اللاعنف والخراب العاجل

إن لكل لفظة في أي لغة مدلولًا محددًا، يتصوره الذهنُ ويعرف معناه، لكن في عصر بذاته محدد زمنيًّا ومكانيًّا أيضًا بذاته له سماته المميزة؛ لأن اللفظ يكتسب مدلوله من الخبرة بالمكان والزمان والبيئة ودرجة التحضر ومكونات المجتمع وأنماطه الاقتصادية. فإذا تغيَّر المكان والزمان واستمرت اللفظة قائمة لم تندثر فإنها لا بد وأن تكتسب مدلولًا جديدًا يليق بهذه المتغيرات؛ فاللفظة حقيبة نضع فيها ما نشاء وما نحتاج إليه من أفكار ومعانٍ ودلالات ومفاهيم، ويمكننا الإضافةُ إليها وكذلك يمكننا الحذف منها وفق آليات المتغير الموضوعي، وربما تستمر اللفظةُ هي هي لكن مضمونها لا بد أن يتغير، كذلك دلالاتها وما نفهمه منها، كذلك يمكن أن تختفيَ هذه الحقيبة بالمرة وأن تظهر حقائب أخرى جديدة. وعليه فإن أيَّ نص تمَّ تدوينُه في زمن ومكان بعينه، فقد تمت صياغته وصبُّه في قالب زمكانه، فينطبع بطابع ثقافة مجتمعه، وتقاليده، وعاداته، وسلوكيات أهل زمانه وقِيمهم وقواعدهم الحقوقية.

ولا يمكن إدراكُ الفهم الحقيقي لدلالات أيِّ نص باستخدام ثقافة مختلفة عادة ما تؤدي إلى نتائج زائفة ومضللة؛ لأن النص هو حفرية لغوية تحمل صورة حية لمجتمعها الذي صاغها ومحيطها البيئي وزمانها.

ومع التطور تظهر ألفاظٌ وتعابير جديدة، مع ظهور الجديد دائمًا في حياة البشر من كشوف ومخترعات وعلوم طبيعية وإنسانية وقيمية وقانونية وأخلاقية … إلخ. وتحمل هذه الألفاظ الجديدة تاريخَ ميلادها بدلالات زمن نحتها أو تخليقها، لتضاف من بعد إلى المعجم اللغوي لأصحابها ومخزونهم المعرفي، وتظل مستمرة لتحمل دلالات جديدة أو تتغير أو تختفي من اللغة.

مع التسارع الهائل في الكشوف والمتغير التطوري الصاعد للبشرية، حدث ذات التسارع على مستوى اللغة ميلادًا وموتًا وتطورًا. ففي مصر كانت هناك ألفاظٌ أساسية يعرفها الجميع لارتباطها بطبيعة البلد الزراعية زمانًا ومكانًا وبيئة، ظلت معلومةً حتى لأبناء جيلي، لتختفيَ من بعد مع ظهور الميكنة الزراعية المتطورة، وذلك مثل كلمة الشادوف والطنبور والنورج، لن تجد من يعرفها من أبناء القرية المصرية اليوم؛ فقد اختفى اللفظُ باختفاء الشيء، فكان الشادوف والطنبور لرفع المياه وهو ما لم تعُد له حاجة مع مكائن الرفع، واختفت كلمةُ النورج باختفاء النورج الذي كان آلة بدائية تفصل القشور عن الحبوب، لكن زمن النورج والشادوف والطنبور لم يكن أحد يعلم معنى كلمة تليفزيون أو كمبيوتر أو ريموت كنترول لأنه لم يكن عُرِف بعد في بلادنا.

وغير أسماء الأشياء هناك التعبيرات ذات الدلالات المعنوية، وذلك مثل «علاقة شريفة» بين ذكر وأنثي، فهي عندنا تعني عقدَ نكاح علني بين الزوج (الذي عليه دفع أجر المرأة مهرًا مفروضٌ شرعًا) وبين وليِّ المرأة، بينما ذات التعبير في مكان آخر بالغرب في ذات الزمان يحمل دلالة مختلفة تمامًا، فهو تراضٍ بين ذكر وأنثى ولا دور للمجتمع ولا للدين بالمنع أو بالسماح أو لتشريف العلاقة أو لتبخيسها؛ لأن الدلالة الجديدة ليست حلالًا أو حرامًا بقدر ما هي شأن شخصي لا دخلَ للدين أو المجتمع بها، بل إن مهمة المجتمع حمايتها ورعايتها؛ فدلالة العلاقة الشريفة في الغرب تقوم على حرية الاختيار والتراضي التي هي عندهم قدس الأقداس.

وقياسًا على ما سلف لا يعود هناك أيُّ معنًى للقاعدة الفقهية التي تقول: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.) والتي ربما جازت في التعميم على زمانها، لكنها لا تصح بالتعميم على كل مكان حتى في زمنها.

وطالما أن الإسلام قد ظهر في جزيرة العرب وبلغتهم في القرن السابع الميلادي، وحتى نفهم مقاصده الحقيقية، فلا بد أن نتعامل مع الألفاظ بدلالات زمنها، كما كان يفهمها أهلُ مكانها البيئي وظرفهم الاجتماعي والاقتصادي، وليس كما يشرحها لنا وعَّاظ أيامنا ليحملوها بدلالات لم يقصدها السلفُ ولا أرادته اللغة بل ولم تعرفه اللفظة أصلًا.

لمزيد من التدقيق نضرب أمثلة أخرى، فكلمة الناس الواردة على تكرار في القرآن والحديث والرسائل المدونة والنصوص الأخرى المختلفة لأهل ذلك الزمان، كانت تعني بالناس العرب وحدهم، ومع ازدياد عدد المسلمين أصبحت تخص العرب المسلمين وحدهم، وهو موقف نفسي ينعكس في اللفظ، وشأن مكرر ومعلوم حتى عند أقدم الشعوب المتحضرة؛ فالمصري القديم مثلًا كان يقصد بلفظ الناس المصريين وحدهم، وما عداهم أنواع أدنى من الكائنات شبه الإنسانية، وفي زمن الإمبراطورية المصرية تم السماح للأجانب بالتجارة في مصر والسكنى فيها؛ مما دفع الحكيم، نفررحو، وهو يتنبَّأ بنهاية العالم ومجيء يوم الدينونة للقول: «انظروا، إن نهاية الأيام تقترب، ألا ترون الأجانب في مصر قد أصبحوا من الناس؟!»

وهو نفس الموقف الذي تبناه الرومان فكانوا هم الناس وما عداهم برابرة، اعتزازًا بتطورهم الحقوقي والقانوني، وهو ما كان يدفعهم لرؤية المجتمعات التي بلا قانون في حكم التجمعات الحيوانية المتوحشة.

وكلمة مثل «الأرض» كانت تُستخدم في بلاد العرب الوعرة للدلالة على جزيرة العرب بالذات، وأحيانًا تتم إضافة دول العالم المعروف لبدو الجزيرة. وفي هذا الحال كان يفضِّل العربي لفظ «العالم» لكنه لم يكن يعلم ما يعلمه تلميذُ الابتدائي اليوم، وما تستحضره لفظة الأرض من دلالات ومعانٍ، فهي اليوم تستدعي النظام الكوكبي مقارنًا بالنظام النجمي الشمسي، مقارنًا بنظام المجرات النجمية، وخصائص كل منها، وأن الأرض ضمن تسعة كواكب هي المجموعة الشمسية، وأن للأرض خصائص أخرى فهي تتكون من خمس قارات وستة محيطات و… إلخ … إلخ.

مثال آخر من لون المعاني المجردة، لفظ «القدرة»، كانت تعبر عند العربي عن القوة المادية والبدنية بإطلاق؛ ففي رسالة الغفران التي وصلتني بعد إعلان توقفي عن كتابة كفرياتي في روز اليوسف تحت التهديد بالقتل، جاء القول: «وحسبك أنك نجوت من قتل محقق، إي والله، بعد أن أعددنا البيان الذي كنا سننشره على الإنترنت بعد قتلك. وقد اعترض بعضُ الأُخْوة على إيقاف العملية، على اعتبار أن الزنديق لا تُقبل توبته وإن تاب، ولكن الأمير حفظه الله حسم هذا الخلاف بترجيح أن المرتد إن تاب قبلَ القدرة عليه تُقبل توبته، لقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ.» ا.ﻫ. وهو ما يقوم على عدم قبول الله إيمان فرعون عند الغرق وهو تحت القدرة، والمعنى أني قد تبت قبل أن يصل السلاحُ إلى عنقي، أو على الأقل قبل خطفي.

كانت القدرة هي القوة المادية بإطلاق، بينما اليوم أصبحت القدرة مخزنًا لقوانين العلم واصطلاحاته، فهي الفولت في الكهرباء، وهي الحصان أو الطن في المحركات، وهي الأمبير، وهي الأوم والوات في الصوتيات، وهي الريختر في الزلزال، وهي الأوزان الذرية … إلخ، لكن أصحاب التهديد الإرهابي الذين ردوا على توقفي عن النشر برسالة الغفران، يحفظون اللفظ في لفائف دلالاته القديمة ليحمل ذات الدلالات القديمة، وهو أسلوب مفهوم متسق، لا يعمد للتزوير والخداع والمراوغة اللفظية، وهو خطاب يقف في مكانه الطبيعي داخل منظومته دون تنافض؛ لأنه يحدد إدراكه وفق ما تمت كتابتُه بفكرِ وعقل مَن كتَبه يومَ كتَبه. المشكلة فيمن يزوِّرون علينا وعلى المسلمين كذبًا ونفاقًا، ويقدمون لنا ألفاظًا وتعابير من الماضي محمَّلة بدلالات من فكر وعلم وتقاليد وعادات وقوانين اليوم. المثير للرعب أن هذا الخطاب المخاتل يجد صدى لدى من يملكون القوة في العالم اليوم من دول عظمى، وتنطلي عليهم خديعتُه لأنهم خارج كلِّ تعقيدات الفِرَق الفقهية المتراكمة عبر الزمن، ومن ثَم لا يملكون أدوات النفاذ للدلالات الحقيقة لما يطرحه الإسلام السياسي على عالمنا اليوم، فيتصورون ذلك اعتدالًا بعكس التطرف الدموي، ويفهمون عنهم أنهم قوم وسطيون يدعون للمحبة والتسامح والمساواة، ويتلهفون على الديمقراطية تلهفًا، بينما شاعرهم الأمجد يشرح شأن العرب قائلًا:

نحن أناس لا توسُّطَ بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر

لكن هذا الفريق المعتدل الوسطي الديمقراطي هو نفسه من يحدثنا عن المقاومة الشريفة في العراق الحزين، المقاومة بتفجير الأجساد، سواء كان الجسد جسد المفجر، أو جسد الأم الممزق وجسد طفلها الرضيع في حضنها يرضع ثديًا ممزقًا، سواء كان يهوديًّا أو مسلمًا أو أي ملة أو أي لون. ويقول لنا المعتدلون إن هذه المقاومة دفاع شرعي عن الوطن! فأي وطن يقصدون؟ يقولون إنهم يفعلون فعل فرنسا (مقاومة وطنية) عندما احتلها النازي! ولكن هل في الإسلام أيُّ مفهوم عن الوطن كما هو حال فرنسا؟!

إن الإسلام لم يكن فيه معنًى للوطن كما نفهمه اليوم، ولا حتى كما فهمه العراقي القديم، أو الشامي أو المصري القديم؛ لأن الإسلام هو الوطن ولا يعترف بالأوطان لأنه إنما المسلمون أمة لا إله إلا الله أينما كانوا بدون حدود وطنية، وحتى هذه اللحظة الراهنة لا يعترف هؤلاء بالوطن والمواطنة جميعًا على اتفاق، من ابن قرضاوي إلى ابن عاكف إلى ابن هويدي إلى ابن باز، فلماذا إذن المقاومة؟! أم الصواب أن يتم الاعتراف أولًا بالوطن وإعلاء شأن الوطنية على بقية القيم أرضيةً كانت أم سماوية حتى يمكن الحديث بعد ذلك عن المقاومة الوطنية. ورغم ذلك يستخدمون اللفظ المستحدث «المقاومة» للدلالة على جرائم حرب وإبادة جماعية بكل معنى الكلمة، فهي حرب بربرية يخوضها الإسلام السياسي والوهابي والشيعي بمنطق ما وراء ألف وأربعمائة عام مضت، على أرض العراق ضد العراقيين جميعًا.

الملحظ الطريف أنهم وهم يتحدثون عن المقاومة في العراق لا يصفونها أبدًا بالوطنية، إنما هي المقاومة الشريفة، هي المقاومة الباسلة، هي المقاومة الاستشهادية، هم أسود الله. أما المتكرر المعتاد فهو المقاومة الإسلامية، وهو ما يعني فورًا أن الموتى من المسلمين على أيدي هذه المقاومة الإسلامية هم من غير المسلمين. هذا قول المعتدلين.

أما الأكثر طرافة فهبتُهم هبةُ رجل واحد للحديث عن الحريات وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والمساواة والديمقراطية والعدل، وترديدهم ذلك من باب التأكيد أنهم قد آمنوا بهذه القيم الإنسانية الراقية، وأنهم سيشاركون في عملية الإصلاح، وهو ما يعني أن هناك فسادًا يعرفه الجميع؛ لأن الجميع يدعون إلى الإصلاح، نحن، وهم، والدول الأجنبية، وحتى حكوماتنا تدعو للإصلاح، ولا نفهم لمن نوجِّه دعوتنا بالإصلاح، العالم كله يدعونا للإصلاح، وهذه الدعوة المخجلة المهينة موجهة للمسلمين دون شعوب العالم. والملاحظ أن المشايخ أو الكهنة والدولة التي هي الحكومة، والحكومة التي هي الدولة (هذا خط بلادنا)، والإخوان المسلمين، وجميع الأحزاب والهيئات يطلبون جميعًا الإصلاح، كما لو أن أحدًا قد منعهم قبل ذلك من الإصلاح عبر زمننا الطويل الأسود من قرن الخروب، كما لو أن هناك من اعترض محاولة تطبيق أيٍّ من تلك الألفاظ المحترمة التي يلوكونها منذ فجر الخلافة، وحتى يومنا الهباب الحالي، ولو مرة يتيمة واحدة.

مشكلتنا إذن هي مع فريق النصابين المشتغلين بالدين علينا، الذين يقومون باستحضار الألفاظ من أكفان ١٤٢٥ عامًا مضت ثم يحملونها بدلالات ومفاهيم زماننا، رغم أن دلالات لفظنا الحفري لا علاقة لها بدلالات اليوم، بل يصل التباعد بينهما إلى درجة النقيض الكامل. إنهم يعيدون فرش بيت أجدادنا المهجور العتيق الذي تسكنه الخفافيش والسحالي والغيلان والبراق وناقة صالح وصاحب الصيحة، من أرقى بيوت الخبرة الفرنسية من بيت ديكارت، وبيت روسو، وبيت فوليتر، ومن كبريات دور الحقوق والأمريكية المؤسسة كديكور حداثي متفوق، تقف جميعًا في خدمة حرية المواطن الفرد. ثم يقولون لنا إن هذا هو ميراث أجدادنا. يقول الغرب: ديمقراطية نقول: عندنا شورى، يقول الغرب: انتخابات حرة نقول: عندنا بيعة، يكتشفوا فاكسينات للقضاء على معظم الأمراض القاتلة، نعيد نحن اكتشاف بول الناقة كسبق علمي لأنه فاكسين لكل ما اكتشف وما لم يكتشف بعد، فاكسين رباني لم يصنعه بشر.

هذا رغم أن المسلم زمن الدعوة لم يفهم من الشورى ما نفهمه اليوم من الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية بمعناها المعاصر هي شأن معاصر لم تكن له دلالات معلومة من المخزون الثقافي البشري قبل اكتشاف العقد الاجتماعي والمبادئ الحقوقية ثم الديمقراطية المعاصرة، نعم كان لها جذورها الأولى عند الرومان وقبلهم عند اليونان، إلا أن الإسلام ونصوصه لم يأتيَا بذكر لهذه الديمقراطيات الأولى بالمرة.

وضمَّ هذا الفريق المتفلسف الحداثي مجموعةً لا تملك معها إلا الشعور باحتقار وازدراء حقيقيَّين، وهم من يطلعون علينا كل يوم بتفسير عصري جديد للقرآن والحديث، مع كل إضافة علمية أو مع أي كشف جديد يريدون تكريس وهْم سار مسرى الحقائق بين المسلمين وهو صلاحية مأثورهم للعمل في كل زمان ومكان، بينما ما يفعلونه هو إعادة ترجمة اللفظ القديم وتحميله بثقافة ومعارف زماننا، التي لم تكن موجودة في مخزون المسلمين الثقافي قبل تلك الترجمة. الغريب والمثير للدهشة والقرف معًا، هو أنهم مثل الجميع يؤمنون بحقيقة التخلف الذي آلت إليه أمة محمد في قاع العالم، وأنهم مثل الجميع يؤمنون بضرورة إجراء إصلاحات تحديثية لمجتمعنا على كل المستويات، حتى يمكن لبعض أمة محمد أن يلحقوا بآخر قاطرة في قطار الحضارة.

وهو ما يعني أننا نعاني من تخلف علني مهين مروع لم يعُد بالإمكان تزيينه بمساحيق التجميل لشدة قبحه. وصلنا معه إلى مرحلة لم تعُد حتى تثير شفقة الضمير العالمي التي تثيرها لديه الحيوانات حتى غير الأليفة منها حرصًا على بقاء نوعها، لقد هبطنا عن ذلك الدرك مسافات. هبطنا لدرجة السطو على المنجز الإنساني بكل علمائه ومعاهده وأبحاثه والأموال المصروفة والجهود البشرية المبذولة بكل بساطة، بإعادة ترجمة اللفظ وتحميله بثقافات ومعارف زماننا غير الموجود من الأصل في مخزوننا الثقافي المتضمن في اللفظة القديمة، وهو تزوير مفضوح يبذلون فيه جهودًا جمة دون أيِّ عائد أو ناتج يعود على المواطن أو الوطن، سوى مزيد من غيابه في غياهب جهله المركب.

انظروا معي لفريق رجال الدين الذين قرروا دخول مباراة الإصلاح فاكتشفوا أن الديمقراطية ليست شيئًا سوى الشورى الإسلامية، وهو ما يستدعي التساؤل الساذج: إذا كانت الديمقراطية هي الشورى؛ وكانت مبادئ الديمقراطية وقيمها ومؤسساتها معلومة لدى الصحابة، فلماذا لم يفعلوها؟! لماذا لم يقيموا مجتمعًا يقوم على العقد الاجتماعي ويقنن للإنسان حقوقًا ويقيم لتلك الحقوق دستورًا وقانونًا ومؤسسات تحميها، ويُقيم هيئة أمم متحدة ومحكمة عدل دولية كناتج ضروري للديمقراطية قبل أن يكتشفها أهلُ الطاغوت بخمسة عشر قرنًا.

لماذا لم يفعلوها وينقلوا مجتمعهم وزمنهم كله نقلة عظيمة كانت كفيلة بجعل أمة المسلمين سيدة أمم العالم حتى اليوم؟ وكنا علمنا الغرب كما سبق وعلمناه الأسطرلاب والسيمياء والخوارزميات وبقية أشيائنا العجيبة الهندية والرافدية والشامية والمصرية، ولتقدمت البشرية إلى مسافات لا تدركها المخيلة عما هي عليه اليوم. لماذا لم يفعلها الصحابة إذن؟

العجيب أن دعاة الإصلاح من مشايخنا يرون أن الإصلاح يكون بالعودة إلى ما كان سببًا في حاجتنا للإصلاح؛ بالعودة لخير القرون إلى زمن وناس قتلوا بعضهم بعضًا على الدنيا، ولم يعرفوا كيف يصلحون مجتمعهم ومعهم رب السماء والصحابة والمبشرون بالجنة وأمهات المؤمنين بعد ذلك ظهيرًا بدلًا من قتل بعضهم بعضًا. لو كانت معلومة لديهم لفعلوها وتفتحت أمام الإنسانية آفاق علم عظيم مبكر، ولما لجئوا بصلاة الغيث لإنزال المطر حتى اليوم، بل لأنزلوه بالعلم قسرًا وجبرًا كما فعل الكافرون، ولما لجئوا لحل مشاكلهم بالصلاة والأدعية والقنوت كما هو حالنا حتى تاريخه. ولو قلنا إن الديمقراطية كانت لديهم ولم يطبقوها فسيكون ذلك ظلمًا عظيمًا لهم، وظلمًا عظيمًا لديننا لمطالبته بما ليس فيه فنضعه أمام حائط المستحيل، خاصة مع فشل التطبيق المعلوم بدون تزويق في كتبنا التراثية على مدى القرون الماضية، ومع هذا الفشل يكمن السبب هو أنهم ما كانوا يعلمون معنى التعددية والحرية والحقوق، فاختفت كل الفرق الإسلامية لأن سادة الدين وسدنته حلفاء السلطان رفضوا أي فرقة سواهم؛ لأنهم ببساطة لم يعرفوا معنى الحرية والتعدد الديمقراطي بالمرة. وهذا أيضًا ظلم لعقولنا عندما يطلبون لنا تجربة أثبتت فشلها على مدار أربعة عشر قرنًا فشلًا تامًّا وكاملًا وذريعًا بكل ألوان الفشل وتفاصيله ومعانيه. إنه ليس ظلمًا لعقولنا فقط بل هو إهانة علنية لها.

وحتى عشية حضور العم بوش إلى المنطقة مباركًا؛ كان الإسلاميون يصرون على الخلافة والقوة المجردة لاحتلال العالم، لكن بعد حضور خليفة العالم الحقيقي بما يملك من مؤهلات الخلافة، واحتلاله مقرَّ الخلافة الإسلامية في بغداد، قام الإسلاميون يعيدون تنسيق ما بقيَ بأيديهم من أوراق لتتفق ومطاليب سيد العالم. قاموا يُعلنون أنهم هم أهل الإصلاح بل هم الإصلاح نفسه، وأصبحوا يحدثونا عن الديمقراطية كحلٍّ إسلامي مؤكد؛ كما لو كان أحدٌ قد منعهم من إقامتها، وهم رقود على أنفاسنا عبر القرون الماضية. الغريب أنهم يهتفون بطلب الحرية ويصادرون الحرية علنًا. إنهم يطلبون الحرية لأنفسهم فقط دون بقية المواطنين؛ لأنهم لو كانوا أهلًا للحرية لأصدروا أبسط قرارات الحرية، بالإفراج عن الكتب الممنوعة حتى الآن. إنهم أكثر ضعفًا من مواجهة الكلمة، فتراهم كيف سيعيشون في مناخ الحرية؟!

مصيبة أوطاننا أن المطروح أمام المواطن على كل المستويات هو نموذج واحد أحد، هو نموذج التخلف، وليس هناك من بدائل أخرى لأنها جميعًا كافرة. رجل الدين في بلادنا يدعم التخلف ولا ولن يسمح بأية حرية، وسيستميت في المقاومة لوأد الحرية؛ لأنها لو حدثت فستسمح للنماذج الأخرى بعرض نفسها في سوق المفاضلة. الحرية ستطرح على الناس ما لم يكونوا يعرفون؛ لذلك هم مهما علا صوتُهم بالحديث عن الحريات، فإنهم لا يقرون أول وأبسط أسس الإصلاح؛ وهو حرية أن تقول، أن تتكلم، أليست الكتب الممنوعة هي مجرد كلمات؟ هي قول ليس أكثر؟

وعندما يقرون بضرورة الإصلاح، فهو ما يعني الاعتراف بخطأ موجود في مجتمعنا الإسلامي، وبما أنهم وحدهم كانوا المسئولين في حلفهم السلطاني عن هذا المجتمع وعن الإسلام عبر القرون الماضية، فإنهم بالتبعية يكونون هم المسئولون عما آل إليه من تخلف، ثم في نفس الوقت هم ضد طرح أي نموذج آخر في السوق؛ لأن أي آخر هو كافر زنديق عميل لأمريكا والصهيونية العالمية، إنهم بعد هذه القرون من امتصاص دم شعوبنا والتسلط عليها لا يريدون ترك الفريسة، بحجة حماية الدين، حتى يجهزوا عليها تمامًا بامتصاص آخر رحيق للحياة فيها.

ضمن الخطاب الديني السياسي المخاتل، تكريسه المستمر وتسويقه لفكرة أن الاستبداد السياسي القائم الآن في البلاد الإسلامية، ومن قبله الاستعمار الغربي، ثم الآن أمريكا وإسرائيل؛ هم السبب الأساسي في تخلف المسلمين، لكن الخطاب الديني بذلك لا يقول كل الحقيقة؛ لأن الحقيقة الكاملة هي في الاستبداد الديني؛ فالاستبداد ليس شيئًا حديث العهد اخترعته الحكومات الحالية بدعم من دول الكفر لإضعافنا؛ لأن الدول الإسلامية السابقة لم تكن يومًا راعية لقيم الحرية والعدالة والمساواة ولا حتى في زمن الراشدين؛ نتيجة لخضوع الناس للاستبداد الديني.

في عمل بعنوان «استراتيجيات التغير: أنواع القوة وبدائل العنف» للدكتور فتحي أبو حطب، وهو كما عرف نفسه باحث بشبكة إسلام أون لاين، والمنشور بتاريخ ٢٠ / ١٠ / ٢٠٠٥. http://islamonline.net/arabic/mafaheemz/2005/10/article02.shtml.

يقدم الدكتور بحسبانه باحثًا رصينًا بديلًا لمحاولة تغيير الحكم في بلادنا بالعنف، وبطريقة يبدو فيها مفتونًا بالثورة البرتقالية في أوكرانيا، مما ينتهي بإفراغ السلطة بيد الإسلاميين بأقل خسائر ممكنة.

وفي نهاية موضوعه يرصد ١٣٩ بندًا تمثل طرق وأساليب الضغط على الحكومة كألوان احتجاج لا عنفي … أبرزها: الاعتصامات رقم ١٩ وارتداء الرموز الخاصة ٢٢ والصلاة والعبادة ٢٣ وإتلاف الناس للممتلكات الخاصة بالنظام ٢٥ واستخدام أسماء وإشارات جديدة ٢٩ والاعتكاف في دور العبادة وفي الأماكن العامة ٣٤ وتنظيم مواكب في المناسبات الدينية ٤٠، والمقاطعة الاجتماعية العامة لكل الأنشطة المرتبطة بالنظام ٥٥، حرمان النظام من التعاون الاجتماعي معه عندما يكون في حاجة إلى ذلك ٥٨، مقاطعة النشاطات الاجتماعية التي يقيمها النظام ٦١، إضراب الطلاب ٦٢، والعصيان الاجتماعي ٦٣، الهجرات الاجتماعية إلى أماكن ذات دلالة ولفترات معينة ٦٨، مقاطعة المستهلكين منتجات النظام وحجب منتجاتهم عنهم ٧٣، مقاطعة المزودين والوكلاء لإمداد النظام باحتياجاتهم ٧٤، مقاطعة التجار للأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنظام ٧٥، الامتناع عن تأجير أو بيع الممتلكات للنظام الحاكم وأعوانه ٧٦، سحب الودائع البنكية من البنوك لاعتماد النظام عليها، إضراب الفلاحين ٧٩، إضراب الصدمة حيث يكون مفاجئًا وبلا مقدمات ٨٦، الإضراب بالاستقالة من الهيئات والمؤسسات الحكومية أو المتعاونة مع النظام ٨٩، إضراب عن طريق رفض التأييد للأنظمة ٨٨، سحب الولاء ٩٢، رفض التأييد العام ٩٣، مقاطعة الهيئات التشريعية ٩٥، مقاطعة الانتخابات ٩٦، مقاطعة الوظائف الحكومية ٩٨، رفض مساعدة الأجهزة التنفيذية ١٠١، قطع خطوط اتصال الأوامر والمعلومات، المماطلة والإعاقة والإرباك لمؤسسات الحكومة ١١٠، إذا نجحت قوى المعارضة في لفت الانتباه الدولي لها يمكنها تأخير وإلغاء الأحداث الدبلوماسية مع النظام الحاكم إلى سحب الاعتراف الدبلوماسي به ١١٥، ورفض عضوية النظام في الهيئات الدولية ١١٩، ثم التدخل الجسدي بالاقتحام ١٢٥، وإقامة الحواجز اللاعنيفة ١٢٧، والاحتلال اللاعنيف للمؤسسات والمباني المرتبطة بالنظام ١٢٨، وإقامة مؤسسات اقتصادية بديلة ١٣٢.

ثم يبدأ أبو حطب موضوعه بتعريف النضال الشعبي وأسبابه بقوله: «تناضل الشعوب من أجل حق ضائع أو من أجل الحفاظ على حق موجود يجب عدم التفريط فيه.»

وعندما تربط هذا التعريف بعنوان موضوعه «استراتيجية التغيير وأنواع القوة … بدائل العنف» لن نجد الرابط المنطقي المفترض بين ما يُنادى به من نضال من أجل حق ضائع ومن بين بدائل العنف لاسترداد ما ضاع. الرجل هنا لا ينادي بثأر أو انتقام أو إيذاء أو فوز أو بمغانم أو سلب الآخر ما لديه؛ لأن النضال بهذا الشكل سيكون جهادًا، أي عدوانًا وغزوًا عنيفًا غير مشروع، كأي فعل سطو مسلح كانت تمارسه قبائلُ العرب ضد أي آخر. لذلك يبدو أنه قد اقتحم العقبة، وتمكَّن من شجاعةٍ ساعدته على استبداله بمصطلح النضال. «من أجل حق ضائع»، وهذا الحق الضائع هو ما يريب في منطق أبي حطب، فما الذي ضاع منا وهو حقٌّ لنا ونريد استرداده؟ إن الحق المطلوب النضال من أجله يجب أن يكون في الأصل موجودًا أو مملوكًا للناس، ثم ضاع أو تمت مصادرتُه، أو سبق سلبُه حتى يمكن القول إنه حقٌّ ضائع، أما الذي لا وجود له من الأصل، فلا يتصور بأنه سيضيع ثم نطالب باسترداده، فاللاموجود لا يضيع ولا يسترد.

فإن كان هناك شعب لم يعرف الديمقراطية على طول تاريخه ولم تعرف ثقافته معنى الحرية ولا المساواة بمعناها الحديث ولم يسبق أن تذوق طعمها، مثل هذا الشعب لا تنطبق عليه مقولة «تناضل الشعوب من أجل حق ضائع.»

نحن شعوب لا تعرف الديمقراطية لأنها لم تكن لفظًا معلومًا مبنًى ولا معنًى في مخزوننا الثقافي، فكيف نسعى لاسترداد ما لم نكن نعرف أصلًا؟ فتاريخُنا منذ فجر الخلافة وحتى سقوطها، واستمرار الخلافة مستبطنٌ داخل كل الحكومات الإسلامية الحالية، هذا التاريخ لا يعرف معنًى للمساواة فالناس منازل ومراتب، وليس في معجمه شيءٌ اسمه الديمقراطية. موضوعاتنا نعرفها جميعًا، موضوعاتنا شعر الفخر بالقبيلة ولو كانت من أضغاث الناس، وشعر الهجاء ولو لكسرى أو لقيصر، شعر يتحدى شعرًا فقط، لدينا الجن والملائكة والفقه، لدينا كل كلام ممكن أن يقال، ولكنه كان يصلح لزمنه، أما اليوم فإنه يظل مجرد كلام غير قابل للتطبيق؛ لأن المجتمع الذي كان يطبقه قد زال من التاريخ منذ أكثر من عشرة قرون.

ومن ثم يصبح خطاب أبي حطب خطابًا مختالًا يستخدم عبارات وهمية تتحدث عن أمور وهمية ومطالب غير موجودة.

إن أبا حطب وضع ١٣٩ بندًا لأساليب التغير اللاعنيف من أجل التغير السياسي، هي الخراب عينه، بيد شعب تقنن ثقافته المقدسة التي يرعاها أبو حطب للعبودية، وتشرع له السلب والنهب تقنن درجات البشر الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى [البقرة: ١٧٨]، مع تبرير التفاوت في تطبيق الأحكام حسب الرتبة الاجتماعية وحسب الجنس ما بين ذكر وأنثى، بمثلٍ يضربه الله ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ.

واللطيف أن الدكتور يقول: «ولا شك أن تفسير وفهم الحقوق مسألة مرتبطة بدرجة الوعي لدى الشعب، والتي تتفاوت من مجتمع لآخر، وفق منظومته القيمية الخاصة.» ها هو الدكتور يسمنا بمسيم قيمنا الخاصة التي يجب أن تكون هي ماكينة الفرز وميزان القياس والمعيار، هي حاسة تذوقنا المقدسة لتلك الحقوق التي يطلبها للناس. يربط الحقوق والوعي بقيم الشعب، وطالما أن القيم خاصة فسيكون الوعي خاصًّا والحقوق خاصة؛ لذلك فالوعي لن يتسع لحقوق جديدة لم تكن معروفة في منظومة القيمة الخاصة. ووفق قيمنا الخاصة علينا بداية قبل أن نبدأ النضال بتضييق الممكن في حقوق الإنسان والمرأة والعمال وحريات العبادة والتفكير والتعبير؛ لأن ذلك كله جاء في العصر الحديث والمعاصر ولم يكن معروفًا في منظومتنا القيمية الخاصة. ونصل إلى نتيجة هي أننا إذا التزمنا بقيمنا الخاصة فلن يكون لنا حقٌّ ضائع نناضل من أجله؛ لأن قيمنا ليس فيها من تلك القيم الحديثة شيء.

المهم ما هو المأمول إذن؟ وما هو الغرض النهائي لذلك النضال اللاعنفي؟

يقول الدكتور: «هو ممارسة أشكال ضغط متنوعة تؤدي إلى ردع الخصم أو تعديل مساره أو تحجيم قوته أو هزيمته.» الهدف النهائي لهذا النضال هو ردع الخصم الذي هو الحكومة، وكأن هدف هزيمة الحكومة وإسقاطها سيؤدي إلى تحقيق فوري لآمال البلاد والعباد، فإن ذهبت الحكومة ظهرت شمس الحريات والديمقراطية من خدرها يزفُّها العدل والقانون زوجًا لقمر المساواة والتسامح والسلام.

هنا تعود الذاكرة إلى صاحب الزنج عبد الله بن علي بن محمد الذي قاد ثورةً عظيمة ضد الخلافة العباسية بمئات ألوف العبيد، واستولى على مساحات شاسعة من أرض الخلافة وعامل العرب المهزومين بالشريعة الإسلامية، فاستعبد نساءهم وباع أطفالهم في الأسواق، فهو كمسلم لم يتصور أن هناك نظامًا أفضل من نظامه الديني، وكانت المفارقة أن كل ما تبدل هو الأشخاص، السيد أصبح عبدًا والعبد أصبح سيدًا؛ لأن عبد الله بن محمد لم يتجرأ على اكتشاف أن العيب في الثقافة نفسها، في النظام، في المجتمع كله.

لقد ثار عبد الله الزنجي بغرض إصلاح أوضاع رآها فاسدة هو وجيوشه، لكنه لم يكتشف أن إلغاء الأوضاع الفاسدة بما فيها العبودية يكون بإلغاء القانون المشرع لها؛ ولهذا ثارت النخوة العربية في كل الإمبراطورية وأرسلت كلَّ الدعم للإمبراطورية العربية لهزيمة صاحب الزنج الذي تجرَّأ وطبَّق قوانين العرب على العرب، وركب نساءهم وأسر رجالهم واستعبدهم. إن مجتمعاتنا تحتاج أن تعلم أن هناك سلوكيات وممارسات غير ما يقول لهم أهل الدين تؤدي إلى إصلاح حال البلاد والعباد؛ وأن للناس الدور الأول في تعيين حاكمهم، لا أن يذهبوا بعد تعيينه ليباركوا له فيما يُعرف بنظام البيعة، فطالما نتحدث عن الشورى والبيعة، فلا حقَّ ضاع منا حتى تاريخه حتى نطلبه بالتغيير اللاعنفي الذي هو كارثة كاملة وخراب كامل للوطن وفق البنود التي وضعها أبو حطب لهذا التغيير المسالم الأليف.

إن الحقوق التي تتحدث عنها البشرية الآن هي شأنٌ جديد مكتسب لم يأتهم منحة من أحد في الأرض أو في السماء، ولم تكن معروفة عند السلف، اكتشفها مفكرون من غيرنا، لذلك يجب أن نفهم من خطاب أبي حطب أنه يطالبنا بالنضال وتدمير المجتمع كله لقتل الحكومة الفاسدة … بقتل الوطن؛ كي نستعيد حقوقَنا، وحقوقُنا هي أهل الحل والعقد والبيعة والشورى والخلافة والولاة والجزية والسبايا والعبودية في ثوب معاصر.

إن الدكتور أبا حطب يريد أن يقيم صراعًا داخليًّا وأن يشيع خصومة بين الشعوب المسلمة وبين حكوماتها، ويتمنى أن ينتهيَ هذا الصراع بتعديل في المسار، بينما سقوط الحكومة نفسه لن يتغير أو يعدل أي مسار، فتعديل المسار يكون بتعديل الثقافة جميعًا، ويأتي بالتعلم والتثقيف بثقافة الحرية والتحلي بصفات العقل الحر، والاطلاع على منجزات الشعوب الأخرى وكيف تمكنت من نيل الديمقراطية، وما هي الديمقراطية، وما الفرق بينها وبين الشورى؟ وإن عقلًا لم يتمكن من معرفة هذا الفرق لا يحق له أن يطلب شيئًا لم يضع منه لأنه لم يكن يملكه أصلًا. وعليه أن يتساءل لماذا يأخذ كل ما هو نافع من كل بلاد العالم، بينما هذا العالم لم يأخذ منا أي شيء خاصة الغرب المتفوق، لم يأخذ بنظام الشورى والبيعة، وعليه أن يُفهمنا ما هي المساواة وما هو الحق وما هو الخير وما هي حقوق الإنسان والمرأة والطفل والعمال، ما هي قوانين الحرب المعاصر وما الفرق بينها وبين حروبنا المجيدة السالفة. إن تعديل المسار هو ذات نفس العقل الحر.

إن نظرة سريعة على بنود أسلحة النضال اللاعنيف التي سجلها الدكتور تُعطي للصورة خلفية هندية بريطانية من زمن غاندي، يذكِّرنا بنضال الهند ضد الاستعمار الإنجليزي نضالًا سلميًّا بالعصيان المدني المستمر، بهدف تدمير الاقتصاد وتحميل الاستعمار تكاليف باهظة تجعل استمرار وجوده بالهند مكلفًا مما يضطره إلى الجلاء.

ومثل هذا النوع من النضال إنما يريد تخليص تراب الوطن من الاستعمار مع بقاء الوطن على حاله إن لم يأخذ بفلسفات جديدة. ومثل هذه الصورة الاستعمارية لم تعُد موجودة، ولم تعُد هناك حاجة لغاندي وفلسفته، نحن في حاجة لفلاسفة مصلحون يعلِّمون الناس الطريق نحو النور، فإن تنوَّر الناس أصبح بإمكانهم الفرزُ بين المخاتل وبين المخادع وبين المراوغ، ولأمكنهم التخلص من رهاب القداسة، إن أسلحة النضال اللاعنيف المطلوبة هي أسلحة عصر التنوير الأوروبي.

إن العودة إلى طريق غاندي لن تكون في حالتنا ضد مستعمر بل هي ضد حكومات الوطن، وإسقاط النظام الممسك لأشتاتنا دون بديل، عندما مات النبي فجأة ولم يحدد للصحابة شكل النظام ولم يعيِّن له خليفة، ذبح الصحابة بعضهم في الفتنة الكبرى، وسقوط الحكومة اليوم هو استعادة للفتنة الأكبر، هو دمار للمجتمع لأننا لسنا صحابة، ولو كانت الفتنة الكبرى قد أفادت البشرية لأخذت بها بقيةُ الدول بتشغيل الدين في السياسة والصراعات المصلحية.

إن ما يعرضه «أبو حطب» هو ضد المجتمع والدولة وليس ضد الحكومة، إنه ضد الأرض كلها، يريد تدمير المجتمع المصري لأنه لا يريد حسني مبارك! البنود التي طرحها تكاد تطابق في بعض جوانبها مع رؤية جماعة التكفير والهجرة للمجتمع. إن بنود الدكتور في النضال اللاعنيف لا تُقيم عندنا إصلاحًا بل تقيم خصومات وثارات ومواجهات وحرب أهلية، من أجل تغيير أشخاص الجالسين على الكراسي فقط، رغم أن الخلافة العباسية أزالت الخلافة الأموية، والخلافة العثمانية أزالت الجميع، ولم يحدث أن طرأ أيُّ تحسنٍ على أحوال المواطن ولا ظهر شيءٌ عن حقوقه السياسية أو الإنسانية، فظل العبد عبدًا والمولى مولًى والحر حرًّا والعلج علجًا واليمني يمنيًّا والقرشي قرشيًّا.

نتابع قراءة الموضوع إذ يقول سيادته: «يمكن القول بأن الاختلاف بين أشكال النضال هو في حقيقة الأمر اختلاف في تفسير مفهوم القوة (القدرة) حيث يرى أنصار النضال العنيف والمسلح القوة في صورتها الأولية والنمطية المتمثلة في الإيذاء المادي للخصم، وهو أمر لا يمكن معارضته ونحن نتحدث عن حق الأمة في الدفاع عن وطنها المحتل، كما هو الحال في العراق وفلسطين.» ها هو الرجل عاد إلى مقعده الوثير إلى زمن معنى القدرة البدائي معطيًا الشرعية للمناضل العنيف، فلماذا كل وجع الدماغ في موضوع حمائمي المظهر يتحدث عن النضال اللاعنفي؟ وإذا كان قد جعل الحكومات في البلاد الإسلامية الحالية مساوية للاستعمار ويطالبنا النضال ضدها على الطريقة الغاندية، فما له لا يطبق ذات المبدأ على الاحتلالين الإسرائيلي لفلسطين والأمريكي للعراق؟ بالأخذ بمبدأ النضال اللاعنفي؟ وهو بالمقياس على كل الظروف سيكون هو الأجدى هنا والأكثر عائدية.

ثم وزيادة على ذلك أنه إذ يعرض لنا مفهوم اللاعنف كمخالف للعنف المسلح في صورته الأولية المتمثلة في إيذاء الخصم، فإن الأسلوب الذي عرضه علينا هو عنف لتدمير أسس المجتمع كله، يدمر المجتمع كله للتخلص من آفة إصابته. إن ما يعرضه سيادته سيؤدي بنا إلى هولوكوست وطني.

أما بشأن العراق وفلسطين، فلو كان الرجل صادقًا حقًّا مع اللاعنف لتذكَّر أن عالم ما قبل الحرب الثانية غير عالم ما بعد الحرب الباردة، وأن عالم ما قبل سبتمبر ٢٠٠١ هو غير ما بعده، فقد أصبح حقُّ الدفاع عن الشعوب المحتلة إن وجدت، هو حقَّ المجتمع الدولي، تقوم به هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وقد تحررت دول عربية كثيرة عن هذا الطريق من اليمن إلى كل دول الخليج؛ خاصة وأن مشكلتَي العراق وفلسطين لم تعودَا محليَّتَين، إنما اتخذتَا بُعدًا دوليًّا.

ولتذكر أيضًا أن محاولات مصر بجيشها وجيوش بعض الدول العربية مدعومة من الجامعة العربية، لم يتمكنوا من فرض إرادتهم فوق الإرادة الدولية. وفي النهاية تم حلُّ معظم مشاكلنا عن طريق الهيئات الدولية، وفقًا لرؤية المجتمع الدولي وليس طبقًا لرؤية الدول العربية وجيوشها وجامعتها.

إن رؤية الدكتور أبي حطب في النضال اللاعنيف من أجل الاستيلاء على السلطة تقوم على توظيف قوى المجتمع كلها للتصدي للنُّظُم الحاكمة بنفس الأساليب التي تواجه به قوى الاستعمار؛ فإذا كانت الحكومات تتصرف بأساليب غير صائبة وبها عيوب، فإن مواجهة ذلك يكون بالتقويم والعلاج وطرح الحلول البديلة، أما إذا كانت عيوب الحكومات في المنهج وأنها معيبة في أمانتها، وفي ولائها لشعبها ووطنها، فإن هذه تكون عيوبًا قيمية اجتماعية هي بنت ثقافة المجتمع؛ ولذلك مهما قمنا باستبدال الحكومات فلن يتغير في الواقع شيء سوى خسائر تُحدثها القلاقل الاجتماعية المصاحبة لذلك التغير. إذا كانت الحكومات فاسدة مستبدة، تفكر بطريقة تؤدي إلى خسائر وطنية في الأرض أو الكرامة والاقتصاد، فتلك أمراض نابعة من ثقافة تهيمن على المجتمع بأسره، بما فيه الحكومات وشعوبها، قيم مريضة ترفع الدين فوق الوطنية وتحكم الناس بأساليب بدائية، في مثل تلك الحال التي هي حالنا لا نكون في حاجة إلى النضال اللاعنيف الذي يقترحه أبو حطب؛ لأنه سيضيف هدمًا ودمارًا إلى كيان ذلك المجتمع المريض ثقافيًّا ويعاني هو وحكومته ومثقَّفوه من ضحالة فكر، وعدم تحديد دقيق لمفاهيم الحريات والحقوق والمساواة، ويكون في العصيان المدني المطروح القضاء التام على هذا الكيان المعتل بألف علة. إنه بحاجة لإحلال ثقافة الحب محل ثقافة الكراهية؛ ثقافة الوطن محل ثقافة أمة لا إله إلا الله، ثقافة الحرية محل ثقافة العبودية، ثقافة المسلم المستنير المسالم مكان ثقافة الدم.

في مصر منذ سبعة آلاف عام، بلغ بها الاستقرار مبلغًا كانت تسوده ثقافةُ التسامح والحب وكراهية القتل والتدمير، ينصح الفلاح ولده قائلًا: «لا تغضب على ولدك … لا تغضب على زرعك.» إنه النصح بعدم الانفعال الذي يضل بصاحبه السبيل، بعدم الغضب المؤدي للكراهية والخسائر. الزرع كالولد سواء بسواء في المعاملة، الغضب على الولد والزرع يدمر المجتمع؛ لذلك إذا جفت ساق النبتة وآلت إلى ذبول كان لا يغضب، فيقلعها من جذورها ويتخلص منها، إنما كان يدعمها بساق آخر سليم ويفسح لها التربة لتتنفس ويجبر جرحها ويغني لها أغاني الحب حتى تستقيم، فكانت ثقافة الحياة وليس ثقافة الموت، ثقافة الحب لا الكراهية، فأين مصر اليوم بعد إعادة فتحها بالمذهب الوهابي. إن ما يطرحه الدكتور من توظيف للنضال اللاعنيف لتغيير أنظمة الحكم هو نوع من الانقلاب تقوده الجماعات السرية التي ربما تنتهي إلى تغيُّر شكل النظام مع بقاء الجوهر كما هو؛ فالنضال دون تقديم فكر جديد وفلسفة جديدة هو استبدال الخليفة بعبد الله بن محمد صاحب الزنج ليس أكثر، مع كل الخسائر المفترضة.

نقرأ المزيد لنفهم، يقول الدكتور: «إن السبب الرئيسي وراء العجز وسلبية بعض الشعوب، هو هذا الاعتقاد السائد بأن العنف هو الأسلوب الوحيد للمواجهة وهو أمر غير صحيح؛ فالعنف لم يعُد خيارًا مطروحًا ولا مقبولًا في رحلة بحث الشعوب عن لحظة خلاصها من أنظمتها السياسية المستبدة، وأصبح العنف واحدًا فقط من خيارات كثيرة، ربما صارت أكثر فعالية وتأثيرًا من الانقلابات والثورات.»

ها هو يعترف بهدوء لكن دون أن يشير لمن يمكنه دعمُ نضال الشعوب السلمي، هو يقول إن العنف لم يعُد خيارًا مطروحًا ولا يقول لنا لماذا! الإجابة الواضحة أن الضمير العالمي الراقي بمؤسساته أصبح كاشفًا له، إذا قارنه بغيره، ثم يقول: «فمساوئ استخدام العنف تتمثل في النقاط التالية: (١) تتفوق الأنظمة الدكتاتورية في مواجهة خيار العنف بل وفي توظيفه لصالحها. (٢) تكلفة عالية على المستويَين البشري والمادي. (٣) خيار العنف يفقد الدعم والتعاطف الشعبي والدولي على المدى الطويل.» لهذا يطرح بديله «النضال اللاعنيف» منعًا لهذه الخسائر التي يسببها النضال العنيف.

هذا الرجل من المتأسلمين لكنه يُقر بتغير الواقع ويراه بعيون مادية بحتة، لا تنتظر ولا ترجو قرب وقوع أي معجزات أسطورية كما يفعل بعض المشايخ بانتظار الطير الأبابيل، ويوم يتكلم شجر الفرقد، وهو في حد ذاته أمر محمود، لكنه لا يرى أن الأنظمة الاستبدادية لا تقوم إلا في بيئة صالحة لها، تغذيها وترعاها وتنمِّيها وتمنحها رحيقَ الحياة والاستمرارية، بدليل عدم ظهور هذه الأنظمة في بريطانيا أو أمريكا أو إسرائيل؛ فالنظام الاستبدادي لا يظهر ولا يوجد إلا في مجتمع قابل للاستبداد مؤمن بفلسفته. والحكمة القديمة تقول: «إن شعبًا من الخراف يخلق حكَّامًا من الذئاب»، فالنظم تفرزها حركة المجتمع وثقافته، ويقوم على هذه الثقافة المفكرون والفلاسفة، وعندنا يقوم عليها المشايخ والإخوان، يفكرون لنا بفكر ابن كثير وابن القيم وابن تيمية وبقية الأسماء اللوامع من موتى التاريخ، بثقافة تسوق الناس بالزواجير والسياط إلى جنة النعيم، مثل هذه الثقافة يمكنها اليوم أن تؤدي إلى اعتياد وجود المعتقلات والسحل والهتك وتدمير الناس بالشبهات؛ لأنها تقوم على عقائد في الضمائر تقبل دون أن تشعر بأي جزع بقطع اليد وجز الرقبة وتهشيم الرءوس رضخًا بالحجارة وسوق النساء إلى أجنحة الحريم والأطفال إلى أسواق النخاسة، مثل هذه الثقافة لا تجعل المواطن يرى في المعتقل شيئًا عجبًا. مثل هذه الثقافة تجعل الأدنى يتماهى في نفسية العبد ويقبل بها، وتحول الوجهاء والمشايخ والسلاطين إلى سادة بالحق الإلهي في تقسيم الأرزاق وتحديد من يكون السيد ومن يكون العبد. إن ثقافة أول ما تعلم الطفل تعلمه آيات كيف يكفِّر عن ذنبه بعتق رقبة، تجعل وجود الرقبة اعتياديًّا في النفس والضمير.

أما الملاحظة الملفتة بشدة، فهو أن الدكتور أبا حطب في طي سرده لأسباب استبعاده النضال العنيف، لا تجده يرفضه من منطق قيمي أو من باب أخلاقي، بل هو لا يرفضه إن حقق أهداف، لكنه يرفضه لأنه لن يحقق المطلوب، ولأن المسلمين على حالهم اليوم لا يملكون القدرة لتنفيذ النضال العنيف.

إن عجز شعوبنا وسلبيتها ولا وعيها، كلها نواتج ثقافة مريضة هيمنت عليهم آجالًا طويلة وتسيَّدت في عصور ظلام ممتدة حتى اليوم، بينما استطاعت شعوبٌ أخرى بمفكريها وفلاسفتها من استبدال ذلك الظلام بجديد حديث حر، ولم يستغلوا ضعف النظام الحاكم للقفز على الكرسي الكبير لينصبوا أنفسهم مستبدين جددًا بذات الفكر القديم، وربما أكثر استبدادًا وسلفية وهو الأمر الأكثر منطقية. إن الدكتور يحرِّض الشعوب ضد حكَّامها لتمكين المتأسلمين مع بقائنا عبيدًا كما نحن الآن، وبالقطع سيكون حالنا أسوأ مما نحن عليه الآن بمراحل.

إن النضال اللاعنفي الذي يدعو إليه الدكتور هو كالسرطان الذي يمزق المجتمع كي يثأر من الحكومة. إنه حتى وهو يعرض علينا جديده السلمي اللاعنفي حافظ بداخله على «سورس» العنف، والطبع يغلب التطبع.

إن عنفه اللادموي لا يحمل معنى الرضا والتراضي؛ فعنفه الديني ولا عنفه الثقافي يخرجان من مشكاة واحدة، وقودها الدم وتقيتها العدوانية الخبيثة، وكوكبها الدرِّيُّ المخفي وراء الخطاب المختال هو الاستيلاء على الحكم ولو على ردمٍ من خراب. فالدكتور ليس لديه بديلٌ يقدمه لنا بعد تدمير المجتمع، وبعد مقاطعة المواطنين للحكومة وللشركات الوطنية والوكلاء الذين يزوِّدون النظام باحتياجاته، وعدم التعاون مع الحكومة عند حاجتها لشعبها وإضراب الصدمة للفلاحين والعمال، والاستقالة من العمل الحكومي وسحب الولاء عنها ورفض مساعدة أجهزة الحكومة … إلى آخر ما قال من خراب ديار. إنه لم يقدم لنا البديل لأنه يعلم أن البديل أوضح من أن يشار إليه أو يُعرَّف، إنه الحل الرباني … الإسلام هو الحل. فلا يبقى سوى القضاء على الحكومة والاكتفاء بمشايخنا مراجعنا وبالأزهر بعد ذلك سندًا ومرجعًا، بعد أن تم إلغاء عقل الناس، بعد أن قضوا على الملكة الغريزية الباحثة عن المعرفة، وكفروا العقل النقدي، وأصبح الناس يسألون مشايخنا وهم يجيبون على كل سؤال في كل شأن، هل مجتمع في الدنيا على هذا الحال له أي حقوق ضائعة من حقه أن يطالب بها؟

الغريب أنه وهو يعض على إيمانه بيده مع أخذه النضال اللاعنيف، فإنه باليد الأخرى يُقر بما نقول، كما في قوله «جاء اصطلاح الانقلابات والثورات التصحيحية للتخلص من أنظمة ظلت تمارس القمع والاستبداد لفترات طويلة … إلا أن الأنظمة الجديدة التي أتت بها الانقلابات لا تمثل تصحيحًا ولا بداية جديدة كما كان متوقعًا، وهنا يكمن الدرس التاريخي الذي يدفعنا إلى التحفظ على خيار الانقلابات، فاحتمالية تحول من يقومون بالانقلابات تحت شعار الحرية لأنظمة دكتاتورية تظل احتمالية قائمة.»

إن هذه العبارة تكاد تكون العبارة الوحيدة الصادقة فيما قال أبو حطب جميعه، وهو يقدمه تبرير وتأكيد لدعوته لبدائل العنف للتخلص من الاستبداد، وهو يعلم أن مجتمعنا وهذا حاله إن تغيَّر فلن يتغير فيه سوى الوجوه والأسماء ودرجة الظلم؛ لأنه يستكمل صادقًا دون أن يعني نفسه أو جماعته قائلًا: «لأن هؤلاء الواثبين على الحكم لم يؤسسوا لتقاليد الحريات المدنية والتحول الديمقراطى». إن الدكتور إن أراد حقًّا خير الناس لانشغل بهم وبحث عن أسباب الاستبداد رغم تعدُّد الانقلابات والثورات وتغيير النظم الحاكمة مع كل حكومة في بلاد المسلمين، إن السبب هو استمرار الثقافة الحاكمة دون تغيير ودون أن تشذَّ حالة واحدة عن هذه القاعدة.

إن مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات على أصنافها شيءٌ غائب عن ثقافتنا، وغير موجود في مخزوننا المعرفي ولا حتى في معجمنا اللغوي؛ لأنه لو كان متواجدًا لكان لدينا كلُّ أنواع الحريات من قديم الزمان منذ السلف الصالح الذي نفترض هنا بالضرورة أنه هو من أسَّس للديمقراطية. إن قيمنا لا تعرف الحريات كما هي في الديمقراطية المحدثة، ولو كانت تعرفها كما يوعز لنا أبو حطب كي نستردها بالنضال اللاعنيف، لكان المسلمون أسبق الشعوب معرفة بها، ولنقلَها الآخرون عنا، ولمَا انتظر العالم كلُّه حتى يظهر روسو وفولتير ومونتسكيو.

وضمن مبراراته لنضاله اللاعنيف أن خيار الانتخابات الذي تلجأ له الأنظمة الدكتاتورية لا يؤدي إلى تحول ديمقراطي، يؤدي إما للتلاعب بنتائجها أو إلغائها بالكامل، كما حدث في بورما ١٩٩٠ ونيجيريا ١٩٩٣ وفي الجزائر ١٩٩١ … وتعمد النظم الدكتاتورية إقامة هذه الانتخابات في ظروف لا توفر المعايير المطلوبة لإجراء انتخابات نزيهة.

والرجل محقٌّ تمامًا في أن خيار الانتخابات لن يؤديَ إلى تحول ديمقراطي، لكن ليس نتيجة تزييف نتائجها، فبفرض اكتمالها بكافة معايير الانضباط والالتزام الإداري، فإنها لن تُفرزَ لنا عناصر من غير ذات المجتمع وذات الثقافة. إن مجتمع السادة والعبيد لن يُفرزَ لنا من يقيم لنا الحريات، حتى أحزاب المعارضة لا تعرض في سوق الفكر ديمقراطية حقيقة أو لا تقدم نموذجًا ديمقراطيًّا حقيقًا من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، كلها كالحكومة، طبعة واحدة؛ لأنها ثقافة المجتمع. كلهم عصابات تتصارع على الفريسة، والفريسة لطيفة مطيعة لأنها تطيع الله ورسوله وأولي الأمر منها. ولأن أبا الحسن الماوردي قد قال في الأحكام السلطانية: «إن أهل الرأي متى عقدوا البيعة للإمام لا يجوز لمخلوق نقضُها؛ لأن الرعية عليها بموجب هذه البيعة الطاعة، والنصر للإمام ما وسعتهم الاستطاعة، ولا يحل لهم القيامُ عليه بحال.» هذا قول الفقيه، ومثله كان قول المثقف المستأنس؛ إذ يقول ابن هانئ الأندلسي في المغرب يخاطب الخليفة:

ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد
وكأنما أنصارك الأنصار

وفي علوم الآداب تأدبنا بكتاب العقد الفريد؛ إذ يقول في كتاب «اللؤلؤة والسلطانة»: «السلطان زمام الأمور وميزان الحقوق وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدنيا، وهو حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده، به يمتنع حريمهم وبه ينتصر مظلومهم وينقمع ظالمهم ويأمن خائفهم.» أما الحكماء من الفقهاء، فقد أفادونا بما انتهى إليه حشدهم: «إمام عادل خير من مطر وابل، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم، ولما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. قال حذيفة بن اليمان ما مشى قوم قط إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله. وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلًا فله الأجر وعليك الشكر، وإن كان الإمام جائرًا فعليه الوزر وعليك الصبر. وقال وهب بن منبه فيما أنزل الله على نبيه داود عليه السلام: إني أنا مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن كان لي على طاعة جعلت الملوك عليهم نعمة، ومن كان لي على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة.»

الكل يقول نفس الكلام لأنه لا يعرف إلا ذات الثقافة الواحدة، ولا يعرف غيرها، ولو عرف لفاضل واختار ومؤكد أنه كان سيبدِّل ويغيِّر؛ لذلك لا يسمح الفريق الإسلامي لغيره بالكلام في هذا الميدان تحديدًا، فهم وحدهم القادرون على تطبيق حاكمية الله في الأرض، دون أن يبرزوا لنا مرة التفويض المعطى لهم من الذات العلية بهذا الشأن لاختيارهم أمناء على حاكمية الأرض دون كل المسلمين.

إن طلب أبي حطب بثورته اللاعنيفة في ضوء موقف الشرع هو خروج عن هذا الشرع، هو خروج عن الدين بالضرورة، إلا إذا كان مقصده تطبيق الشرع الإسلامي بعد ثورته اللاعنيفة، وهو يقصد هذا المعنى ولكن من وراء تقية فريدة جديدة في ابتكارها، مما يدهشنا أحيانًا من مدى التقدم التكنيكي للخطاب المتأسلم.

إن المجهول هو المنتظر بعد إسقاط الدولة ونظامها وتدمير مجتمعها؛ لأنه لم يقل لنا ما هي بدائله وخططه لإحلالها محلَّ ما سيحدث من خراب شامل. الدكتور يتركنا حيارى من المجهول الذي سيأتي بعد تدمير المجتمع، هل سيظل متمسكًا باللاعنف؟ إن مطلب الدكتور باللاعنف هو لأن المسلمين لا يملكون أدوات الانتصار على الحكومات بالعنف، فماذا بعد إسقاط الدولة والنظام ومجيء المجهول للحكم؟ إن هذا المجهول سيملك أدوات العنف من جيش وشرطة؟ أم أن اللاعنف هو الخطوة التمهيدية للاستيلاء على أدوات العنف ليتمَّ تفعيلها وممارستها من بعد التمكين؟

في تاريخنا مثل هذا نماذج أصيلة مكررة، فتاريخنا حافل بالكوارث، في تاريخنا بعد امتلاك الأمويين للقوة قاموا بتصفية آل البيت جميعًا بما فيهم الأطفال الرضع والنساء والكهول! محمد علي قضى على المماليك بمذبحته الشهيرة منعًا لأي معارضة، فبأي المثلين سيتأسى الحاكم المجهول الآتي؟ وماذا سيفعلون بنا نحن فقراء المسلمين في سبيل دعم حكمهم؟ التدمير التام هو خاصية الثقافة البدوية لأنها كالقبائل تتصارع صراعًا صفريًّا تتم فيه إبادةُ الآخر أو استعباده والاستيلاء على ممتلكاته، كذلك كان بدو إسرائيل من الأسباط، ذبحوا بعضهم بعضًا في رحلة الخروج، إسرائيل وهي من أصول بدوية، عند إقامة دولتها استدعت ذات الثقافة.

اليوم يفترض الرقي الإنساني أن رفض العنف كأسلوب للنضال مطلوب، ليس لأن المؤمنين لا يملكون القدرة على العنف وإنما يجب رفض العنف من باب أخلاقي. اليوم ليس المطلوب هو نضال العنف واللاعنف، المطلوب تعزيز أكثر فرق المجتمع إخلاصًا للديمقراطية ومدى قرب أو بُعد هذا الفريق أو ذاك من حقيقية الديمقراطية. اليوم من يستحق العقوبة وعدم المساندة هو الأكثر بُعدًا عنها، الذي يطلب دولة دينية لا علاقة لها بمعنى الدولة في مجتمعات اليوم، وبتكوينها الديني لن تستطيع أي تغير من أجل أي تقدم ممكن، إن الدكتور أبا حطب كواحد من المتأسلمين لا يدعو هنا إلى تغيير القائمين على الحكم واستبدالهم بغيرهم، إنه لا يدعو إلى تبادل السلطة وتداولها، إنما يدعو إلى ثورة مدمرة كاسحة دون عنف تؤدي إلى تفكك المجتمع نفسه شظايا.

إن البديل الذي يقدمه لنا المتأسلمون يجب أن يحوز مشروعية محلية ودولية أيضًا، لكن هذا الخراب المستعجل لا يحوز أي مشروعية، أبو حطب مثل الذي يريد أن يستخرج حصوة من مريض فيفتح لها من رقبته.

يبقى أن يعرف القارئ، أنه مع إيمان أهلنا المتأسلمين، فإنهم لا يجدون حرجًا في أفعال من نوع ولون ما سأسوقه الآن، فالفكرة التي قدمها أبو حطب وصراعه اللاعنيف وأدواته ووسائله كلها هي فكرة تم شرحُها عبر حوالي عشرة كتب ﻟ «جين شارب»، وله موقع يحوي هذه الكتب مجانًا على الشبكة الدولية للمعلومات، والعجيب أن أبا حطب لم يُشر إلى «شارب» إلا إشارة عابرة لا توضِّح دوره كأرضية كاملة التمهيد لما قاله أبو حطب؛ يعني جايب سيرة «شارب» ليخزي العين ليس أكثر، وللمدقق أن يلحظ أن الدكتور عندما نقل بنوده لأساليب النضال اللاعنيف أخذ ١٣٩ بندًا من بين ١٩٨ بندًا، وترك ما ترك عن عمد وقصد؛ لأنها لا تتفق ومذاقنا الإيماني كمظاهرات العري وما يشبهها، وبعد جمْع ما أراد من بنود وترْك ما أراد من بنود، فحشد أفضل الوسائل وأسرعها لخراب مصر، وقام بتشغيل كلام «شارب» لانتفاضة إسلامية لا عنيفة، وبينما كان «شارب» منتجًا مؤثرًا في المجتمعات الأوروبية، فإن كلامه المنقول إلينا عبر أبي حطب قد شابته النوازع ومطالب الأيديولوجيا الإسلامية، فأصبح غير صالح لنا ولا لغيرنا.

كلام «شارب» نفسه كان صالحًا لعالم يقف في مواجهة الاتحاد السوفيتي حتى انهار هذا الاتحاد، في زمن وفي ظرف مختلف، والأهم اختلاف ثقافة المستقبل، فبلادنا لا تخضع لحكومة واحدة، فهناك سلطة دينية وسلطة حكومية، وحسني مبارك لا يحكم مصر بشكل مطلق؛ فالأزهر يُصدر الفتاوى قوانينَ تسري في الواقع، ودار الإفتاء تفعل ذات الشيء، وتضغط على المواطنين بمزيد من التحريمات، لتوانيا وإستونيا وألمانيا الشرقية كلها كانت تحت هيمنة ديكتاتورية واحدة، هنا لدينا ديكتاتور موجود في الشارع ينتظر ساعة هيمنته. في لتوانيا عندما تم إسقاط السلطة الديكتاتورية، كانت الناس تطلب البديل وهو موجود لديها وهو العلمنة الكاملة بكامل الحريات والحقوق والمبادئ الديمقراطية، سقوط النظام هناك جاء بديله نظام ديمقراطي، وسقوط النظام العام هنا البديل الجاهز له هو الإخوان وإخوانهم من المتأسلمين، المشكلة أنه ليس لديهم حتى الآن أيُّ بديل، لا برنامج ولا دستور ولا شيء بالمطلق، ولا تعلم هل إذا أتاهم الحكم فهل سيحكمون ببركة دعاء الوالدين؟ لقد كان الصحابة والخلفاء يحكمون ببركة حضورهم زمن الوحي ومصاحبة الرسول والتعلم منه مباشرة، والإخوان أو غيرهم من فِرق الإسلام السياسي ليسوا صحابة ولا مبشرين بالجنة، فما بال الإخوان لا يقدمون برنامجًا علميًّا واضحًا ولا دستورًا، ويطلبون الكرسي بالعنف وباللاعنف وبأي أسلوب ممكن، إنهم يقدِّمون لنا المجهول.

إن سقوط نظام المجتمع في بلاد مثل بلادنا وفي ظل مناخ ثقافي كمناخنا لا يعني إلا عراقًا جديدًا كمثل صارخ بحجم الثارات في ثقافتنا، والتي لا يضبطها سوى استمرار النظام الضابط لهذا المجتمع، وهو غير نظام الحكم، بينما أبو حطب يوجِّه بنوده لضرب النظام الضابط للمجتمع، إنهم يريدون الحكم ولو بدمار النظام الاجتماعي العام، على جثث ألوف المصريين كما العراقيين، وعلى ردم من خراب الديار ودمار العمار.

إنهم لا يمانعون أبدًا ما داموا هم من سيحكم.

يا أبا حطب إن الإحصاءات في مصر تقول إن مجمل الوقت المنتج للموظف المصري هو ثلاث ساعات في الأسبوع، يعني هو في حال نضال لا عنيف غير موجه، هل هناك خراب أكثر من ذلك؟

هيه ناقصاك يا أبو حطب؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠