سابعًا: القيام بالنفس

(١) خامس وصف للذات

وهو موجه ضد بقايا التجسيم والوجود في المكان وضد التفسير الحرفي لآيات الحركة مثل النزول والصعود والمجيء والاستواء والقيام والقعود، ويشمل ثلاثة موضوعات رئيسية: نفي المكان أو الجهة، خاصةً فيما يتعلق بالاستواء، ثم نفي الحركة فيما يتعلق بالنزول والصعود والإتيان والمجيء، وأخيرًا نفي الرؤية.

ويظهر هذا الوصف في مصنفات القدماء في أماكن عدة. ففي معرض نفي النقص وإثبات الكمال في مسألة خاصة يضرب المثل بنفي الجهة ومكان الاستواء.١ وقد يظهر ذلك في المقدمات الخطابية في معرض تنزيه الله عن المكان.٢ وقد يذكر عدم الاختصاص ونفي الجهة في معرض ما يستحيل على الله دون عد أو إحصاء لصفة أو لوصف.٣ ولكنه يذكر أيضًا كثالث وصف للصانع بعد الوجود والقِدَم.٤ ويذكر الاستواء مع نفي التخصص والتحيز والجهة. ويذكر نفي المكان كثالث وصف بعد الجسمية ونفي الجوهر وإدخال الوجود في دليل الحدوث والإمكان.٥ ويظهر نفي الجهة بعد نفي الشبه والشرك والاتحاد والحلول والشبه والجوهر والعرض والجسم، والكل بعد إثبات الصفات السبع التي ظهرت بعد إثبات القِدَم والوجود.٦ ولأول مرة يذكر القيام بالنفس ثاني وصف للذات بعد القديم، خاصةً وأن الوجود قد استُبدل بأن الحوادث لا بد لها من محدث وأن صانع الحوادث أحدثها من لا شيء.٧ ويُذكر على أنه أول وصف للذات والوجود على أنه ثاني وصف مرة أخرى.٨ وفي «كتاب التوحيد» تنفى الجهات والمحاذيات بعد الوحدانية ونفي الجسمية، إذ قد نفى التشبيه في آخر دليل الحدوث، وينفي معه قيام الحوادث بالذات، وتأويل جميع آيات الجهة والمكان.٩ وفي أول إحصاء لأوصاف الذات في عشر يظهر نفي الجهة على أنه سابع وصف بعد الوجود والقِدَم والبقاء والوجود ونفي الجسم ونفي الجوهر ونفي العرض.١٠ ويُنفى المكان والجهة والحيز كسادس صفة بعد إثبات القِدَم والبقاء والوجود ونفي الجسم ونفي الجوهر، ومعه يدخل الاستواء.١١ وتُنفى الجهة بعد نفي مشاركة الذات لغيرها ونفي تركيبها ونفي التحيز ونفي الاتحاد ونفي الحلول.١٢ ويظهر نفي الجهة والمكان على أنه أول صفة في التنزيهات.١٣ وقد يُنفى التحيز والجهة في معرض نفي التشبيه.١٤ وفي أول إحصاء لأوصاف الذات في عشر يظهر التنزيه عن الاستقرار على العرش على أنه ثامن وصف بعد الوجود والقِدَم والبقاء ونفي الجسمية ونفي الجوهر، ونفي الجهة، ومع الاستواء يظهر النزول والمعية والأصبع واليمين.١٥ ويُنفى المكان بعد إثبات الوحدانية والقِدَم وظهور صفات المعاني السبع، ونفي العرض والجسم والجوهر والصور والحد والعد والتبعض والتجزيء والتركيب والتناهي والماهية والكيفية.١٦ وتُنفى الجهة مع الجسمية كثاني وصف للتنزيهات.١٧
وبعد استمرار البناء النظري في أحكام العقل الثلاثة وما يجب لله من صفات عشرين يظهر القيام بالنفس وعدم افتقاره إلى محل ولا مخصص كخامس وصف للذات، ويظهر أيضًا ضدها مما يستحيل عليه من عشرين صفة أخرى كخامس وصف وهو استحالة ألا يكون قائمًا بنفسه بأن يكون صفة أو يقوم أو يحمل أو يحتاج إلى مخصص مع البرهان. وأيضًا يظهر كخامس صفة في تفسير «لا إله إلا الله» بالاستغناء.١٨ ومن الخمس وعشرين صفة هذه العشرون منها الاحتياج إلى محل، أي ذات يقوم أو إلى مخصص أي موجد وهي صفة القيام بالنفس.١٩ وتدخل جميع صفات التشبيه في معرض نفي التشبيه في نفي الجسمية والحيز وتأويل الأخبار دون ذكر لأوصاف الذات أو صفاتها.٢٠ ويسقط الوصف ونفي الجهة في بعض الحركات الإصلاحية الحديثة بعد أن يُذكر القِدَم والبقاء ونفي التركيب كأحكام الواجب.٢١
ونظرًا لأهمية الاستواء كموضوع رئيسي في هذا الوصف فإنه يظهر أكثر من غيره مثل المكان والجهة والحركة. ففي بعض المؤلفات المتقدمة يثبت الاستواء والوجه والعينان والبصر واليدان حتى قبل ذكر أوصاف الذات أو صفاتها، بل بعد إثبات الرؤية والكلام القديم نظرًا لأهميتها من حيث إثباتها ضد نفاتها.٢٢ كما تبدو أنها من أوائل الموضوعات التي اختلفت عليها الفِرَق.٢٣ ويظهر الاستواء على العرض بعد الأوصاف والصفات وصفات التشبيه من وجه وعين ويد ونفس وبعد صفات الانفعالات من حقد وحنق وميل ونفور.٢٤ ويظهر لأول مرة استحالة المكان وبها يُذكر الاستواء والحلول.٢٥ ويُذكر الاستواء مع المكان في معرض الكلام في التوحيد ونفي التشبيه.٢٦ ويظهر إثبات الاستواء في عبارات إنشائية دون إحصاء بعد الوحدانية والقِدَم ونفي الشبه وإثبات الكمال ونفي النقصان.٢٧ ويُنفى المكان مع الاستقرار على العرش بعد إثبات القِدَم وتجويز الوجود وإثبات الوحدانية وتجويز النفس ونفي الشبه (النور) وإثبات اليد والساق والأصبع والقَدَم وعدم تجويز المجيء والذهاب ونفي الرؤية بالأبصار.٢٨ وفي بعض الحركات الإصلاحية الحديثة يذكر الاستواء والعرش والكرسي والماء دون تأويل أو دلالة.٢٩ وتظهر صفات العرش والكرسي مع الأخرويات في العقائد المتأخرة.٣٠
أمَّا النزول فإنه يُذكر مع باقي صفات التشبيه وغيرها من صفات الذات.٣١ ويذكر المجيء والذهاب والنزول بعد إثبات القِدَم وتجويز الوجود وإثبات الوحدانية وتجويز الشيئية وتجويز النفس ونفي الشبه وإثبات اليد والساق والأصبع والقَدم.٣٢

(٢) الاستواء والعرش

لما كان الوصف الخامس هو القيام بالنفس، أي أنه ليس في محل، بدأت أيضًا مسألة الآيات التي توحي بالمكان والجهة وضرورة تأويلها. انقسم الناس فريقين: الأوَّل يثبت المكان والجهة، إمَّا خضوعًا للتجسيم أو استعمالًا لمنهج التأويل الحرفي، فيصبح الله في مكان، وهو العرش، يستوي عليه جلوسًا، ومِنْ ثَمَّ لا يفترق أهل السنة عن المشبهة والمجسمة في شيء. والثاني ينفي المكان والجهة اتِّباعًا للتنزيه واستعمالًا لمنهج التأويل.

يظهر افتراض التجسيم ويتحدد المكان والجهة ويصبح الله مستويًا على العرش. فإذا كان المكان تجسيمًا للمعبود، فإن العرش تجسيم للمكان.٣٣ ثم تبرز المشكلة الرئيسية في هذه الصورة وهي ما صلة المعبود بالعرش؟ هل هو متحد به أو مماس له أو منفصل عنه؟ فإذا كان متحدًا به كيف يتحد المعبود بشيء سواه؟ وإذا كان المعبود مماسًا له فكيف يكون التماس؟ هل هو وسط بين الاتحاد والانفصال؟ وإذا كان منفصلًا عنه، فكيف يتصور تركيب ثنائي في «الله» يمنعه التوحيد؟ والانفصال تأكيد صريح للثنائية فضلًا عن كونه مستحيلًا عمليًّا، إذ كيف يكون المعبود مستويًا على العرش منفصلًا منه دون اتحاد؟٣٤ في هذه الحالة قد يُؤوَّل العرش إلى صفة. حينئذٍ يعني الاستواء صفة البينونة عندما يكون المؤلَّه مستويًا على العرش بائنًا منه. لا تعني البينونة العزلة، بل هي صفة من صفات الذات. وقد يفضل العرش ثم يُقاس مقدار الزيادة إمعانًا في العظمة. كيف يتسع العرش للإله ويكون قدره؟ فإذا كانت المسافة متناهية، فكيف يجلس الإنسان على كرسي ضيق ولا يستوفيه؟٣٥
وقد تصاحب صورة الحمل المرئية صورة صوتية، فيصاحب الجلوس على العرش أطيط، أي أصوات صادرة عن العرش من فعل الجلوس على كرسي عتيق من شخص متزن رزين يهبط عليه في هدوء وتؤدة، وأمن واطمئنان، وهو إعلان سمعي عن الجلوس.٣٦ وأحيانًا يوضع النبي على العرش بجوار المعبود تعظيمًا وإجلالًا له كما يحدث عادةً في تاريخ الأديان. فالمسيح يقعد على يمين الله يشاركه في الحساب. وإجلال الأشخاص تابع لعواطف التأليه ورفع الحد الأدنى إلى الحد الأعلى بالنسبة إلى الشخص، وإنزال الحد الأعلى إلى الحد الأدنى بالنسبة إلى المعبود.٣٧ والحقيقة أن العرش صورة شعبية للتعظيم والإجلال. فهناك عرش الملك، وعرش العروس، ومجلس الصدارة للضيف، وغير ذلك من الصور الملكية وما تحتوي من عرش وتاج وبلاط وما تعبر عنه من إرادة مطلقة ينفذها الرسل الرعية، ويتلوها ثواب وعقاب طبقًا للطاعة أو للعصيان.
ثم يتضاعف المكان، ويزداد في التعيين، فيصبح للعرش حملة إن لم يكن الحملة مثل العرش.٣٨ وذلك زيادة في التعظيم والإجلال كما هو واضح في الفن الديني. فبعد بناء مظلة موسى كما يرويها سفر الخروج، يحملها الكروبيون. وفي العادات الدينية يجلس البابا على العرش، يحمله القساوسة. كما يجلس رئيس القبيلة على المحفة يحمله أفراد القبيلة. وكما اعتاد فرعون أن يجلس محمولًا على عرشه، وعرشه محمول على الأعناق. الحمل تعبير عن العظمة والجلال، إمَّا في الحياة أو في الممات عندما يحمل الأصدقاء نعوش الأصدقاء وعندما تحمل الشعوب قادتها العظام في الوداع الأخير، فالمحمول شريف، والمحمل شريف. وقد تحمل الحملة الله مباشرةً دون توسط العرش، وهي صورة للتعظيم المباشر كما يُحمَل الزعماء على الأعناق بلا محفة. وعددهم ثمانية، ربما لأن العرش ذو أربعة أركان، ويحتاج كل ركن إلى حاملين وليس إلى حامل واحد زيادةً في التعظيم. والحملة ملائكة؛ لأنه لا يتعامل مع المعبود إلا الملائكة الذين هم حاشية الملك وبطانته وخدامه وسدنته، ورسله ووزراؤه، يعلنون أوامره للرعية، ومن طبقته، ويشاركونه في بعض الصفات الملوكية. وقد يبالغ في التعظيم، فيكون كل ملاك من الملائكة الثمانية من صنف آخر، فيصبح لدينا أصناف، زيادةً في التنوع؛ لأن وحدة الصنف تكرار ممل.٣٩ وقد يكون المقياس من الأوزان لا من المساحات، فيكون المعبود ذا مقدار وكيل أكثر منه ذا مساحة واتساع. ويعبر الوزن عن حالات المعبود النفسية. فعندما يغضب يثقل على العرش فتعلم الحملة أنه غاضب، وإذا سر خف عن العرش فتعلم الحملة أنه مسرور. فالغضب يعبر عنه بلغة الأوزان بالثقل، والسرور بالخفة. وهما حالتان نفسيتان. إذا حزن الإنسان شعر أنه ثقيل ويقول «قلبي ثقيل»، وأنه يحمل الأرض كلها على كتفيه، وإذا سُرَّ شعر أنه طائر لا تسعه الأرض فرحًا ويقول: «أشعر أني طائر في الهواء».٤٠
ولا يفترق أهل السنة عن الكرامية والهشامية في التشبيه المقارب للتجسيم، فإثبات الصفات مع التفسير الحرفي للآيات يؤدي في نهاية الأمر إلى التشبيه، فالله يستوي على العرش.٤١ ومع ذلك فتحرُّزًا من الوقوع في التجسيم الفظ والتشبيه الممقوت جُعلت الصفات بلا كيف، إثباتًا للصفات ونفيًا للكيفية، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، وبالتالي تكون عبارة مالك المشهورة «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» تحتوي على ثلاثة أخطاء أولى وموقف صحيح رابع:
  • (١)

    ليس الاستواء معلومًا، وإلا لما اختلفت الفِرَق فيه، ولا يكون معلومًا إلا عن طريق التنزيه والصور الفنية والتأويل المجازي للاستواء بمعنى الاستيلاء أو القدرة أو العظمة … إلخ.

  • (٢)

    الإيمان به واجب مضاد لنظرية العلم التي تقوم على النظر والاستدلال دون التقليد والتسليم والإذعان.

  • (٣)

    ما دام الاستواء معلومًا، فلا يكون الكيف مجهولًا، لأننا لم نعد بصدد التشبيه الحسي بل أمام المعنى والدلالة، ووظيفة العلم المعرفة. وليس الجهل أحد أركان نظرية العلم، بل من مضادات العلم كالشك والتقليد والظن والوهم.

  • (٤)
    أمَّا الصحيح فهو أن السؤال عنه بدعة؛ لأنها إثارة مشكلة إغفالًا لقواعد اللغة وللمعاني المجازية. كما أنها قضية لا تعم بها البلوى، ولا تمس صالح المسلمين، ويستطيع الإنسان أن يموت دون أن يعرف الاستواء أو الأَبَّ في: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا أو الموريات والمغيرات في: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، مع أنه يعلم جَيِّدًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ.٤٢
لا سبيل إذن إلا التأويل المجازي لآيات الاستواء من أجل التنزيه.٤٣ فالمكان هو التدبير، والاستواء هو الاستيلاء أو الاحتواء والتسخير والوقوع في قبضة القدرة كما تقول العرب: «استولى الأمير على مملكته» عند دخول العباد تحت طوعه.٤٤ قد يعني المكان الحضور والمعية.٤٥ قد يعني العرش الملك، والكرسي العلم، وهو الأقرب إلى التقوى. فالتنزيه موقف تقي عقلي. وإمعانًا في التقوى قد يتم نفي كل شيء، نفي الصفات تجنُّبًا للتجسيم والتشبيه وحلًّا للقضية من الأساس.٤٦

(٣) المكان والحركة

وقد يخف التشبيه ويصبح العرش مجرد مكان يقوم مقام ظرف المكان في اللغة. فالاستواء يعني الفوق لما كان الفوق أشرف من التحت.٤٧ ثم يدخل المكان كعالم في تحديد الجسم فيكون المعبود في مكان دون مكان، في مكان لأنه جسم محدود دون مكان لأنه خالد أبدي. ويمكن تفسير ذلك تفسيرًا نشوئيًّا فيُقال إنه كان لا في مكان ثم حدث المكان بحركته لأن الحركة لا تكون إلا في مكان طبقًا لثقافة العصر من ارتباط المكان بالحركة واعتبار المكان عدد الحركة.٤٨ وقد يطلق المكان فيصبح المؤلَّه في كل مكان. ثم يتضخم المؤلَّه أكثر فأكثر، زيادةً في التعظيم، فيصبح فائضًا عن جميع الأماكن، في حين أن «في كل مكان» تعني في التنزيه حفظ الأماكن.٤٩ وقد يطلق المكان سلبًا فيُقال إن الله ليس في مكان دون مكان وليس في أي مكان على الإطلاق، فالمكان يوحي بالتجسيم والمماسة والمجاورة والحد والله ليس كذلك.٥٠ فلا مكان ولا زمان قبل الخلق.٥١ وكما أنه ليس جسمًا فإنه لا يُرى، فإنه أيضًا ليس في مكان ولا في جهة ولا يحل في شيء ولا يماس شيئًا. فالمكان يوحي بالتحديد والحركة والمماسة ويفترض الشيئية والجسمية. ومِنْ ثَمَّ استطاع التنزيه نقل الشعور من المكان إلى خارج المكان وإعادة التوازن له. ونفي المكانية على الإطلاق أقصى درجة من درجات التنزيه قائمة على عاطفة خالصة وباعث صوفي عقلي أو نظرة قائمة على التطهير. المكان نقص، والله خالٍ من كل نقص. ما أسهل تحويل المكان إلى الزمان، فيكون الله أزليًّا أبديًّا، لا أول له ولا نهاية، نظرًا لارتباط الزمان بالمكان.٥٢ ويظلُّ أفضل طريق عند المعتزلة هو طريق التنزيه، أي طريق النفي، ويشاركهم فيه أهل السنة نظرًا لارتباط المكان بالزمان.٥٣ وهو نفس الطريق الذي يتبعه الصوفية في تنزيه الله عن المكان.٥٤ ليس في مكان دون مكان لأن ذلك يوحي بالتجزئة والكائنية معًا. ويظل التأليه مرتبطًا بالعام يجمع بين الطرفين، الغائب والحاضر، العقل والواقع، المادة والصورة.٥٥ وهو ليس في مكان لأن ذلك يوحي بالتجسيم والحلول من ناحية والمكانية العامة من ناحية أخرى. والقول بأنه لا في مكان أو في كل مكان يرجع إلى أصل شعوري واحد، وهو رفض ثنائية الوجود بين المكان واللامكان. فالقول بأنه لا في مكان محو له من المكان والقول بأنه في كل مكان محو لذاته. وفي كلتا الحالتين يكون المحو.
ويورد أهل السنة أدلة لنفي الجهة مثل الأدلة على نفي الحدوث والمشابهة للحوادث، وهي حاجة القائم في المحل للاختصاص والافتقار والاحتياج، وهي كلها حجج عقلية لا تحل الموضوع في مستواه الشعوري مثل: لو كان في مكان للزم قِدَم المكان، التمكن محتاج إلى مكان والمكان مستغنٍ عن التمكن، لو كان في مكان لكان إمَّا في بعضه أو في كله وكلاهما باطل، لو كان جوهرًا فإمَّا ينقسم أو لا ينقسم وكلاهما باطل.٥٦ ويمكن تأويل آيات المكان كما فعل المعتزلة إمَّا بمعنى أن كل مكان تعني أنه مدبر أو بمعنى حافظ للأماكن وذاته في كل مكان.٥٧ وكذلك تأويل لا في مكان بمعنى لم يزل عليه. ولما كان المكان هي الجهة، والأعلى أشرف من الأدنى، يرفع الإنسان يديه إلى السماء نظرًا إلى الله طلبًا ودعاءً.٥٨ فالسماء رمز العلو والأرض السفل في المجتمعات السيطرة أو المغلوب على أمرها. وقد تتغير الصورة الآن بنظر المحتلين إلى الأرض وليس إلى السماء، وتقبيل الأرض، وأخذ حفنة من التراب تقديسًا للأرض. والحقيقة أنه في مبحث المكان يتصارع الفكر العلمي مع الفكر الديني. يريده الفكر العلمي موضوعًا طبيعيًّا، ويريده الفكر الديني موضوعًا إلهيًّا لا حل لمسائله مثل هل المعبود في مكان أم في كل مكان أم لا في مكان إلا طبقًا لعواطف التأليه واختلافها بين التشبيه والتنزيه. وهي مجرد تمرينات عقلية لا حل لها ولا هدف إلا إظهار قطبي الشعور بين التشبيه والتنزيه. وبالمثل لا تحل مسألة الجهة إلا بالانتقال من الطبيعيات إلى التصوف أو من المكان إلى الزمان أو من الموضوع إلى الذات أو من الخارج إلى الداخل. فقد يكون المكان في الشعور على ما يقول الصوفية. ومِنْ ثَمَّ تعود المكانية إلى أصلها في الشعور، ويصبح المعبود تجربة شعورية خالصة. فمقولة المكان لا تدل على عالم خارجي توجد الموضوعات به، بل تدل على تواجد الشعور في العالم. المكان تجسيم للعالم وتحديد وتعين له، في حين أن العالم مكان النشاط ومحل للفعل.٥٩
ثم يدخل عامل الحركة وحده في الجسم دون أن يرتبط بالمكان. حينئذٍ يكون المعبود جسمًا يذهب ويجيء، يتحرك ويسكن، يقوم ويقعد.٦٠ فالحركة في التجسيم لا تعني الزوال والتغير، بل هي تعبير عن الإرادة. وقد تم الخلق بالإرادة، والإرادة حركة، وعلى عكس الحكماء الذين تصوروا خلود الله وعظمته في السكون لا في الحركة وفي الثبات لا في التغير. هناك إذن تصوران للحركة في علاقتها بالألوهية: الأول أنها مظهر من مظاهر النقص، وأنها تعني الزوال، وأن الثبات أشرف منها، وهو تصور الحكماء. والآخر أن الحركة مظهر من مظاهر الكمال، لا تعني الزوال، وأنها أشرف من الثبات، وهو تصور المجسمة. وقد يجمع معبود المجسمة بين الأضداد، بين الحركة والسكون، بين القيام والقعود، بين المجيء والذهاب. فالتضاد هو منشأ الحركة، والحركة تنشأ بين الأضداد على عكس الحكماء الذين تصوروا الله لا ضد له. هناك إذن أيضًا تصوران للأضداد، الأوَّل أنها مظهر من مظاهر النقص وأن التطابق أشرف من التضاد وهو تصور الحكماء، والثاني أنه مظهر من مظاهر الكمال وأنه أشرف من التطابق وهو تصور المجسمة، فالحركة تدل على حياة الروح أكثر مما يدل عليها السكون.
وتفصل الحركة، فإذا تحرك المعبود فإنه يتحرك تدريجيًّا لا بالطفر. فالبطيء تعبير عن الجلال والعظمة في حين أن الطفر تعبير عن الطفولة والخفة. يسير الملك والقائد العظيم ببطء، في حين يسير الطفل أو الشاب أو المجنون قفزًا. قد يُقال إن القفز تعبير عن قدرة أعظم كما هو الحال في عقل الذكي الذي يقفز المتوسطات أو عند الرياضي الذي يعدو قفزًا أو لدى أشيل بالنسبة إلى السلحفاة في أساطير اليونان.٦١ ولكن الصورة الفنية تقبل كل شيء طبقًا لعواطف الخالق لها، ولا تعبر عن واقع بل تعبر عن إحساسات الفنان. والمجسم فنان يستعمل العبارة والصورة وإن لم يقل شعرًا أو يرسم صورة.٦٢ ويتأكد المكان والحركة كصفات للذات بعد إثبات الصفات زائدة على الذات، كما هو الحال عند الأشاعرة.٦٣
ويثبت أهل السنة النزول والصعود والإتيان والمجيء اتِّباعًا لظواهر النصوص وليس قولًا بالتجسيم. وهو ناتج عن إثبات الصفات زائدة على الذات وإيمانًا بنصوص النزول وتصديقًا لها تصديقًا حرفيًّا. فالمؤلَّه يصعد ويهبط، يجيء ويذهب، يسكن ويتحرك، ينزل إلى السماء الدنيا، ويجيء يوم القيامة ويقرب من خلقه. ويُؤوِّل المعتزلة النزول بمعنى اللطف والرحمة مما يدل على علو الشأن والمرتبة والاستغناء الكامل المطلق على ما هو معروف في استعمال اللغة. فهو مجاز، وأصل الوحي مملوء بالمجاز. كما يعني التلطف في حق الخلق والترفع للتكبر، ويستحيل النزول بمعنى الانتقال. كما يعني وَجَاءَ رَبُّكَ أي جاء أمر الله وقضاؤه الفصل وحكم العدل وليس بمعنى الانتقال. ويعني فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ أي استهلكها واستأصلهم. وقد يعني التهكم على أقوال المجسمة أو الإقبال على العباد،٦٤ وكأن هناك مؤامرة مقصودة لتحويل أفعال الله إلى ذاته، وأثره في العالم إلى أثره على نفسه وعكس أفعاله على ذاته، حتى يغترب الإنسان عن العالم ويتوقف نظره فيه تاركًا العالم للمسيطر والقاهر والناهب والسالب، وهي مؤامرة تحويل «الأنثروبولوجيا» إلى «ثيولوجيا».٦٥

(٤) الرؤية

تبدو الرؤية عند القدماء على أنها أول وصف بل الوصف الوحيد للذات وقبل الصفات نظرًا لأهميتها. وتبدو وكأنها الموضوع الأوحد في الذات نظرًا لأهميتها وحمية النقاش حولها.٦٦ كما تبدو وكأنها أول المسائل المختلف عليها في العقائد. وأحيانًا تبدو في المقدمات الخطابية إثباتًا لها في إعلان العواطف الأولى مع التسبيحات والتحميدات.٦٧ وفي المؤلفات المتقدمة تُذكر الرؤية بلا عد أو إحصاء في نهاية الأوصاف والصفات وبعد موضوع العدل بلا ترتيب.٦٨ وتُذكر بعض أوصاف الذات وصفاتها وبعد صفات التشبيه من وجه وعين ويد واستواء وصفات الانفعال من حقد وحنق وميل ونفور.٦٩ وكثيرًا ما تظهر كعبارات إنشائية ودون صياغة عقلية أو ذكر لوصف أو لصفة.٧٠ وتُنفى من حيث هي متصلة بنفي الشبه.٧١ وتُذكر الرؤية في معرض نفي الصورة في نهاية الأوصاف بعد إثبات القِدَم وتجويز الوجود وإثبات الوحدانية وتجويز الشيء وتجويز النفس ونفي الشبه (النور) وإثبات اليد والساق والأصبع والقَدَم وعدم تجويز المجيء والذهاب والتدليل على الوحدانية.٧٢ ثم تُذكر الرؤية في النهاية أيضًا وقبل نفي المكانية والاستواء.٧٣ وقد تذكر الرؤية كأحد أبواب إبطال التشبيه.٧٤ وحتى بعد ظهور أبواب التوحيد تظهر الرؤية في النهاية وتظهر في نهاية أوصاف الثبوت السبعة وبعد الصفات المختلف عليها٧٥ كاليد والوجه والاستواء والبقاء والقِدَم وصفات الإرادة، وقبل الوحدانية والعدل. ونظرًا لأهمية صفة الرؤية قد تنتهي بها الصفات في بحث خاص،٧٦ وقد يُعاد ذكر الرؤية ونفي كيفيتها الحسية في النهاية في تعبيرات إنشائية دون صياغات عقلية أو ذكر لصفة. ويظهر موضوع الرؤية في نهاية التوحيد قبل موضوع الكلام وما يتصل به.٧٧ وفي أول إحصاء لأوصاف الذات في عشرة يظهر إثبات الرؤية كوصف تاسع بعد الوجود والقِدَم والبقاء ونفي الجسمية ونفي الجوهر ونفي العرض ونفني الجهة والتنزيه عن الاستقرار على العرش.٧٨ وتُنفى الرؤية كسادس وصف للذات بعد إثبات الوجود والقِدَم ونفي الحاجة ونفي الجسم ونفي العرض،٧٩ وقبل الوحدانية أو قبل الوحدانية ونفي الحاجة.٨٠ وهنا يكون نفي الرؤية من باب نفي التجسيم والتشبيه ومخالفة الحوادث، أي من باب ما يستحيل على الله وليس من باب الجواز،٨١ وتظهر عرضًا مع نفي التجسيم وأبعاض الإنسان أو كله.٨٢ وعادةً ما يظهر هذا الوصف في نهاية أوصاف الذات بعد القِدَم والبقاء والوجود والشيء، ونفي الجسم ونفي الجهة والحيز ونفي الجوهر، ونفي الاتحاد والحلول.٨٣ تظهر في نهاية صفات السلوب وقبل صفات الثبوت، صفات المعاني السبع، وذلك لأن صفات السلوب نفي لمشاركة الذات لغيرها ونفي تركيبها، ونفي التحيز، ونفي الاتحاد، ونفي الحلول، ونفي الجهة، ونفي المخالفة للحوادث، ونفي اللذة والألم، وهي صفات ثمانٍ للسلوب.٨٤ وتظهر على أنها خامس وصف في التنزيه بعد نفي المشاركة والجسمية والحلول والاتحاد وقيام الحوادث بالذات.٨٥ كما تظهر على أنها سابع وصف في التنزيهات بعد نفي الجهة والمكان ونفي الجسمية ونفي الجوهر والعرض ونفي الزمان ونفي الاتحاد والحلول ونفي قيام الحوادث بذاته.٨٦ وتُنفى الكيفية بعد إثبات الوحدانية والقِدَم وظهور الصفات السبع ثم نفي العرض والجسم والجوهر والصور والحد والعد والتبعيض والتجزيء والتركيب والتناهي والماهية. والكيفية هي اللون والطعم والرائحة والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وغيرها من صفات الأجسام وتوابع المزاج والتركيب.٨٧
ثم انتقل الموضوع مما يستحيل على الله وصفات التنزيه إلى ما يجب لله وصفات التشبيه، أي من صفات السلوب إلى صفات الثبوت، فظهر موضوع الرؤية في آخر التوحيد بعد إثبات الوحدانية، الصفات السبع، قبل الانتقال إلى العدل.٨٨ وتظهر بعد جميع أبواب التوحيد وقبل العدل.٨٩ وقد تظهر بعد الصفات السبع وقبل الوحدانية وبعدها يأتي العدل.٩٠ ويظهر نفي الألوان والطعوم والروائح ليس مع نفي الرؤية، ولكن لأنها صفات لا مبرر لها في حين أن الصفات السبع لها ما يبررها، وهو إثبات الكمال في الذات أو في الصفات أو في الأفعال.٩١ وقد تظهر الرؤية في معرض الحديث عن صفة السمع، وهي الصفة الثانية من الرباعي (السمع – البصر – الكلام – الإرادة) والخامسة من السباعي (العلم – القدرة – الحياة – السمع – البصر – الكلام – الإرادة).٩٢
وقد تُذكَر الرؤية عند المتقدمين في مسألة مستقلة، ليس فقط في التوحيد، بل أيضًا في العدل، ثم يُعقَد لها فصل خاص مستقل في النهاية.٩٣ وترتبط الرؤية بالعدل وذلك لأن نفي الرؤية مبدأ وليس عادة حتى لا يُطعن في العدل. فلماذا يمنع الله نفسه عن البعض ويكشف عن نفسه للبعض الآخر؟٩٤ وقد لا تُذكر الرؤية مطلقًا في بعض المؤلفات المتقدمة، ويحل العمل في الجواز محل الرؤية في العقائد المتأخرة عند اكتمال البناء النظري للصفات في أحكام العقل الثلاثة.٩٥ ولما تحول مبحث العدل كله عند المتأخرين إلى مبحث التوحيد فيما يجوز على الله في أحكام العقل الثلاثة، انتقل موضوع الرؤية من العدل إلى التوحيد من جديد.٩٦ فدخل فيما يجوز على الله، سواء في الصفات أو في الأفعال.٩٧ وبالتالي تدخل الرؤية ضمن أحكام الجواز.٩٨ وبالتالي يرجع الفضل للمتأخرين في نقلها من الاستحالة والوجوب كما هو الحال عند المتقدمين إلى الجواز أو الإمكان، أي أنها مسألة فرعية لا تخص جوهر الذات وصفاتها، ليست في لب التوحيد. وقد يترك الجواز عامة دون إعطاء مثل الرؤية مما يدل على تناقض أهميتها تبعًا لاختلاف الظروف والدوافع.٩٩ وقد تأتي في آخر مبحث الذات والصفات معًا.١٠٠

وقد أعدنا نحن نقل الرؤية من حكم الجواز إلى حكم الاستحالة، كما نقلنا العدل من حكم الجواز إلى حكم الوجوب. فالرؤية مستحيلة، وكان بالفعل أنسب وصف توضع فيه استحالة الرؤية هو القيام بالنفس؛ لأن الرؤية تتطلب المحل، والقيام بالنفس ينفي المحل. وهي ليست من الأصول، ويمكن استغناء التوحيد عنها كأحد مكوناته. فنفي الرؤية في النهاية من الأوصاف السلبية ومن صفات التنزيه، أي أنها من تحديدات النفي.

وهناك ثلاثة مواقف في موضوع الرؤية: الأوَّل إثبات الرؤية الموضوعية إمَّا مع المقابلة أو بلا كيف، وهما موقفا التجسيم والتشبيه، والثاني إثبات الرؤية الذاتية طبقًا لحالات الأفراد وقواهم النظرية والعملية، والثالث نفي الرؤية الموضوعية كليةً وهو موقف التنزيه.١٠١ وكل موقف يعتمد على حجج نقلية وعقلية، ولكن الغالب هي الحجج النقلية مما يدل على أن موضوع الرؤية سمعي خالص، وبالتالي يجب استبعاده من موضوع العلم طبقًا لنظرية العلم التي تكون فيها الحجج النقلية ظنية خالصة.١٠٢ لا تثبت الرؤية سمعًا فحسب، فالعقل أساس النقل، وبالتالي يظل الموضوع كله ظنيًّا ولا يتحول إلى موضوع يقيني إلا بحكم العقل.١٠٣ بل إن إثباتها في الدنيا شرعًا عليه خلاف وبالتالي ينتفي عنها الإجماع الشرعي والإجماع نفسه يحتاج إلى إثبات صحة تفسير وإبطال آخر. الإجماع ذاته خاضع للتفسير والفهم، متغير وخاضع لتطور فهم اللغة ومتغير بتغير الظروف وباجتهاد كل جيل، ويمكن خرقه بإجماع آخر أو باجتهاد. لا يثبت الإجماع إلا أمورًا عمليةً وليست أمورًا نظرية. والدليل النقلي حتى ولو كان إجماعًا متواترًا لا يقطع في مسألة نظرية أصولية.١٠٤ ومهما كان العقل قادرًا على إيراد حجج، فإنه لا يستطيع في أمر متعالٍ كهذا باعتراف الأصوليين،١٠٥ فليس أمامهم إلا السمع، والسمع ليس حجة عقلية بل ظنية. ولما كانت الرؤية لا تثبت إلا سمعًا، والإلهيات تقوم على العقل، كان موضوع الرؤية خاصةً الرؤية في الآخرة أقرب إلى السمعيات وأدخل في المعاد خارج نظرية الذات والصفات والأفعال التي تقوم على أحكام العقل الثلاثة. فالموضوع متعالٍ وحجته ظنية، وبالتالي فهو خارج الإلهيات والعقليات طبقًا لمقاييس القدماء. ولا يصبح موضوعًا لعلم أصول الدِّين إلا إذا كان موضوعًا عينيًّا من خلال التجربة الإنسانية الخاضعة لتحليل العقل. وقد تكون في نهاية الأمر مسألة معرفية خالصة، رؤية المعاني وإدراكها وبالتالي فهي جزء من نظرية العلم.١٠٦

(٤-١) هل يمكن إثبات الرؤية الموضوعية؟

وتعني الرؤية حينئذٍ رؤية الله بالعين كرؤيتها للأشياء مع المقابلة وبشرط الضوء والأشعة والملامسة والجهة والملاقاة والمداخلة. فإذا كانت الرؤية من جهة الفوق فذلك لأن الفوق أشرف من التحت، والرؤية من علٍ تكشف أكثر من الرؤية من أسفل، أكثر شمولًا واتساعًا واكتمالًا من الرؤية الجزئية الحسية الجانبية. الأولى رؤية العقل والثانية رؤية الحس.١٠٧ وقد تكون هذه الرؤية وما يصاحبها من حركات الملاطفة والمعانقة والمجالسة والملامسة تعبيرًا عن كبت جنسي وحرمان دنيوي أو عجز فعلي. فالصوفي محروم جنسيًّا، فيتخيل أنه يعانق الحور العين، ومحروم دنيويًّا فيتوهم أنه يأكل من ثمار الجنة، وعاجز عن محاربة الظلم فيتصور محاربة الشيطان، الشر المجسم. والمُضطهَد قد ضاع منه الله، واهتزت من تحت أقدامه الأرض، فيتوهم أنه ممسك به معانقًا إياه، وأنه وحده المدافع عنه ضد الظلم، أو أنه يعانق الزعيم الشهيد ويتشبث به ويتمسك بمبادئه. أمَّا جواز الرؤية دون اشتراط الجسمية فإنه تحصيل حاصل، فلا رؤية حسية عينية في الخارج لشيء موجود في الخارج إلا إذا كان جسمًا. ولا يكمن قياس الله على الملائكة في جواز رؤيتهم دون أن تكون أجسامًا، فالله ليس من جنس الملائكة، كما أن الملائكة يمكن للبعض رؤيتها كما تروي الأخبار والآثار والتجارب الروحية للأولياء والصوفية. كما يستحيل إثبات الرؤية بلا كيف لأن الرؤية لا تكون إلا كيفًا، كمن يقوم بخطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف أو من يثبت قضية ثم ينفيها والموضوع واحد. لا يمكن أن تتم الرؤية بعين البصر إلا بالملاقاة وبالشعاع.١٠٨
والحقيقة أن الأدلة النقلية لا تثبت الرؤية بقدر ما تنفيها.١٠٩ فسؤال موسى «رب أرِني» لا يدل على إمكان الرؤية؛ لأن العاقل لا يطلب المحال لأن السؤال قد يكون طلبًا للمحال بغية التعليم. سؤال موسى إذن لا يعني الإمكان، بل يهدف إلى رد الإنسان إلى حدوده الطبيعية مانعًا له من أي اغتراب في العالم، تاركًا رؤية الأشياء إلى رؤية وهمية مشخصة للمعاني. كما أن الرؤية هنا تعني البيان والإظهار والكشف ولا تعني الرؤية بالعين. وكلمة «لن» للتأبيد وليس للتوقيت، للتأييد وليس للتأكيد. ولماذا يكون النفي للمستقبل؟ وكيف لا يدل على منع الجواز ويدل على منع وقوع الجائز، إذ إن معنى الجائز أنه لم يكن واقعًا؟ وتعني الإجابة بالنفي الاستحالة لا الجواز. وهي آية مطلقة يرى الأشاعرة أنها لا تمنع من الخصوص في بعض الأوقات في حين أن الحكم العام في كل الأوقات، والاستثناء لا يكون قاعدة. ولا يُقاس ذلك على أن اليهود لن يتمنوا الموت لأن الموت واقع والرؤية ليست كذلك. ولا يعني الاستقرار في المكان إثبات الرؤية نظرًا لاستقرار الجبل، بل يعني العود إلى العالم، وأن من يريد رؤية الله الثابت العظيم الشامخ الجليل فليرَ الجبل آية منه أو يكون استقرار الجبل محالًا لأنه متحرك إمَّا بدوران الأرض أو بدكه، وبالتالي تعليق الرؤية على شرط محال فتكون محالة. ثم إن موسى قد تاب عن سؤاله بقول: «تُبت إليك.» والتوبة لا تكون إلا من الذنب وهو طلب رؤية الله. كما أن اليهود «أخذتهم الصاعقة» جزاءً على طلب الرؤية، وكأن اليهود هم الذين استدرجوا موسى للطلب، وموسى رغبةً في إيمانهم وجَّه الطلب بدوره إلى الله دون أن يمعن أو يفكر فيه، كما طلب مائدة من السماء من قبل فنزلت لهم. فالرؤية هنا ليست معجزة أو آية أو دليلًا، بل استحالة وذنب وطلب من وعي مجسم مشبه وشعور مادي قاصر عن التنزيه وإدراك المعاني المستقلة. فهو سؤال القوم على لسان موسى وليس سؤال موسى. موسى مجرد مبلغ حتى لا تأتي الإجابة من السلطة مباشرةً وليس من موسى حتى يخف الاعتراض وتزداد درجة القبول، وحتى يثبت لهم بالتجربة استحالة الرؤية بدخول طرف ثالث وليس مجرد بسؤال وإجابة بين طرفين. وقد تخيل القدماء احتمالات أربعة لموسى: الأوَّل هو السؤال عنها بعد العلم بجوازها، وهذا تحصيل حاصل، فمن أين يأتيه العلم قبل السؤال؟ ولا يمكن السؤال إلا عن مجهول. والثاني هو السؤال عنها مع العلم باستحالتها وهو أيضًا تحصيل حاصل، فمن أين يأتيه العلم بالاستحالة؟ وإذا كان يعلم بالجواز أو الاستحالة فلمَ السؤال عنه؟ والثالث هو السؤال عنها وهو شاكٌّ فيها كما شك إبراهيم، ويريد موسى إجابة كي يطمئن قلبه، وهو احتمال وارد، وكانت الإجابة بالاستحالة. والاحتمال الرابع هو السؤال عنها وهو ذاهل العقل لا يفهم شيئًا، وهو متأزم من تعنت قومه، وهذا هو الاغتراب في صورة التجربة الدينية عند موسى وقومه، فكانت لإجابة تصحيح الاغتراب. لم يشأ موسى أن يرد الاغتراب بنفسه حتى يأتي التصحيح من الرب أقوى وأفعل. بالإضافة إلى أن موسى نفسه كان مغتربًا صوفيًّا متأزمًا يود رؤية الله تعويضًا له عن مآسي قومه وعصيانهم له.١١٠ كما أن قصة موسى في مراحل الوحي السابقة وفي ظرف تاريخي خاص لشعب معين، في مرحلة اليهودية والشخصية اليهودية والوعي الحسي اليهودي الذي يطلب الرؤية الحسية والإله الحسي والنعيم الحسي والبرهان الحسي. وهي تورد في مورد التهكم عليهم في إطار تطور مراحل الوحي، ولكن في نهاية الوحي وبعد اكتماله لا يعود الموضوع مطروحًا. فالله لم يعد شخصه بل كلامه، وكلامه لا يُرى بل يُسمَع ويُطبَّق كنظام للعالم.
وهناك حجج نقلية أخرى بعيدة وغير مباشرة تتحدث عن الرؤية في الآخرة لا في الدنيا، وهي لغة مجازية صرفة تعني الرؤية، فيها الرحمة والثواب.١١١ وأي تأويل آخر يحتاج إلى إثبات بدليل أو قرينة.١١٢ أمَّا الأحاديث فإنها روايات يمكن الشك في صحة سندها كما يمكن تأويل متنها. معظمها أخبار آحاد معارضة بغيرها، توجب التشبيه وتعارض الحسي. وهي تُورَد في مورد التهكم عليهم في إطار تطور مراحل الوحي، ومجرى العادات. كما أنها تتضمن الجبر بالإضافة إلى التشبيه وبالتالي تعارض مبدأي التوحيد والعدل. رواتها من فرق المعارضة أو من جماعات الاضطهاد (الخوارج، الشيعة) من أجل تقريب الله لصفوفها في مواجهة تمثل السلطة القائمة لله وتمثيلها له، وبالتالي يكون القصد منها نزع السلاح من أيدي الخصوم، ودخول الرؤية في معارك السلطة والمعارضة.١١٣ تقع الأدلة النقلية كلها إذن في معارك تفسير النصوص، ولا يكون الحل هو حل التعارض بين النصوص، بل إرجاعها إلى مواقفها الاجتماعية والسياسية واستخداماتها في معارك السلطة والمعارضة. وما أسهل الاعتماد على الدليل الشرعي في مجتمع الشرع فيه سلطة وعلى النقل والرواية وأهل السنة هم الرواة، والفِرَق هم أهل الأهواء الذين لا تقبل رواياتهم ولا شهاداتهم، وعلى الإجماع على لذة النظر وهم أهل السنة والجماعة، والفِرَق أهل الكفر والضلال، وعلى قرائن أحوال الرسول، وكلهم إلى رسول الله منتسب، وعلى قول الصحابي وهو صاحب السلطة وقريب السلطان، مع أن قوله ليس مصدرًا للتشريع، والأولى ألا يكون مصدرًا للعقيدة.١١٤ والحقيقة أن آيات الرؤية في أصل الوحي لا تشير إلا إلى رؤية الأشياء الحسية أو رؤية ظواهر الطبيعة كآيات الله، وتبين حدود الرؤية الإنسانية وخداع الحواس وأن الله لا يكون موضوعًا للرؤية بل هو شرط الرؤية للأشياء. فهو ذات وليس موضوعًا، شرط وليس مشروطًا، يرى ولا يُرى.١١٥
أمَّا الحجج العقلية، فمنها حجج جدلية، مثلًا: إذا كان الله يجعل الأشياء لنا مرئية، فليس من المعقول ألا يكون هو مرئيًّا من نفسه أو مِنَّا.١١٦ وتعتمد الحجة على أن الله شرط الرؤية كما يبدو ذلك من بعض الآيات. والحقيقة أن هذه الحجة تخلط بين الذات والموضوع. فالله ذات رائية وليس موضوعًا مرئيًّا، ويتعامل مع ذات رائية، ممكِّنًا إياها من الرؤية، فلا يتحول إلى موضوع لرؤيتها. كما أنها ليست الرؤية الغالبة. فالغالب أنَّا نرى الأشياء بأنفسنا. والله ليس موضوعًا منقسمًا على نفسه، مرة ذاتًا ومرة موضوعًا. وقد تُصاغ هذه الحجة الأولى بطريقة أخرى فيُقال: إذا كان الباري رائيًا لذاته وجب أن يراه غيره، وهذا في الحقيقة تصور للقسمة في الله وتحويله إلى ذات وموضوع، والله لا قسمة فيه. كما أن رؤية الذات لذاتها لا تعني بالضرورة رؤية الغير لها. فالإنسان لا يرى ذاته ولا ذات غيره، فالأولى ألا يرى ذات الله. الذات الخالصة لا تُرى إلا من خلال الجسم، والله لا جسم له. والله ليس رائيًا لذاته؛ لأن ذاك يحتاج إلى أن ينقسم إلى ذات وموضوع كما قال الحكماء: عقل، وعاقل، ومعقول. على أقصى تقدير يمكن رؤية ذات لذات أخرى عن طريق الغوص في شعور الآخر كما هو الحال بين الصديقين أو الحبيبين، أو بين الصوفي والله. ولكن الرؤية في هذه الحالة عن طريق الاتحاد وليس عن طريق المقابلة، كما أنها ليست رؤية بصرية بل اتحاد بالشعور. وقد تُصاغ الحجة على نحو ثالث فيُقال: إذا كان الله رائيًا لغيره، فيجب أن يرى نفسه. والحقيقة أن رؤية الذات للغير لا تعني بالضرورة رؤية الغير للذات. وحتى إذا كان الله رائيًا لنفسه، فإنه لا يمكن للغير أن يراه، إذ إن الشعور الجسمي غير قادر على رؤية الشعور الخالص نظرًا لاختلاف مستويات الخالص. وهي في النهاية حجة قائمة على التمثيل. وهي مجرد افتراض نظري راجع إلى عمليات الشعور. فتصور الله رائيًا للأشياء ولنفسه تشخيص لعمليات التأليه. وإعطاء المؤلَّه القدرة على أن يرينا الأشياء تفخيم وتعظيم. والقياس باطل، «ما دام الله رائيًا للأشياء فالأولى أن يكون موضوعًا للرؤية»؛ لأن الذات لا تتحول إلى موضوع. وإحالة موضوع الرؤية إلى موضوع القدرة هو إحالة العقل إلى السلطة.
والحجة الثانية أننا ما دمنا نرى الأعراض، فإننا نرى الجواهر بالضرورة.١١٧ والحقيقة أن هذه الحجة ترى أن صلة العالم بالله صلة الأعراض بالجواهر، في حين أن الله جوهر مفارق على ما يقول الحكماء والأصوليون المتأخرون طبقًا لنظرية الوجود.١١٨ والأقرب أن تكون الصلة هي صلة الدال بالدلالة أو بالآية المدلول حيث يكون التمييز بين المستويين قائمًا. وطبقًا للشاهد لا ترى إلا الأعراض، والجوهر مجرد افتراض يفسر تكثر الأعراض بافتراض وحدة الجوهر. الجسم لا يُرى. وما يُرى هو الامتداد أو الثقل، وكلاهما عرض. الجسم امتداد وحركة، وهما موضوعان عقليان خالصان كما هو الحال عند الحكماء.
والحجة الثالثة أن كل موجود يُرى، وما دام الله موجودًا فإنه يُرى. والحقيقة أن الوجود ليس هي الواقعة الحسية حتى تكون مرئية، بل قد يكون الموجود هو المعنى أو الماهية أو الشعور الخالص. ولماذا يكون القياس عامًّا وشاملًا؟ وما العلة في التخصيص بالرؤية؟ وقد تأخذ الحجة صورة لاهوتية منطقية لإثبات الرؤية، ولكن العقل الصريح وتحليل عمليات الشعور يكفيان لبيان نشأة المشكلة في الشعور. فالمقدمة الأولى «لا يوجد موجود إلا وجائز أن يرينا الله» غير صحيحة؛ لأن الله لا يُرينا ذاته. وهناك كثير من الموجودات لا يُرينا الله إياها. كما أن الرؤية في الغالب لا تتم بفعل إلهي، بل بحاسة بشرية أو بحدس إنساني أي بوسائل المعرفة الحسية دون إحالتها إلى القدرة الإلهية. والله موجود، ولا يعني ذلك أنه موضوع للرؤية، فلفظ موجود لفظ اشتباهي يعني الوجود الحسي كما يعني الوجود العقلي. كما أن المقدمة الكبرى تتضمن النتيجة سلفًا، وبالتالي فالحجة لا تتجاوز الجدل العقيم.١١٩ تتضمَّن الحجة، وهي حجة الأشعري، خلطًا في معنى الوجود، فليس كل وجود يُرى. هناك وجود الأفكار والمُثُل والغايات والأهداف، وهناك وجود الروح، ومنها وجود الله غير المتعين. وهو ما يقوله الأشاعرة أنفسهم في أن واجب الوجود غير ممكن الوجود، وأن وجود القديم غير وجود الحادث مما يدل على غياب اتساق مذهب الأشعرية مع نفسه. لذلك يثبت الأشعري الرؤية عن طريق القياس ومع ذلك ينفي أوجه التشابه بين الله موضوع الرؤية والشيء الموجود والحادث. فما المقياس؟ وفيمَ يقع القياس وفيمَ لا يقع؟ وبالتالي يكون اعتراض المعتزلة قائمًا، وهو: ما السبب إذن في الاختلاف بين الذوات؟١٢٠
والحجة الرابعة جدلية خالصة تقوم على أن النفي إثبات؛ لأن كل نفي نفي لشيء، ولا يمكن نفي شيء إلا إذا كان موجودًا ومثبتًا من قبل. وبالتالي فإن نفي الرؤية يعني إثباتها. فنفي الشيء يعني أنه موجود أوَّلًا ومنفيٌّ ثانيًا.١٢١ والحقيقة أن النفي يمكن أن يكون للمعدوم وليس فقط للموجود. كما أن النفي ليس إثباتًا، بل إن الإثبات هو نفي النفي.
وهناك حجج أخرى خطابية عامة، مثل أن الرؤية لا تؤدي إلى حدوث أو تشبيه بالضرورة، وهذا نقل الفرع إلى الأصل، فالرؤية فرع التشبيه. والحقيقة أن إثبات الرؤية إثبات للتشبيه، فلا وجود لشيء اسمه رؤية بلا كيف؛ لأن الرؤية بالضرورة كيف، والكيف بالضرورة وقوع في التشبيه. أو أن يُقال: كان الرسول ينظر إلى جبريل ويسمع كلامه، ومحل الله مثل جبريل. ويبدو أن الأدلة كلها هي قياس الغائب على الشاهد. تتراوح بين الجدل والخطابة وينقصها البرهان.١٢٢

ولا يعني بالضرورة افتراض الإدراك بالبصر الرؤية، فقد تعين العين على الجسم المرئي ولا تتم الرؤية. وقد يتجه الحدس إلى المعنى وتتم الرؤية. فالرؤية لا تعني بالضرورة وجود العين والجسم. وقد توجد العين ويوجد الجسم ولا تتم الرؤية، بل يحدث مجرد انطباع حسي غير مدرك وانتقال صورة الجسم في العين إذا لم يكن الوعي منتبهًا حتى يتم الإدراك. وهذا هو معنى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ. ولا يمكن أن يكون المعنى جسمًا، بل يظهر المعنى في تجربة حية في الشعور. قد تكون له حوامل واقعية، وهي التجارب والمواقف، ولكن يظل المعنى مستقلًّا عنها، أشبه بدلالة مستقلة أو ماهية، وهي تعادل الواقع الشعوري. ومِنْ ثَمَّ ليس التنزيه شيئًا مرئيًّا، بل هو معنى أو عملية إدراك المعاني واستبصارها والبحث عن الدلالات الأخيرة. ووجه التمدح هو كون المعاني دلالات وليست وقائع محسوسة؛ لأن الوقائع المحسوسة ثبوت وسكون، والتنزيه تعالٍ ومفارقة مستمرة، والتوجه إلى ما هو أبعد. ولما كانت المرئيات ليست وقائع، فكل براهين إثبات الرؤية القائمة على إثبات وجود المرئي لا تؤدي إلى إثبات شيء. ولما كان وجود الإله ليس وجودًا حسيًّا ماديًّا مُعيَّنًا في المكان والزمان، ولكنه وجود معنوي، كان الخطأ في التفسير أساسًا أن تتحول النصوص إلى أحكام وقائع وليس إلى أحكام ماهيات. ولو كان الإله مرئيًّا لما اختلفت آخر مراحل التوحيد عن أوائله، ولأعلن التوحيد فشله أمام المساواة بين الوجود والرؤية أو الوجود والحسية المادية كما كان الحال في مراحل التوحيد السابقة. فقد كان صراع التوحيد مع إثبات وجود المعاني، والكشف عن بناء الشعور، وإعطائه القدرة على التنزيه، أي التعالي المستمر. كان السؤال ممكنًا في مراحل الوحي السابقة، ولكن بعد اكتمال الوحي واستقلال الشعور يصبح مستحيلًا. بل إنه في مراحل الوحي الأولى كانت الرؤية مستحيلة، وكان الممكن هو التجلي أو الظهور كما تجلى الله للجبل كأحد المعجزات، تجلي الذات، بالإضافة إلى ظهور الأفعال فيصعق الجبل. هذا في الوقت الذي كانت فيه المعجزة برهانًا على صدق النبي وعلى وجود الله. أمَّا في آخر مراحل الوحي، فلم تعد المعجزة برهانًا: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ (١٧: ٥٩). وأصبح العقل قادرًا على الوصول إلى الحق، والإرادة قادرة على تحقيق الفعل.

(٤-٢) هل يمكن إثبات الرؤية الذاتية؟

وهي محاولة لإثبات الرؤية دون وقوع في التجسيم أو التشبيه بالتجاوز عن شروط الرؤية من مسافة ومقابلة وشعاع وملامسة، ومِنْ ثَمَّ تنتفي الرؤية الموضوعية، وينتفي خطر تحويل الله من ذات إلى موضوع.

فالرؤية باطنية كشفية داخلية ينعم بها المؤمنون وحدهم دون الكافرين في هذه الدنيا. والحقيقة أن هذا هروب من الموضوعية إلى الذاتية وترك الذاتية بلا أحكام أو منطق، فتصبح ذاتية فارغة. كما أن هذه القسمة أمر سابق لأوانه، إذ إنها لا تتحدد إلا في الحكم النهائي في اليوم الآخر. كما تفسح المجال للأنانية والغرور، إذ قد يدعي كل فرد لنفسه الإيمان ويتهم الآخرين بالكفر. وما دامت الرؤية ذاتية ينتفي منها صفة الموضوعية، وبالتالي يمكن للمسيحي أن يرى مريم العذراء والسيد المسيح طبقًا لإيمانه ولا يراها سواه، مما يطلق العنان للخيالات والأوهام. كما ينتفي منها الشمول والموضوعية وأي مقياس للصدق أو اليقين.١٢٣ ولما كان الأنبياء نموذج المؤمنين، كانوا أقدر الناس على رؤية الله. والحقيقة أن هذا إعطاء للأنبياء دورًا أكثر مما لهم. فالنبي ما هو إلا رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يوحى إليه ليبلغ الرسالة وليس له أية درجة فوق درجة البشر.١٢٤
وقد تكون الرؤية على قدر الأعمال. فالعمل الصالح يساعد الشعور في الرؤية، والممارسة نوع من العلم.١٢٥ والحقيقة أنه حتى في هذه الحالة تختلف الرؤية من فرد إلى فرد باختلاف درجات الأعمال، وتكون رؤية ذاتية خالصة. وكيف يكون موضوع الرؤية متفاوتًا في الدرجة طبقًا للأعمال؟ ماذا يساوي نصف عمل أو عمل كامل في الرؤية؟ هل تنقسم الرؤية إلى درجات طبقًا للأعمال، رؤية قوية وأخرى ضعيفة، وبالتالي لا يكون للكافرين رؤية؟ وماذا عن صاحب الأعمال الصالحة دون إيمان أو إقرار؟ وهذا في الحقيقة إحالة لموضوع الرؤية إلى موضوع النظر والعمل.١٢٦ وهل ما يُرى هو ذات الله أم القدرة على الثقة بالنفس والعلم والبصيرة بالأشياء والوعي بالعالم والدراية بالكون؟ وماذا عن المغفرة؟ أليس هذا ادعاء وغرور من المؤمنين؟ كل مِنَّا يدعي الإيمان ويتهم الآخر بالكفر. أليس الإيمان والكفر نتيجة للعمل الصالح ومشروطين به؟ فالرؤية بهذا المعنى تتم للشعور اليقظ وليس الغافل، وللشعور الباطن بالتقوى وليس بالمظاهر الخارجية. ليس المفر إذن من افتراض الرؤية في الآخرة بعد أن ينكشف كل شيء ويعلم حقيقة المؤمن من الكافر.

فإن لم تتم الرؤية للجميع دون التمييز بين مؤمن وكافر، فإنها تتم للأخيار وحدهم في الدنيا والآخرة. فالرؤية على قدر الأعمال، العمل الصالح يساعد الشعور على الرؤية، والعلم يأتي من الممارسة. وهنا تكون الرؤية ذاتية خالصة، تحدث للبعض دون البعض الآخر. والرؤية الذاتية قد تكون مجرد إسقاط نفسي أو تركيز القلب كي يخلق موضوعه أو نوعًا من الهلوسة. في حين أن غير المؤمنين قد يكون لهم شعور محايد لا يرون المعبود لحياد شعورهم وسلامته من كل انفعالات، وهو الشعور الذي لا يرى إلا ما هو موجود في الواقع. لذلك جعل الأصوليون وعلماء الحديث حياد الشعور من شروط موضوعية الرواية التي من أجلها تم استبعاد رواية أهل الأهواء ومنهم المتكلمون. وكان الإسلام أحد شروط حياد الراوي في أخبار الآحاد لأنه مضاد للهوى.

وقد تحدث الرؤية في وقت معين دون وقت طبقًا لحالات الفرد النفسية ودرجة تقواه ولحظته الصادقة المتميزة. وهي في الحقيقة لحظات الإبداع ورؤية الحقائق وليس رؤية الله كموضوع.١٢٧
وقد تحدث الرؤية في حالة النوم دون اليقظة، إذ يستحيل في اليقظة بمعنى مواجهة الحس لموضوع الرؤية.١٢٨ والحقيقة أن ما يحدث في النوم هو رؤيا وليس رؤية، وحلم وليس إبصارًا، وأدخل في تحليل مضمون الوعي والحالات النفسية منه في تحليل الحواس وموضوع الإدراك. تستحيل الرؤية الحسية في النوم نظرًا لعدم توفر شروط الإدراك من وجود حاسة على صلة بموضوع وتوفر وعي يجعل الإدراك الحسي ممكنًا. قد تكون الرؤية في هذه الحالة هي الحدس الذي يرى مضمون الشعور في حالة اليقظة وليست رؤية العين لموضوع مادي. وتكون اليقظة عند الصحو وليس عند النوم وإلا كانت الأحلام رؤية. والفرق بين الرؤية والحلم هو الفرق بين اليقين والظن، بين الإدراك المباشر وبين التأويل. بل إن الحلم منه ما قد يكون صادقًا، ومنه ما قد يكون أضغاث أحلام. وكيف يمكن تفسير الأحلام وتأويلها؟ إن لم تتم الرؤية في حال اليقظة فإنها لا تتم في حال النوم حيث تغيب الرقابة. أمَّا تفسير الأحلام فموضوعه تحليل اللاشعور ومعرفة الرغبات المكبوتة والمتمناة التي لم تتحقق بعد.
وقد يتم التحايل لإثبات الرؤية بعدة افتراضات حول كيفية الرؤية. مثلًا: لا تكون الرؤية بالتحديق وإمعان النظر، بل رؤية عادية على نحو معين.١٢٩ وهو افتراض يقوم على نفي المشابهة بين رؤية الله ورؤية أي موضوع آخر، مجرد نفي دون إثبات. قد تكون الرؤية بالتحديق وإمعان النظر، وقد لا تحتاج إلى تحديق وتكون مجرد رؤية عادية. والتحديق مغالاة في الرؤية وتعبير عن الدهشة كما يحدث في العالم من اتساع الحدقة حين رؤية الموضوع غير العادي. وقد تتم الرؤية بعد تهيؤ العين للإدراك، فالحواس لا تعمل إلا من خلال الشعور. وقبل هذا الإعداد لا تحدث الرؤية، فالرؤية البصرية بلا إدراك مجرد انطباع حسي ينقصه الوعي حتى يتحول إلى إدراك. وهذا هو سبب التفرقة بين الإبصار والإدراك. فإذا كانت الرؤية بالإبصار ممكنة، فإن الإدراك بالإبصار غير ممكن. الإبصار حس في حين أن الإدراك يتجاوز الحس إلى شرطه وهو الوعي أو الانتباه أو اليقظة. وهي التفرقة التي تحاول الجمع بين الحواس الظاهرة والباطنة، فالرؤية تتم بالعين ولكن الإدراك أي الوعي بالشيء يتم برؤية الشعور للماهيات وإدراكه للمعاني.١٣٠ وقد تتم الرؤية بتغير في موضوع الرؤية ذاته وتشكله في صورة أخرى حتى يمكن للعين رؤيته. وهذا في الحقيقة احتيال من الله وإظهار نفسه على غير صورته أو تقلب وتغير، وهو ما يستحيل على الله. كما أن رؤية صورة الله ليست رؤية لذاته. وهو أقرب إلى القول المسيحي، وكما هو معروف في تاريخ الأديان، أديان الوحي أو ديانات الطبيعة بأسماء التجلي والتشكل والتناسخ وظهور الله في صور شتى على ما يقول أصحاب التناسخ والحلول والمجسمة بوجه عام.١٣١
فإذا ما استعصى التحايل على وظيفة العين أو على موضوع الرؤية يفترض وجود حاسة خاصة تتم بها وهي الحاسة السادسة! وهي ليست العين المجردة، بل أقرب إلى القلب أو الشعور. وقد تكون إحدى وظائف الشعور الباطنة. وليس السؤال كما وضعه القدماء هو قدرة الله على خلق حاسة سادسة، فذلك تحويل لموضوع الرؤية إلى موضوع القدرة، إنما عن كيفية الرؤية. فكون المؤلَّه قادرًا على أن يرى نفسه لعباده لجوء إلى افتراض القدرة، واعتماد على برهان السلطة والعظمة وليس افتراضًا عقليًّا. إنه افتراض شعوري خالص ناتج عن عواطف التأليه للإجابة على مشكلة واقعية هي موضوع الرؤية. وفي الحقيقة أن الحاسة السادسة هي الحدس الذي به تتم رؤية الماهيات في الشعور. فالشعور ليس مجموعة من الحدوس الظاهرة والباطنة، بل هو موطن الحدس، هو الذات العارفة أو الوجود الإنساني من حيث هو ذات عارفة، وهو ليس حاسة سادسة لها مركز ووظيفة ومحل، بل هو الشعور الواعي اليقظ. ويقترب هذا الحديث مما يقوله الصوفية عن العين الباطنة. ويكون السؤال: ما الدليل على وجودها؟ ما مقياس صدقها ومعيار صحتها؟ وكيف تتم بها الرؤية في الآخرة ولم تتم بها في الدنيا؟ إنها مجرد حاسة فاضلة شريفة تتفق مع جلال الموضوع وشرفه. الحاسة السادسة أفضل وأعلى من الحواس الخمس العادية، ومتسقة مع علو الموضوع وشرفه. هو مجرد افتراض محض عن طريق التمني والحصول على مكاسب بمجرد تخيل الوسائل.١٣٢
فإذا كانت رؤية الله في الدنيا عليها خلاف بين أهل السنة، فإن رؤيته في الآخرة عليها اتفاق نظرًا لسهولة الإجماع عليها نظرًا لغياب الدليل، ولأن الآخرة طبقًا للشعور تسمح بإمكانيات أكثر مما تسمح به الدنيا، فالعلاقة بينهما علاقة اللانهائي بالنهائي. فهو مرئي يوم القيامة من غير موازاة ومقابلة ومواجهة ودون شعاع خارج أو داخل. رؤية قلبية أكثر منها عينية. وقد تحدث الرؤية من جانب الموضوع، أي الله عندما ينكشف لعباده المؤمنين في الآخرة انكشافًا تامًّا من غير ارتسام صورة المرئي في العين أو اتصال شعاع خارج من العين إلى المرئي. فالرؤية لا تكون بالعين إطلاقًا لما كانت العين لا تقوى على النظر إلى الشمس في الدنيا، ولكنها قادرة على ذلك في الآخرة.١٣٣ والحقيقة أن هذا تحايل على الموضوع وإدراك لصعوبة الرؤية في الدنيا وخوف من نفيها، وبالتالي لا يبقى إلا إثباتها في الآخرة التي يسهل افتراض كل شيء فيها، إذ لا يعلم أحد عنها شيئًا، وليست موضوعًا للحس أو العقل، ولا نعلم عنها شيئًا إلا بالخبر، والخبر دليل ظني طبقًا لنظرية العلم. ومع ذلك فالآخرة شعوريًّا تعويض عن الدنيا، ورغبة في الاستمرار في الحياة بعد الانقطاع بالموت، وكشف العالم طبقًا لقوانين العدل. فالآخرة ليست مكانًا أو زمانًا موضوعيًّا بل عالم التمني عندما لا يتحقق بالفعل. يختلط فيها المكان بالزمان، فيتصور المكان خارج العالم ثم يوضع في الزمان. وهو عالم شعوري كما لاحظ الحكماء والصوفية يعبر عن حالات ذهنية أو نفسية تهدف إلى التأثير في سلوك الناس وليس عالمًا ماديًّا موجودًا بالفعل. ويبدو هذا الخلط في إثبات الرؤية في الآخرة ليلة الإسراء والمعراج، مع أنها ليلة في الدنيا مما ينفي الرؤية في الدنيا. وإذا كان لا بد من إثبات الرؤية فأيهما أفضل، إثباتها في الدنيا أم في الآخرة؟ إثباتها في الدنيا قد يعلم عنها ويخبر بها ويستفاد منها في حياة الناس، أمَّا إثباتها في الآخرة بعد انتهاء الوقت وبعد الامتحان فلا يفيد أحدًا. اللهم إلا إذا كان جزاءً للمؤمنين، نعيمًا ولذةً، مكافأةً لأهل الجنة، وبالتالي تثبيت الرؤية بناءً على أخلاق الثواب والعقاب، ومكافأة حسية تدل على حرمان وكبت وتعويض واهم عن مساوئ النظر في الدنيا. والرؤية القلبية في النهاية هي تأويل يتحاشى كيفية الرؤية كما يتحاشى إثبات الرؤية ونفي الكيفية حتى لا يُثبت الشيء ويُنفى في وقت واحد، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، مثل جسم لا كالأجسام، وشيء لا كالأشياء، تحصيل حاصل، إقدام وإحجام، «محلك سر»، مثل عبارات السياسيين والقادة التي لا تقول شيئًا: «نحن لم ننتصر ولم ننهزم.»
والأدلة النقلية لإثبات الرؤية في الآخرة هي نفس الأدلة على إثبات الرؤية بوجه عام، سواء من القرآن أو من الحديث أو الإجماع.١٣٤ فآيات القرآن لا تعني الرؤية بل النظر والاعتبار والتفكر أو تحقيق الغاية. والأحاديث آحاد معارضة بأحاديث أخرى. والإجماع له حدود في علم الأصول.
أمَّا الأدلة العقلية فهي معتمدة أيضًا على الأدلة النقلية تفسيرًا وتأويلًا واستنباطًا. فسؤال موسى لا يعني فقط إمكانية الرؤية، ولكنه أيضًا يفيد الاستحالة بدليل الرد الحاسم بالنفي. والسؤال وإن بدا في ظاهره شرعيًّا إلا أنه في الحقيقة لا شرعي يدل على اغتراب الإنسان، والقصد منه أن يرد الإنسان إلى وضعه الطبيعي كموجود في العالم، ويكشف إمكانياته وموضوعاته ووجوده وسط الأشياء. كما أن تعليق الرؤية باستقرار الجبل، والجبل مستقر، إحالة إلى الجبل، أي إلى العالم الطبيعي وإلى الكون بدلًا من الخروج عنه والذهاب إلى ما ورائه. كما أنه إثبات للسكون والثبات وأن تتحول النظرة من خارج العالم إلى داخله. وتستحيل الرؤية الحسية نظرًا لحاجتها إلى المكان والجهة والطول والعرض والعمق، وهي كلها من صفات الحدوث. كما أن الهدف من الاستحقاق ليس هو الجنة بالضرورة ونعيمها ولذة الرؤية إلى الله، وإلا كانت رؤية الله مثل نكاح الحور العين والأنهار التي من عسل مصفى والتين والزيتون والرمان. تعالى الله عن هذا الوصف وعن هذا المستوى من الموضوعات. وقد تكون رؤية الأنبياء، لو صحت، حالة خاصة، وليست حالة عامة، ومع ذلك فالأنبياء بشر، والله واحد، وما ينطبق على البشر في الرؤية ينطبق على الأنبياء. واختصاص الأنبياء في الوحي في التشريع وحده (تحريم الزواج من زوجات النبي) وليس في أمور العقائد. والصديقيون مثل الصوفية، ينطبق عليهم ما ينطبق على الأنبياء وعامة الناس في الرؤية، أي لا اختصاص لهم في ولاية أو كشف أو رؤية. وكيف تكون الرؤية جائزة في الجنان عقلًا وموضوع المعاد نفسه موضوع سمعي؟ وكيف تكون جائزة عقلًا تحقيقًا لوعد الله، والوعد والوعيد أيضًا من أمور المعاد وهي من الأمور السمعية؟١٣٥ ولا يمكن القطع في موضوع سمعي. كما أن اعتبار الرؤية مكافأة يقوم على أخلاق الثواب والعقاب وليس على أخلاق الحسن والقبح لذاتهما. ومِنْ ثَمَّ يكون موضوع الرؤية أدخل في الأخلاق التجارية المادية الحسية.
وقد اتفق الصوفية مع الأشعرية على إثبات هذه الرؤية الذاتية مما يدل على أن الموضوع أيضًا موضوع صوفي وليس فقط موضوعًا عقائديًّا.١٣٦ فالرؤية بمعنى الانكشاف يوم القيامة علم ضروري، وكل من ينكره ينكر الرؤية. الرؤية بالقلب تبدأ بالحس ويحفظها التخيل ثم تنتقل إلى التصور. التخيل والتصور إدراك ورتبة أعلى من الحس في الوضوح والكشف وكمال النفس. ولما كان ذات الله وصفاته لا يُدرَك بالحس فإنه يُدرَك بالخيال والتصور مباشرةً. ولا يتم ذلك والنفس في شغل البدن وكدورة صفاته محجوبة عنه. الشاغل والكدر مانعان للرؤية، والتصفية والتنقية شرط لها. يتم إثبات الرؤية إذن إمَّا بإثبات الصفات كما هو الحال عند الأشاعرة أو بالتأويل الحرفي للنصوص كما هو الحال عند المشبهة والحشوية وبعض الفقهاء أو بالتجسيم كما هو الحال عند المجسمة، أو بالرؤية الباطنية كما هو الحال عند الصوفية.

إثبات الرؤية في الآخرة إذن تركيب خطأين أحدهما على الآخر. فالرؤية ليست الإدراك الحسي والموضوع ليس الموضوع الحسي. والرؤية تتم في هذا العالم وليس في عالم آخر لا ندري عنه شيئًا إلا عن طريق النقل، والنقل ظن. الخطأ الأوَّل تأكيد مادي، والثاني افتراض وهمي. والمادة والوهم نقيضان يلتقي أحدهما بالآخر كما يلتقي كل طرفين.

(٤-٣) نفي الرؤية الموضوعية

لما كان إثبات الرؤية الذاتية خطوة نحو نفي الرؤية الموضوعية عن طريق قلب النظرة من الخارج إلى الداخل، ومن الإبصار إلى الإدراك، ومن رؤية العين إلى رؤية القلب، فإن نفي الرؤية الموضوعية هو الخطوة النهائية للقضاء على جسمية الله وتصوره كموضوع حسي للرؤية. في حين أن الجدل يجعل نفي الرؤية الموضوعية نقيض إثباتها وأن إثبات الرؤية الذاتية هو مركب الدعوى ونقيضها.١٣٧
ويقوم نفي الرؤية الموضوعية كذلك على السمع والعقل، وبالتالي لا يصبح إثباتها أولى من نفيها وتتعادل القضية.١٣٨ وبقدر اعتماد الإثبات على الحجج النقلية يعتمد النفي على الحجج العقلية. وإذا كان الإثبات يعتمد على الحجج النقلية أكثر من اعتماده على الحجج العقلية، فإن النفي يعتمد على الحجج العقلية أكثر من اعتماده على الحجج النقلية. وكل فريق أقرب إلى نسقه العام من حيث أولوية النقل على العقل أو أولوية العقل على النقل. فالله عند الفريق الأوَّل يفعل ما يشاء، ورؤيته إرادته، وبالتالي تثبت الرؤية. والله عند الفريق الثاني لا يفعل القبيح، ورؤيته قبح، وبالتالي تستحيل الرؤية.
والحجج النقلية على نفي الرؤية كثيرة، أشهرها: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ إشارةً إلى حدود الرؤية وإمكانياتها واستحالة إدراك النسبي للمطلق إدراكًا عينيًّا مباشرًا على الإطلاق دون استثناء، سواء من حيث وسيلة الرؤية بالقلب أو العين الباطنة مثلًا، أو مكان الرؤية وزمانها (في الدنيا فقط دون الآخرة).١٣٩ وكذلك لَنْ تَرَانِي حتى يرد الإنسان إلى العالم ويقضي على اغترابه. وقد كان موسى مغتربًا، تاركًا العالم، باحثًا عن شيء آخر، مشمئزًّا من عصيان قومه، باحثًا عن الله فوق الجبل وخلف النار، لا فرق في ذلك بين الإبصار والإدراك أو بين الإدراك والرؤية. وكذلك وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، أي أنه ذات وليس موضوعًا، يرى ولا يُرى، يُدرِك ولا يُدرَك، فهو ذات خالص لا ينقسم على نفسه إلى ذات وموضوع، ولا يتحول إلى موضوع.١٤٠ وأيضًا: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ … أي استحالة الرؤية، ليس فقط في وقت الكلام، بل في كل وقت. وكذلك: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ أي استعظام واستنكار طلب الرؤية. وأيضًا: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا واللقاء ليس الرؤية. وهناك روايات أخرى من الحديث ليس نفيها بأفضل من إثباتها، ورواية برواية، ليس أحدهما بأولى من الآخر.١٤١
ولا سبيل لتجنب التجسيم والتشبيه ومواجهة الروايات وحل تعارضها إلا بالتأويل. فقد تعني آيات الرؤية الاعتبار، ولكن الآخرة ليست دار اعتبار. وقد تعني الانتظار، ولكن النظر من الوجه. وقد يعني نظر القلب، ولكنه لا يكون في الجنة. وقد يعني النظر إلى الثواب، والثواب لا يكون إنعامًا بل استحقاقًا. وقد يعني التعاطف والتراحم، وهو ما يستدعي مقابلته بتعاطف وتراحم من الباري. وقد يعني الإنعام إذا كان الوصل باللام (الفَرق بين اللام وإلى). والحرف إلى ليس حرف جر بل مفرد وجمعه آلاء وهي النعم، ومِنْ ثَمَّ تكون الرؤية انتظار النعم بالرغم مما يتطلب ذلك من تقليب الحدقة. وقد تعني التفكر والاستدلال إذا كان الوصل بحرف الجر في. وقد تعني أخيرًا العلم. فالرؤية لا تزيد على مجرد العلم، وتعبير آخر عن الفكرة. وفي معظم اللغات تشتق الفكرة من الرؤية.١٤٢
أمَّا الحجج العقلية فإنها تقوم كلها على أن الله مقدس عن الجهة ومقدس عن المكان ومتعالٍ عن المواجهة، وهو أقرب إلى الاتساق من القول بالرؤية دون اشتراط الجسم والتقابل والشعاع والمماسة والمحاذاة على ما تقول الأشاعرة وهو أقرب إلى تحصيل الحاصل وإثبات الشيء ونفيه في نفس الوقت. ومِنْ ثَمَّ تنتفي الرؤية في كل الأمكنة وفي كل الأوقات، في الدنيا والآخرة؛ لأن النفي حكم عام لا يمكن تخصيصه. تتطلب الرؤية المكان والحيز والجسمية، والله ليس في مكان وغير متحيز وليس جسمًا.١٤٣ لا تجوز عليه الرؤية لأن الرؤية لا تكون إلا للأجسام، وهو ليس بذي جسم. ولا تجوز عليه الرؤية في جميع الأحوال سواء في هذه الدنيا أم في دنيا غيرها، سواء بالعين أم بحاسة سادسة ظاهرة أو باطنية. ولو كان مرئيًّا لرأينا الآن بل وفي الحال، فحجة الواقع أبلغ من أية حجة نظرية.١٤٤
وقد صاغ المعتزلة ذلك كله في عدة أدلة لنفي الرؤية وفي مقدمتها دليلان: دليل المقابلة ودليل الموانع. فدليل المقابلة ينفي كون الرؤية قائمة على عين كعضو وموضوع مادي ومقابلة العين للموضوع. ويقوم الدليل على ثلاث مقدمات: الأولى أن الرؤية بالحواس، والثاني أن الرؤية لا تتم إلا بالمقابلة، والثالثة أن القديم ليس مقابلًا. والمقابلة والانطباع يستلزمان الجسمية. ومِنْ ثَمَّ يؤدي إثبات الرؤية بالضرورة إلى إثبات الجسمية، كما يؤدي نفيها إلى نفي الجسمية؛ لأن الرؤية للعين والمرئي هو المحسوس. فالبصر لا يرى إلا ما كان مقابلًا لأن الإبصار في الشاهد حواس مقابلة وانطباع. فلو كان الله مرئيًّا لكان مقابلًا. ويتضمن دليل المقابلة نفي الجهة والمحاذاة، وهو ما لا يمكن للذات ولا للصفات التي هي عين الذات. يمكن فقط رؤية الأفعال وهي الآيات الكونية ومظاهر الطبيعة من جانب العالم وليس من جانب الذات.١٤٥
أمَّا دليل الموانع فهو الرد على الحجة القائلة بأن الشيء إنما يُرى لما هو عليه في ذاته، والله حاصل لما هو عليه في ذاته، فما المانع أن يُرى؟ والرد على ذلك بأن ما لا يُرى ينقسم إلى ما لا يُرى لمنع أو لاستحالة، والقديم لا يُرى لاستحالة لا لمنع لأنه ليس بمرئي في نفسه وإلا لأمكن رؤية صفاته مثل الحياة والعلم والقدرة. ومع ذلك فإن موانع الرؤية في دليل الموانع عديدة، قد تكون ستة وقد تكون ثمانية، وهي: الحجاب، الرقة، الكثافة، البعد المفرط، كون الرائي من غير جهة محاذاة الرائي وكون محله ينقصه شيء من هذه الأوصاف، سلامة الحاسة، الصغر، القرب المفرط. وكل ذلك يستحيل على الله.١٤٦
والحقيقة أن نفي الرؤية لا يرجع لأمور ترجع إلينا مثل الحواس أو الموانع، بل إلى طبيعة الموضوع، فالذات ليس موضوعًا، ولا يُرى من الإنسان شعوره. فأنا لا أرى شعوري وذاتي، بل أرى جسمي، ولكن أشعر بذاتي كما أشعر بالآخر أو أشعر بالماهية ولا أراها ولكن أوجد في الموقف وأشعر بالتجربة الحاملة للماهيات.١٤٧ وكذلك الله لا يمكن القول إنه يرى ذاته؛ لأنه لا ينقسم على نفسه. تثبت رؤية العين وتنكر رؤية الذات؛ لأن الأولى إثبات لرؤية الأشياء، في حين أن الثانية نفي لتجسيم الذات.١٤٨
ويبدو من تحليل الرؤية أنها الرؤية المحدقية، وصلتها بالعلم وتحليل العين والأشعة، أي أنها إمَّا جزء من تحليل عمل الحواس أو جزء من نظرية الإدراك، وفي النهاية جزء من نظرية المعرفة وليست من الإلهيات، وكأن رؤية الباري هي إحدى نقاط التطبيق من نظرية المعرفة ككل.١٤٩ والخلاف بين إثبات الرؤية ونفيها هو الخلاف أساسًا في المعرفة الحسية، هل هو مجرد انطباع حسي من الخارج إلى الداخل أم أنها مشروطة بالوعي أو الانتباه الداخلي، أي بشعاع مقابل من الداخل إلى الخارج. وقد توصل الفريقان إلى هذه التفرقة بين الإبصار والإدراك أو بين الرؤية والمعرفة. فالرؤية غير الإدراك. قد تكون هناك رؤية دون إدراك، وقد يحدث إدراك دون رؤية. والإدراك غير العلم. قد يكون هناك إدراك دون علم، وقد يقع علم دون إدراك. العلم ليس مرتبطًا بالإدراك بالحاسة بل بالحياة، فالحياة شرط العلم وليست الحاسة. وقد يكون الإدراك بحاسة وقد لا يكون. فالحدس لا حاسة له، والشعور ليس له حاسة ولا آلة ولا حالًا بآلة.١٥٠ لا يتولد الإدراك من فعل خارجي فحسب، بل قد يتولد من أفعال الشعور الداخلية، مثل رؤية ترابط المعاني واستنباط معانٍ جديدة.١٥١ لا يتم الإدراك إلا بشعاع من المرئي إلى العين يقابله شعاع آخر من العين إلى المرئي وهو الانتباه والوعي أو الاهتمام أو القصد. الأوَّل انطباع حسي خالص والثاني إدراك ورؤية.١٥٢ فالوجود ليس هو شرط الرؤية الوحيد، بل وجود الرائي الذي ترجع له اختلافات الرؤية.١٥٣ وتعليق الرؤية بآلة تأكيد على نفي رؤية العين، ولكنه ليس نفيًا لرؤية الماهيات، ليس فقط إحاطة بها، بل إدراكًا لها. فالماهيات ليست امتدادًا حتى يمكن الإحاطة بها، بل تقوم بتوجيه الشعور إلى منطقة حقيقية وإلى لب الأشياء. الخطأ هو وضع المعاني على مستوى الأشياء وتحويل الماهيات إلى وقائع، وفقد الشعور لموضوعه وتحويله من شعور مليء إلى شعور خاوٍ. الخطأ هو قلب الماهيات والقضاء على كل صفات الماهية من شمول وعموم ومعيارية. لا تعني الرؤية تقليب الحدقة طبقًا لبُعد العين عن الموضوع، بل تعني إعمال الشعور أو النظر في مضمونه، أي محاولة الإيضاح والاستبصار. فالرؤية ليست معطاة سلفًا، بل هي عملية توضيح.١٥٤ ولا ينفي خداع الحواس المعرفة الحسية، فالشعور قادر على تجاوز هذا الخداع، ويمكن تفسيره عمليًّا بتحليل عمل الحواس وشروطها وموانعها.١٥٥ فالحس ذاته مشروط بعوامل لا حسية مثل وعي الشعور ويقظته وانتباهه واهتمامه تأكيدًا للفَرق بين الانطباع الحسي والإدراك الحسي. فقد يحدث الانطباع دون الإدراك، وقد يحدث الإدراك دون الانطباع عن طريق الحدس العقلي.١٥٦ إن الحس والمشاهدة قادران على إعطاء تجارب حية تكشف عن المعنى والقانون والماهية. وتتم الرؤية في الزمان الشعوري وليس في الزمان المكاني، وليس بالضرورة في الآن دون استرجاع الماضي أو استباق المستقبل، وما دامت الرؤية ممكنة بعد أن توفرت شروطها في الرائي لعدم استمرارها.١٥٧ الرؤية إذن اقرب إلى رؤية العلم، أي رؤية الشيء في الشعور بعد العلم به دون ما حس أو شعاع أو عين أو موضوع، رؤية يشعر بها الإنسان في قلبه كحالة شعورية لموضوع شعوري، هي رؤية الكشف العلمي، رؤية الموضوع في الشعور أو حدس الماهيات.
موضوع الرؤية إذن مرتبط بنظرية العلم ووسائل المعرفة: هل تتم معرفة الشيء بآثاره أم بذاته أم برؤيته رؤية العين؟ وهو ما يماثل درجات المعرفة عند الصوفية، المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة القلبية، علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، وهي المعرفة التي استمد منها الفلاسفة أيضًا أنواع المعارف العقلية.١٥٨ ومما لا شك فيه أن المعرفة من النوع الأوَّل يتفق عليها الناس جميعًا. أمَّا المعرفة من النوع الثاني فعليها خلاف، وهو العلم بذات الله، والعلم بذات الله مستحيل، والعلم بآثاره هو الممكن. أمَّا النوع الثالث، رؤية الله، فهو مستحيل أيضًا لأن الله ليس موضوعًا للرؤية كما أنه ليس موضوعًا للعلم. إنما العلم موضوعه كلام الله، أي الوحي كقصد نحو العالم وكنظام له، فإذا كان النوع الثاني مستحيلًا فالأول والثالث ممكن. العلم بذات الله مستحيل، ومعرفة آثاره الطبيعية ونظمه الاجتماعية والسياسية ممكنة. ليس في إثبات الرؤية كموضوع أي مدح أو تعظيم أو ثناء عليه، بل يعني مجرد الكشف عن الذات الخالص وأخص ما يميزه وهو التعالي، وأنه من عالم المعاني وليس من عالم الأشياء. المدح ليس للذات أو لأفعالها، بل هو تمثل قيمة التعالي في الشعور.١٥٩ وتحليل الرؤية تحليلًا علميًّا يمنع من خلق الأوهام وبناء الأساطير، وهو كله مخالف للواقع، ولا يوجد حل وسط بين الواقع والوهم. فإمَّا أن يرى الإنسان أو لا يرى، وليس هناك شيء لا يراه الإنسان أو أن يرى الإنسان لا شيء. ذلك هو كمال العقل، أمَّا العلم فإنه يجوز فيه الخفي والجلي وتلك مهمة الإيضاح. يزداد يقين الإدراك بالجماعة، أي بالإدراك الجماعي والاتفاق في الرؤية، وذلك هو أحد مقاييس موضوعيتها. وكل حكم على الغائب فإنه يقوم بالضرورة على قياس الغائب على الشاهد والتعميم بالقياس وهو أساس الفكر الديني.١٦٠ ولما كانت اللغة أساسًا هي المعنى، فإذا تعارضت مع المعنى فالأولوية للمعنى. ولكن نظرًا لا تُعارض اللغة المعنى، وأن التحليل اللغوي لا يعارض التحليل العقلي. فإذا أعطت اللغة معنيين وأعطى العقل معنًى واحدًا، فإنه يؤخذ من معنى اللغة المعنى المتفق مع ما أعطاه العقل. وإذا استحال اتفاق اللغة مع المعنى أصبحت اللغة مجازًا. والمجاز ليس خروجًا على اللغة، بل هو من طبيعتها. المجاز حلقة الاتصال بين اللغة والعقل. إن وسيلة التعرف على الله العقل والوجدان وليس العين والمشاهدة؛ لأن الله لا يُرى إلا بوسائل المعرفة على ما هو معروف في نظرية العلم، والمحسوسات أولى مراحل المعرفة بالإضافة إلى الوجدانيات والمعقولات والمتواترات. والله ليس شخصًا أو ذاتًا أو موضوعًا ثابتًا، بل حياة وحركة ونشاط. وإذا قيل إن النظر هو الانتظار، فمعناه توجه الشعور نحو شيء دون تحديد للشيء. كل شعور يتجه نحو شيء. بنية الشعور أنها تؤشر نحو شيء وتنطلق نحو شيء دون أن يكون هذا الشيء واقعة حسية في العالم الخارجي. ولا فَرق بين المجسمة وأهل السنة وأصحاب الحديث ما دام المعبود مشابهًا للجسم، فإنه يكون مثله مرئيًّا بالإبصار بناءً على الخبر وإن لم يكن بناءً على تحليل الواقع أو اعتمادًا على سلطة العقل أو على دوافع نفسية حددتها الظروف الاجتماعية للجماعة كما هو الحال في التجسيم. فلولا الخبر لما قيل بالتشبيه؛ لأن التشبيه تفسير خاطئ للخبر وعدم دراية بطبيعة اللغة وبوظيفة الصورة الفنية وبتعدد وسائل التعبير. لا يُثبِت الخبر شيئًا، بل يعطي صورة فنية للإيحاء للجماهير بمعانٍ نفسية ويوجهها نحو مقاصد واتجاهات في العالم. المقصود هو الأثر النفسي وليس إثبات الشيء المادي. التشبيه خطأ لغوي في الحقيقة والمجاز يصبح فيه المجاز حقيقة، وتتحول فيه الصورة الفنية إلى شيء مادي. لذلك يحيل البعض الإشكال كله إلى النصوص لحل التعارض بين الحجج النقلية وإلا فلا حيلة إلا التأويل.١٦١
الرؤية مطلب إنساني خالص يعبر عنه السؤال عنها وطلبها، ولكن لا يعني ذلك أنها ممكنة. وبهذا المعنى كل ما يطلبه الإنسان يكون موجودًا كمطلب وحاجة. ويظل الفرق قائمًا بين عالم التمني وعالم الواقع، وعالم التمني أوسع نطاقًا من عالم الموضوعات. ليس كل ما يطلبه الشعور يكون له وجود في الخارج وهو ما قاله القدماء من الفصل بين الوجود في الأذهان والوجود في الأعيان. إثبات الرؤية الموضوعية وقوع في النظرة الحسية الخالصة وبحث عن النعم والملذات، لا فَرق في ذلك بين حسية ومعنوية. وهو نسيان للمجاز. الله حقيقة والرؤية معرفتها ومشاهداتها عن طريق التجربة. فالمعرفة الحسية يقين مثل المعرفة العقلية. موضوع الرؤية موضوع وجداني خالص شريف، يكشف عن شرف الموضوع أكثر من الموضوع بالفعل. ولما كان أشرف موضوع لا يُرى إلا من أشرف ذات، فالله يرى نفسه ولا يراه غيره مما يدل على أن الموضوع كله إجلال وتعظيم وتمرين نفسي على مقتضى التأليه، تشريف وتعظيم وإحسان وتحقيق وعد ومكافأة.١٦٢

وقياسًا على الرؤية، لماذا لا يكون الله موضوعًا للذوق أو الشم أو اللمس أو السمع؟ أليس صوت الله أقرب إلى صوت الضمير؟ ألم يأتِ الوحي، وهو كلام الله عن طريق السمع؟ هل تعشق العين قبل الأذن أم تعشق الأذن قبل العين؟ أليست الموسيقى أكثر الفنون قدرةً على التعبير من الرسم والتصوير والنحت والعمارة؟ أليست الفنون الصوتية أقرب إلى القلب من الفنون التشكيلية؟ وقد تعرضت نظرية الوجود في مبحث الأعراض عن تفاضل البصر والسمع. لماذا يكون الله موضوع الرؤية وحدها؟ لماذا لا يكون موضوع اللمس أو الذوق أو الشم أو السمع؟ مما لا شك فيه أن الله موضوع للسمع من خلال الوحي عن طريق الكلام؟ ولكن ماذا عن اللمس والذوق والشم؟ ومن يجيز أن يكون الله موضوعًا للرؤية لا بد أن يجيز أيضًا أن يكون موضوعًا للحواس الأخرى أو أن يصوغ نظرية لتفرد البصر على غيره من الحواس لرؤية الله، وأن يكون الله موضوعًا للرؤية وحدها. صحيح أن البصر في سباق مع السمع من حيث دقة الإدراك وعمقه، ومع ذلك فاللمس والذوق والشم من لذات الجنان، لمس الحرير، وذوق العسل، وشم الروح والريحان. فلماذا تخصيص الرؤية دون الذوق والشم واللمس والسمع؟

إذا كان بعض المجسمة يتصور المعبود جسمًا دون أن يصفه باللون أو الطعم أو الرائحة أو المجسة، فإن البعض يضع الجسم في اتجاه الشعور فيصبح ذا لون وطعم ورائحة ومجسة، وكل ذلك بالتساوي. فاللون هي الرائحة وهما المجسة، والثلاثة هو الطعم، والأربعة هو نفسه. لا يوجد تغاير أو اختلاف أو تنوع بين الصفات والذات.١٦٣ وقد يؤثر البعض جعل المعبود ذا لون فحسب دون الطعم أو الرائحة أو المجسة أو الطول والعرض والعمق، وإن كان في مكان دون مكان ومتحركًا من وقت الخلق. فالصفات المفضلة ما اللون والحركة، وهما الصفتان المطلوبتان في الرسم. ويكون المعبود هنا مدركًا بالعين وحدها لا بالأذن أو باللسان أو باليد أو بالأنف. ويكون الفنان هنا تشكيليًّا يؤثر الفنون المرئية على الفنون السمعية. وقد يطغى اللون على سائر المحسوسات ويكون المعبود ذات لون فقط. فالبصر أكبر من اللمس والذوق والشم. والتوحيد بين الكيفيات المحسوسة يدل على وحدة الروح أكثر مما يدل على اختلاف الأجسام وتعددها.١٦٤

ويقع نفي الإدراكات الأربعة الأخرى على مثبتي الرؤية أكثر مما يقع على نفاتها. فنفاة الرؤية بالضرورة ينفون باقي الإدراكات بطريق الأولى. أمَّا مثبتو الرؤية فإنهم في حاجة إلى تبرير إثبات الرؤية ونفي باقي الإدراكات؛ لأن القياس يعمم عليهم.

وينفي أهل السنة الكيفيات المحسوسة كأوصاف للذات بالرغم من إثبات الصفات، وذلك لاعتبار هذه الصفات أقل كمالًا من صفات العلم والقدرة والحياة. فهي توابع للمزاج والتركيب. أمَّا اللذة والألم فهما حسيان. واللذة العقلية نفاها الملِّيُّون وأثبتها الفلاسفة، فالله كمال في ذاته متجرد عن اللذة. فما دام الله كمالًا في ذاته، واللذة إدراك الملائم، التذ الله ضرورة. ولما كانت كلها كمالات فلذته كمال. أمَّا السمع فإن موسى سمع كلام الله وليس ذات الله. أمَّا اللمس والشم فلم يقل بهما إلا المُجسمة. وتدل الإدراكات الخمسة على أن تصور الله ناتج عن وضع الإنسان وحياته وحواسه ثم إسقاط ذلك كله على الله، كل يتصور الله على شاكلته ومثاله. يتصوره المتكلم عالمًا قادرًا؛ لأن الدولة تعرف كل شيء وتسيطر على كل شيء، ويتصوره الفيلسوف يلتذ عقلًا؛ لأنه حكيم عاقل.١٦٥
لا يعني نفي الرؤية الموضوعية لله كموضوع أي تعطيل أو جحود على ما تقول الأشاعرة، بل يعني التنزيه وإعطاء الله حقه في تحقيق مقصده في العودة إلى العالم والاتجاه من الله إلى العالم، ومن شخص الله إلى البناء الاجتماعي. الرؤية مطلب إنساني نتيجة الاغتراب في العالم والإشاحة بالوجه عنه، وقلب القصد. الرؤية سؤال ومطلب إنساني ممكن، ولكنه يعبر عن وضع غير طبيعي أو غير شرعي، عندما يسقط العالم من الحساب، ويضيع العقل، ويغيب المنطق، ويخرج الإنسان خارج العالم فيظهر السؤال. هناك فرق بين الخيال والواقع، فالخيال أوسع نطاقًا من عالم الأشياء، وليس كل ما يطلبه الوهم يكون له وجود في الخارج، وليس كل ما في العالم الداخلي له مقابل في العالم الخارجي. إذا تمت الرؤية فإن الجبال تُدَك، وتُطبق السموات على الأرض، أي تدمير العالم وانتهاء الكون، وخرق قوانين الطبيعة، وبالتالي يعيش الإنسان في عالم مستحيل لأنه أصبح له موقف غير شرعي. تعليق الرؤية على استقرار الجبل لا يثبت الرؤية لأن تحقيق الرؤية يستلزم تدمير الجبال وبالتالي تعليق الجواز على شرط مستحيل يكون أقرب إلى الاستحالة والامتناع.١٦٦ الرؤية اغتراب عن العالم وخروج بالوعي إلى خارج العالم، خارج الزمان، وخارج التاريخ تحت أثر الأشعرية والصوفية. إن الله ليس هدفًا، بل الهدف هو العالم والإنسان، وبالتالي تكون رؤية الله تحويل الإنسان عن موقفه الطبيعي واغتراب له، وتحويل للوحي عن مقصده الشرعي. في الرؤية يتحول الوحي إلى شخص، وتتحول عواطف التأليه إلى تشخيص، والتشخيص داء العصر، وتصور كل شيء على أنه مادي محسوس بطريقة غيبية لا علمية. رؤية الغير ممكنة أمَّا رؤية الذات فمستحيلة. ليس المقصود بالرؤية رؤية شخص واحد إله مشخص أو نبي، بل الرؤية ذاتها كحقيقة مستقلة، كأحد جوانب نظرية العلم. الله ليس موضوعًا بل ذات، وليس مشخصًا بل مقصد، وليس جسمًا بل معنى. هناك إذن ضرورة للانتقال من رؤية الله إلى رؤية العالم، فالله ليس موضوعًا للرؤية، بل موضوع للتحقيق، وليس من ناحية المعرفة بل من ناحية الوجود، وليس من جانب النظر بل من جانب العمل. هناك ضرورة للانتقال من رؤية الذات إلى رؤية الموضوع، فالله ذات تتحقق في العالم. رؤيته تحيله إلى موضوع وبالتالي يكون أقل قيمة من الذات الإنسانية. الله وعي خالص مثل وعي الإنسان الخالص، ولا غرابة في ثورة الإنسان وغضبه إذا ما تحول إلى موضوع عن طريق نظرة الآخر إليه أو عن طريق تحويله إلى موضوع طبيعي من العلوم الإنسانية. وهناك ضرورة العودة إلى العالم والقضاء على الاغتراب، فالرؤية للعالم، لمشاكله وقضاياه، للبشر ولأوضاعهم. لا تتم الرؤية إلا للجسم والمادة والموضوع والشيء. الرؤية خارج العالم تعمية وتغطية وتستر وتسكين وتخدير وإيهام. الرؤية ليست نعيمًا ولا لذةً، بل ألم وحسرة وغضب مما يحدث الفعل من مأسٍ للبشر، من فقر وجهل ومرض وتخلف وضياع وتشرذم وقهر وتعذيب. هي الرؤية التي تبعث في النفس الغثيان من العجز عن المقاومة للعدو الخارجي. ومن النفاق والمداهنة للحكام، ومن اللهث وراء لقمة العيش بأبخس الأثمان.
ما دام وجود الشيء هو الحاجة إليه، والشيء الذي لا حاجة إليه لا يكون موجودًا، فإن رؤية الله موضوع من هذا النوع، لا يحتاج إليه العصر في هذه الصورة المغتربة المقلوبة. يحتاج العصر إلى رؤية العالم وإلى معرفة المعاني وإدراك الماهيات. إن وجود الشيء هو قصده، وقصده شرعيته. وبالتالي لا وجود للرؤية كقصد وكوجود شرعي. لقد حاولت الحركات الإصلاحية من قبل إلغاء الموضوع والعودة إلى بساطة الموضوع.١٦٧ فما أهميته حاليًّا؟ هل هي مشكلة؟ هل أنكرت إسرائيل رؤية الله ونحاربها نحن لإثبات الرؤية أم احتلت الأرض وتركناها تحتل ما تشاء في عصر الهيمنة الإسرائيلية؟ ومهما قال المتكلمون وفصلوا وصاغوا وبرهنوا فإنها كلها مسالك مردود عليها باعترافهم أنفسهم ولم يزيدوا على الواقع شيئًا إلا تأكيدًا للاغتراب واستمرارًا فيه.١٦٨ وقد بلغ القدماء حد تكفير مثبت الرؤية وتكفير نافيها وتكفير من شك في إثبات الرؤية أو نفيها أو في نفيها إلى ما لا نهاية، وكأن رؤية الله معركة وطنية تتحرر بها أراضي المسلمين من الاحتلال، وبها تقام مجتمعات حرة دون قهر، تعمها العدالة والمساواة دون استغلال وتفاوت طبقي، وبها تتوحد الكلمة بدل التشرذم والتفتت والتجزئة.١٦٩

يعني هذا الوصف الخامس «الوعي الخالص» الشعور الخالص الذي لا تخالطه شائبة المادة، فالوعي ليس في محل، والفكر ليس في الدماغ، والإحساس ليس من الحواس. لا يوجد الوعي الخالص في محل لأنه غير متحيز، وهذا ما عبر عنه القدماء بالاستغناء وعدم الافتقار والاحتياج. لا يرى، وليس موضوعًا للرؤية، بل راءٍ ومدرك وعالم، شرط القيام بالنفس هو بقاء الذاتية دون أن تتحول إلى موضوع من خلال الرؤية.

١  أصول الدِّين، ص٨٨.
٢  الإنصاف، ص٤١؛ المسائل، ص٣٣٠.
٣  النظامية، ص١٥.
٤  الإرشاد، ص٣٣-٣٤.
٥  المعالم، ص٣١–٣٣.
٦  العضدية، ج٢، ص١٦٢.
٧  أصول الدِّين، ص٧٢.
٨  أصول الدِّين، ص٨٨.
٩  الشامل، ص٥١٠–٥٧٠.
١٠  الاقتصاد، ص٢٥–٢٩.
١١  المسائل، ص٣٥٢–٣٥٦.
١٢  المحصل، ص١١٣-١١٤.
١٣  المواقف، ص٢٧٠–٢٧٣.
١٤  الأساس، ص٧٢–٧٧.
١٥  الاقتصاد، ص٣٠–٣٤.
١٦  النسفية، ص٦٤.
١٧  طوالع الأنوار، ص٢٥٧.
١٨  السنوسية، ص٢–٦؛ الكفاية، ص٣٧–٣٩؛ العقيدة، ص٧؛ الباجوري، ص٤. وكذلك في باقي العقائد المتأخرة مثل الجوهرة، العقيدة، الخريدة، الجامع، الوسيلة، الحصون، التحقيق، القطر.
١٩  كفاية العوام، ص٥٩-٦٠.
٢٠  أساس التقديس، ص٧٩–١٧٣.
٢١  رسالة التوحيد.
٢٢  الإبانة، ص٣١–٣٩.
٢٣  الإبانة، ص٩.
٢٤  الإنصاف، ص٢٥.
٢٥  أصول الدِّين، ص٧٦.
٢٦  الفصل، ج٢، ص١١٤–١١٧.
٢٧  بحر الكلام، ص٢.
٢٨  بحر الكلام، ص٢٤–٢٧.
٢٩  كتاب التوحيد، ص١٨٢.
٣٠ 
والعرش والكرسي ثم القلم
والكاتبون اللوح كل حكم
لا لاحتياج وبها الإيمان
يجب عليك أيها الإنسان
الجوهرة، ص١٤.
٣١  الفصل، ج٢، ص١٤٧–١٥٣.
٣٢  بحر الكلام، ص٢٢-٢٣.
٣٣  هذا هو رأي الهشامية من أن المكان هو العرش، كان الله لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك الباري فكان فيه، والمكان هو العرش (مقالات، ج١، ص١٠٢؛ مقالات، ج٢، ص١١٥–١١٧). وهو أيضًا رأي محمد بن كرام الذي اعتبر كل العرش مكانًا له. ولو خلق بإزاء العرش عروشًا موازيةً لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها (الفِرَق، ص٢١٦-٢١٧). فالله في مكان دون مكان، وإن مكانه هو العرش. (الفِرَق، ص٦٥).
٣٤  يرى البعض أن المعبود على العرش بائن فيه لا بعزله، وأنه خالٍ لمكان غيره، بل ببينونة ليس على العزلة، والبينونة من صفات الذات (مقالات، ج١، ص٢٦٢). وقال محمد بن الهيصم (الكرامية) إن بينه وبين العرش بعدًا لا يتناهى، وإنه مباين للعالم ببينونة أزلية ونفي التحيز والمحاذاة. وأثبت الفوقية والمباينة (الملل، ج٢، ص١٢–١٤؛ ونفي المجاورة والمماسة، ج٢، ص١٩). ويرى هشام بن الحكم مع بعض المجسمة أن المعبود ليس في الأشياء ولا هو على العرش إلا بمعنى أنه مماس له، وأنه فوق الأشياء ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها. فالله على العرش مماس له، لا يفضل على العرش، ولا يفضل العرش عنه، مكانه العرش مماس له، يحتويه العرش، والعرش يملؤه (مقالات، ج١، ص١٠٤، ص٢٥٧–٢٦١؛ الفِرَق، ص٦٧، ص١٦٥، ص٢٢٨؛ الملل، ج٢، ص١٣٤). ويرى محمد بن كرام أن المعبود جسم له حد ونهاية من تحته، والجهة التي منها يلاقي عرشه. العرش مكانه وهو مماس له. وأبدل أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملاقاة لأنه لا يصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا أنه يحيط العرش إلى أسفل، وهذا يعني المماسة التي امتنعوا عن لفظها. وفسر بعض أصحابه المماسة بأن المعبود لا يزيد على عرشه ولا يفضل من شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش (الفِرَق، ص٢١٦-٢١٧، ص٣٣٣). وقال بعض الكرامية: استوى أي استقر على العرش (بحر الكلام، ص٢٥-٢٦).
٣٥  يُفصل العرش بقدر أربعة أصابع، وقيل بعيدًا عنه بمسافة متناهية (العابدين، الكرامية)، أو مسافة غير متناهية (الهيصمية) (الدواني، ج٢، ص١٦٢؛ اعتقادات، ص٦٧).
٣٦  عند بعض المجسمة للعرش أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرجل، وقيل إن الملائكة هي التي تئط أحيانًا من وطأة عظمة الله على العرش (مقالات، ج١، ص٢٦١-٢٦٢؛ الملك، ج٢، ص١٣٨).
٣٧  يرى بعض من ينتحل الحديث أن العرش لم يمتلئ بالمعبود، وأنه يُقعِد بنيه معه على العرش (مقالات، ج١، ص٢٠٤، ص٢٦٠).
٣٨  ترى اليونسية أن حملة العرش يحملون الله كالكركي وأن أقوى منهم كما أن الكركي تحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه. فالحملة تحمل العرش؛ لأن الله لا يكون محمولًا (مقالات، ج١، ص١٠٦؛ الفِرَق، ص٢٢٨، ص٢٧٠). ويرى شيطان الطاق أن الباري مستقر على العرش وأن الملائكة يحملون العرش وإن كانوا ضعفاء بالنسبة إلى الله. ولكن الضعيف قد يحمل القوي كرجل الديك التي تحمل مع دقتها جسم الديك (اعتقادات، ص٩٥).
٣٩  عند البعض ثمانية أفلاك، وعند البعض الآخر ثمانية أصناف (مقالات، ج١، ص٢٦١-٢٦٢). ويوافق ابن حزم على ذلك بدليل آية: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ لعلها السموات السبع والكرسي، فهي ثمانية أجرام، ولعلها ثمانية ملائكة، ويلتزم بالظاهر دون الخرافة، مع أن هذا التأويل ليس ظاهرًا وأقرب إلى الخرافة، ويؤيد الحملة بآية: يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ (الفصل، ج٢، ص١٢٧).
٤٠  وصف ابن كرام معبوده بالثقل، وهو معنى انفطار السموات من ثقل الرحمن عليها (الفِرَق، ص٤١٨). ويرى بعض المجسمة أن الباري تحمله حملة إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا رضي خف، فيتبيَّنون غضبه من رضاه. ويرى البعض الآخر أن المعبود لا يثقل ولا يخف، ولا تحمله الحملة، ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة (مقالات، ج١، ص٢٦١-٢٦٢).
٤١  عند عامة أهل السنة وعلى رأسهم الأشعري وأصحاب الحديث وعبد الله بن سعيد القطان أن المؤلَّه مستوٍ على العرش، وفوق كل شيء (الإبانة، ص٩، ص٣١–٣٥؛ مقالات، ج١، ص٣٢، ص٢٦١–٢٦٤، ص٣٢٠–٣٢٥؛ بحر الكلام، ص٢٤–٢٦، ص٦٣-٦٤؛ المواقف، ص٢٩٧).
٤٢  عند زهير الأثري أن ذات الله في مكان، مستوٍ على العرش، نراه في الآخرة على عرشه بلا كيف (مقالات، ج١، ص٢٦٠–٢٦٤، ص٣٢٦؛ الإنصاف، ص٢٥، ص٤١؛ بحر الكلام، ص٢٥-٢٦).
٤٣  يدرك بعض أهل السنة خطورة أخذ الآيات على ظواهرها وفي نفس الوقت يخافون التأويل. فيرى الجويني مثلًا عيوب إجراء هذه الآيات على الظاهر: «وانتزعوا فضائح لا يبوء بها عاقل» (الإرشاد، ص١٦٠-١٦١). أمَّا ابن حزم فإنه يعطي أربعة تأويلات للاستواء، الأوَّل قول المجسمة، والثاني قول المعتزلة وهو الاستيلاء، والثالث قول الأشعري أنه صفة ذات ومعناه نفي الاعوجاج (عبد الله بن كلاب)، والرابع وهو رأي ابن حزم أنه صفة فعل بمعنى انتهاء الخلق إليه. ويرفض ابن حزم المعاني الثلاثة الأولى، أمَّا الحمل فيعني لديه تنفيذ الأوامر (الفصل، ج٢، ص١١٥–١١٧، ص١٢٧، ج٥، ص١١–١١٦؛ المحصل، ص١٣٦).
٤٤  وهو معنى قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
وهذا هو رأي أبي الهذيل والجعفرين والجبائي؛ (مقالات، ج١، ص٢١٧-٢١٨، ص٢٦١-٢٦٢؛ المواقف، ص٢٩٧؛ شرح الأصول الخمسة، ص٢٢٦-٢٢٧؛ الفصل، ج٢، ص١١٤-١١٥). وعند المعتزلة والجهمية والحرورية الاستواء يعني الاستيلاء والملك والقهر وأن الله في كل مكان (الإبانة، ص٣٢–٣٥).
٤٥  وهو معنى آية: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، ومَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ، كما يفسرها الجويني، ص١٦٠-١٦١.
٤٦  أنكر الجهمية أن يكون الله في السماء، كما أنكروا الكرسي والعرش وأن يكون الله فوقه أو فوق السموات. وأنكروا أن يكون الله قد استوى إلى السماء. الله في كل مكان حتى في الأمكنة القذرة (التنبيه والرد، ص٩، ص١٣٣). وقد قال علي: إن الله خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته (الفِرَق، ص٣٣٣). وعن جعفر الصادق أن التوحيد ثلاثة أحرف: أن تعرف أنه ليس من شيء ولا في شيء ولا على شيء؛ لأن من وصفه أنه من شيء فقد وصفه أنه مخلوق فيكفر ومن وصفه أنه في شيء فقد وصفه أنه محدود فيه فيكفر ومن وصف أنه على شيء فقد وصف بأنه محتاج محمول فيكفر (بحر الكلام، ص٢٥-٢٦). وقد ورد لفظ «العرش» ومشتقاته ٣٣ مرة في أصل الوحي، منها ٣ مرات جمعًا «عروش»، مرتين صفة جمع مؤنث سالم «معروشات»، ومرتين فعل «يعرشون». وقد استُعمل اللفظ لله ٢١ مرة، وللإنسان ١١ مرة، مما يدل على أنه بالفعل متعلق بالله. ولكن معنى الاستواء لا يظهر إلا ٧ مرات: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (٧: ٥٤)، (١٠: ٣)، (١٣: ٢)، (٢٥: ٥٩)، (٣٢: ٤)، (٥: ٤)، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٢٠: ٥). وقد ورد أيضًا ٦ مرات مقرونًا برب في رَبُّ الْعَرْشِ وهو مضاد لمعنى الاستواء، بل بمعنى الملكية والإضافة: وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٩: ١٢٩)، (٢٣: ٨٦)، (٢٧: ٢٦)، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (٢٣: ١١٦)، فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢١: ٢٢)، (٤٣: ٨٢)، ويذكر بمعنى «ذي العرش»، وهو أيضًا معنى الملكية والإضافة والنسبة: إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (١٧: ٤٢)، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ (٤٠: ١٥)، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٨١: ٢٠)، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (٨٥: ١٥)، ويذكر حول العرش أو يحملون العرش مما يدل على أنه تناهٍ: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (٣٩: ٧٥)، الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (٤٠: ٧)، وقد يذكر العرش وحده في مكان فوق الماء في بداية الخلق: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (١١: ٧). أمَّا المعاني الإنسانية للعرش، فأولها عرش سبأ (٤ مرات): وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٧: ٢٣)، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ (٢٧: ٤٢)، أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٢٧: ٣٨)، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا (٢٧: ٤١). وشتان ما بين عرش الله وعرش سبأ! ومرة واحدة بالنسبة إلى أبوي يوسف: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا مما يعني المكانة العالية والاحترام الواجب للوالدين. ويتضح المعنى المجازي في الجمع والصفات والأفعال. ففي الجمع (٣ مرات) في تعبير: خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا الذي يوحي بالدمار الخراب، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (٢: ٢٥٩)، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (١٨: ٤٢)، وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (٢٢: ٤٥). وفي مقابل ذلك الجنة المعروشة بالأشجار: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ (٦: ١٤١) مرتين، ويعني الفعل الإيواء والاحتماء والسكن (مرتين): وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (٧: ١٣٧)، أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (١٦: ٦٨). أمَّا لفظ «استوى» فإنه ورد بهذه الصيغة فقط ١٢ مرة في أصل الوحي، ثلاثة منها مجرد الاستواء دون العرش، إمَّا إلى السماء (مرتين): ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (٢: ٢٩)، (٤١: ١١)، أو مجردة: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٥٣: ٦-٧)، حيث يصعب التفرقة بين وصف الله ووصف الرسول أو علاقة القرب بينهما ليلة الإسراء والمعراج. ولكن مرتين منها بمعنى مجازي، إمَّا استواء الزرع كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ (٤٨: ٢٩)، أو استواء الإنسان: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (٢٨: ١٤)، ففعل استوى ليس خاصًّا بالله وليس قاصرًا على العرش. أمَّا مشتقات الفعل فهي عديدة (٧١ مرة)، إمَّا بمعنى الاستقامة في الخلق، أي «سوَّى» بتشديد الواو (١٤ مرة)، وهي كلها فعل من أفعال الله. ثم يستعمل لفظ «استوى» للإنسان (٤ مرات)، بمعنى المساواة والاستواء للأرض: وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، أو ركوب الفلك: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ (٢٣: ٢٨)، إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ (٤٣: ١٣)، أو ركوب ظهور الأنعام: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ (٤٣: ١٣)، وبالتالي فالفعل «استوى» يستعمل لله وللإنسان معًا. ويذكر بمعنى المساواة بين شيئين (٥٤ مرة)، إمَّا بالمنع: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، أو بالإمكان الذي يفيد الاستحالة: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٢: ٩) … إلخ.
٤٧  أثبت الكرامية أن الله بجهة فوق (التمهيد، ص١٠٤؛ نهاية الإقدام، ص٢٢). وقد اتفق جميع المجسمة وأصحاب ابن كرام على أن الله في جهة. وقال ابن الهيصم أنه في جهة فوق (التلخيص، ص١١٤؛ مقالات، ج١، ص٢١٧-٢١٨). واتفق بعض الحشوية مع المشبهة على أن الله في جهة (غاية المرام، ص١٠٨). وقارب بعض أهل السنة أيضًا من إثبات الجهة (الدواني، ج٢، ص١٦٣).
٤٨  يرى هشام بن الحكم أن معبوده في مكان دون مكان. كان في لا مكان ثم حدث المكان بحركته (مقالات، ج١، ص١٠٢، ص٢٦٠–٢٦٤؛ الفِرَق، ص٦٥). ويرى البعض أن الله ما دام جسمًا محددًا مقابلًا لنا فإنه يكون في مكان دون مكان (مقالات، ج١، ص١٦٣).
٤٩  مقالات، ج١، ص٢٥٨، ص٢٦٠. عند أهل السنة لا يحويه مكان (الفِرَق، ص٣٣٣). وقالت البكرية إنه في كل مكان (مقالات، ج١، ص٣١٨). وقال النجار إنه بكل مكان ذاتًا ووجودًا، لا على معنى العلم والقدرة (الملل، ج١، ص١٣٢). واحتجَّت المعتزلة بأن الله في كل مكان بآيات: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، فالنجوى التدبير والقرب والطاعة (الفصل، ج٢، ص١١٤-١١٥؛ مقالات، ج١، ص٢٦٠).
٥٠  أصول الدِّين، ص٧٦-٧٧.
٥١  هذا هو رأي أصحاب عبد الله بن سعيد القطان (مقالات، ج١، ص٣٢٥؛ الفصل، ج٢، ص١١٧).
٥٢  التأويل ضروري. إذ لا يعني أن الكعبة بيت الله أن الله ساكن فيها (الدواني، ج٢، ص١٦٣). ويجتمع على ذلك المعتزلة وأهل السنة. إذ يرى فريق من المعتزلة منهم هشام الفوطي وعبَّاد بن سليمان وأبو زفر أن الله لا في مكان، بل هو على ما لم يزل عليه، وأنه لا نهاية له (مقالات، ج١، ص٢١٧-٢١٨، ص٢٦٠). وأنكرت المعتزلة بجميع فرقها أن يكون في مكان دون مكان (مقالات، ج١، ص٢٦٠). وعند الجعفرين والإسكافي تعني «بكل مكان» أنه مدبر وحافظ للأماكن. والله عند أهل السنة لا يحويه مكان (الفِرَق، ص٣٣). فالله يتقدَّس عن الاختصاص بالجهات (الإنصاف، ص٤١-٤٢؛ غاية المرام، ص٢٧٩؛ النسفية، ص١٤؛ شرح التفتازاني، ص٦٤-٦٥؛ الفقه الأكبر، ص١٨٧؛ الاقتصاد، ص٢٥-٢٦؛ المسائل، ص٣٣٠).
٥٣  مثل: «ليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات» (مقالات، ج١، ص٢١٦).
٥٤  قال بعض أهل التحقيق: «لا يظله فوق ولا يقيه تحت، ولا يقابله حد، ولا يزاحمه ند، ولا يأخذه خلف، ولا يجده أمام، ولا يظهره قبل، ولا يفنيه بعد، ولا يجمعه كل، ولا يوجده مكان، ولا يفقده ليس» (الإنصاف، ص٤٢).
٥٥  أنكر جهم أن يكون الله في السماء دون الأرض أو أن يكون استوى إلى السماء (التنبيه والرد، ص٩٧، ص١٠٤، ص١٣٣). وعند فريق من الجهمية أنه في كل مكان حتى في الأمكنة القذرة (التنبيه والرد، ص٩٧). الله لا يخلو منه شيء ولا يزول من موضوعه (التنبيه والرد، ص١١٥-١١٦). واحتجوا: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (بحر الكلام، ص٢٦-٢٧).
٥٦  المواقف، ص٢٧٠–٢٧٣؛ الاقتصاد، ص٢٥–٢٩؛ نهاية الإقدام، ص١٠٩–١١٤؛ المحصل، ص١١٣-١١٤؛ المسائل، ص٣٥٢-٣٥٦. العالم، ص٣١–٣٣. غاية المرام، ص١٩٣–٢٠٠. والأدلة النقلية هنا لا تثبت شيئًا، «ولعل الخصم قد يتمسك هنا بظواهر من الكتاب والسنة وأقوال بعض الأئمة، وهي بأسرها ظنية ولا يسوغ استعمالها في المسائل القطعية، فلهذا آثرنا الإعراض عنها، ولم نشغل الزمان بإيرادها» (غاية المرام، ص٢٠٠). انظر أيضًا: الفصل الثالث، نظرية العلم، ثامنًا الأدلة، (د) الأدلة النقلية.
٥٧  الأوَّل رأي أبي الهذيل والجعفرين والإسكافي والجبائي، والثاني رأي الفوطي وعبَّاد وأبي زفر (مقالات، ج١، ص٢١٧-٢١٨، ص٢٦٢؛ أصول الدِّين، ص٧٧-٧٨).
٥٨  وهذا هو معنى الآيات المستدل بها على وجود الله في كل مكان، مثل: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا، أي نقل المسألة من المكان إلى الزمان، ومن الكم إلى الكيف، ومن الامتداد إلى التوتر (الانتصار، ص٥).
٥٩  بعد أن عتق الرسول جارية أراد أن يستيقن إيمانها، فسألها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال إنها مؤمنة (الاقتصاد، ص٢٦–٢٨). وهذا مثل بسط الكفين ومد اليدين في السؤال والدعاء وختم الصلاة: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ.
٦٠  يرى هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذاهب جاء يتحرك تارة ويسكن تارة أخرى، يقعد مرة ويقوم مرة أخرى (مقالات، ج١، ص١٠٢-١٠٣، ص٢٥٧). وهي مقالة الرافضة بوجه عام، كما يرويها الخيَّاط، إذ يرى أن معبودهم يتحرك ويسكن، يدنو ويبعد، يخف ويثقل، يزول وينتقل (الانتصار، ص٦، ص٨). ويرى هشام أن حركة معبوده هو فعله للشيء. والحركة لا تعني الزوال (مقالات، ج١، ص٢٦٢-٢٦٣؛ الملل، ج٢، ص١٣٤). ويرى هشام بن سالم أن إرادته حركته، وأن الله إذا أراد شيئًا تحرك فكان ما أراد (الفِرَق، ص٦٩؛ الملل، ج٢، ص١٣٤؛ مقالات، ج١، ص١٠٨، ص١١١؛ أصول الدِّين، ص٧٩).
٦١  هذه ليست إحالة إلى الغرب، بل إلى حضارة اليونان القديمة التي أصبحت أحد روافد الحضارة الإسلامية التي ورثت كل الحضارات القديمة.
٦٢  يرى السكَّاك أن معبوده يمكن أن يزول ولكن لا يجوز عليه الطفر (مقالات، ج١، ص٣٦٢-٢٦٣).
٦٣  عند بعض المجسمة حركته غيره (مقالات، ج١، ص٢٦٢-٢٦٣). وعند مالك الحضرمي علي بن هيثم (الرافضة) إرادة الله غيره، وهي حركته (مقالات، ج١، ص١١)، وهو متناهٍ بالذات وغير متناهٍ بالقدرة (الملل، ج٢، ص١٣٤).
٦٤  عند أهل السنة وأصحاب الحديث يجيء الله يوم القيامة وملائكة، وينزل إلى السماء الدنيا، ويقترب من خلقه كيف يشاء (مقالات، ج١، ص٣٢٣). وعند زهير الأثري يجيء الله يوم القيامة إلى مكان لم يكن خاليًا منه وينزل إلى السماء الدنيا ولم تكن خالية منه (مقالات، ج١، ص٢٦٤، ص٣٢٦). ويهاجم الأشعري المعتزلة لإنكارهم الحركة (الإبانة، ص١١-١٢؛ الفصل، ج٢، ص١٥٢-١٥٣؛ الاقتصاد، ص٣٢–٣٤؛ غاية المرام، ص١٤٢-١٤٣). ويرفض أهل السنة تصوُّر المجسمة للحركة ويجعلون الله فاعلًا مختارًا (الفصل، ج٢، ص١١٢). ويُؤوِّل الجويني المجيء بمعنى «أمر الله وقضاؤه والفعل وحكم العدل» (الإرشاد، ص١٥٩-١٦٠). وقد أنكر جهم وبعض المعتزلة النزول حاسمًا الموقف من أساسه (التنبيه والرد، ص١١٢، ١١٣، ص٩٥؛ الإبانة، ص٨). أمَّا في أصل الوحي فقد ذُكر لفظ «جاء» في مشتقات عديدة (٢٨٠ مرة)، آية واحدة فقط هي التي تتحدث عن مجيء الله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٨٩: ٢٢)، أمَّا باقي الآيات فإنها تتحدث عن محمد والرسل وموسى وأحد من الناس والسحرة والمعذورون والملك وإخوة يوسف والبشير وآل لوط وأهل المدينة ورجل يسعى وعيسى ومن خشي الرحمن وفرعون وجنوده، وإحداها والمؤمنون والمؤمنات والمنافقون، ومن جاء يسعى، ويوسف، والأعمى، والأنبياء، والعصبة. كما تجيء المعاني، مثل: جاء الحق والهدى والأجل والأمر والوعد والخوف والموعظة والنعمة والمنة والذكرى والبرهان والنور والفتح والعذاب … إلخ. ويمكن أن يُضاف أحد الأشخاص أو المعاني إلى الله مثل رسول الله وأمر الله ووعد الله وليس ذاته. وكأن المتكلمين لم يجدوا من ٢٨٠ آية إلا آية واحدة تتحدث عن مجيء الله وضربوا مؤامرة صمت عن مجيء المعاني لإشغال الناس بما لا يفيد وما يبعدهم عن شئون دنياهم. أمَّا لفظ «أتى»، فإنه ذُكر في القرآن ٥٥٧ مرة، منها مرتان فقط يكون الله فيها فاعلًا، مثل: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ (١٦: ٢٦)، أي أهلكهم، لأنه فعل متعدٍّ له مفعول، وأيضًا: فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ (٥٩: ٢)، أي أحاط بهم وأهلكهم كفعل لله، وهذا ما تؤكد الاستعمالات الأخرى التي تقارب على ثلث المرات (حوالي ١٧٠) والتى يظهر الله فيها فاعلا مثل يأتى الله بأمره أو بآياته أو الأرض أو السلطان أو الجنود أو الناس أو الرزق أو الدرجة أو الخير أو البينة أو المال أو الحكمة والنبوة أو الثواب والفضل أو الهدى والنعمة أو الكتاب أو الحكم والعلم … إلخ. ولكن أغلب الاستعمالات (حوالي الثلثين) استعمالات إنسانية خالصة. فالذي أتى هو فرعون أو الساحر أو الرسول أو مريم أو الآباء أو الرجال بمعنى الحركة والقدوم. أو يأتي الحق والدهر والساعة واليوم واليقين والدم والتدبر والسلطان والغاشية والعذاب والجنة والنار والوعود والهدى والموت والبأس والذكر … إلخ بمعنى الحضور. أمَّا «صعد» فلم يُذكَر إلا أربع مرات، إمَّا للكلم الطيب أو للكافرين أو للصدر الضيق أو للعذاب، وليس منها شيء لله كحركة أو فعل. أمَّا لفظ «نزل» فقد ورد في أصل الوحي ٢٩٧ مرة، لا توجد ولا مرة واحدة فعلًا لله، وأن الله بشخصه هو الذي يَنزل كفعل لازم، بل هو الذي يُنزل كفعل متعدٍّ، يُنزل الملائكة والشياطين والروح والماء (٢٧ مرة) والبرد والغيث، ثم ينزل الكتاب (٣٠ مرة) والقرآن والفرقان والتوراة والإنجيل والآيات البينات والتنزيل والأمر والحق والنور والبرهان والخير والسكينة وأحسن الحديث. كما ينزل المائدة والحديد والمن والسلوى واللباس والرزق والأنعام والمائدة. فالله ينزل المادة (الماء) والروح (الكتاب). أمَّا لفظ «قام» ومشتقاته كفعل، فقد ورد ٩٧ مرة، ليس منها مرة واحدة لله، وفي صيغة المثنى والجمع أو الأمر وكله لا يجوز على الله. أكثر الاستعمالات مجازية، مثل: «أقاموا الصلاة» (٤٠ مرة)، وإقامة الدعوة والساعة والحساب والإشهاد والتوراة والإنجيل وصور الله والوجه والدين وأقلها للرسول أو الناس أو الأشياء كالجدار. كما أن لفظ «قعد» ومشتقاته أفعالًا وأسماءً وصفاتٍ ذُكرت في أصل الوحي ٣١ مرة، ليس منها مرة واحدة لله، بل معظمها للقاعدين الذين رضوا بالقعود وتخلفوا عن الجهاد، أو الذين كذبوا وظلموا، والقاعدون في النار، أو المذموم الملوم المخذول المتحسر أو المستهزئ بالقرآن، وهو فعل من أفعال الشيطان. وأقل الاستعمالات للمؤمنين الذين تبوَّءوا مقاعد للقتال وجزاؤهم مقعد صدق، والذين يذكرون الله قعودًا وعلى جنوبهم، مع النهي عن القعود مع القاعدين، فأين هذا كله من «قعود» الله؟
٦٥  انظر بحثنا: Thélogie ou Anthopologie, la Renaissauce du Monde Arabe.
٦٦  الإبانة، ص١٢–١٩.
٦٧  نهاية الإقدام، ص٤-٥.
٦٨  الفقه، ص١٨٦.
٦٩  الإنصاف، ص٢٥.
٧٠  الإنصاف، ص٤٢.
٧١  بحر الكلام، ص٣.
٧٢  بحر الكلام، ص٢٣-٢٤.
٧٣  بحر الكلام، ص٢٧–٢٩.
٧٤  غاية المرام، ص١٥٩–١٧٨.
٧٥  الإنصاف، ص٢٧.
٧٦  المعالم، ص٥٩–٦٧.
٧٧  الفصل، ج٣، ص٣–٥.
٧٨  الاقتصاد، ص٣٤–٤٠٠.
٧٩  شرح الأصول الخمسة، ص٢٣٢–٢٧٧؛ المحيط، ص٢٠٨–٢١٣.
٨٠  المغني، ج٤، ص٣٣–٢٤٠.
٨١  يقول القاضي عبد الجبار: «وقد بَيَّنَّا من قبل أن الكلام في نفي التجسيم فلا وجه لمكالمة هذه الطائفة في الرؤية؛ لأنه لو ثبتت فيه جل وعز ما قالوه لوجب أن يُرى لا محالة، وإنما نتكلم في نفي الرؤية بعد إقامة الدلالة على أنه ليس بجسم ولا عرض» (المغني، ج٢، ص٢٢٠). ويقول أيضًا: «اعلم أنه لما نفى عنه شبه الأجسام والأعراض وما يختص كلًّا منهما من الأحكام أتبعه بنفي الرؤية لاشتمال هذا الحكم على الجسم والعرض واشتراكهما فيه. وهذا الباب يعد من باب نفي التشبيه وإن كان من تحقق التشبيه لا يُكَلَّم في نفي الرؤية من حيث إنهم عند تحقق الكلام عليهم في كيفية الرؤية لا بد من أن يظهروا التشبيه وعند إيرادهم لما يدل على مذهبهم لا ينفكون عما يقتضي التشبيه … وكذلك فعندنا يبطل مذهبهم بنهي القول إلى وجوب التشبيه، فلهذه الوجوه عُد من باب نفي التشبيه» (المحيط، ص٢٠٨).
٨٢  النسفية، ص٩١–٩٦؛ طوالع الأنوار، ص١٨٥–١٨٨؛ العضدية، ج٢، ص١٦٦-١٦٧.
٨٣  المسائل، ص٣٧١–٣٧٣.
٨٤  المحصل، ص١١٥-١١٦.
٨٥  طوالع الأنوار، ص١٦٢.
٨٦  المواقف، ص٢٢٧–٢٧٨.
٨٧  النسفية، ص٦٤.
٨٨  نهاية الإقدام، ص٣٥٦–٣٦٩.
٨٩  النسفية، ص٩١–٩٦؛ طوالع الأنوار، ص١٨٥–١٨٨؛ العضدية، ج٢، ص١٦٦-١٦٧.
٩٠  المسائل، ص٣٧١–٣٧٣.
٩١  التمهيد، الأصول، السنوسية، الكفاية، العقيدة، الباجوري، كتاب التوحيد، الرسالة، الجامع، القطر.
٩٢  أصول الدِّين، ص٧٨-٧٩؛ الإرشاد، ص١٨٥-١٨٦.
٩٣  أصول الدِّين، ص٩٨–١٠٢.
٩٤  الإنصاف، ص٤٧-٤٨، ص١٧٦–١٨٣.
٩٥  المغني، ج٤، ص٤٢، ص٤٧، ص١١٥.
٩٦  النظامية، ص٢٥–٢٨؛ الإرشاد، ص١٦٦–١٨٦.
٩٧  غاية المرام، ص١٥٩–١٧٨؛ الإرشاد، ص١٨٦؛ المواقف، ص٢٩٩–٣١٠؛ الجوهرة، ص١٢؛ الخريدة، ص٤٥-٤٦؛ الوسيلة، ص٤٥؛ الحصون، ص٣٠–٤١؛ التحقيق التام، ص٩٧–١٠٦.
٩٨  النظامية، ص٢٥.
٩٩  السنوسية، ص٣، ص٥.
١٠٠  النسفية، ص٩١–٩٦.
١٠١  شرح الأصول الخمسة، ص٢٧٦-٢٧٧. ويستوي المجسِّمة وأهل السنة، الكرامية والحنابلة في ذلك. فطبقًا لأهل السنة يصح الله أن يُرى. والكرامية والحنابلة أطبقوا على أنه لو لم يكن جسمًا وفي مكان لامتنعت رؤيته (المعالم، ص٥٩).
١٠٢  انظر أيضًا الفصل الثالث، نظرية العلم، ثامنًا: مناهج الأدلة. الفِرَق، ص٣٣٥-٣٣٦؛ الإبانة، ص١٠–١٣؛ الإنصاف، ص٤٧-٤٨، ص١٧٦–١٩٣.
١٠٣  انظر الفصل الثامن عن العقل والنقل.
١٠٤  لا يمكن ادعاء الإجماع لقول عائشة: «لو وقف شعري مما قلت ثلاثًا من زعم أن مُحمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية»، ثم تلت: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ (٤٢: ٥١) (شرح الأصول الخمسة، ص٢٦٧-٢٦٨).
١٠٥  الإجماع من أهل السنة على جوازها في الدنيا والآخرة عقلًا وواقعةً وثابتةً في العقبى سمعًا. وكيف يثبت في الآخرة شيء عقلًا؟ فذلك ضد نسق العلم في التمييز بين الإلهيات (العقليات) والسمعيات. «واعلم أن هذه المسألة سمعية. وجوب الرؤية فلا شك في كونها سمعية. وأمَّا جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه. وقد وردت عليك تلك الإشكالات ولم تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار العقلية إلى التقصي عنها كل الحركة، فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضًا مسألة سمعية» (نهاية الإقدام، ص٣٦٩؛ النظامية، ص٢٧-٢٨).
١٠٦  شرح الأصول الخمسة، ص٢٣٣.
١٠٧  جوزت الكرامية الرؤية بالمواجهة لكون الله في الجهة والمكان (التحقيق التام، ص٩٧-٩٨). وجوَّزوا الرؤية من جهة فوق دون سائر الجهات (الملل، ج٢، ص٢٠؛ النسفية، ص٩١–٩٦؛ المواقف، ص٣١٠). وتقول كل المجسمة إلا نفرًا يسيرًا بإثبات الرؤية، وقد يثبتها من لا يقول بالتجسيم (مقالات، ج١، ص٢٦٥). والرؤية بالمقابلة والاتصال والشعاع عند المشبِّهة والكرامية (طوالع الأنوار، ص١٨٥). وجوَّز هشام بن الحكم وغيره من المجسمة رؤيته في الحقيقة وأنه يلمس (المغني، ج٤، ص١٣٩-١٤٠). وقد جوَّز المشبِّهة والكرامية الرؤية لأن الله في الجهة (المحصل، ص١٣٧-١٣٨). كما جوَّز بعض مشبِّهة المرجفة رؤية الله بالأبصار في الدنيا ولا ينكر أحدهم أن يكون بعض من يلقى في الطرقات (مقالات، ج١، ص٢١٤). وأجاز البعض الآخر الحلول في الأجسام. وأصحاب الحلول إذا رأوا إنسانًا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه! وعند نصر وكهمش تجوز رؤيته في الدنيا ومصافحته وملامسته ومزاورته للناس. والمخلصون يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك. وعند أصحاب الهجيمي تجوز رؤيته في الدنيا، يزورونه ويزورهم (الملل، ج٢، ص٦. مقالات، ج١، ص٢٦٣).
١٠٨  يتفق أهل السنة وأصحاب الحديث مع الكرامية على جواز الرؤية عقلًا ووقوعها شرعًا. فهي جائزة في العقل واجبة في النقل (الغاية، ص١٥٩. النسفية، ص٩١-٩٢). ولكنهم يختلفون في الكيفية. فالرؤية عند أهل السنة تتم من غير مواجهة والكرامية يجعلون المواجهة أمام الموضوع ومقابلًا له، وهو ما تعنيه المعتزلة أيضًا وبينت استحالته فنفت الرؤية (المواقف، ص٣١٠؛ الإنصاف، ص١٧٦). جوَّز الأشاعرة والسلف الصالح الرؤية بعيني رءوسهم، فالرؤية إدراك وانكشاف في البصر تحدث بفتح العين دون أن يتطلب ذلك بالضرورة شعاعًا خارجًا أو داخلًا أو ملاقاة. فكل موجود يمكن رؤيته حتى الأعراض (الدواني، ج٢، ص١٦٦–١٨١). أثبت أهل السنة والجماعة الرؤية بالأبصار بلا تشبيه ولا تعطيل (الفِرَق، ص٣١٣). لم يجوِّز أحد من أهل القبلة الإبصار بالأشعة أو انطباع شبح أو تمثل حاسة لأن الرؤية إدراك وراء العلم أو علم مخصوص (النهاية، ص٣٥٦-٣٥٧). وعند طائفة من الحشوية وأصحاب الحديث أنه يُرى بالأبصار ويُدرَك بها (المغني، ج٤، ص١٣٩-١٤٠). ويثبتها أصحاب عبد الله بن سعيد القطان مع أهل السنة. (مقالات، ج١، ص٣٢٥). وعند زهير الأثري يُرى الله بالأبصار بلا كيف (مقالات، ج١، ص٣٢٦). وقد جوَّز سفيان بن سحبان وغيره من المرجئة الرؤية بالبصر على خلاف الرؤية المعقولة في المشاهد (المغني، ج٤، ص١٣٩-١٤٠). والخلاف مع المجسمة والشعرية (شرح الأصول الخمسة، ص٢٣٢-٢٣٣). وعند الأشعري هي رؤية على الإطلاق بالعين وبالقلب على السواء (الإبانة، ص١٥–١٧). انظر أيضًا: (التحقيق، ص٩٧–١٠٢؛ المسائل، ص٣٧١-٣٧٢؛ الإنصاف، ص١٧٦–١٩٣؛ بحر الكلام، ص٢٧–٢٩؛ المحصل، ص١٣٨-١٣٩؛ الإبانة، ص١٣–١٥؛ النهاية، ص٣٦٧–٣٦٩؛ الإرشاد، ص١٨٢-١٨٣).
١٠٩  أقوى الأدلة السمعية قصة موسى التي يُعتمد عليها اعتمادًا كليًّا الواردة في سورة الأعراف: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (٧: ١٤٣). ومرة أخرى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (٤: ١٥٣)، ومرة ثالثة: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٢: ٥٥). انظر تحليل القصة كحجَّة في الغاية: (ص١٧٠–١٧٦؛ التفتازاني، ص٩١–٩٤؛ المواقف، ص٢٩٩-٣٠٠؛ الأصول، ص٩٩–١٠١؛ الإرشاد، ص١٨١–١٨٥؛ التحقيق، ص٩٨–١٠٠، ص١٠٤–١٠٧؛ النهاية، ص٣٦٣–٣٦٩).
١١٠  عند أبي علي وأبي هاشم سؤال قوم موسى له يثبت الاستحالة. وعند أبي علي لإظهار علم من أعلام الآخرة استغناء عن النظر والاستدلال والشك مثل شك إبراهيم (المغني، ج٤، ص٢١٧–٢٢٠). وعند أبي الهذيل يمكن أن يكون السؤال للتعليم والدرس وإعادة وضع الشعور في اتجاهه الصحيح نحو موقفه الشرعي في العالم. والرؤية هنا بمعنى العلم. وعند القاضي عبد الجبار هو سؤال من قوم موسى وليس من موسى (الشرح، ص٢٦٢–٢٦٥). انظر أيضًا: (التنبيه، ص٦٠-٦١؛ المعالم، ص٦١–٦٤). وعند العلاف والجبائي وأكثر البصريين سؤال موسى ليس سؤالًا، بل تجاوز إلى العلم الضروري، وإطلاق الملزوم على اللازم شائع، وأن الجواب لَنْ تَرَانِي تأكيد على النفي وإجابة على السؤال. وعند الكعبي والبغداديين أن السؤال عن يوم القيامة أو عن علامة من علاماتها وحذف المضاف أمام المضاف إليه ممكن لغويًّا، مثل: «واسأل القرية». ويرى الجاحظ أن سؤال موسى بسبب قومه ليمنع فيعلم قومه امتناعه بطريقة الأولى. وقد سأله موسى وهو يعلم الاستحالة ليتأكد دليل العقل مع دليل السمع، ومثل سؤال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، وقد يدل السؤال على عدم علم موسى بالاستحالة ثم علم بعد السؤال أن الرؤية ليست شرطًا للتوحيد، وأن السؤال صغير من صغائر الأنبياء. وتعليق الرؤية على استقرار الجبل ساكنًا أو متحركًا يمنع الرؤية، فالحركة لا تسكن والسكون لا يتحرك. والقصد عدم وقوعها وليس إثبات الإمكان (المواقف، ص٢٩٩–٣٠٢). وهي ليست حالة خاصة لموسى بل حكم عام (الاقتصاد، ص٣٩-٤٠).
١١١  مثلًا: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ مجرد تشبيه، والرؤية فرع للتشبيه، وبالتالي تفسر كما تفسر آيات التشبيه حرصًا على التنزيه بمعنى المنع من الرحمة والثواب (المغني، ج٤، ص٢٢٠–٢٢٢؛ الشرح، ص٢٦٧). وأيضًا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، (٧٥: ٢٢-٢٣) والنظر هنا لا يعني الرؤية بمعنى تقليب الحدقة أمام جسم مضيء، بل منتظرة الثواب والرحمة، وكذلك: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، (٢: ٤٦) فاللقاء لا يوجب الرؤية ضرورة، بل قد يعني الحضور واللقاء المعنوي (المعالم، ص٦١–٦٤؛ التنبيه، ص٦٠-٦١). قد يعني اللقاء تحقيق الهدف والغاية والوصول إلى المنتهى والمصير مثل الذي يلاقي حتفه. وقد يعني الثواب والمكافأة. وقد يحدث لقاء مع رؤية وقد تقع رؤية دون لقاء. لقاء الفكر مع آخر قد يتم دون رؤية، وقد تحدث رؤية فرد لآخر دون أن يتم لقاء بينهما. وما أكثر ما نرى دون أن نلقى، وما أكثر ما نلقى دون أن نرى (الشرح، ص٢٦٥–٢٦٧).
١١٢  مثلًا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (١٠: ٢٦)، فالزيادة كرؤية تأويل لا دليل عليه يقوم على إثبات اليد لأنه إثبات للوجه. ولا يجوز التأويل نقلًا، فهذا عود إلى النقل، والتأويل العقلي يقوم على قواعد لغوية أو دلائل عقلية أو قرائن حسية (المعالم، ص٦١–٦٤).
١١٣  يُروى أن الصحابة سألوا الرسول: هل نرى ربنا؟ قال: نعم، سترونه كما يُرى القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب، وكما تُرى الشمس ليس دونها سحاب، وهذا التشبيه يعني اللقاء وليست الرؤية (الإنصاف، ص١٨١-١٨٢).
١١٤  يرى الملطي الشافعي أن النصوص تثبت الرؤية والكلام وتنفيهما في نفس الوقت في الدنيا والآخرة (التنبيه، ص٦٠-٦١). أمَّا حديث النزول: «ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة جمعة ويقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيب له؟»، فإنه معارض بأخبار أخرى. والنزول لا يعني الرؤية، بل تعني درجة القرب (الإرشاد، ص١٦١-١٦٢). كما اختلف الصحابة في رؤية الرسول ليلة الإسراء. والاختلاف لا يدل على الإثبات أكثر مما يدل على النفي. وهناك تفسير عائشة لليلة كلها بما فيها الرؤية على أنها مجرد شعور بالقلب وليس حركة في المكان. كما أن حديث «أسألك لذة النظر إليك» أخبار آحاد ومُعارَض بغيرها وتوجب التشبيه (المغني، ج٤، ص٢٣٢–٢٣٣). وأيضًا: «اللهم أسأل النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضر أو مضر ولا فتنة مضلة»، وهي رواية آحاد أيضًا مُعارَضة بغيرها، تُؤوَّل مجازًا، وهي أقل من أصل الوحي في القرآن كمصدر أول (الإنصاف، ص٢٨١؛ التفتازاني، ص٩٤–٩٦؛ الانتصار، ص١٣٣-١٣٤).
١١٥  ذُكر فعل «رأى» ومشتقاته في القرآن ٣١٠ مرات، منها أربع مرات فقط في قصة موسى، وهي الحجة النقلية الوحيدة والتي تدل على طلب المستحيل، ومثل: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا (٢٥: ٢١). أمَّا باقي الاستعمالات فإن موضوع الرؤية إمَّا الظواهر الطبيعية مثل الشمس والقمر والكوكب والزرع والريح والماء والهواء والنار والمني والحرث والجبل والماء والفلك والظل والسحاب والأرض والليل والنهار، أو رؤية أصناف من الناس في أغلبهم من الكافرين والمنافقين والمشركين والظالمين والذين ضلوا ونهوا عن النجوى وجادلوا ويخوضون في آيات الله والذين في قلبهم مرض أو الذي كفر واتخذ إلهه هواه والذي تولى والذي ينهى عبدًا إذا صلى … إلخ. وقد تكون الرؤية للعذاب والنار والبأس، أو للأصنام مثل اللات والعزى. وقد تكون الرؤية للنعيم والبرهان والعمل الصالح والوعد والآيات. وتكون الرؤية لأفعال الله وخلقه وآثاره وليس لذاته والتي لا يراها الإنسان والتي تبدؤها الآيات بالاستفهام المثبت: «أفرأيت»، «أرأيتم»، أو المنفي: «ألم تر» للعظة والعبرة. ويكون الله أحيانًا هو شرط الرؤية، أي أنه هو الذي يمكن منها، مثل: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ (٣: ١٥٢)، وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ (٨: ٤٣)، فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٧٩: ٢٠)، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ (٤٧: ٣٠)، وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا (٢٠: ٥٦) (حوالي ٤٠ مرة بهذا المعنى). فالله ليس هو الرائي فقط، أي أنه ذات وليس موضوعًا: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى (٩٦: ١٤)، الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢٦: ٢١٨)، أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٩٠: ٧)، بل هو شرط للرؤية. وقد أخطأ فرعون عندما أراد جعل نفسه مكان الله بقوله: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى (٤٠: ٢٩)، وكثيرًا ما تكون الرؤية خادعة: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧: ٦٠)، إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ (٧: ٦٦)، مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا (١١: ٢٧)، وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا (١١: ٢٧)، وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا (١١: ٩١). والرؤية محدودة، فإمَّا ينظر الإنسان ولا يبصر: وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٧: ١٩٨)، أو لا يرى شيئًا على الإطلاق: خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (٣١: ١٠)، وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (٩: ٢٦، ٩: ٤٠، ٣٣: ٩). والرؤية مرتبطة بالحالة النفسية: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ (٣٣: ١٩). كما أنها بالنسبة إلى رؤية الله قد تكون وهمًا: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧٠: ٦-٧)، أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٥٣: ٣٥). فالرؤية ذاتية فردية تختلف باختلاف وضع الشعور: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (٥٣: ١٢). ولا تؤدي الرؤية إلى الفعل نظرًا للمسافة بين النظر والعمل: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا (٦: ٢٥، ٧: ١٤٦)، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (٧: ١٤٦)، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (٧: ١٤٦). فأين هذا كله من رؤية الله كذات أو كموضوع؟
١١٦  الإبانة، ص١٥–٢٧؛ الشرح، ص٢٧٢–٢٧٤؛ المحيط، ص٢٠٩؛ الإنصاف، ص١٨١-١٨٢؛ النظامية، ص٢٧-٢٨.
١١٧  التحقيق، ص١٠١-١٠٢؛ الدواني، ج٢، ص١٦٦–١٨١؛ النهاية، ص٣٥٧-٣٥٨؛ المسائل، ص٣٨–٣٧٢؛ الإبانة، ص٢٥-٢٦؛ المعالم، ص٥٩–٦١؛ المحصل، ص١٣٧-١٣٨؛ الغاية، ص١٥٩–١٦١؛ التفتازاني، ص٩١-٩٢. ويستعمل الأشاعرة بعض الحجج النقلية لإثبات رؤية الأعراض، وكأن الله جوهر يحمل أعراضًا، مما يدل على أن علاقة الذات بالصفات هي علاقة الجوهر بالأعراض (الأصول، ص١٠١-١٠٢). عرف نفسه من غير رؤية ولا إحاطة (البحر، ص٣).
١١٨  انظر الفصل الرابع: نظرية الوجود، رابعًا: أنطولوجيا الوجود، الجواهر، (٤) هل هناك جواهر مفارقة، النفس، العقل؟
١١٩  هذه هي حجج الأشعري والباقلاني والجويني (الإبانة، ص١٢–١٩؛ اللمع، ص٦١–٦٦؛ الملل، ج١، ص١٥٢؛ الإنصاف، ص٤٧-٤٨، ص١٨١؛ الغاية، ص١٦٣–١٦٥؛ الإرشاد، ص١٦٦–١٧٨؛ الشرح، ص٢٧٤-٢٧٥؛ الإنصاف، ص١٧٦–١٩٣).
١٢٠  هذه هي حجة الباقلاني، ويعترض عليها الإيجي بالآتي: (١) المرئي الأعراض وليست الجواهر. (٢) لا تحتاج الصحة إلى علة لأنها الإمكان، والإمكان عدمي. (٣) ليست علة صحة الرؤية مشتركة. (٤) ليس المشترك بينهما هو الوجود أو الحدث لأن الإمكان مشترك بينهما. (٥) ليس الحدوث سببًا لصحة الرؤية لأنها عدمية. (٦) ليس الوجود مشتركًا بين الواجب والممكن. (٧) لا نسلم أن علة صحة الرؤية موجودة في القديم. فإن كانت صحة الرؤية ثابتة فهي مخصوصة الأصل غير مخصوصة الفرع. المواقف (ص٣٠٢–٣٠٤؛ الشرح، ص٢٧٥-٢٧٦).
١٢١  الغاية، ص١٧٠–١٧٤.
١٢٢  الشرح، ص٢٣٣–٢٣٨، ص٢٦٢–٢٦٥.
١٢٣  عند الأشعري والباقلاني الرؤية في الدنيا للمؤمنين دون الكافرين (الإنصاف، ص١٧٦–١٩٣). وعند عبد الله بن سعيد القطان يُرى الله بالأبصار يوم القيامة، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون (مقالات، ج١، ص٣٢١-٣٢٢؛ الإبانة، ص١٠). يراه المؤمنون في جنة بأعين رءوسهم بلا تشبيه ولا كيفية، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة (الإنصاف، ص٢٥، ص١٤٤، ص١٧٦–١٩٣؛ الفِرَق، ص٣٣٥-٣٣٦). امتنعوا عن الرؤية في الدنيا وأجازوها في الآخرة للمؤمنين وحدهم، فلا يراه الكفار. ومنهم من فرَّق بين الرؤية والإدراك، وقال إنه لا يُدرك بالبصر ويُرى به (طائفة من الحشوية وأصحاب الحديث) (المغني، ج٤، ص١٣٩-١٤٠).
١٢٤  القاري، ص١١٣.
١٢٥  يرى عبد الواحد بن يزيد وقوم من النساك أن الله يُرى على قدر الأعمال، فمن كان عمله أفضل رآه أحسن (مقالات، ج١، ص٢٦٣، ص٣١٩).
١٢٦  انظر الفصل الحادي عشر: النظر والعمل.
١٢٧  المحيط، ص٢٠٩.
١٢٨  قال البعض برؤية الله في الدنيا في النوم دون اليقظة. وروى عن رقبة بن مصقلة أنه قال: رأيت رب العزة في النوم، فقال: لأكرمن مثواه — يعني سليمان التيمي — صلى الفجر بطهر العشاء أربعين سنة (القاري، ص١١٢-١١٣؛ التفتازاني، ص٩٦؛ مقالات، ج١، ص١٦٣).
١٢٩  اختلف الناس بين من يقول نرى الله جهرة ومعاينة وبين من ينفي ذلك، كما اختلفوا في التحديق إليه بين الإثبات والنفي (مقالات، ج١، ص٢٦٤؛ النظامية، ص٢٧-٢٨).
١٣٠  الغاية، ص١٦٦–١٦٨؛ مقالات، ج١، ص٢٦٤-٢٦٥.
١٣١  عند البعض يرى محمد ربه على صورة مخصوصة في المنام (القاري، ص١١٣؛ الفصل، ج٢، ص٢٤٩). وترى البكرية أن الله يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويكلم خلقه منها. (الفِرَق، ص٢١٣؛ الإنصاف، ص٢٧٦–١٩٣). وقد رُوي عن الرسول قوله: «رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة، فقال: يا محمد فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا …» وهناك روايات أخرى مشابهة مملوءة بالخيال الشعبي وتنتقل من أصوات الملائكة إلى جبريل إلى الله (البحر، ص٢٢–٢٤).
١٣٢  عند بعض المرجئة لله ماهية لا ندركها في الدنيا، وأنه يخلق لنا في الآخرة حاسة سادسة ندرك بها الماهية بينما ينكر ذلك البعض الآخر (مقالات، ج١، ص٢١٥). ويقول ضرار وحفص الفرد إنَّ الله لا يُرى بالأبصار ولكنه يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة (مقالات، ج١، ص٢٦٤، ص٣١٤؛ الفِرَق، ص٢١٤، ص٣٣٥-٣٣٦). وهو أيضًا رأي سفيان بن سحبان (المحيط، ص٢٠٩؛ المغني، ج٤، ص١٣٩-١٤٠). ويفسرها ابن حزم برؤية القلب فيقول إن الله يُرى في الآخرة بقوة في العين موهوبة من الله، سماها البعض حاسة سادسة، وذلك يعلم بقلوبنا، وقد وضعها الله في موسى كرامة للمؤمنين (الفصل، ج٣، ص٣–٥). وقد نفى ذلك أكثر أهل الكلام من المعتزلة والخوارج وكثير من الشيع وكثير من المرجئة (مقالات، ج٢، ص٢١). في إبطال القول بإثبات حاسَّة سادسة نرى بها القديم (المغني، ج٤، ص٩٣، ص١٠٢–١٠٨).
١٣٣  بعد اتفاق أهل السنة والجماعة على جواز الرؤية عقلًا ووقوعها شرعًا، اختلفوا في كيفية الرؤية، هل تجوز في الدنيا أم تقع في الآخرة. وقد أجمع الصحابة وأهل السنة والجماعة على أن الله يُرى في الجنة، يراه المؤمنون (الإنصاف، ص١٧٦؛ الفِرَق، ص٣٣٥-٣٣٦). الخلاف إذن ليس في جواز الرؤية بل في وقتها، في الدنيا أم في الآخرة، قبل الوقت أم بعد الوقت، بطئًا أم عجلة، مما يدل على أن الموضوع إنساني خالص (الإنصاف، ص١٨١). ينكشف الله لعباده المؤمنين في الآخرة انكشاف البدر المرئي من غير ارتسام أو اتصال أو شعاع ومواجهة (الطوالع، ص١٨٥؛ مقالات، ج١، ص٢٦٣، ص٣٢١-٣٢٢؛ الإبانة، ص١٢–١٩؛ النسفية، ص٩١–٩٤). ويرى الأشعري أن رؤية القلب مُمكنة لا رؤية العين، وفي نفس الوقت ينفي تأويل الرؤية على أنها رؤية القلب (الإبانة، ص١٢-١٣). وعند الأشعري وعبد الله بن سعيد القطان يُرى الله بالأبصار يوم القيامة (مقالات، ج١، ص٣٢١-٣٢٢؛ الإنصاف، ص٤٧-٤٨، ص١٧٦–١٩٣). ولما سأل موسى الرؤية في الدنيا تجلَّى الله للجبل فجعله دكًّا فعلم أنه لا يراه في الدنيا (مقالات، ج١، ص٣٢١-٣٢٢). وعند جمهور أهل السنة والمرجئة وضرار بن معمر من المعتزلة لا يُرى الله في الدنيا أصلًا وجوَّزه الحسين محمد النجار (الفصل، ج٣، ص٣). وذهب المجسِّمة إلى أنه يُرى في الدنيا والآخرة (الفصل، ج٣، ص٣). وتقول بعض المرجئة برؤية الله بالأبصار في الآخرة. (مقالات، ج١، ص٢١٤؛ الإبانة، ص١٥-١٦؛ الأصول، ص٩٨-٩٩). ويُؤوِّل البعض الرؤية في المعراج على أنها رؤية القلب لا العين (الإنصاف، ص١٧٦–١٩٣). وصحيح أن الرسول رأى ربه ليلة الإسراء بفؤاده لا بعينه (القاري، ص١١٢). وقد اختلف الصحابة حول رؤية الرسول لله ليلة الإسراء والمعراج بالقلب أم بالعين. فقالت عائشة وبعض الأصحاب بالقلب، وقال ابن عباس والبعض الآخر بالعين، ووافقه الباقلاني (الإنصاف، ص١٧٦). وعليه يعتمد الأشعري في إثبات الرؤية في الآخرة. ويرى البعض هذه الرؤية خاصة بالرسول ولا تعمم على غيره.
١٣٤  من هذه الأدلة مثلًا: «وجوه يومئذٍ …»، والنظر هنا هو الانتظار والتفكر والاعتبار وليس الإبصار. كما يعني مشاهدة الحقيقة وكشف الحجاب، والتعرف على الحق، فالله ليس شخصًا بل مبدأً. وأيضًا: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، وهذا لا يعني الرؤية بل الحجاب النفسي والمعنوي والأدبي. كما أنه لا يجوز التفسير عن طريق القلب والنقيض. لما كان الكفرة هم المحجوبون، إذن يراه المؤمنون. فالأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده عند الأصوليين. رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، وقد كان الطلب في الدنيا مستحيلًا، ولا يوجد دليل على إمكانه في الآخرة. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ولا يوجد دليل على أن الزيادة هي الرؤية في الآخرة، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، واللقاء غير الرؤية، إذ يمكن تحية الغائبين ولقاء الأفكار، والنظر لا يقتضي الرؤية، فيمكن رؤية الماهيات أو حدس المعاني، والرؤية بلا كيف تحصيل حاصل، والتشبيه بالعين مجرد صورة فنية وليس واقعًا حسيًّا. وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، فلو اشتهى أهل الجنة الرؤية ولم يروه لخلف الله وعده، وهذا افتراض خالص، فأهل الجنة لا يسألون أسئلة الاغتراب في الدنيا. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، وهذا لا يتضمن الرؤية. أمَّا الأحاديث فمثل: «إنكم سترون …»، وهي آحاد، وغير واردة في القرآن، وهو الأصل، ومُعارَضة بروايات أخرى. أمَّا الإجماع فإنه ليس ملزمًا لكل عصر، بل كل عصر له إجماعه. ويعتمد على النصوص الخاضعة للتأويل. وهو إجماع ناقص، بدليل مخالفة بعض الصحابة. والإجماع جائز في المسائل العملية في التشريعات وليس في الموضوعات النظرية كالعقائد. كما أن الإجماع خاضع للتفسير والفهم، ويمكن خرقه بالاجتهاد (المغني، ج٤، ص١٣٤–١٣٨؛ التحقيق، ص٩٩–١٠١، ص١٠٦). ويرى ابن سالم البصري إمكانية رؤية الكفرة له أيضًا دون استثناء (الفِرَق، ص٣٣٥-٣٣٦). وعند الأشعري «لأن رؤية الله أفضل اللذات، وأفضل اللذات يكون في أفضل الدارين» (الإبانة، ص١٣–١٥). ويرى الباقلاني أنها بلا تشبيه ولا تكييف (الإنصاف، ص٤٧-٤٨، ص١٤٤؛ الفقه، ص١٨٦). أمَّا رواية ابن مسعود عن إثبات الرؤية للرسول ليلة المعراج فمعارضة برواية عائشة. ومع ذلك يجعل الباقلاني الرؤية جائزة عقلًا وواجبةً للمؤمنين في الآخرة شرعًا (الإنصاف، ص٢٥، ص٤٧-٤٨، ص١٧٦). والحقيقة أنها مستحيلة عقلًا وغير واجبة شرعًا في الآخرة. ويراها الباقلاني رؤية بالأبصار كما أخبر القرآن (الإنصاف، ص٢٥، ص٤٧-٤٨؛ الأصول، ص١٠٠-١٠١؛ الإرشاد، ص١٨١-١٨٢؛ الدواني، ج٢، ص١٦٦–١٨١؛ مقالات، ج١، ص١٦٥، ص٣٢١-٣٢٢؛ الملل، ج١، ص١٥٢؛ الإنصاف، ص١٨٠-١٨١؛ الإبانة، ص١٠، ص١٣–١٥؛ المحصل، ص١٣٨-١٣٩؛ النهاية، ص٣٦٩؛ المسائل، ص٣٧٢-٣٧٣؛ الإنصاف، ص١٧٧–١٨٠؛ التحقيق، ص٩٨–١٠١، ص١٠٦؛ الفصل، ج٣، ص٤؛ المواقف، ص٣٠٥–٣٠٧).
١٣٥  عند الباقلاني رؤية الله جائزة عقلًا وواجبة للمؤمنين شرعًا في الآخرة (الإنصاف، ص١٧٦)، وذلك تشريف لهم بها (الإنصاف، ص٤٧-٤٨؛ الإرشاد، ص١٨١؛ الطوالع، ص١٨٥؛ المقالات، ج١، ص٣٢١-٣٢٢؛ الملل، ج١، ص١٥٢؛ الإبانة، ص٢٧).
١٣٦  زعم قوم من النُّسَّاك أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله ويأكلوا من ثمار الجنة ويعانقوا الحور العين في الدنيا ويحاربوا الشياطين. مقالات (ج١، ص٢١٩؛ المحصل، ص١٣٧-١٣٨). وأنه من المحتمل أن يكون المانع من الإدراك تكدر النفس بالشواغل البدنية وانغماسها في الرذائل الشهوانية وتعلقها بعالم الضلال وانهماكها في البدن وما يتعلق به من الأحوال. فعند صفوها في الدار الآخرة وزوال كدرتها بانقطاع علائقها وانفصال عوائقها يتحقق لها ما كانت مستعدة لقبوله متهيئة لإدراكه (الغاية، ص١٧٠–١٧٤؛ الاقتصاد، ص٣٦–٣٩؛ الإبانة، ص٤١٢).
١٣٧  يرى محمد عبده أن نفي الرؤية رد فعل على إثباتها، وكلاهما يتفق على منع الرؤية الحسية، يعني بذلك أهل السنة (المرجئة والأشاعرة) والمعتزلة باستثناء المجسمة. ويقول الغزالي: «وأمَّا الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود لا في جهة فأثبتوا الجهة حتى لزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث. وأمَّا المعتزلة فإنهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها وخالفوا بها قواطع الشرع وظنوا أن في إثباتها إثبات للجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين عن التشبيه، فأفرطوا، والحشوية أثبتوا الجهة احترازًا من التعطيل فشبهوا» (الاقتصاد، ص٣٩-٤٠؛ الرسالة، ص٢٠٣-٢٠٤). إنكار الفلاسفة والمعتزلة للرؤية رد فعل على إثباتها لدى المجسمة وأهل السنة (المحصل، ص١٣٧-١٣٨). والإنكار أقرب إلى عبارات أهل السنة الإنشائية الدائرية، مثل: «لا تعقله العيون ولا تقابله الظنون» (الإنصاف، ص٤٢). وكان أكبر رد فعل هو جهم في نفي الرؤية (التنبيه، ص٩٨، ص١١٦). فعند الجهمية لا يرى العباد لله ولا ينظرون إليه في الجنة ولا في غيرها، وأنه ليس بينهم وبين الله خلل ينظرون منها وأنه لا حجاب لله وأن موسى كفر حين سأل وكذلك عيسى لأنهما زعما أن لله نفسًا (الإنصاف، ص٧). وكان رد الفعل الثاني عند المعتزلة. فالله لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع (مقالات، ج١، ص٢١٦). اتَّفقت المعتزلة على نفي الرؤية لله بالأبصار في دار القرار (الملل، ج١، ص١١٧). أهل العدل بأسرهم والزيدية والخوارج وأكثر المرجئة لا يجوِّزون رؤية الله بالأبصار ولا يُدرَك بها على وجه، لا لحجاب ولا لمانع ولكن للاستحالة (المغني، ج٤، ص١٣٩-١٤٠). نفت القدرية والجهمية الرؤية (الفِرَق، ص٣٣٥–٣٧٦). ويتَّفق بعض المرجئة على نفي رؤية الله بالأبصار (مقالات، ج١، ص٢١٤-٢١٥). كما تنفي بعض المرجئة أن يخلق الله حاسة سادسة ندرك بها ماهية الله في الآخرة، وعند البغداديين أن الله لا يرى ولا يُرى، وعند البصريين يستحيل أن يكون الله مرئيًّا. فأجمعت المعتزلة على أنه لا يُرى بالأبصار (مقالات، ج١، ص١٨، ص٢٦٥). ورفضت المعتزلة الرؤية في الآخرة على أنه انكشاف الله لعباده المؤمنين انكشاف البدر المرئي. الطوالع (الفصل، ج٣، ص٣). ونفى الجباءان الرؤية بالأبصار في دار القرار (الملل، ج١، ص١١٧، ص٦٦). كما أنكرت الفلاسفة الرؤية (المعالم، ص٥٩). أجمعت جماهير الفلاسفة مع المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا (الغاية، ص١٥٩). أنكر الرؤية طوائف عديدة مثل المعتزلة والنجارية والجهمية الرافضة الزيدية والخوارج في الدنيا أو في الآخرة (مقالات، ج١، ص١٦٥، ص١٨؛ الإنصاف، ص١٧٦-١٧٧). وقالوا: لا يُرى ولا يرى نفسه. وكفَّر أبو موسى المردار كل من أثبت الرؤية (الإنصاف، ص٤٢؛ الانتصار، ص٥، ص٦٧-٦٨). أنكرها أيضًا أبو شمر من المرجئة والحسين بن محمد النجار (الفِرَق، ص٢٠٦–٢٠٨). ويصف القاري بالغباء من يدعي أن الأولياء يرون الله بالعين، فقد نقل جماعة الإجماع على أن رؤية الله لا تحصل للأولياء في الدنيا. وقال ابن الصلاح وأبو شامة أنه لا يُصدَّق مدعي الرؤية في الدنيا حال اليقظة، فإنها شيء مُنع منه كليم الله موسى. فإذا كان هناك خلاف في النبي، فكيف يحصل لغيره؟ (القاري، ص١١٣).
١٣٨  المغني، ج٤، ص١٧٣–١٧٦.
١٣٩  الغاية، ص١٧٧-١٧٨؛ الأصول، ص١٠١-١٠٢؛ المحيط، ص٢١٢؛ التحقيق، ص١٠٢–١٠٤؛ المغني، ج٤، ص١٤٠–١٦١. ويُخصصها الغزالي بأنها في الدنيا فقط دون الآخرة (الاقتصاد، ص٣٩-٤٠).
١٤٠  والمقصود بها عند المعتزلة التأييد لا التأكيد كما هو الحال عند الأشاعرة (الغاية، ص١٧٧-١٧٨).
١٤١  هو سؤال عائشة للرسول: هل رأيت ربك ليلة المعراج؟ ورده بالنفي. انظر أيضًا الحجج النقلية (الدواني: ج٢، ص١٦٦–١٨١؛ الإبانة، ص٧؛ البحر، ص٢٧–٢٩؛ المعالم، ص٦٤–٦٧).
١٤٢  يرفض الرازي تأويل المعتزلة النعمة بالانتظار؛ لأن الانتظار سبب النعم، والآية مسبوقة لبيان النعم. كما يرفض تأويلهم بأنها إلى ثواب ربها ناظرة لأن ذلك يتطلب تقليب الحدقة (المحصل، ص١٣٨-١٣٩؛ المواقف، ص٣٠٥–٣٠٧؛ الغاية، ص١٧٤–١٧٦؛ الفصل، ج٣، ص٤، ص١٠٦) كما يرفض الأشعري هذه التأويلات (الإبانة، ص١٢-١٣؛ اللمع، ص٦٣–٦٦؛ النهاية، ص٣٦٩). وعند الحسين بن النجار يجوز أن يحول الله العين إلى القلب ويجعل لها قوة العلم بها ويكون ذلك العلم رؤية الله أي علمًا له. وعند ابي الهذيل الرؤية بالقلب ونفي العلم ولكن الفوطي وعبَّاد ينكران ذلك. ويرفض الأشعري تأويل الرؤية بمعنى العلم أو الظن أو النظرة للثواب أو العطف أو الانتظار أو الرؤية بالقلب (الإبانة، ص١٢–١٩؛ مقالات، ج١، ص٢٦٥). عند أبي الهذيل نرى الله بقلوبنا، أي نعلمه بقلوبنا (مقالات، ج١، ص٢١٨، ص٢٦٥؛ الملل، ج١، ص١٣١). وفي اللغة اليونانية Eidos من فعل Idein وكذلك اللغة العربية: رأي من فعل رأى.
١٤٣  التحقيق، ص١٠١-١٠٢؛ النهاية، ص٣٥٦-٣٥٧، ص٦٧-٦٨؛ البحر، ص٢٧–٢٩؛ المحيط، ص٢١٢-٢١٣؛ المعالم، ص٦٤–٦٧.
١٤٤  ويقدم الرازي حجة أخرى مؤداها أنه لو كان مرئيًّا لرأيناه الآن في الحال، وهي حجة واقع وتحدٍّ بالمشاهدة (الطوالع، ص١٨٧-١٨٨؛ المحصل، ص١٣٩).
١٤٥  انظر دليل المقابلة في: (الشرح، ص٢٤٨–٢٥٣؛ المحيط، ص٢٠٩-٢١٠؛ الإرشاد، ص١٨٠-١٨١؛ التحقيق، ص١٠٥-١٠٦).
١٤٦  انظر دليل الموانع في: (الشرح، ص٢٥٣–٢٦١؛ المحيط، ص٢٠٩–٢١٢؛ المغني، ج٤، ص٦٤–٦٩). ويرفض الجويني دليل الموانع بأن ذلك قياس الغائب على الشاهد (الإرشاد، ص١٧٥-١٧٦، ص١٧٩-١٨٠).
١٤٧  يرد القاضي عبد الجبار على شبهات الأشاعرة، فيقول: لا يعني كونه فاعلًا قادرًا أنه مرئي فذلك نقل الرؤية إلى القدرة، وأن كونه قائمًا بنفسه جوهرًا فإن الجوهر لا يعني مرئيًّا، وإذا كانت الرؤية إمَّا ممكنة أو ممتنعة، والامتناع ضرورة أو استدلالًا ولما بطل الإمكان جاز الامتناع. إذن الرؤية مستحيلة ضرورة واستدلالًا. وإثبات الرؤية يؤدي إلى التشبيه بالضرورة. تنفي رؤية العين للموضوع والمقابلة وتثبت رؤية المعاني في الشعور. ولا يعني نفي الرؤية نفي كونه رائيًا؛ لأن نفي الموضوع ليس نفيًا للذات (المغني، ج٤، ص١٧٦–٣٣٢).
١٤٨  أجمعت المعتزلة على أن الله لا يرى نفسه، واستحالة رؤيته بالحواس أو بغير حاسة. وذهبت شرذمة منهم إلى أنه يرى نفسه ولكن تمتنع رؤيته لأن الرؤية لا تتم إلا بحاسة. وذهب الكعبي والنجار إلى أنه لا يُرى ولا يرى نفسه ولا غيره. فهو وإن كان لا يرى ذاته إلا أن لديه شعورًا بذاته، ومع ذلك فإن رؤيته للغير ممكنة لأن الذات ترى الموضوع (الإرشاد، ص١٧٦).
١٤٩  ويدل على ذلك أن العشرة فصول الأولى من باب الرؤية في «المغني» في نظرية المعرفة وليست في الإلهيات (المغني، ج٤، رؤية الباري، ص٣١–٨٨).
١٥٠  المغني، ج٤، ص٣٦–٣٨.
١٥١  المغني، ج٤، ص٥٠–٥٨.
١٥٢  يركز القاضي عبد الجبار على الشعاع الأوَّل فقط، ج٤، ص٥٩–٦٣.
١٥٣  المغني، ج٤، ص٨٠–٨٥، ص٩٩–١٣٨.
١٥٤  الشرح، ص٢٣٨–٢٤٨.
١٥٥  يقول المعتزلة أحيانًا أن الله نور يصعب التحديق إليه، والنور هنا ليس بالمعنى الحسي ولكن بالمعنى المجازي (الإبانة، ص١٥-١٦). ورأي المعتزلة والفلاسفة أقرب إلى العلم من حيث التركيز على اتساع الحدقة أو قفلها. فرؤية الشمس تبقى بعد غمض العين، ورؤية الأبيض بعد الأخضر يكون مشوبًا بالأخضر، ورؤية الضوء القوي يبهر الحدقة (المواقف، ص٢٩٩-٣٠٠).
١٥٦  المغني، ج٤، ص٧–٧٩.
١٥٧  «في إبطال القول بأنَّا نرى القديم الآن» (المغني، ج٤، ص٩٩–١٠١).
١٥٨  يحدد الرازي هذه المراتب على أنها محل النزاع قائلًا إن الإدراكات ثلاثة أنواع: (أ) أضعفها معرفة الشيء لا بحسب ذاته بل بآثاره. (ب) أوسطها معرفة الشيء بحسب ذاته المخصوصة. (ﺟ) أكملها معرفة الشيء برؤيته (المعالم، ص٥٩–٦١).
١٥٩  الشرح، ص٢٣٨-٢٣٩.
١٦٠  المغني، ج٤، ص٥٣.
١٦١  الإبانة، ص١٢–١٩؛ الإرشاد، ص١٧٦؛ النسفية، ص٩١–٩٤.
١٦٢  يبرز الباقلاني وضعه لموضوع الرؤية في آخر كتابه بأنها أعلى الأشياء وأجلها، وبها يختم للمؤمنين المصدقين لها حتى يستحقوا كل نعيم في جنبها (الإنصاف، ص١٧٦). «لأنها أعلى العطايا وأسنى الكرامة وليس فوقها مزيد بل هي الزيادة» (الإنصاف، ص١٤٤). ويصف الآمدي من يقول بذلك بأنه من أهل الضلال (الغاية، ص١٥٩؛ الإنصاف، ص٤٧-٤٨).
١٦٣  عند هشام بن الحكم أن الله ذو لون وطعم ورائحة ومجسة، لونه هو طعمه، وطعمه هي رائحته، ورائحته هي مجسته، وهو نفسه لون (مقالات، ج١، ص١٠٢، ص٢٥٧؛ الفِرَق، ص٦٥، ص٢٢٧). وهو قول يقارب على مستوى التجسيم ما يقوله الفلاسفة، عقل وعاقل ومعقول، وما تقوله المعتزلة في نفي الصفات الزائدة على الذات. كما يرى هشام بن سالم الجواليقي أن معبوده هو نفسه لون، ذو حواس خمس كحواس الإنسان (مقالات، ج١، ص٢٥٧؛ الفِرَق، ص٦٩). كما يصح عند ابن أبي بشر إدراكه من غير هذه الحاسة (البصر)، وجاز أن يُسمع ويُشم ويُذاق ويُلمَس لأنها معانٍ (المحيط، ص٢٠٩؛ الغاية، ص١٦٨–١٧٠؛ الإرشاد، ص١٦٨–١٧٣؛ الاقتصاد، ص٣٦–٣٩). والذي ألزمهم هو أنه تعالى لو جاز أن يرى لجاز أن يلمس ويشم خاصةً على مذهبهم أن رؤية الله من أعظم الثواب، فيجب أن يكون القديم مشتهى معشوقًا، تعالى عن ذلك (الشرح، ص٢٧٦-٢٧٧).
١٦٤  ذكر بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونًا ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة (مقالات، ج١، ص٢٥٧).
١٦٥  هذا افتراض يرد عليه الأشعري بقوله: «وأمَّا السمع فلم يختلف أصحابنا فيه، وجوَّزوه جميعًا، وقالوا إنه جائز أن يسمعنا الباري نفسه متكلمًا» (اللمع، ص٦٢-٦٣، ص٦٧-٦٨، البحر، ص٢٧–٢٩). وقد نفى الأشعري أن يُذاق أو يُلمَس أو يُشم أو أن يكون جسمًا (الإبانة، ص١٢-١٣). يميل الأشاعرة وأهل السنة إلى وصف الله بالألوان والطعوم والروائح (الأصول، ص٧٨-٧٩؛ المسائل، ص٣٦٠؛ المحصل، ص١١٥-١١٦؛ النسفية، ص٦٤؛ التفتازاني، ص٦٤؛ المواقف، ص٢٧٧-٢٧٨؛ المغني، ج٤، ص١٣٤–١٣٨؛ الإرشاد، ص١٧٣-١٧٤؛ الحصون، ص٨٧؛ المحيط، ص٢٠٩). انظر أيضًا الفصل الرابع: نظرية الوجود، ثالثًا: الأعراض، (٣) الكيف.
١٦٦  الكفاية، ص٦٨-٦٩؛ الدواني، ج٢، ص١٦٦–١٨١.
١٦٧  يقول محمد عبده: «ولكن مني الإسلام بقوم يحبون الخلاف، والله فوق ما يظنون» (الرسالة، ص٢٠٣-٢٠٤).
١٦٨  يقول الآمدي: «وقد سلك المتكلمون في ذلك من أهل الحق مسالك لا تقوى» (الغاية، ص١٥٩).
١٦٩  عند المردار أنه من جوز الرؤية بالأبصار بلا كيف فهو كافر، والشاك في كفره كافر، إلى ما لا نهاية. وكفَّر باقي المعتزلة من أجاز الرؤية بالمقابلة والاتصال. والذين أثبتوا الرؤية كفَّروا المردار وكفَّروا الشاك في كفره! (الفِرَق، ص١٦٦؛ الملل، ص١٠٤؛ الإنصاف، ص٤٢؛ الانتصار، ص٦٧-٦٨).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١