(١٢) السباق

كانت حَلْبةُ السباق المُصممة ببراعة والواقعة على طريق «كارهولم» مكتظةً بالحشود؛ إذ كان الوَسَط الرياضي مهتمًّا على غير العادة بسباق «لنكولنشير هانديكاب»، وهذا الاهتمام مصحوبًا بالطقس الرائع، قد اجتذب الرياضيِّين من شمال البلاد وجنوبها ليلتقوا معًا في هذا السباق الإنجليزي الذي كان بمثابة مهرجانٍ كبير. عاد الرحالة إلى موطنهم على متن قطارٍ وباخرة. فقد كان من بين الحشود رجالٌ قد بدت سُمرة مصر على خدودهم، ورجال كانوا قد رحلوا إلى الجنوب هربًا من ابتلاءات الشتاء الإنجليزي الشديدة القارسة، ورجالٌ قد أتوا من «مونت كارلو»، ورجال نحاف ذوو بشرة بُنية كانوا قد قضوا الأيام المُظلِمة من السنة وسط ثلوج جبال الألب.

كان من بين الحشود أيضًا مُتابعُون مُنتظمون للفروسية لم يعرفوا عطلة ولا استراحة، وكانوا قد تابعُوا موسم قفز الحواجز باهتمامٍ بالغ دقيق. كان يوجد رجالٌ أثرياء وآخرون فقراء مقارنةً بهم، وحِرَفيون بسطاء وجدوا هذه العطلة هي الأمتع من بين عطلاتهم، وأعضاء برلمانيون قد اختلسُوا يومًا للراحة من كآبةِ النقاشات البرلمانية، ومُراهنون محتالون يبحثون عن ضحايا محتملين، وكانت عيون هؤلاء المُحتالين، الذين كانوا هادئين مُتوارين عن انتباه الآخرين، تتحرَّك باستمرار بحثًا عن شخصٍ قد يستطيعون الاحتيال عليه. وكان في الحَلْبة قلَّةٌ من الصحفيين، وأناسٌ متفائلون وآخرون مُتشكِّكون، وشبان وشيوخ، وفلَّاحون يَرتدُون الأغطية الواقية للكاحل، وكل تلك الفئات قد جمعها حُبُّ رياضة الملوك في بوتقةِ أخوَّةٍ كبيرة واحدة.

في حقل التدريب المُكتظ الواقع بجوار حظيرة الخيول، كان بعض الصبية الصغار من الساسة يَسوسُون الخيول التي شاركت في السباق الأول، وقد رُبِط على ذراع كل منهم رقم الحصان الذي يَسوسُه.

قال جريشام وهو يتفحَّص الخيول سريعًا من بعيد: «مجموعة رديئة من الخيول الضعيفة المُثيرة للشفقة.» كان معظم الخيول ما زال مكسوًّا بالفراء الشتوي، وكان معظمها بدينًا وغير لائقٍ للسباق. كان جريشام يضع علامةً على بطاقته بجوار كلِّ حصانٍ، وقد شَطَب بعض الخيول فورًا إذ رأى أنها غير مرشَّحة للفوز إطلاقًا، ثم وَجَد الآنسة ماري تتجوَّل هائمةً وحدها في حقل التدريب، وحيَّته كأنَّها بحَّارٌ قد نَجا من تحطم سفينتِه ويُنادي مركبًا شراعيًّا ليُنقذه.

قالت: «أنا في غاية السعادة لأنك أتَيت؛ فأنا لا أفقهُ أي شيءٍ عن السباقات.» نظرت حولها في أرجاء حقل التدريب، وقالت: «ألن تقولَ لي شيئًا؟ أكلُّ هذه الخيول لائقةٌ للسباق حقًّا؟»

فابتسم قائلًا: «من الواضح أنَّكِ على قدرٍ من الدراية بالخيول. لا، ليست كذلك.»

فقالت بدهشة: «لكنَّها بالتأكيد لا تَستطيع الفوز إذا كانت غير لائقة.»

رَدَّ الشاب ضاحكًا: «لا يُمكِن أن تفوز كلها، وليست كُلها مُشارِكةً من أجل الفوز؛ فقد لا يكون المدرِّب مُقتنعًا بأنَّ حصانه ممتاز، لكنَّه يُشركه في السباق ليجسَّ به قدرات الخصوم، إن جاز التعبير؛ فالحصان الأفضل لياقةً سيفوز بهذا السباق على الأرجح، وسيعرف مدرب الحصان الذي ينافسه بلا أملٍ في الفوز، مدى قُرب لياقة الحصان الفائز من حصانه!»

قالت وهي تنظر إلى بطاقتها: «أريدُ العثور على «تيمبولينو». إنه حصان السير آيزاك، أليس كذلك؟»

أومأ برأسه، وقال: «كنتُ أبحث عنه أنا أيضًا. تعالَيْ معي، ولنُحاول العثور عليه.»

وجدا الحصان في أحد أركان حقل التدريب، وقد كان حيوانًا طويلًا مُنتصبًا ومفتول العضلات بقدرِ ما استطاع هوريس أن يحكُم عليه، وهو في كسائه الذي كان لا يزال متشحًا به.

قال منهمكًا في التفكير: «حصانٌ جيد من نوعية مناسبة لسباق «لنكولن». لقد رأيته في سباق «أسكوت» في العام الماضي. أظنُّ أنَّ هذا هو المنافس الذي علينا أن نَهزمه.»

فسألته: «هل يَملك السير آيزاك خيولًا كثيرة؟»

فقال: «بل بضع خيول. إنَّه رجلٌ جديرٌ بالاهتمام.»

سألته قائلة: «لمَ تقول ذلك؟»

هزَّ كتفيه، وقال: «حسنًا، المرءُ يعرف …» ثم أدرك أنَّ التحدُّث باستخفافٍ عن مُنافسٍ مُحتمَل ليس تصرفًا شريفًا، وقد فَسرت الفتاة سكوتَه المُفاجئ تفسيرًا صائبًا.

سألته فجأة: «من أين يَجني السير آيزاك ماله؟»

فنَظَر إليها، وقال: «لا أعرف. لديه بعض الممتلكات في مكانٍ ما، أليس كذلك؟»

هزَّت رأسها، وقالت: «بلى.» وسرعان ما أضافت: «سؤالي لا يَعني أنني مُهتمةٌ إطلاقًا بثروته أو احتمالات ثرائه المُستقبلية. فكل اهتمامي مُنصبٌّ على … شخصٍ آخر.» ومنحتْه ابتسامةً صغيرة فاتنة.

وبالرغم من أنَّ حقل التدريب كان مكتظًّا، وأنَّ عيون الكثيرين كانت مُسلَّطة عليه، بذَل صاحب المهرة المرشحة للفوز قصارى جهده كي يمنع نفسه من إمساك يديها، لكنَّه فشل.

غيَّرَت الموضوع فجأة؛ إذ قالت بمرح: «إذن فهيَّا نذهب الآن ونرى مُهرتك الرائعة.»

قادها إلى أحد أكشاك حظيرة الخيول، حيث كانت «نيميسيس» تتلقَّى عنايةً من سائسٍ يعمل بكل اهتمام.

كانت مُهرةً نادِرة؛ إذ كانت صغيرة البُنيان مُتناسِقة الأطراف ذات رأسٍ جميل ورقبةٍ رائعة نادرًا ما تُرى في مُهرةٍ أصيلة صغيرة جدًّا مثلها. كانت قد حلَّت في المركز الرابع في سباق «كامبريدجشير» في العام السابق، وأحرزت تحسُّنًا ثابتًا في أدائها من عامها الثالث إلى عامها الرابع.

تفحَّصها هوريس بنظراتٍ مُدققة، ولم ترَ عينه المتمرِّسة عيبًا في حالها. كانت تبدو في أفضل حال ولائقةً تمامًا للمهمة التي كانت تنتظرها في عصر ذاك اليوم. كان يعرف أنَّ مهمتها شاقة، وكان يعرف أيضًا أنَّه يشعر في قلبه بالقليل جدًّا من الخوف من أن تُخفِق في اجتياز الميل المُستوي السهل في حَلْبة «كارلهولم» بنجاح. كان السباق يضمُّ عدَّة خيول عدَّاءة سريعة أيضًا، وسوف تجعل وتيرة السباق سريعةً للغاية. وإذا كانت القدرة على التحمُّل نقطةَ ضعفٍ لدى مُهرته، فستخونها وتُعرِّضها للخسارة بلا شك.

كانت حظيرة خيوله، في اليوم السابق الذي شهد افتتاح موسم السباقات، قد أشركت حصانًا في سباقٍ لبيع الحصان الفائز في المزاد بعد نهايته، وكان من المُبشِّر أنَّ ذاك الحصان قد تفوق على كلِّ الأحصنة المشاركة الأخرى بسهولةٍ، مع أنَّه كان يحمل الوزن الأثقل. وهذا هو ما جعل المُهرة «نيميسيس» تتمتَّع باحتمالية كبيرة في الفوز وبأرباح مُنخفِضة للمُراهِنين عليها.

جريشام نفسه لم يراهن عليها إلَّا بمبلغٍ زهيد جدًّا؛ إذ لم يكن يُراهن بأموالٍ طائلة، وإن انتشرت أقاويل تعتقد أنَّه كان يَجني أرباحًا طائلة ويتكبَّد خسائر باهظة كلَّ عام. غير أنَّه لم يكن يستفيد شيئًا من تكذيب تلك الشائعات، وكان لا يبالي بآراء رفاقه بالدرجة التي تكفي لئلا ينزعج من تكرارهم لهذه الشائعات.

غير أنَّ تقليل قيمة الأرباح المتوقَّعة من الرهان على «نيميسيس» كان مسألةً مُقلِقة لفريق «تيمبولينو»؛ إذ لم يكن بوسعِهم تغطية رهاناتهم على «تيمبولينو» بوضع «رهانٍ تأميني احتياطي» على «نيميسيس» دون أن يُنفقُوا مبلغًا طائلًا.

كان هوريس يَتناول الغداء حين أُجريَ السباق الثاني. وكان قد وجد في اللورد فيرلوند لُطفًا مثيرًا للعَجَب؛ إذ دُهِشَ الشاب حين قبل فخامة اللورد دعوته بودٍّ فاتر ليوحي بأنَّه كان يتوقعها. قال اللورد بينما تلألأت عيناه بلمعةٍ بسيطة: «ألم تَدعُ آيكي؟»

أومأ جريشام برأسه مبتسمًا، وقال: «نعم؛ فأنا لا أظن أنَّ السير آيزاك يستسيغني.»

اتَّفق معه الآخر قائلًا: «أجل، أعتقد ذلك. على أيِّ حال، لديه ضيفه الخاص؛ الكولونيل بلاك. أؤكد لك أنَّني غير مسئول إطلاقًا عن ذلك. لقد عرَّفه آيكي إليَّ، دون داعٍ، لكنَّ آيكي دائمًا ما يأتي بأفعالٍ لا داعي لها.»

أضاف الإيرل وهو يُقطِّع الطعام بسكينِه وشوكته: «إنَّه شخصٌ ودود جدًّا. لقد كان يُناديني ﺑ «فخامة اللورد» و«سيدي اللورد» كأنَّه محامٍ مبتدئ للغاية وكأنني قاضٍ كبير وداهية للغاية في إحدى جلسات محكمة العدل. كان يُعاملُني بذلك الاحترام الذي لا يُمنَح إلا لأولئك الذين يُتوقَّع منهم أن يدفعوا ثمن هذه المنحة الخاصة. كان آيكي ملهوفًا جدًّا على أن يترك لديَّ انطباعًا طيِّبًا.»

يُمكِن القول بكلِّ صدقٍ إنَّ بلاك قد رأى الخناق يَضيق عليه. لم يكن يعرف ماهية القوى الخفية الغامِضة التي تُؤثِّر فيه، لكنَّه، يومًا تلو الآخر وبمائة صورةٍ مختلفة، كان يجد أنه يبوء بالفشل، وكان يرى عراقيل جديدة في طريقه. كان بالخارج آنذاك من أجل إضافةِ ضحية أخيرة إلى قائمة قتلاه.

استعاد بلاك إدراكه للحاضر حين سمع الأصوات الصاخبة لوكلاء المُراهنات من حوله؛ إذ كانت الحَلْبة غارقةً في حالةٍ من الهَرْج والمَرْج. سمع صوتًا يَصيح قائلًا: «سبعةٌ إلى واحد، باستِثناء واحد! سبعةٌ إلى واحد للمُهرة «نيميسيس»!» وكان على درايةٍ كافيةٍ برياضة السباقات ليَعرف من ذلك الإعلان ما حدث للحصان المُفضَّل. اتجه إلى وكيل مراهَناتٍ كان يعرفه معرفةً طفيفة، وسأله: «ما الحصان الذي استثنيته؟»

جاءه الرد: «تيمبولينو.»

وَجَد السير آيزاك بالقرب من الباحة المُسيَّجة. كانت بشرة البارونيت بيضاء باهتة، وكان يقضم أظافره بارتباك.

سأله بلاك: «ما الذي جعل حصانك مُرشَّحًا قويًّا جدًّا هكذا؟»

فقال السير آيزاك: «لقد راهنتُ عليه مرَّةً أخرى.»

«راهنتَ عليه مرة أخرى؟»

فقال الآخر باهتياجٍ عنيف: «كان عليَّ أن أفعل شيئًا. إذا خسرت، حسنًا، سأخسرُ مبلغًا أكثر ممَّا أستطيع دَفعه؛ فلا شيء يمنعني من أن أضيف ديونًا أخرى إلى كاهلي. أؤكِّد لك أنني سأصبح مُفلسًا ومُشرَّدًا إن لم يَفُز هذا الشيء، إلَّا إذا كنت تستطيع أن تفعل شيئًا ما من أجلي.» وسأله بتوسُّل: «تستطيع، أليس كذلك يا بلاك، يا صديقي العزيز؟ لا سبب يجعل أيًّا منَّا مُضطرًّا إلى إخفاء أسرارٍ عن الآخر.»

حدَّق إليه بلاك. إذا خسر الحصان، فقد يستطيعُ استغلالَ هذا الرجل لتحقيق منفعةٍ أكبر.

أوحت كلمات السير آيزاك التالية بأنَّ المُساعدة ستكون جاهزةً عند الضرورة. قال بمرارة: «المشكلة هي ذلك البغيض فيرلوند. لقد قَلَبَ الفتاة عليَّ تمامًا. إنها تُعاملني كما لو كنت حُثالة، وقد كنتُ أظن أنَّ علاقتي بها تسير على ما يُرام. لقد راهنتُ مُعتمدًا على أنَّ الأموال ستُصبح من نصيبي.»

فسأله بلاك: «وما الذي جَدَّ؟»

قال البارونيت: «لقد التقيتُها للتوِّ على انفرادٍ، وأوضحتُ لها غَرضي، لكنَّ الطريق مسدود. لقد قابَلت عرضي بقسماتٍ صارمة جامدة يا بلاك، لقد رفضتني رفضًا قاطعًا.» وأضاف وهو يكاد ينتحب: «هذا فظيع للغاية.»

فأومأ بلاك. وحينئذٍ، شهدت الحَلْبة ضجةً مفاجئة. ومن حيث كانا يقفان، رأيا من فوق رءوس الحشود الغفيرة قُبَّعات الفرسان ذات الألوان الزاهية وهُم يقودون جيادهم ويُسيِّرونها خببًا إلى نقطة الانطلاق.

وعلى عكس السير آيزاك، الذي حرص على تجنُّب حَقل تهيئة الخيول بعدما ألقى نظرةً عابرة على حصانه، كان هوريس يُشرِف بنفسه على إضفاء اللمسات الأخيرة على «نيميسيس»؛ فقد أشرف على أحزمة السرج وهي تُربَط وأعطى الفارس تعليماته الأخيرة. وبعدئذٍ، بينما كانت المُهرَة تُقتاد إلى المضمار، التفتَ وراءه وألقى عليها نظرة استحسان أخيرة، ثم استدار نحو الحَلْبة.

أتى اللورد فيرلوند من ورائه آنذاك، وقال له: «مهلًا يا جريشام!» أومأ الرجل العجوز مشيرًا إلى «نيميسيس»، وسأله: «هل تظنُّ أنَّ مُهرتَكَ ستفوز؟»

فأومأ هوريس. وقال: «أظنُّ ذلك الآن، بل إنني واثقٌ من ذلك بعض الشيء.»

فسأله الآخر ببطء: «وهل تظنُّ أنَّ الفوز سيكون من نصيب «تيمبولينو» إذا لم تَفُز مُهرتك؟»

نَظَر إليه هوريس بفضول، وقال بهدوء: «نعم أيُّها اللورد فيرلوند، أظن ذلك.»

خيَّم سكوت لحظي مرة أخرى، بينما كان الرجل العجوز يحكُّ لحيته الحليقة بأصابعه شاردًا في تفكيرٍ عميق، ثم قال دون أن يرفع صوته: «لتَفترِض يا جريشام، لتفترض أنني طلبت منك أن تَسحب مُهرتك من السباق؟»

فاحمرَّ وجه الشاب فجأة، ورَدَّ بنبرةٍ حادة قائلًا: «أنت تَمزح أيُّها اللورد فيرلوند.»

قال الآخر: «لا أمزح، بل أتحدث إليك من مُنطلَق أنني رجلٌ شريف، وأُعوِّلُ على أنَّك ستحترم ثقتي. فلتفترض أنني طلبتُ منك أن تَسحب «نيميسيس» من السباق، هل ستَسحبها؟»

قال الآخر: «لا، بصراحة، لن أفعل ذلك، لكني لا أستطيع …»

فقال اللورد فيرلوند بنبرة عادت إليها حدَّتها المُعتادة: «لا تهتم بما لا تستطيع فهمَه. إذا طلبتُ منك ذلك وعَرَضت عليك أن أكافئك بتلبية أحبِّ رغبةٍ إلى قلبك، فهل ستفعل ذلك؟»

قال هوريس بجدية: «لن أفعل ذلك من أجل أيِّ شيء في الدُّنيا.»

فارتسمت ابتسامةٌ صغيرة مَريرة على وجه الرجل العجوز، وقال: «أتفهَّمُ ذلك.»

فقال هوريس الذي كان لا يزال مُتحيِّرًا: «إنني لا أستطيع أن أفهم السبب الذي يجعلك أن تَطلب منِّي ذلك. فلا شك أنك، كما تعرف.»

فقال الإيرل العجوز بابتسامةٍ طفيفةٍ جدًّا على شفتيه النحيفتَين: «لا أعرفُ سوى أنك تظنُّ أنني أريدك أن تسحب مُهرتك لأنني راهنت على الحصان الآخر.» وقال بانزعاج، وإن ظلَّت الابتسامة الطفيفة باقيةً على شفتَيه: «أنصحك ألَّا تُفرِط في الافتخار باستقامتك إلى حدِّ الاستكبار، لأنَّك قد تعض أصابع الندم يومًا ما على أنك لم تُنفِّذ طلبي.»

قال هوريس: «إذا قلت لي …» ثم سكَتَ فجأة؛ فهذا الطلب المفاجئ من الإيرل، الذي كان يتمتع بالروح الرياضية بالرغم من كل عيوبه، قد جعله شبه عاجزٍ عن الكلام.

قال الإيرل: «لن أقول لك شيئًا.» وأضاف بلباقة: «فلا شيء لديَّ لأقوله لك.»

صَعَد هوريس الدَّرَج المؤدِّي إلى المقصورة الرئيسية مع الإيرل متقدمًا عنه. وأقل ما يُمكن قوله عن شعوره هو أنَّه كان مُنزعجًا من الطلب الاستثنائي الذي طَلَبه الرجل العجوز. كان يَعرفُ أنَّ الإيرل رجلٌ غريب الأطوار، وكان يعرف ممَّا يسمعه عنه أنَّه رجل شرِّير، مع أنَّه لم يكن يملك دليلًا على ذلك. غير أنَّه لم يتصوَّر قَط، في أشدِّ لحظاته جموحًا وقسوة، أنَّ هذا الوغد العجوز — هكذا كان يَصفه — سيطلب منه أن يسحب حصانًا من سباق. كان ذلك غير معقول. لقد كان يتذكر أنَّ اللورد فيرلوند قد أشرف على تنظيم سباقٍ كبير أو اثنين سابقًا، وأنَّه كان عضوًا في أحد أجدر الأندية الرياضية بالاحترام وأعلاها مكانةً في العالم.

شق طريقه بمرفقِه نحو أعلى المقصورة؛ حيث ظهرت الريشة البيضاء التي تُزيِّن قبَّعة الآنسة ماري.

قالت حين وصل إلى جوارها: «تبدو مُنزعجًا، هل ضايقك العم؟»

هزَّ رأسه. وأجاب باقتضابٍ فظٍّ غير معتاد: «لا.»

فسألته مازحةً: «هل أصيبت مُهرتك بصداع؟»

جاءت إجابته غير مترابطة بالسؤال: «كنت مُنشغلًا بشيءٍ تذكَّرته.»

كانت الخيول المشاركة عند خطِّ البداية. قالت له: «لقد جاءت القرعة بأن تكون مُهرتك في مُنتصَف خط البداية.»

وضع منظاره على عينَيه، واستطاع رؤية اللونين البُني الداكن والأخضر بوضوحٍ كبير. واستطاع أيضًا بسهولة أن يرى حصان السير آيزاك، بخطوطه الرأسية الرمادية المُنسدلة على لونه الأبيض، والقبعة الصفراء. كانت القرعة قد أوقعته في الجزء الواقع في الجانب الأيمن الداخلي من خطِّ البداية.

كانت الخيول المشاركة آنذاك تُسبِّب لصاحب إشارة بدء السباق كل المتاعب الممكنة التي قد يُسبِّبها أربعة وعشرون حصانًا من الخيول الأصيلة الجامحة لأيِّ رجل. ظلت طوال عشر دقائق تتراجع إلى الوراء وتنحرف جانبًا وتقفز وترفس وتدور أمام الشريطَين الطويلين. وبصبرٍ مثالي، ظلَّ صاحب إشارة البدء مُنتظرًا وهو يُوجِّهها بل يكاد أن يتوسَّل إليها أحيانًا ويأمرها في أحيان أخرى، ويجب الاعتراف بأنَّه كان يَتفوَّه بألفاظٍ نابية أيضًا؛ لأنَّه كان من شمال البلاد ولم يكن يُراعي أسلوب الحديث في عالم الفرسان.

مَنَح هذا الانتظار هوريس فرصةً لاستجماع أفكاره. كان منزعجًا قليلًا من الطلب الغريب الذي طلبه منه الرجل الذي كان واقفًا بجواره في تلك اللحظة يتحدَّث بهدوء شديد.

أمَّا السير آيزاك، فقد أجَّج هذا الانتظار توتُّره. كانت يداه ترتعشان وكان منظارُه يصعد ويهبط بحركاتٍ متشنجة فجائية، وكان ملتاعًا من شدة القلق. وفجأة رُفع الشريط الأبيض، واحتشدَت الخيول في ثلاث مجموعات، ثم انتشَرت مرةً أخرى بعرض المضمار، وركضت، كأنها خيول في إحدى كتائب سلاح الفرسان، ركضًا مُدويًا كالرعد على المُنحدَر الطفيف في رحلتها صوب خطِّ النهاية.

«لقد انطلقَت!»

ضَجَّت حشود الحاضرين. وكان كل منظارٍ مسلطًا على الخيول الآتية. كانت البداية باهرة، غير أنَّ السباق لم يشهد شيئًا بارزًا في الفرلنجين الأوَّلين. كانت الخيول تركض مُتجاورةً على استقامةٍ واحدة تقريبًا، ثم بدأ أحدها يتقدم سريعًا من عند السياج الداخلي؛ كان ذلك هو «تيمبولينو»، الذي كان يركض بسلاسةٍ باهِرة.

قال هوريس بنبرةٍ هادئة بالرغم من صعوبة موقفه: «يبدو أنَّه سيكون الفائز، فمُهرتي محصورة.»

كان فارسُ «نيميسيس» في وسط المضمار يبحث عن فجوةٍ بين الخيول ليَتجاوزها، لكنَّه قاد المُهرة إلى مسارٍ مسدود.

وجد نفسه محصورًا بين حصانين لم يُبدِ فارساهما أيَّ استعدادٍ لفتح الطريق له. كانت الخيول قد قطعت منتصَف الرحلة حين استطاع الفارس إخراج المهرة من هذا الشرك، «واللحاق بركبِ الخيول الأخرى من جديد».

كان «تيمبولينو» متقدمًا بفارق طولين كاملين عن الحصان «كوليت»، الذي كان متقدمًا بطولٍ كامل عن مجموعةٍ من خمس خيول، بينما كانت «نيميسيس» في المركز الثامن أو التاسع حين انتصَف السباق.

وفي هذه الأثناء، كان هوريس واقفًا في المقصورة وهو يُمسك بساعة توقيفٍ مؤقِّتة. نَقَر على زرِّها ليوقفها حين مرَّت الخيول بالعمود الذي يُعلن مرور أربعة من وحدات الفرلنج، وألقى نظرة على قُرصها بسرعة.

قال برعشةٍ بسيطة في صوته: «إنَّه سباقٌ بطيء.»

ومن على بُعدٍ، كانت «نيميسيس» قد خرجت من وسط زمرة الخيول بخطواتٍ سريعة طليقة، وأصبحت في المركز الثالث متخلِّفةً عن «تيمبولينو» بفارق ثلاثة أطوال.

كان فارس حصان السير آيزاك يخوض السباق بثقة؛ إذ التزم بالركض بجوار السياج الداخلي ولم يكن يتقلقل على حصانه. نَظَر حوله ليرى موضع الخطر الذي يُهدِّد صدارته، فرأت عينه المتمرِّسة ذلك الخطر يكمن في «نيميسيس»، التي كانت تركض بسلاسة وبوتيرة منتظمة.

وعلى بُعد مائة ياردة من خط النهاية، هزَّ فارس «نيميسيس» لجامها بقوةٍ إلى أعلى، وفي ست خطواتٍ سريعة، صارت بجوار المتصدِّر على استقامةٍ واحدة معه.

رأى فارس «تيمبولينو» ذلك الخطر، فحثَّ حصانه الطيِّع الراكض أسفله على زيادة سرعته، دافعًا إياه بيديه وعقبَيه.

كانا يركضان آنذاك مُتوازيَين على استقامةٍ واحدة لا تفصل بينهما سوى مسافة طفيفة. وبدا أنَّ الأفضلية تكمُن لدى الحصان الراكض بجوار السياج الداخلي، لكنَّ هوريس، الذي كان يشاهد السباق من المقصورة بعينين خبيرتَين، كان يعلم أنَّ الأفضلية الحقيقية تكمن لدى الحصان الراكض في وسط المضمار.

كان قد تمشَّى على المضمار في صباح ذلك اليوم، وكان يعلم أنَّ الأرضية عند وسط المضمار، الذي يُمثِّل أعلى جزء فيه، هي الأنسب للركض. استجاب «تيمبولينو» بنُبلٍ لجهود فارسه، وحالَما تقدَّم برأسه عن «نيميسيس»، رفَع فارسها سوطه لكنَّه لم يستخدمه، وظلَّ يُراقب الآخر. وبعدئذ، حين تبقت عشرون ياردة على خط النهاية، دَفَع «نيميسيس» إلى الأمام بكل ما أوتيت يداه البارعتان من قوة.

حاول «تيمبولينو» محاولةً أخيرة لتَخطِّي «نيميسيس»، وبينما تجاوَزا كُشك الحكم عند خطِّ النهاية، لم يكن من المُمكِن أن يفصل بينهما سوى الحكم نفسه، لشدَّة تقاربهما.

التفت هوريس بابتسامة قلقة نحو الفتاة التي كانت بجواره، والتي قالت له: «يا إلهي! لقد فُزت. لقد فُزت، أليس كذلك؟» كانت عيناها متوهِّجتَين بلهيب الإثارة.

أومأ برأسه مبتسمًا، وقال: «يؤسفني القول إنني لا أستطيع الإجابة عن ذلك. لقد كانا مُتقاربَين للغاية.»

ثم ألقى نظرةً خاطفة على السير آيزاك. كان وجه البارونيت شاحبًا، وكانت يده التي رفعها إلى شفتَيه ترتجف كإحدى أوراق شجرة الحور الرجراجة. قال هوريس في قرارة نفسه: «ثمة مَن هو أشد قلقًا منِّي بشأن النتيجة.»

كانت الحَلْبة بالأسفل تعجُّ بجلبةٍ من الكلام المُهتاج، ووصلت إليهم هذه الجلَبة في الأعلى ضجيجًا غير واضح. كانت حشود الحاضرين تُراهن على النتيجة بسرعةٍ شديدة؛ إذ لم تكن الأرقام قد رُفِعَت بَعد.

كان لكلٍّ من الحصانين أنصارُه. سُمع بعد ذلك ضجيجٌ يكاد يُضاهي الخوار؛ إذ كان الحكم قَد رفع صفرين في لوح إعلان النتيجة. لقد انتهى السباق بالتعادُل!

قال هوريس: «يا إلهي!»

ولم يُزِد عن ذلك كلمة.

عبر إلى الجانب الآخر من الباحة المُسيَّجة بأسرع ما استطاع، وكان السير آيزاك يتبعه عن كثب. وبينما كان البارونيت يشق طريقه بمرفقه وسط الزحام، أمسكه أحدٌ من ذراعه. نَظَر وراءه، فوجده الكولونيل بلاك.

قال بلاك بصوت هامس أجش: «خُض جولةً حاسمة. لقد تعادلتْ هذه المُهرة مع حصانك بالصدفة البحتة. لقد أُخِذَ فارسك على حين غرة؛ فلتخُض جولة حاسمة.»

تردَّد السير آيزاك، وقال: «لكنِّي سأحصل على نصف الرهانات ونصف الجوائز المالية.»

فقال بلاك: «فلتحصل عليها كلها. هيا، لا يوجد ما تخشاه. إنني أعرفُ هذه الرياضة، فلتَخُض جولةً حاسمة. لا شيء يمنعك من الفوز.»

تردَّد السير آيزاك، ثم سار رويدًا إلى حظيرة نزع السروج؛ حيث كانت السروج تُنزَع عن الخيول التي كانت الأبخرة تتصاعَد من أجسادها.

كان جريشام هناك يبدو هادئًا ومبتهجًا. ووقعت عليه عينا السير آيزاك.

قال بنبرةٍ ودية: «حسنًا، ماذا ستفعل أيها السير آيزاك؟»

فسأله السير آيزاك بارتياب: «ماذا تريد أن تفعل؟» كان آيزاك يؤمن في قرارة نفسه بأنَّ الرجال جميعهم محتالون؛ ولهذا فقد ظنَّ أنَّ الحل الأسلَم له هو أن يفعل عكس ما يُريده منافسه. ومثله في ذلك مثل العديد من الرجال الشكَّاكين، كان يُخطئ مرارًا في الحُكم على الآخرين.

قال هوريس: «أرى أنَّ الأفضل هو التقاسُم. لقد خاض الحصانان سباقًا شاقًّا جدًّا، وأظن أنَّ الحظ لم يسعف مهرتي بالفوز.»

وبناءً على هذا، اتخذ السير آيزاك قراره وقال: «سنَخوض جولةً حاسمة.»

فقال هوريس ببرود: «كما تشاء، لكنِّي أظن أنَّ الصواب يَقتضي عليَّ أن أحذرك بأنَّ مُهرتي كانت محصورةً في مُنتصَف السباق، ولولا ذلك لفازت بسهولة. لقد اضطرَّ فارسها إلى التعويض عن نصف دزينةٍ من …»

فقاطعه الآخر بفظاظة وقال: «أعرفُ كل هذا، لكنِّي سأخوض جولةً حاسمة على أيِّ حال.»

أومأ هوريس برأسه، والتفت للتشاور مع مدرِّبه. إذا قرَّر البارونيت خوض جولةٍ أخرى لحسم التعادل، فلن يوجد ما يمنعه من ذلك؛ إذ تنص قوانين السباق على أنَّ التقاسُم يجب أن يكون بمُوافَقة كلا المالكين.

أعلن السير آيزاك نيَّته للمُنظِّمين، وتَقرَّر إجراء الجولة الحاسمة بعد السباق الأخير في اليوم.

كان يَرتجِف من شدة الاهتياج حين عاد إلى بلاك. وقال له بارتياب: «لستُ متيقنًا من أنَّ قرارك صائب؛ فهذا الشاب جريشام يقول إنَّ مُهرتَه كانت محصورة. لم أرَ تلك المهرة الجامحة في السباق؛ لذا لا أستطيع التيقُّن من ذلك. فلتسألْ شخصًا ما.»

قال بلاك وهو يُربت على ظهره: «لا تقلق، فلا شيء يستدعي القلق، ستفوز بهذا السباق بالسهولة نفسها التي سأمشي بها من هذه الحلبة إلى حقل تدريب الخيول.»

لم يقتنع السير آيزاك. وانتظر حتى رأى صحفيًّا يَعرفه بمظهره، كان عائدًا من مكتب البرقيات.

قال السير: «أصغِ إليَّ يا هذا، هل شاهدت السباق؟»

أومأ الصحفي برأسه، وقال بابتسامة: «نعم أيها السير آيزاك. أظن أنَّ جريشام أصرَّ على خوض جولةٍ حاسمة، أليس كذلك؟»

قال السير آيزاك: «لا، لم يُصرَّ، لكنِّي أظنُّ أنِّي كنت غير محظوظٍ بعدمِ الفوز.»

تجهَّمت قسمات وجه الصحفي قليلًا، وقال: «يؤسفني القول إنني لا أستطيع أن أتفق معك في ذلك. لقد كنت أرى أنَّ مُهرة السيد جريشام ستفوز بسهولة، لكنَّها حُصِرَت في القطاع المستقيم من المضمار.»

أبلغ السير آيزاك الكولونيل بلاك بهذه المحادثة.

فقال بلاك بازدراء: «لا تَكترِث بصحفيِّي السباق هؤلاء؛ فما الذي يعرفونه؟ أليست لديَّ عينان مثلهم؟»

غير أنَّ ذلك لم يُقنع السير آيزاك؛ إذ قال: «هؤلاء الرجال خبراء مُحنَّكون للغاية. يا ليتني رضيتُ بالتقاسم.»

فصفَعَه بلاك على كتفه، وقال: «أنت تفقدُ أعصابك يا آيكي. يا إلهي، ستَشكرني ونحن نتعشَّى الليلة لأنني وفَّرتُ لك آلاف الجنيهات. ألم يكن يُريد خوض جولةٍ حاسمة؟»

فسأله السير آيزاك قائلًا: «مَن؟ جريشام؟»

فقال بلاك: «نعم، أكان يرغب في ذلك؟»

«كلا، لم يكن راغبًا جدًّا في ذلك. قال إنَّه سيكون قاسيًا على الحصانين.»

ضحك بلاك، وقال بازدراء: «هراء! هل تتصوَّر أنَّ رجلًا كهذا يُبالي بما إذا كانت مُهرته قد خاضت سباقًا شاقًّا أم لا؟ كلا! لقد شاهد السباق كما شاهدته أنا. لقد رأى أنَّ فارسك الأحمق كاد يفوز وأُخِذَ على حين غفلةٍ منه؛ ولهذا لم يكن يُريد المجازفة بخوضِ جولةٍ حاسمة بالطبع. أؤكِّد لك أنَّ «تيمبولينو» سيفوز بسهولة.»

اطمأن السير آيزاك بعض الشيء بتفاؤل رفيقه، وانتظر نتيجة الجولة الحاسمة وهو في حالٍ معنوية أفضل. وقد عزَّز اطمئنانه أنَّ الحاضرين في الحلبة تبنَّوا رأيًا مماثلًا لذلك الذي تبنَّاه بلاك. كانوا يسألون عن نسب أرباح الرهان على «تيمبولينو». وكان يُمكن أن تحصل على رهان بقيمة اثنين إلى واحد على خسارة «نيميسيس».

لكنَّ ذلك لم يَستمرَّ سوى وقتٍ قصير؛ إذ كان جريشام قد ذهب قبل ذلك إلى غرفة احتساء الشاي مع الفتاة، وبينما كان واقفًا عند مدخل المقصورة الرئيسية الضيِّق من ناحية الغرفة، رنَّت في أذنه الصيحة القائلة: «اثنان إلى واحد «نيميسيس».»

فصاح مشدوهًا: «إنهم يُراهنون على خسارة مُهرتي!» ثم أومأ بيديه إلى رجلٍ كان يمر بالقرب منه. وسأله: «هل يُراهنون على خسارة «نيميسيس»؟» فأومأ الرجل برأسه. كان ذلك الرجل يعمل وكيلًا بالعمولة، وكان يؤدي أيَّ مهمة يَطلبها منه المالك الشاب. قال جريشام بحزم: «ادخل وراهِن عليها من أجلي. ضَع أكبر قدرٍ يُمكنك أن تحصل عليه من المال. راهن عليها إلى أن تُصبح نسبة الأرباح واحدًا إلى واحد.»

لم يكن جريشام من هواة المراهنة، بل كان رجلًا حصيفًا عَمليًّا في كل معاملاته، وكان يستطيع أن يتنبأ بمآل السباقات. لقد أدرك ما حدث بالضبط. أحدثت أمواله بعضًا من الاضطراب في سوقٍ لم تكن بالغة القوة؛ فخَرَج «تيمبولينو» من تفضيلات المُراهنين، وتقدمت «نيميسيس» قليلًا في قائمة تفضيلات المراهنين.

بعد ذلك، ضُخَّت تلك الأموال في الرهان على حصان السير آيزاك.

لم يكن بلاك قد راهن قبل ذلك إطلاقًا، لكنَّه رأى فُرصةً لجنْي المال بسهولة. كان الرجل يؤمن صدقًا بصحة كل ما قاله للسير آيزاك. كان يرى بكل ثقة أنَّ الفارس قد أدى «أداءً رائعًا في السباق»؛ لذا فقد اكتسب رصيدًا كافيًا فيما بين أفضل الرجال في الحلبة لوضع رهاناتٍ طائلة عليه.

شهدت سوق الرهانات تغيُّرًا استثنائيًّا مرَّة أخرى؛ إذ صار «تيمبولينو» مرشحًا مُفضَّلًا لدى المُراهِنين مجددًا. وتراجع الرهان على «نيميسيس»، فصارت نسبة أرباح الرهان عليها أربعة إلى ستة ثم أصبحت اثنان إلى واحد ثم خمسة إلى اثنين.

غير أنَّ الأموال قد بدأت تتدفَّق آنذاك من أنحاء البلاد؛ إذ كانت نتائج السباق وأحداثه قد نُشرَت في أحدث الطبعات من مئات الصحف المسائية في مختلف أرجاء إنجلترا وأيرلندا واسكتلندا. وسرعان ما اتخذ المُراهنون الصغار في بريطانيا العُظمى قرارتهم، فأقبلوا على إعادة توظيف أموالهم في الرهانات؛ بعضهم لتأمين رهاناته والآخر لتعزيز ما كانوا يَعدُّونه أرباحًا مضمونة بالفعل.

وهنا صُبَّت الأموال في كفة «نيميسيس». ذلك أنَّ المُراسِلين الصحفيِّين كانوا مُحايدين؛ إذ لم تكن لديهم أي مصلحةٍ سوى إيصال الأخبار الدقيقة إلى الجمهور ووصف أحداث السباق كما رأوها. وقد كانت تلك الأحداث كما رأوها هي الأحداث التي لم يُصدِّقها السير آيزاك والتي سخر منها بلاك بكلِّ صراحة.

كان من المقرر إجراء السباق الأخير في الساعة الرابعة والنصف، وبعدما اجتازت الخيول المشاركة فيه خطَّ النهاية، واقتيد الحصان الفائز إلى حظيرة نزع السروج، جاء الحصانان المُتعادِلان في سباق «لنكولنشير هانديكاب» الذي لا يُنسى من حقل التدريب إلى المضمار بخطواتٍ وثَّابة.

لم تكن مسألة إجراء قرعة الاختيار بين أماكن الانطلاق بالمهمَّة؛ إذ لم يكن ثمة الكثير من الاختيارات أمام الفارسين، اللذين كانا خبيرين متمرِّسين في الفروسية. وقع تأخرٌ طفيف عند خط البداية؛ فكَوْنُ السباق بين حصانين عداءين فقط لا يعني بالضرورة أنَّ الانطلاقة ستكون موحَّدة التوقيت، وإن كان يبدو من المُستبعَد آنذاك أن يحدث ما قد يمنع هذه المجموعة الصغيرة من الخيول المُشاركة من الانطلاق معًا في وقتٍ واحد. فحين رُفِعَت الأشرطة، استدارت «نيميسيس» نصف استدارة قبل الانطلاق وتأخَّرت بفارق طولين عن «تيمبولينو».

صاح أحدٌ من الحلبة قائلًا: «سأُراهن على «تيمبولينو».» وجاء صوت يَصيح بنبرةٍ متقطِّعة، قائلًا: «سأراهن بنسبة ثلاثة إلى واحد.»

رَدَّت مجموعة من الحاضرين بموافقةٍ جماعية على هذا العرض كأنَّهم جوقة موسيقية.

كان السير آيزاك يشاهد السباق من المدرج العام، وكان بلاك واقفًا بجواره.

سأله الأخير مُغتبطًا: «ألم أقُل لك؟ الأموال في جيبك يا عزيزي آيكي. انظر، إنه مُتقدِّم بفارق ثلاثة أطوال. ستفوز بكل سهولة.»

كان فارس «نيميسيس» قد استعاد توازنها. لم يُحاول زيادة سرعتها، بل بدا قانعًا بالانتظار في المؤخِّرة بفارق هذه الأطوال الثلاثة. وحينئذٍ أومأ جريشام، الذي كان يُشاهدهما من خلال منظاره، مُستحسنًا هذا التصرُّف.

قال للرجل الذي كان واقفًا جانبه: «إنَّهما لا يَركضان وَفق وتيرةٍ معيَّنة. لقد كانت المهرة أكثر تأخُّرًا عند هذه المرحلة في السباق نفسه.»

كان الحصانان كلاهما يركضان بسلاسة. وعند العمود الذي يشير إلى مرور مسافة قدرها خمس من وحدات الفرلنج، أرخى فارس «نيميسيس» لجامها وحرَّرها قليلًا. فحسَّنت وضعها في السباق دون أي جهدٍ يُذكَر. عرف الفارس آنذاك موارده بالضبط، وكان قانعًا بالانتظار في المؤخِّرة. ولا تحتاج بقية أحداث هذا الشوط من السباق إلى كثيرٍ من الوصف؛ فقد ظلَّا يركضان بهذا الترتيب إلى أن بلغا القطاع الأخير قبل نقطة الفوز، وحينها نَظَر فارس «تيمبولينو» حوله.

قال جريشام وكأنه يتحدث إلى نفسه: «إنَّه مهزوم لا محالة.» كان يعرفُ أنَّ بعض الفرسان ينظر حوله حين يشعر بأنَّ الحصان يَخيبُ من تحته.

وعلى بُعد مائتي ياردة من خط النهاية، صارت «نيميسيس»، بمجهودٍ لا يُذكَر، مُتجاورةً مع الحصان المتصدر على استقامةٍ واحدة؛ فأخرج الفارس الآخر سوطه. وضرب حصانه ضربتَين متتاليتَين، فأسرع الحصان حتى صار متقدمًا برقبته، ثم أسرعت «نيميسيس» بركضةٍ واحدة طويلة لتُصبح على استقامةٍ واحدة مع «تيمبولينو»، الذي توقف بسرعة، ثم تجاوزته وفازت بسهولةٍ تامة بفارق طولٍ ونصف.

لم يستطع السير آيزاك أن يصدق عينيه. شهق فاغرًا فاه، ورمى منظاره، وحدَّق إلى الحصانين مشدوهًا. كان من الجلي أنَّه هُزِم بالفعل قبل بلوغ خط النهاية بمسافةٍ طويلة.

صاح وهو في حالةٍ من الغضب والغمِّ الشديدَين: «لقد كَبَح جماح الحصان ليخسر متعمدًا. انظروا إليه! سأطلب مثوله أمام المنظمين. لم يكن يقود الحصان إلى الأمام!»

فقَبَض بلاك على ذراعه، وتمتَمَ قائلًا: «صه أيها الأحمق. هل ستُشهِر أنَّك مُفلس تمامًا أمام كل هؤلاء الناس؟ لقد هُزِمت هزيمة عادلة جدًّا. وأنا قد خسرتُ قدرَ ما خسرتَه أنت من المال. إيَّاك أن تفعل هذا.»

نَزَل السير آيزاك دَرَج المُدرج الكبير وسط حشدٍ من الناس كانوا كلهم يتحدثون في آنٍ واحد بنبراتٍ مختلفة. كان مذهولًا. كان كأنه رجلٌ في حُلم. لم يستطع آنذاك أن يدرك تأثير ذلك فيه. كان مصعوقًا ومتحيرًا. كل ما كان يعرفه أنَّ «تيمبولينو» قد خسر. كانت تراوده فكرةٌ ضبابية في قرارة ذهنه بأنَّه هالكٌ لا محالة، ومجرَّد بصيصٍ من الأمل في أنَّ بلاك سيُنقذه من مأزقه بطريقةٍ غامضةٍ ما.

كرَّر بنبرةٍ مكتومة: «لقد كُبِح جماح الحصان كي لا يفوز. لا يُمكن أن يكون قد خسر. ألم يُكبح جماحه يا بلاك؟»

فقال الآخر مزمجرًا: «صهٍ. ستضع نفسك في مأزقٍ شنيع إن لم تُمسك لسانك هذا.» أبعد الرجل المرتعش عن المضمار، ووضَع في يده كوبًا من مشروب البراندي القوي المفعول والماء. فاستفاق البارونيت على ورطته المأساوية.

قال بنبرةٍ مفعمة بالعويل: «لا أستطيع الدفع يا بلاك. لا أستطيع الدفع، يا له من مأزقٍ شنيع لي. يا لحماقتي حين أخذت بنصيحتك، يا لحماقتي! سحقًا لك! لقد كُنتَ متواطئًا مع جريشام. لماذا نصحتني؟ ما الذي جَنَيته من ذلك؟»

قال بلاك بفظاظة: «صه. إنَّك كطفلٍ رضيع يا آيكي. ما الذي يُقلقك؟ لقد أخبرتك بأنني خسرتُ من المال قدرَ ما خسرتَه أنت. علينا الآن أن نجلس ونُفكر في خطة لكسب المال. كم خسرت؟»

هزَّ السير آيزاك رأسه بِوَهن، وقال بفتور: «لا أعرف. ستة آلاف أو سبعة من الجنيهات.» وأضاف بنبرةٍ حزينة: «إنني لا أملكُ حتى ستة آلاف من البنسات أو سبعة. هذا مأزقٌ فاضح لي يا بلاك. لرجلٍ بمكانتي، صار عليَّ أن أبيع خيولي …»

ضحك بلاك ضحكةً فظَّة عنيفة، وقال: «مكانتك!» ثم أضاف: «يا عزيزي الطيب، ينبغي ألَّا أدَع ذلك يُقلقك. أما عن سُمعتك …» وأكمل ممازحًا إيَّاه بفظاظة: «أنت تعيش في جنة من وحي أوهامك يا عزيزي. عجبًا، لستَ أفضل سمعةً منِّي. فمن ذا الذي يُبالي بما إذا كنت ستدفع ديونك التي لا تُلزمك بها سوى كلمةِ شرف أم لا؟ بل سيكون الناس أشدَّ ذهولًا إذا سددتَ الدين من ذهولهم إذا لم تُسدِّده. أزِل كل هذا الهراء من رأسك، وفكِّر بعقلانية. ستُعوِّض كل ما خسرته بل أيضًا ستجني أكثر بكثير. عليك أن تتزوَّج، وبسرعة، ثم عليها أن تَرِث أموال سيدي اللورد، بالسرعة نفسها تقريبًا.»

نظر آيكي إليه بذهول ممزوج باليأس. وقال بنبرةٍ نَكِدة: «حتى لو تزوجتني، يجب أن أنتظر سنواتٍ قبل الحصول على الأموال.» فابتسم الكولونيل بلاك.

وبينما كانا يبتعدان عن المضمار، لَحِق بهما رجلٌ لَمَس ذراع البارونيت.

قال له: «معذرة أيها السير آيزاك.» وأعطاه ظَرفًا.

فسأله البارونيت بتعجُّب: «أهو لي؟» وفتح الظرف. لم يكن يَحوي أيَّ رسالة، بل مجرد قصاصةٍ ورقية وأربع أوراق نقدية قيمة كل منها ألف جنيه. شهق السير آيزاك فاغرًا فاه، وقرأ ما فيها:

ادفع ديونك وعِش بنزاهة، اجتنب بلاك اجتنابك للشيطان، واكسب رزقك بكدٍّ واجتهاد.

كان الخط يُخفي هوية صاحبه، لكن كان واضحًا أنَّ تلك هي لهجة اللورد فيرلوند.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢