة) من حيث إسلام الوجه لله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (٢: ١١٢)، (٤: ١٢٥)، (٣١: ٢٢)، فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلهِ (٣: ٢٠)، أو التوجه لله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا (٦: ٧٩)، (٨٣: ٢٤)، والوجه الأبيض يوم القيامة: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ (٣: ١٠٦)، (٣: ١٠٧)، أو الوجه النضر: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٧٥: ٢٢)، أو الوجه المسفر: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٨٠: ٣٨-٣٩)، أو الوجه الخاشع: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٨٨: ٢)، أو الوجه الناعم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨٨: ٨) أو الوجه في الدنيا المتجه نحو القبلة: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٢: ١٤٤)، (٢: ١٥٠)، لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (٢: ١٧٧)، أو مسح الوجوه في التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (٤: ٤٣)، (٥: ٢٦)، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (٥: ٦)، أو التوجه إلى المسجد: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (٧: ٢٩). ولكن الاستعمال الأكثر شيوعًا (٣٧ مرة) هو تعذيب الوجه في الدنيا وفي الآخرة، أي المعنى السلبي، مثل الوجه المسود: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٦: ٥٨)، (٤٣: ١٧)، (٣: ١٠٦)، (٣٩: ٦٠)، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ (٣: ١٠٦)، أو الوجه الباسر: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٧٥: ٢٤-٢٥)، أو الوجه الغابر: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٨٠: ٤٠-٤١)، أو الوجه المعذب يوم القيامة: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣٩: ٢٤)، أو الوجه المشوي بالماء المغلي: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ (١٨: ٢٩) أو الوجه المحروق بالنار: وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (١٤: ٥٠)، (٢١: ٣٩)، (٢٣: ١٠٤)، (٢٧: ٩٠)، (٢٣: ٦٦)، (٥٤: ٤٨)، وكل ذلك يستحيل على الله. وليس المجاز ببعيد عن عديد من الاستعمالات مثل الوجه المنقلب: وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ (٢٢: ١١)، أو الوجه المنكب: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٦٧: ٢٢)، أو الوجه المجعد رمزًا لكبر السن: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٥١: ٢٩)، أو الوجه المطيع: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ (٢٠: ١١١)، أو الوجه الدال على الكفر والسيئات: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ (٢٢: ٧٢)، فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا (٦٧: ٢٧)، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا (٤: ٤٧)، أو ضرب الوجوه: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٨: ٥٠)، (٤٧: ٢٧)، فالوجه معطوف على الدبر، أو الوجه المظلم: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا (١٠: ٢٧)، أو الوجه الأعمى الأبكم الأصم بلا حواس: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا (١٧: ٩٧)، فأين هذا كله من أوجه الله؟
أمَّا بالنسبة للعين، فقد لحظ الآمدي أنها هي عين الماء. وعند القاضي عبد الجبار العين هو العلم (شرح الأصول، ص٢٢٧؛ مقالات، ج١، ص٢٤٨، ص٢٦٥-٢٦٦؛ الحصون الحميدية، ص٢٨-٢٩). وعند الجويني: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا أي الحفظ والرقابة (الإرشاد، ص١٥٧)، كما تعني العيون التي جرت فيها السفينة (النظامية. ص٢٣–٢٥). وعند البغدادي: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أي على رؤية مني. أصول الدِّين (ص١٠٩–١١١). وقد ورد اللفظ ومشتقاته في القرآن ٦٥ مرة، منها ٢٨ مرة بمعنى عين الماء، ٤ مرات «معين» صفة للماء وهو ليس المعنى المقصود، ٤ مرات بمعنى حور عين وهو ليس المعنى المقصود كذلك، أي أكثر من النصف. وذكر اللفظ ٣٣ مرة بمعنى العين أي البصر منها فقط مرتان لله، ٢٩ مرة للإنسان مما يدل على أن استعمالها إنساني خالص. والمرتان هما: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٢٠: ٣٩)، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (٥٢: ٤٨)، وهما معنيان مجازيان يدلان على مدى القرب والمحبة والمودة كما هو الحال في الأمثال العامية: «على عيني»، «في عيني»، فالعين أغلى قيمة عند الإنسان للقسم بها. أمَّا الاستعمالات الإنسانية فليس كلها بمعنى الإبصار بل منها بمعنى الرضا في قرة العين (٧ مرات)، مثل: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ (٢٨: ٩)، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا (١٩: ٢٦)، فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ (٢٠: ٤٠)، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ (٢٨: ١٣)، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ (٢٥: ٧٤)، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ (٣٢: ١٧)، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ (٣٣: ٥١)، كما تكشف العين عن حزن النفس وانفعالاتها (٣ مرات)، مثل: تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ (٥: ٨٣)، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩: ٩٢)، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (١٢: ٨٤)، كما تعني العين القصد والتطلع (٣ مرات)، مثل: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (١٨: ٢٨)، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ (١٥: ٨٨)، (٢٠: ١٣١)، كما يرتبط إدراك البصر بالحالة النفسية إقلالًا أو تعظيمًا مثل: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا (٨: ٤٤)، وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا (١١: ٣١)، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا (٨: ٤٤)، وقد تكون معرفة صائبة: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ (٣: ١٣)، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (١٠٢: ٧). قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٢١: ٦١)، أو نعمة أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩٠: ٨-٩)، أو لذة رؤية وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ (٤٣: ٧١)، أو جزاء وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (٥: ٤٥)، وإذا كانت بعض المعاني إيجابية فإن كثيرًا منها سلبية (٨ مرات) مثل عدم القدرة على الرؤية والوقوع فريسة للسحر: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ (٧: ١١٦)، أو عدم الإبصار بها والعمى: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا (٧: ١٧٩)، (٧: ١٩٥)، أو أنها تخفي الحق: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ (٣٢: ١٧)، أو العمى التام: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي (١٨: ١٠١)، أو تكشف عن غشية الموت: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ (٣٣: ١٩)، وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ (٣٦: ٦٦)، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ (٥٤: ٣٧)، ولم يكن المعنى المجازى غائبًا مثل عين الشمس: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (١٨: ٨٦)، فأين هذا كله من عين الله؟
١٨٢  لقد وصل التشبيه إلى حد إثبات الصفة باللغة الأصلية وليس باللغة الفارسية. وعند أهل السنة وأصحاب الحديث لله يدان (مقالات، ج١، ص٢٦١، ص٣٢٠؛ الإبانة، ص٩، ص٣٥–٣٩؛ الإنصاف، ص٣٤). وعند المشبهة يدا الله جارحتان وعضوان فيهما كف وأصابع (أصول الدِّين، ص١١٠–١١٢؛ غاية المرام، ص١٣٩–١٤٠؛ الفصل، ج٢، ص١٤٨؛ شرح الأصول، ص٢٢٨-٢٢٩). وعند القلانسي اليدان ليستا صفتين بل صفة واحدة. أثبتهما الأشعري، فاليد لديه صفة زائدة على الذات (المواقف، ص٢٩٨). وعند الجبائي وبعض المعتزلة اليد تعني النعمة أو أنها مجرد صلة، فخلق آدم باليدين أي مجرد خلقه. وهذا معقول لغويًّا من حيث التصوير ولا يتطلب ذلك تفسير كل كلمة بمعنى مستقل بدعوى التخصيص (مقالات، ج١، ص٢٢٨، ص٢٦٦، ص٢٨٨). وقد استُعمل لفظ «يد» في القرآن ١٢٠ مرة، منها ٢١ مرة مفردًا، ٣٤ مثنى، ٦٥ جمعًا، أي أن الغالب هو الجمع، ولا يعقل أن يكون لله أيادي بالمعنى الحرفي وإلا كانت صورة آلهة قدماء الهند أو صورة التنين والوحش الأسطوري. لم تضف لله إلا ١٦ مرة، في حين أن باقي الإضافات، أي ١٠٤ مرات، للإنسان، مما يدل على أنها معنى إنساني خالص. وهذه المرات القليلة التي أُضيفت إلى الله كلها استعمالات مجازية تفيد صفات الفضل: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣: ٧٣)، (٥٧: ٢٩)، والكرم ضد البخل والتقتير: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (٢٥: ٦٤)، والخير: بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣: ٢٦)، ومالك كل شيء واليد صورة للملكية: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ (٢٣: ٨٨)، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٦: ٨٣)، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦٧: ١)، والقدرة والسيطرة والهيمنة والاحتواء: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٤٨: ١٠)، فهو المبدأ الذي يضم الأفعال الإنسانية ويكون أساسًا نظريًّا لها، وهو الرحيم: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (٧: ٥٧)، (٢٥: ٤٨)، (٢٧: ٦٣)، وهو الذي يعذب: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٣٤: ٤٦)، وهو الخالق، وصورة الخلق الصنع باليدين: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (٣٨: ٧٥)، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا (٣٦: ٧١)، وإنه لشرف للإنسان وللحياة أن يخلقهما الله باليدين، وأن يكونا من صنعه. ويظهر الاشتراك في الاسم بين يدي الله ويدي الرسول مما يدل على الاستعمال المجازي في الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ (٤٩: ١). أمَّا الاستعمالات الإنسانية الأخرى، والتي تبلغ ١٠٤ مرات، منها فقط ٣٠ مرة حقيقة، مثل القتل باليد والبطش بها أو ضمها وإدخالها في الجيب أو إخراجها أو نزعها أو الاغتراف بها أو اليد كعضو للمسح به في الوضوء أو لقطعه في العقاب، ولكن الغالب هو الاستعمال المجازي (٧٤ مرة)، وأكثرها: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أي للكتب السماوية السابقة (١٢ مرة)، مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ (١٩ مرة)، أو مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ (١٣ مرة)، والباقي يشبه به الله مثل إعطاء الجزية عن يد، أي كرهًا: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢: ٢٩)، أو اليد المغلولة رمزًا للبخل والتقتير أو الذي بيده عقدة النكاح أو ولي الأمر، أو العض على اليدين تعبيرًا عن الندم، أو الكسب بالأيدي تعبيرًا عن الفعل الحر والمسئولية الفردية، أو كف الأيدي تعبيرًا عن منع الأذى، أو أولو الأيدي تعبيرًا عن الكرم والقوة، أو التحذير من إيقاع النفس في الهلاك: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (٢: ١٩٥)، أو اتقاء ما بين الأيدي وما خلفها تعبيرًا عن ميدان الفعل أو بسط اليد تعبيرًا عن الكرم والفعل أو سقط اليد تعبيرًا عن العجز والمباغتة، وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ (٧: ١٤٩)، أو قبض اليد تعبيرًا عن القوة والصلابة في المعارضة: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ (٩: ٦٧)، أو وضع اليد على الفم رفضًا للكلام أو السماع أو الحوار: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ (١٤: ٩)، أو كلام اليد شهادة على الإنسان: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤: ٢٤)، الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ (٣٦: ٦٥). ومع أن بعض الاستعمالات الإنسانية إيجابي مثل النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ (٦٦: ٨)، (٥٧: ١٢)، أو البيعة لله وللمؤمنين باليد إلا أن أكثر الاستعمالات لليد سلبًا (مرة) مثل الكره، والقتل، والبطش، والبخل، واللعن: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١١١: ١)، والذنب، والظلم، والعذاب، والندم في العض على اليدين أو الفساد: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (٣٠: ٤١)، والتخريب: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ (٥٩: ٢)، والهلاك، والتقطيع، والمصائب: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (٤٢: ٣٠)، والكذب: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ (٢: ٧٩)، والسيئات: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (٤٢: ٤٨)، فأين ذلك كله من يد الله؟
١٨٣  أمَّا لفظ «اليمين» فقد ذُكر في القرآن ٢٤ مرة، اثنتان منها فقط لله، ٢٢ مرة للإنسان! الأولى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٦٩: ٤٤-٤٥)، والثانية: وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣٩: ٦٧)، وكلاهما يفيدان الفعل والإتقان باليمين دون الشمال كما هو معروف في العرف اللغوي، وهو ما تؤكده الاستعمالات الإنسانية الأخرى (٦ مرات)، مثل: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٣٧: ٩٣)، وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ (٢٠: ١٧-١٨)، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا (٢٠: ٦٩)، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ (٣٣: ٥٠)، وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، والمعنيان الأخيران مجازيان أي ما يدخل في الأهل والأسرة والعشيرة. وقد يفيد اليمين أيضًا معنى الإيمان والخير والصلاح والنجاة في مقابل الشمال (١٠ مرات)، وهو المعنى المجازي أيضًا في الأمثال العامية، مثل: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٥٦: ٢٧-٢٨)، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٥٦: ٣٨–٤٠)، فالمتأخرون لا يقلون عن المتقدمين في الإيمان. هم البقية الصالحة من كل جيل وطليعة كل عصر، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٥٦: ٩٠-٩١)، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٧٤: ٣٨-٣٩)، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (٦٩: ١٩)، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨٤: ٧-٨). وقد يفيد معنى اليمين الاتجاه إلى اليمين في مقابل الشمال دون رمز بل الحركة الفعلية (٦ مرات)، مثل: يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (١٦: ٤٨)، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ (١٨: ١٧)، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ (١٨: ١٨)، لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ (٣٤: ١٥)، قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٣٧: ٢٨)، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (٥٠: ٢٧)، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٧٠: ٣٧).
١٨٤  لم يذكر «الأصبع» في القرآن إلا مرتين في صيغة الجمع للإشارة إلى أصابع الإنسان التي يضعها الكفار في آذانهم لعدم سماع الحق، وهي: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ (٢: ١٩)، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ (٧١: ٧).
١٨٥  أمَّا لفظ «الكف» فلم يُذكَر إلا مرتين في القرآن في صيغتي المثنى للإنسان في حالات سلبية خالصة، إمَّا للخداع: لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ (١٣: ١٤)، أو للحسرة: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا (١٨: ٤٢). أمَّا لفظ «الأنامل»، فقد ورد مرة واحدة في القرآن للإنسان، وبمعنى سلبي يعني الغيظ: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ (٣: ١١٩) (الملل، ج٢، ص٧-٨؛ بحر الكلام، ص١٩–٢٢؛ المواقف، ص٢٩٨؛ الحصون الحميدية، ص٢٦–٢٨؛ الفصل، ج٢، ص١٤٨-١٤٩).
١٨٦  التحقيق التام، ص٩٥؛ المواقف، ص٢٩٨؛ غاية المرام، ص١٤١؛ شرح الأصول، ص٢٢٨–٢٢٩؛ الإرشاد، ص١٥٨-١٥٩. وقد ذُكر اللفظ كاسم في القرآن ثماني مرات، ٣ مرات مفردًا، ٥ مرات جمعًا، والجمع لا يطلق على الله. والمفرد منها واحد فقط لله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ (٣٩: ٥٦)، أي الأمر والنهي، والاستعمالان الآخران للإنسان: وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٤: ٣٦)، بمعنى المجاورة، وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٨: ١١). والاستعمالات الست الأخرى بمعنى جنب الجسم للاتكاء عليه في الدعاءين: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا (١٠: ١٢)، (٣٢: ١٦)، أو لذكر الله: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ (٤: ١٠٣)، (٣: ١٩١)، أو جنوب الحيوانات للطعام: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٢٢: ٣٦)، أمَّا الفعل «جنب» ومشتقاته، فإنه استُعمل ١٢ مرة بنفس المعنى وكذلك ظرف المكان جانب ٩ مرات بنفس المعنى، أي المجاورة في المكان، وهو ما يستحيل على الله.
١٨٧  شرح الأصول، ص٢٢٩؛ الفصل، ج٢، ص١٥٠؛ الإرشاد، ص١٥٩؛ بحر الكلام، ص٢١. أمَّا لفظ «الساق» فقد ذُكر في القرآن ثلاث مرات بمعنى الساق الإنساني يوم القيامة، مثل: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٦٨: ٤٢)، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٧٥: ٢٩-٣٠)، وهي معاني سلبية تُستعمل في نطاق الكفر وعدم الإيمان والعذاب يوم القيامة، ومرة واحدة مثنى للإغراء الدنيوي: فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا (٢٧: ٤٤). وباقي المشتقات مثل الساق والسوق كلها استعمالات إنسانية صرفة. أمَّا بالنسبة للفظ القَدَم فقد ذكر ثماني مرات في القرآن الكريم، وكلها معانٍ إنسانية مجازية بمعنى قدَم الصدق: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١٠: ٢)، أو تثبيت الأقدام: وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا (١٦: ٩٤)، وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (٨: ١١)، إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٤٧: ٧)، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا (٢: ٢٥٠)، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا (٣: ١٤٧)، أو بالمعنى السلبي بمعنى الأخذ بالأقدام للعذاب: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٥٥: ٤١)، أو الهرس بالأقدام: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا (٤١: ٢٩) (التحقيق التام، ص٩٥؛ الملل، ج٢، ص٧-٨؛ الفصل، ج٢؛ أصول الدِّين، ص٧٦–٧٨؛ الملل، ج١، ص١٣٥–١٣٨؛ غاية المرام، ص١٤١؛ بحر الكلام، ص٢٢). ويذكر القاضي عبد الجبار أن القَدَم لا يعني أسفل الساق، بل هو مجاز مما يدفع شدتها ويسكن هياجها، فالمراد به الشدة مثل من يقول قامت العرب على ساقها أي شدة الأمر وأهوال القيامة أي الأمر العظيم الصعب (شرح الأصول، ص٢٢٩).
١٨٨  كثير من هذه الصفات الخبرية تعتمد على الأحاديث وليس على الآيات، منها بالنسبة لليد: «إن الله خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده»، أو «أن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته»، أو «خمر طينة آدم بيده أربعين صباحًا». وبالنسبة للأصابع أو «كفه على كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري»، «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن»، «كلتا يديه يمين»، «يمين الرحمن» (الإبانة، ص٣٥–٣٧؛ النظامية، ص٢٣–٢٥؛ الملل، ج١، ص١٣٥–١٣٨، ج٢، ص٧-٨؛ التحقيق التام، ص٩٥). وبالنسبة للقدم: «فيضع الجبار قدمه في النار»، «إن جهنم لا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه» (الملل، ج٢، ص٧-٨؛ الفصل، ج٢، ص١٤٨؛ أصول الدِّين، ص٧٥-٧٦؛ التحقيق التام، ص٩٥).
١٨٩  يجوز أن يُقال بأن لله نفس عند أهل السنة والجماعة بمعنى الذات والوجود، وكما هو في آيات النفس (بحر الكلام، ص١٨-١٩) والذات هو الوصف الأوَّل للإنسان (أصول الدِّين، ص٨٨). وفي الفارسية خدا الله وخودي الذات (أصول الدِّين، ص٧٢؛ السنوسية، ص٢-١؛ كفاية العوام، ص٣٧–٣٩، ٣٣-٣٤؛ الباجوري، ص٤؛ الحصون، ص١٤؛ الجوهرة، التحقيق، ص٨٤-٨٥؛ الإرشاد، ص٣٣-٣٤). وقد ذكر لفظ «نفس» في القرآن ٢٩٥ مرة، كلها للإنسان باستثناء ٦ مرات فقط لله، وبالتالي فهو وصف إنساني وليس وصفًا إلهيًّا. مرتان منها للتوكيد: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ (٣: ٢٨)، (٣: ٣٠)، وهو مشروع في اللغة، ومرتان لبيان أن الله هو المبدأ وأن شخصه هو المبدأ دفعًا نحو التنزيه وابتعادًا من التشبيه، مثل: قُلْ لِلهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (٦: ١٢)، فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (٦: ٥٤)، ومرة واحدة كموطن للعلم كما أن نفس الإنسان موطن لعلمه: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٥: ١١٦)، ومرة للتعبير عن درجة القرب وكما هو معروف في الأمثال العامية والأغاني الشعبية، ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٢٠: ٤٠-٤١). أمَّا الاستعمالات الإنسانية، الأعم والأغلب، فأكثر الاستعمالات شيوعًا ظلم الإنسان لنفسه (٣٢ مرة)، ثم تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق (١٦ مرة)، ثم كسب النفس لأعمالها (١٢ مرة)، والمعاني المشابهة مثل تكليف النفس حسب طاقاتها (٧ مرات)، وتقديم النفس لما يزكيها (٦ مرات)، وشهادة النفس على نفسها (٩ مرات)، وجهاد النفس (١١ مرة)، وجزاء النفس طبقًا لأعمالها (٦ مرات)، ثم موتها بإذن الله (٨ مرات)، وخلقها من نفس واحدة (٦ مرات). أمَّا باقي الاستعمالات فإنها متفاوتة بين قوى النفس النظرية وقواها العملية. فالنفس تخفي وتعلن، تبطن وتظهر، تعلم وتجهل، تظن وتتيقن، تتفكر في نفسها وفي العالم، تبصر وتعقل. وهي قوة لغوية للحديث والقول والكلام والجدال والقراءة والتعليم. كما أنها بواعث ودوافع وحاجات، ترضى وتغضب، تضيق وتفرح توسوس وتوجس، وتسول وتدفع، لذلك فهي إمَّا أمارة بالسوء أو لوامة أو مطمئنة، يدفعها الهوى وتنتابها الحسرة ويهديها الإيمان. وهي مسئولة عن أفعالها، لا تجزي نفس عن نفسٍ شيئًا طبقا لقدراتها فلا تكليف بما لا يُطاق، وتوفَّى كل نفس ما كسبت، ترى ما عملته محضرًا أمامها دون أن تظلم شيئًا. كل نفس بصيرة على نفسها، شاهدة على نفسها، تبلى في الحياة وتمتحن حتى تجتاز العقبة فتكون من الفائزين. خلقت من نفس واحدة في البداية، وخلق منها زوجها، لا تموت إلا بالحق، فالنفس بالنفس، عليها حافظ وتموت بأجلها. إذا خادعت وكذبت وأسرفت وبخلت وشحت وكنز وأسرفت ومكرت وتخاذلت وسفهت وفتنت وضلت واختانت وبغت خسرت أعمالها. وإذا أنفقت وجاهدت ونصرت واشترت نفسها بالحق، وتركت وشكرت وذكرت فازت بالخير. فأين ذلك كله من نفس الله؟
١٩٠  الإبانة، ص٣٥–٣٩.
١٩١  قال ابن الهيصم إن الذي أطلقه المشبهة على الله من الهيئة والصورة والاستدارة والوفرة والمصافحة والمعانقة ونحو ذلك لا يشبه سائر ما أطلقه الكرامية من أنه خلق آدم وأنه استوى على عرشه وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق (الملل، ج٢، ص٢٠-٢١). وقد نسب جماعة من المعتزلة التشبيه إلى أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، وهذا خطأ، فإنهم منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتعطيل، ولكنهم لا يتكلمون في المتشابهات، بل كانوا يقولون آمنا وصدقنا مع أنهم كانوا يجزمون بأن الله لا شبيه له وليس كمثله شيء، ومعلوم أن هذا الاعتقاد بعيد جِدًّا عن التشبيه (اعتقادات فرق، ص٦٦). ومذهب أهل الحق أن الله لا يشبه شيئًا من المخلوقات ولا يُشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فليس الباري بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ولا قابل للأعراض ولا محلًّا للحوادث (التمهيد، ص١٠٣).
١٩٢  من المرجئة من قال بالتنزيه مثل المعتزلة، ومنهم من قال بالتشبيه (مقالات، ج١، ص٢٢٤).
١٩٣  يرد ابن حزم التشبيه إلى أثر خارجي من اليهود «ولقد كان التشبيه صرفًا خالصًا في اليهود لا في كلهم بل في القرايين منهم، إذ وجدوا في التورية ألفاظًا كثيرة تدل على ذلك.» (الملل، ج١، ص١٣٥–١٣٨). «وأكثرها مقتبس من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع حتى قالوا اشتكت عيناه فعادته الملائكة. وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه» (الملل، ج٢، ص٧-٨).
١٩٤  عند المغيرة بن سعيد الألف موضع قدمه لاعوجاجها، والهاء عورته لاستدارتها (مقالات، ج١، ص٧٢).
١٩٥  من الناحية التاريخية بدأت عملية التأليه والتجسيم أوَّلًا، فانبرى لهما التنزيه ثانيًا، ثم حدث رد فعل على التشبيه ثالثًا. فالتشبيه وسط بين التجسيم والتنزيه، وردة عن التنزيه، وعود إلى التجسيم. وفي ذلك يقول الشهرستاني: «أمَّا الشيعة في هذه الشريعة فقد وقعوا في غلو وتقصير. أمَّا الغلو فتشبيه بعضه أئمتهم بالإله وأمَّا التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق.» ويقول أيضًا: «ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه» (الملل، ج١، ص٣٥–١٣٨). ويرى ابن حزم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في التأويل قد أدى إلى نفي الصفات وخلق القرآن والخروج على مذهب أهل السنة والجماعة في المتشابهات دعوا إلى الإيمان بالكتاب والسنة ورفض التأويل والإيمان بظواهر النصوص اعتمادًا على حجتين: (أ) تحريم التاويل: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. (ب) التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في الصفات بالظن غير جائز. ويمكن الرد عليهما بأن إعادة القراءة والوقوف بعد: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وبأن ظواهر النصوص أيضًا ظنية (الملل، ج٢، ص١٩-٢٠).
١٩٦  انظر الفصل الثالث: نظرية العلم.
١٩٧  انظر الفصل الثامن: العقل والنقل.
١٩٨  يقول الشهرستاني: «فبلغ بعض السلف إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات الحادثات، ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا به، لا بد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف» (الملل، ج١، ص١٣٥–١٣٨؛ النظامية، ص٢٣–٢٥؛ الإرشاد، ص١٥٥-١٥٦).
١٩٩  المجسمة غالبًا من الشيعة، والمشبهة من أهل السنة. وبالتالي يلتقي الطرفان المتعارضان بالرغم من اختلاف الدوافع. فالكرامية تعتبر من الصفاتية إلا أنها تنتهي إلى التجسيم والتشبيه (الملل، ج٢، ص١١).
٢٠٠  يقول أصحاب الحديث إنهم لا يقولون إلا ما قاله الله والرسول، إطلاق اليد والعين والوجه خبرًا؛ لأن الله أطلق ذلك (مقالات، ج١، ص٢٢٦–٢٦٥). وأثبت الأشعري اليدين والوجه صفات خبرية لأن السمع قد ورد بها ويجب الإقرار بها كما ورد واتِّباع طريقة السلف من ترك التأويل (الملل، ج١، ص١٥٣). ويهاجم الأشعري التأويل قائلًا: «إن كثيرًا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلًا لم ينزل الله به سلطانًا ولا أوضح برهانًا، ولا نقلوه عن الرسول ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا الروايات» (الإبانة، ص٦-٧). ويقول ابن حزم: «وأمَّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك، فأجريها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وهذا ما ورد في الأخبار …» (الملل، ج٢، ص٧-٨).
٢٠١  سُئل أبو بكر الزاهد عن المعرفة فقال: المعرفة اسم ومعناه وجود تعظيم في القلب يمنعك من التعطيل والتشبيه. وقيل لأبي الحسن البوشنجي: ما التوحيد؟ قال: أن تعلم أنه غير مبهة الذوات ولا بنفي الصفات (الإنصاف، ص٣٢-٣٣). الشعور إذن عملية اتجاه بين تيارين، التشبيه والتعطيل، وهو طريق التنزيه النظري والفاعلية العملية. ولما كان التنزيه النظري لا يتوقف، فالذهن لا حدود له، فإن الفاعلية العملية إذا توقفت تحولت إلى تجسيم أو تشبيه.
٢٠٢  اللمع، ص١٩-٢٠؛ أصول الدِّين، ص٧٨؛ بحر الكلم، ص٢-٣؛ المسائل، ص٣٣٠؛ غاية المرام، ص١٧٩؛ النسفية، ص٦٣؛ التفتازاني، ص٦٣؛ الملل، ج١، ص٦٦.
٢٠٣  الإنصاف، ص٢٩–٣٣، ص٤٢؛ العضدية، ج٢، ص١١٨؛ الدواني، ج٢، ص١١٨. الكفاية، ص٣٦-٣٧؛ الباجوري، ص٣-٤.
٢٠٤  التمهيد، ص٧٩، ص١٥٢–١٥٦؛ التحقيق التام، ص٨٢–٨٤.
٢٠٥  التمهيد، ص٤٤–٤٦؛ طوالع الأنوار، ص١٥٦؛ السنوسية، ص٢–٤.
٢٠٦  انظر أدلة الرازي؛ معالم، ص٣٨.
٢٠٧  انظر محاولات الجبائي ومتأخري المعتزلة؛ الإرشاد، ص٣٤–٣٧.
٢٠٨  «لا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه» (مقالات، ج١، ص٢١٦) «لا يُشبه شيئًا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه» (الفقه، ص١٨٤). «لا شبيه له ولا نظير ولا ند ولا بديل» (التنبيه، ص٣٦). «لا تبلغه صفات العبيد … جلَّ عن اتخاذ الصواحب والأولاد، وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس. ليست له صورة تُقال ولا حد يُضرب له المثال» (الإبانة، ص٤). «ليس جسمًا وليس عرضًا» (الفصل، ج٢، ص١١٢-١١٣).
٢٠٩  «يستحيل عليه أن يماثل الحوادث في شيء مما اتصفوا به، فلا يمر عليه زمان، وليس له مكان، وليس له حركة ولا سكون، ولا يتصف بألوان ولا بجهة. فلا يُقال فوق الجرم ولا عن يمين الجرم. وليس له جهة فلا يُقال إذن تحت الله» (الكفاية، ص٥٩-٦٠).
٢١٠  «أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء، ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون وطعم ورائحة ومجسة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت. ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن. ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناهٍ. ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات. وليس بمحدود ولا والد ولا مولود. ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، ولا يُقاس بالناس. ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. ولا تجري عليه الآفات، ولا تحل به العاهات … لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع … لا يجوز عليه اجترار المنافع، ولا تلحقه المضار. ولا يناله السرور واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام. ليس بذي غاية فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص. تقدس عن ملامسة النساء، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء» (مقالات، ج١، ص٢١٦-٢١٧). «إن الباري ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية» (مقالات، ج٢، ص٢٥٧).
٢١١  قالت الباطنية: لا يثبت للباري صفة من صفات الإثبات، وزعموا أنهم لو وصفوا القديم بكونه موجودًا ذاتًا لكان ذلك تشبيهًا منهم له بالحوادث، إذ هي ذوات موجودات وسلكوا مسلك النفي فيما يسألون عنه من صفات الإثبات. فإذا قيل لهم الصانع موجود أبوا ذلك وقالوا إنه ليس بمعدوم (الإرشاد، ص٣٧–٣٩).
٢١٢  «لا مثيل له ولا شبيه له ولا شكل له» (بحر الكلام، ص٢-٣). «لا يشبه شيئًا من الحادثات ولا يماثل شيئًا من الكائنات، ليس كمثله شيء» (غاية المرام، ص١٧٩). «لا يُتَصوَّر» (النسفية، ص٦٣؛ التفتازاني، ص٦٦–٦٨؛ الحصون، ص١٣–٢٤). «لا يُشبهه شيء» (النسفية، ص٩٧).
٢١٣  التحقيق التام، ص٨١-٨٢. «نفي التشبيه عنه من كل وجه ومكانًا وصورة وجسمًا وتحيُّزًا وانتقالًا وزوالًا وتغيرًا. وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها وسموا هذا الخط توحيدًا» (الملل، ج١، ص٦٦-٦٧).
٢١٤  لذلك يرفض الجبائي أن يقول إن الباري معنى لأن المعنى هو معنى الكلام (مقالات، ج٢، ص١٨٨).
٢١٥  انظر هذا الفصل أوَّلًا: البراهين على الوعي الخالص (الذات)، وأيضًا سابعًا: القيام بالنفس، (٤) الرؤية.
٢١٦  مثل جهم بن صفوان، ت١٢٨ﻫ، عمرو بن عبيد، ت١٤٤ﻫ، واصل بن عطاء، ت١٨١ﻫ، أبي الهذيل العلاف، ت٢٢٦ﻫ، معمر بن عبَّاد، ت٢٢٠ﻫ.
٢١٧  بوجه عام ودون الدخول في تفاصيل الفِرَق يمكن أن يُقال إن المرحلة الأولى عند الشيعة، والثانية عند المعتزلة، والثالثة عند الأشاعرة، وهو ما أصبح معروفًا جَيِّدًا في دراسات المعاصرين.
٢١٨  الفِرَق، ص٢٢٥. وهما التياران المعروفان في الشعور الأوروبي ورغبةً في البحث أخيرًا عن طريق ثالث هو طريق الشعور الذي يجمع بين الحس والعقل. انظر رسالتنا: L’Exégèse de la Phénoménologie, Paris 1966 Le Cairo 1977.
٢١٩  لا يخص التنزيه فرقة دون فرقة، ولكنه أساسًا اتجاه المعتزلة ويشاركهم فيه الخوارج وطوائف المرجئة، وطوائف من الشيعة (مقالات، ج١، ص٢١٧).
٢٢٠  هذا هو معنى القول المأثور: «كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك» (الكفاية، ص٣٦-٣٧). أو «كل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له» (مقالات، ج١، ص٢١٦-٢١٧). واختلف الناس في العامة والنساء على جملة الدين إذا خطر ببالهم خاطر بين قولين: (أ) أن يتفكروا في ذلك ويتبعوا في ذلك الحجة. (ب) ليس ذلك بواجب عليهم وقد يجوز أن يعرضوا عنه فلا يعتقدوا فيه شيئًا، ولكن عليهم أن يعتقدوا إن كان ناقضًا للجملة التي هم عليها فهو باطل (مقالات، ج١، ص٢١٣).
٢٢١  ذكر وصف التعالي في القرآن ١٤ مرة، فوصف الله بأي شيء هو شرك (٩ مرات): سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٠: ١٨)، (١٦: ١)، (٣٩: ٦٧)، فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٧: ١٩٠)، فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٦: ٣)، فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣: ٩٢)، وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣٠: ٤٠)، (٢٨: ٦٨)، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٧: ٦٣)، ومرة واحدة يتعالى عن الوصف سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (٦: ١٠٠)، ومرة واحدة عن القول: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (١٧: ٤٣)، وثلاث مرات يتعالى بذاته: فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ (٢٠: ١١٤)، (٢٣: ١١٦)، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٧٢: ٣).
٢٢٢  في الحضارة الأوروبية الحديثة أعطت المونادولوجيا صورة صادقة للتنزيه في حين اكتفت «الثيوديسيا»، نظرية العدل الإلهي، بتبرير وجود إله مشخص وتنزيهه عن الشر كما هو الحال في اللاهوت التقليدي.
٢٢٣  عند المشبهة المتأخرين المعبود ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس كما تقول المعتزلة والخوارج (مقالات، ج١، ص١٠٢–١٠٥). ما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب (مقالات، ج١، ص٢٥٨).
٢٢٤  على مدخل مبنى إدارة المباحث العامة بالقاهرة هناك لوحة فنية على باب السلم قبل الصعود وأمام مقاعد المنتظرين تمثل عينًا فرعونيةً كبيرةً يصدر منها أشعة ضوء وتحتها مكتوب: «عين الله الساهرة»، مما يصيب القاعدين بارتعاش!
٢٢٥  هذه التصورات في غالبيتها كألفاظ ليست في أصل الوحي. هناك لفظ إله ومشتقاته، وقد ذُكر ١٣٢ مرة، إله (٨٠)، إلهًا (١٦)، إلهك (١٠)، إلهنا، إلهه (٢)، إلهين (٢)، آلهة (١٨)، آلهتك (٤)، آلهتنا (٨)، آلهتهم (٢)، آلهتي، ثم الله (٩٨٠) وهو اللفظ الغالب، اللهم (٥) وليس منها اسم فعل تأليه مثل توحيد، وكلاهما يشير إلى عملية التأليه أو التوحيد، وليس إلى جوهر ثابت (انظر الفصل السادس: الوعي المتعين، الأسماء). أمَّا لفظ «الاتحاد» فغير موجود في أصل الشرع. لا يوجد إلا «وحده» (٦ مرات)، واحد (٢٥)، واحدًا (٥)، واحدة (٣١)، وحيدا (١) وكلها صفات وليس فيها أفعال. أما لفظ حل سواء بكسر الحاء أو بضمها فقد ورد ٥١ مرة، منها ٣٨ بمعنى الحلال في مقابل الحرام، ومرة واحدة بمعنى يحل في مقابل يربط: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٠: ٢٧)، والباقي (١٢ مرة) بمعنى يحل في الدار مجازًا: الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ (٣٥: ٣٥)، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (١٤: ٢٨)، أو يحل في البلد: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٩٠: ١-٢)، أو البيت العتيق: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٢: ٣٣)، أو يحل العذاب أو الغضب أو الهدى بمعنى يقع أو القارع مثل: تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ (١٣: ٣١)، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (١١: ٣٩)، (٣٩: ٤٠)، أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ (٢٠: ٨٦)، أو الغضب مثل: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي (٢٠: ٨١)، أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ (٢٠: ٨٦)، وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٢٠: ٨١)، أو الهَدْي: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (٢: ١٩٦)، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (٤٨: ٢٥). أمَّا التجسيم فلم يرد لفظ الجسم إلا مرتين بمعنى سلبي: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (٢: ٢٤٧)، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ (٦٣: ٤). وورد لفظ الجسد أربع مرات، مرتين لجسد الحيوان: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا (٧: ١٤٨)، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ (٢٠: ٨٨) ولا يوجد اسم فعل تجسيم أو تجسيد. أمَّا لفظ تشبيه فلم يرد في القرآن كاسم أو فعل، ولكن ورد الفعل (٥ مرات)، والاسم (٧ مرات)، بمعنى التشابه إمَّا في الطبيعة أي الخلق: فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ (١٣: ١٦)، أو في الرزق: قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا (٢: ٢٥)، أو في النبات: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ (٦: ٩٩)، (٦: ١٤١)، أو في الحيوان: إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا (٢: ٧٠)، وفي الإنسان: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ (٤: ١٥٧)، وفي القلب أي في الرؤية والإدراك تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (٢: ١١٨)، وذلك لتشابه بعض نصوص الكتاب: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (٣: ٧)، اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا (٣٩: ٢٣)، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (٣: ٧)، ولم يرد لفظ التشبيه في صفات الله. أمَّا لفظ التنزيه أو مشتقاته فليس في أصل الوحي كلية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١