(٢) كولونيل بلاك الخبير المالي

كانت شركة بلاك آند جرام تَحظى بشيء من الشُّهرة في أوساط المال والأعمال بمدينة لندن. ويُمكن القول إنَّ جرام كان رجلًا فوق مُستوى الشبهات؛ فهو بطلٌ حقيقي من أبطال عالم المال، وكان يَرتاد الكنيسة، ويُغدق العطاء على المؤسَّسات والأعمال الخيرية. والحق أنَّ بلاك كان يشكو بانزعاج لا يَخلو من المرح — إن كان من المُمكن تخيُّل اجتماع الاثنين معًا — من أن جرام يمكن أن يفسد عليه يومًا رائعًا بسخائه الخيالي هذا.

أطلَقَ جرام العنان لقلبِه ليقود عقله؛ فقد كان بالغ الرقة واللِّين بما لا يَتناسب مع عالم الأعمال، ولدَيه ميل شديد للانطواء والتراجُع. كان حي المال في لندن يَنظر إلى جرام بارتيابٍ بالغ؛ إذ كان يُشبهه بسيدةٍ تُدعى هاريس، لكن بلاك لم يكن يَنفعِل أو يَثور إزاء ذلك، بل كان يَبتسِم ابتسامة يَكتنفها الغموض أمام كل الشكوك التي يُضمرها حي المال أو يُبديها، ويَمضي في إبداء أسفه إزاء الحماقة المُخزية لرجل كان يبدو أنه يسعى، على حدِّ تعبير بلاك، إلى أن يَجعل للشركة سُمعة طيبة على الرغم من الشائعات المُتمحوِرة حول الكولونيل جيه بلاك.

هكذا كان بلاك يصف نفسه، رغم أنَّ قوائم الجيش كانت خالية من اسمه، وحتى البحث في الكشوف الضخمة التي تتضمَّن أسماء حامِلي الرُّتَب الشرفية الأمريكية لم يَكشف عن أي صِلة له بهذا اللقب.

كانت شركة بلاك وجرام تَطرح أسهم الشركات للتداوُل في أسواق الأوراق المالية، وتُتاجر في الأوراق المالية والأسهُم على نطاقٍ كبير. كانا يُوصيان عملاءهما بأسهُم معيَّنة، وكان العملاء يشترونها أو يَبيعونها حسب النصيحة المُسداة إليهم، وفي نهاية مدةٍ زمنية معيَّنة. وقد بعثا بمُكاتباتٍ إلى عملائهما يُعبران فيها بتأدُّب عن أسفهما لاستنفاد الغطاء المودَع لديهما، ويطلبان منهم بإلحاحٍ بأن يقوموا في أقرب وقتٍ مُمكن بتسديد الالتزامات المالية التي كانوا قد تَعهَّدوا بتحمُّلها، وهو ما كان تصرفًا غريبًا من العملاء بعض الشيء. كانت هذه، على أيِّ حال، هي البداية المُتواضِعة لشركةٍ كان مُقدَّرًا لها أن تَزدهِر وتُصبح ذات حجمٍ هائل وشأنٍ كبير. غير أنَّ جرام قد تَرَك العمل فيها، بل الحق أنه لم يكن مُشاركًا فيه قَط. وإنَّ المرء لَيرتاب فيما إذا كان قد تنفَّس نَسَمَة الحياة من قبل أصلًا، بينما ازداد بلاك ازدهارًا. كان اسمه بارزًا للغاية في أوساطٍ معيَّنة، بينما لم يُذكَر قَط في أوساطٍ أخرى؛ إذ لم يكن أقطاب المال والأعمال في المدينة — مثل آل فارينج وآل فيرتهايمر وآل سكوت-تيسون — على درايةٍ رسمية بوجودِه؛ ومن ثمَّ فقد واصلوا أعمالهم بهدوء كالمعتاد؛ يَقرضون ملايينهم بفوائد صغيرة للغاية، ويُصدرون قروضًا حكومية، ويَمنحون خصوماتٍ على الكمبيالات، ويَشترُون السبائك، ويُجرُون ما شابَه ذلك من العمليات التي كانت تملأ أوقاتهم بين الساعة الحادية عشرة صباحًا، حين كانت عَرباتهم الكهربائية تُنزِلُهم في شارع «ثريدنيدل ستريت»، والساعة الرابعة مساءً، حين كانت عَرباتهم الكهربائية تُقِلُّهم مجددًا. كانوا يقرءون عن الكولونيل بلاك بأسلوبهم الجِدِّي الرَّصين؛ إذ كان ذكرُه يُهيمِن أحيانًا على المقالات المتعلِّقة بالشئون المالية. كانوا يقرءون عن صفقاته العظيمة في مجال الأوراق المالية، وعن صفقتِه مع إحدى شركات الكهرباء الأرجنتينية، وتمويله شركات المطاط بطرح أسهمها للبيع، ومناجم النحاس الكندية التي يَملكها. كانوا يقرءون عنه، بغير استِحسان ولا استنكار، وإنما كانوا يُعاملُونه باهتمامٍ فاتر كذلك الذي يَحمله مُحرِّك قطار تجاه سيارة.

وحين تواصَل بلاك مع أقطاب المال والأعمال في مُناسبةٍ لا تُنسى أبدًا، وتقدَّم إليهم بمُقترحٍ واعد، أعربوا عن «أسفهم لعدم قدرتهم على قبول المقترح المثير للاهتمام الذي تقدَّم به الكولونيل بلاك.» وبعد فترة قصيرة من الحيرة والانزعاج، تواصَلَ مع مجموعة الشركات الأمريكية؛ إذ كان من الضروري أن تحمل نشرة الاكتتاب الخاصة به أسماء شَخصياتٍ شهيرة لكي يَنجح مخطَّطه. وقد كان الكولونيل بلاك يحسب هؤلاء الأمريكيِّين رجالًا حصفاء، وقدَّم إليهم مُقترحاته بعباراتٍ مُتغطرِسة ومُغرية في الآن نفسه.

فجاءه الرد من إحدى تلك الشركات الأمريكية التي رفضَت مليون دولار مع صداقةٍ لا تُساوي أكثر من خمسة سنتات، على النحو التالي: «صديقنا العزيز، لقد دَرَسنا اقتراحك بإمعان، وبالرغم من اقتناعنا بأنَّك ستَجني الأموال من تَحقيقه، فلسنا مُتيقِّنين من أننا سنجنيها منه مثلك.»

جاء بلاك إلى حيِّ المال في لندن في عصر أحد الأيام لحُضور أحد اجتماعات مجلس الإدارة. وقد كان خارج المدينة طوال الأيام القليلة السابقة؛ إذ استبقَ بتجنيد أفراد جدُد من أجل الصراع الذي كان ينتظره، كما قال لمجلس الإدارة بلمسةٍ من الفكاهة.

كان رجلًا متوسِّط القامة عريض الكتفَين. وكان وجهه نحيلًا هزيلًا وكانت بشرتُه شاحِبةً قد كساها اصفرارٌ متجانس غريب. وإذا رأيتَ الكولونيل بلاك مرَّة، فإنك لن تَنساه أبدًا، وليس ذلك بسبب وجهِه الأصفر أو حاجبِه الأشبه بشريطٍ أسود مُستقيم أو فمه ذي الشفتَين النحيلتَين فقط، لكنَّ شخصية الرجل نفسها كانت تَترك انطباعًا لا يُمحى في ذهنِ مَن يراه.

كان يتصرَّف بسرعة وعلى نحو مُباغت، وكانت ردودُه فظَّة. أما قراراته، فكانت تتَّسم بطابعٍ حاسِم. وإذا لم يكن أقطاب حيِّ المال يَعرفونه، فقد كان الآلاف غيرهم يَعرفونه؛ إذ كان اسمه ذائع الصيت في إنجلترا، وكانت جميع عائلات الطبقة الوسطى بأكملها تقريبًا تحمل بعضًا من الأسهم التي كان يَطرحها. كان «مُضاربو الشوارع» الصغار يُصغون إلى كلامه باهتمامٍ بالغ، وكان عدد المتقدِّمين لشراء الأسهم التي يُصدرُها يبلغ ضِعفَ الأسهم المطروحة. لقد رسَّخ وضعه في خمس سنوات، وبعدما كان مغمورًا من قبل، بَلَغ أعلى المكانات شأنًا في هذه المدة القصيرة.

في الموعد المُحدَّد بالدقيقة، دَخَل غرفة الاجتماعات في جناح المكاتِب الذي كان يشغله في شارع «مورجيت ستريت».

وقد كان الاجتماع عُرضةً لأن يكون عاصفًا؛ فمرَّةً أخرى، كان الحضور يستشعرون رائحة دَمجٍ يلوح في الأجواء، ومرَّةً أخرى، عارَض رئيس إحدى مجموعات مصانع الحديد — وهي ائتلافٌ لشركات إنتاج الحديد كان يُشكِّله — تهديدات بلاك ومبعوثِيه ومداهناتِهم.

قال فانكس، ذاك الرجل الضخم الأصلع: «الآخرون يَضعُفون، وأنت وعدتَني بأنَّك ستُفهِّمه حقيقة الوضع.»

فقال بلاك بإيجاز: «سأفي بوعدي.»

فأضاف فانكس: «لقد كان ويديسون مُصِرًّا على معارضتِنا ومات، لكنَّنا لا نستطيع تعليق آمالنا على مساعَدة العناية الإلهية طوال الوقت.»

خفَض بلاك حاجبَيه.

وقال: «لا أحب هذا النوع من النِّكات. ساندفورد رجلٌ عنيد ومُتغطرِس؛ إنَّه يحتاج إلى معاملةٍ دقيقة خاصة. سأتولى أنا أمره.»

انفضَّ الاجتماع على نحو غير مرضٍ، وكان بلاك يُغادر الغرفة حين استدعاه فانكس بإشارةٍ منه.

قال له: «التقيتُ البارحة رجلًا كان يعرف صديقك الطبيب إيسلي في أستراليا.»

فرَدَّ الكولونيل بلاك بوجهٍ جامد خالٍ من التعبير: «حقًّا؟»

«نعم، كان يعرفه في أيام صباه، وقد سألَني عن المكان الذي يَستطيع أن يجدَه فيه.»

فهزَّ الآخر كتفَيه، وقال: «إيسلي خارج البلاد، أظنُّك لا تُحبه، أليس كذلك؟»

فأومأ أوجستس فانكس برأسه، وقال: «لا أحبُّ الأطباء الذين يَزورونني في مُنتصَف الليل، ولا أجدهم حين أحتاج إليهم، ودائمًا ما يتجوَّلون في أنحاء القارة بغرض التسلية.»

فدافع عنه بلاك قائلًا: «إنَّ لديه الكثير من الأشغال. بالمناسَبة، أين يَمكُث صديقك؟»

«ليس صديقي. هو مُنقِّبٌ يُدعى ويلد، وقد جاء إلى لندن بمقترحٍ لاستخراج المعادن. ويمكث في فندق «فارليتس تمبيرانس» في حيِّ بلومزبري.»

قال بلاك مومئًا برأسه: «سأُخبر إيسلي حين يعود.»

عاد إلى مكتبه الخاص مُستغرقًا في التفكير. لم تكن حال الكولونيل بلاك على ما يرام. لقد كان يُذاعُ عنه أنه من أصحاب الملايين، لكنَّه كان في حقيقة الأمر بمَثابة واحدٍ من أولئك المموِّلين الكثيرين الذين كانوا يَعُدُّون ثروتهم بالأوراق. وكان حتى هذه اللحظة كَمَن يتسلَّق ظلالًا؛ فالثروة المادية الحقيقية كانت ما تزال بعيدة عن متناوله. صحيحٌ أنَّه كان يُنظِّم عمليات دمجٍ ناجحة بين الشركات، لكنَّه تحمل في سبيل ذلك تكلفة باهظة. فكانت الملايين تتدفَّق عَبر يديه، ولا يتبقَّى منها في قبضته سوى أقل القليل. لقد كان يُجسِّد ذلك التناقض الغريب؛ رجلٌ غير شريف ذو أساليب شريفة. وكانت مخطَّطاته سليمةً مُحكمةً من الناحية المالية، لكنَّ إنجازها كان يتطلَّب جهودًا تكاد تكون خارقة.

كان مُستغرقًا في أحلام يَقظةٍ مُزعِجة، حين انتشلتْه منها قَرعةٌ على الباب. فُتِح الباب إيذانًا لفانكس بالدخول؛ فعَبَس بلاك في وجه ذلك المتطفِّل، لكنَّ الآخر سَحَب كرسيًّا وقَعَد عليه، ثم قال: «أصغِ إليَّ يا بلاك، أريد أن أقول لك شيئًا.»

«قُله بسرعة.»

أخذ فانكس سيجارًا من جيبه وأشعله، ثم قال: «لقد حظيت بمَسيرة مهنية مُدهِشة. أتذكَّر حين بدأت مسيرتك بمَحلِّ مُضارَبةٍ غير قانوني.» واستدرك على عَجَلٍ حين لمح الغضب يتصاعد في وجه بلاك: «حسنًا، لن نُسمِّيَه محلَّ مُضاربة غير قانوني، بل مكتب سمسار تداول أوراق مالية غير تابع للبورصة. وكان لديك شريكٌ مُغفَّل، أقصد قليل الخبرة، أسهَم برأس المال؟»

«نعم.»

«ليس جرام الغامِض على ما أظنُّ، أليس كذلك؟»

«بل خَليفته، ولم يكن يوجد شيء غامض بشأن جرام.»

«خليفة اسمه فلينت؟»

«نعم.»

«وقد مات فجأة، أليس كذلك؟»

قال بلاك باقتضاب فظ: «أعتقد ذلك.»

فقال فانكس ببطء: «العناية الإلهية مرَّة أخرى. لقد استحوذتَ على الشركة كلها بعد ذلك. استحوذتَ على عملية طرح الأسهم وإحدى شركات المطاط، ونجحت هذه الشركة. حسنًا، ثم طرحتَ أسهم منجم قصدير، أو شيء من هذا القبيل، للبيع، وقد وقعت حالة وفاة، أليس كذلك؟»

«أعتقد ذلك، لقد تُوفِّي أحد المُديرين، لكنِّي نسيتُ اسمه.»

فأومأ فانكس، وقال: «كان بإمكانه إيقاف طرح الأسهم للبَيع؛ إذ كان يُهدِّد بالاستقالة وفضحِ بعض أساليبك.»

«لقد كان رجلًا عنيدًا جدًّا.»

«وقد مات.»

«نعم» سكت هنيهةً ثم أضاف: «مات.»

كان فانكس ينظر إلى الرجل الجالس أمامه.

قال: «وكان الطبيب إيسلي يتولى رعايته.»

«أعتقد ذلك.»

«ومات.»

فاتَّكأ بلاك على المكتب، وسأله: «ماذا تقصد؟ إلام تُلمِّح عن صديقي الطبيب إيسلي؟»

قال فانكس: «لا شيء سوى أنَّ العناية الإلهية ساعدتْك بعض الشيء. فسجلُّ نجاحك سجلُّ وفيات، لقد أرسلت إيسلي ليزورني ذات مرة.»

«لأنَّك كنتَ مريضًا آنذاك.»

فقال فانكس بتجهُّم: «أجل، وكنتُ أسبِّب لك بعض المتاعب أيضًا.» نفض رماد سيجارته على السجادة، وقال: «سأستقيل من كلِّ المناصب التي أتولَّاها في مجالس إدارات شركاتك يا بلاك.»

فضحك الآخر ضحكةً فظَّة.

«يُمكنُك أن تضحك، لكنَّ هذا ليس صوابًا يا بلاك. أنا لا أريد مالًا أدفع نظيره ثمنًا باهظًا للغاية.»

فقال الكولونيل بلاك: «يُمكنك أن تستقيل من العمل يا عزيزي، لكن هل لي أن أسألك عمَّا إذا كان أيُّ شخصٍ آخر يُشاطرك شكوكَك العجيبة؟»

هزَّ فانكس رأسه.

وقال: «لا أحد حتى الآن.»

ظلَّ كلاهما ينظر إلى الآخر على مدار نصف دقيقة مرَّت كأنها وقتٌ طويل جدًّا.

تابع فانكس حديثه فقال: «أريد الرحيل فورًا. أعتقد أنَّ سنداتي وأصولي تُساوي ١٥٠ ألف جنيه إسترليني، يُمكنك شراؤها.»

قال بلاك بخشونة: «إنك تصدمني.»

فتح درج مكتبه، وأخرج منه قنينة زجاجية خضراء وريشة، وقال مبتسمًا: «إيسلي المسكين يتجوَّل في إسبانيا بحثًا عن أسرار صناعة العطور المغاربية! سيَفقد عقله لو عرف ما تُفكر فيه.»

فقال فانكس تبلُّد: «أُفضِّل أن يَفقد عقله على أن أفقد حياتي. ماذا لديك هنا؟»

فنَزَع بلاك سدادة القنينة وغَمَس الريشة فيها، ثم سَحَبها وقرَّبها إلى أنفه.

سأله فانكس بفضول: «ما هذا؟» وجاءت إجابة بلاك بأن رفع الريشة ناحية الرجل ليَشمَّها.

قال فانكس: «لا أستطيع شم أي شيء.» فأمال بلاك طرف الريشة إلى الأسفل سريعًا، ومرَّره على شفتي الآخر. وحينها صاح فانكس: «هنا …» ثم خرَّ على الأرض خائر القوى.

«أيها الشرطي فيلو!»

كان فرانك فيلو يُغادر غرفة الاتهام حين سمع صوت الرقيب المسئول عن إدارة مركز الشرطة يُناديه بنَبرةٍ مُحتدَّة.

ردَّ قائلًا بنبرةٍ استفسارية: «نعم أيُّها الرقيب؟» إذ كان يعرف أنَّه سيَسمع كلامًا غير سار؛ فنادرًا ما كان الرقيب جوردن يتحدث إليه إلَّا ليُحذِّره أو يُوبِّخه. كان الرقيب رجلًا متغضن الوجه يعبر عن انزعاجه بعادة قبيحة هي أنَّه كان يُظهِر أسنانه. ولم يكن من المُمكِن تخيُّل تبايُنٍ أشد من ذاك الذي تجسَّد في وقوف الشاب الطويل ذي الظهر المُنتصِب مُرتديًا زيَّه الشرطي أمام المكتب، وجلوس الرجل ذي الهيئة المتقلِّصة على الكرسي خلفه.

كان وجه الرقيب جوردن أبيض شاحبًا وكان شاربه الأسود القصير يُبرِز ذلك البياض. وبالرغم من بنيتِه الجسَدية الجيدة، كانت الثياب تبدو عليه بمَظهرٍ أخرق، بل إنَّه هو نفسه كان أخرَق من أكثر من ناحية. كان ينظر آنذاك إلى فيلو مُظهِرًا أسنانه، وقال: «لقد تلقيت شكوى أخرى بشأنك، وإذا تكرَّر ذلك، فسيُحال الأمر إلى المفوض.»

أومأ الشرطي برأسه باحترام، وقال: «آسفٌ جدًّا أيها الرقيب، لكن ما هي الشكوى؟»

فصاح الآخر بغضب وقال: «تعرفها كما أعرفها، لقد أزعجت الكولونيل بلاك مرَّة أخرى.»

وهنا سَرَت ابتسامةٌ طفيفة بين شفتَي فيلو؛ إذ كان يعرف شيئًا عن العناية الشديدة التي كان الرقيب يُعامل الكولونيل بها.

فانفجر الرقيب غضبًا، وقال: «لماذا تَبتسم بحقِّ السماء؟» وأضاف: «أحذِّرك من أنك تتمادى في وقاحتك، وتلك المسألة قد تُحال إلى المفوِّض.»

قال الشاب: «لم أتعمَّد أن أُسيءَ الأدب أيُّها الرقيب. لقد سئمتُ هذه الشكاوى مثلك، لكنِّي أخبرتُك، كما سأُخبر المفوض، بأنَّ الكولونيل بلاك يَسكُن بيتًا في «سرينجتون جاردنز» ويُثيرُ اهتمامي بعض الشيء، هذا هو عُذري.»

قال الرقيب: «إنَّه يَشتكي من أنَّك تُراقب البيت دائمًا.» فابتسم الشرطي فيلو.

وتحدَّث قائلًا: «بل هذا ضميره يتيقَّظ. بكُلِّ صدقٍ أيُّها الرقيب، لقد عرفت أنَّ الكولونيل لا يستسيغُ …»

لكنه توقَّف فجأةً عن الكلام.

سأله الرقيب: «ماذا؟»

فقال الشرطي فيلو: «ربما من الأفضل أن أُسِرَّ أفكاري في نفسي.»

أومأ الرقيب بتجهُّم.

وحذَّره قائلًا: «إذا وقعتَ في مشكلة، فلا تَلومنَّ إلَّا نفسك. الكولونيل بلاك رجلٌ ذو نفوذ. إنَّه أحد دافِعِي الضرائب. لا تنسَ ذلك أيها الشرطي. ودافعو الضرائب يَدفعون راتبَك، ويُوفِّرون المِعطَف الذي يُدفِّئ ظهرك ويُطعِمونك؛ أي إنَّك مدينٌ بكلِّ شيءٍ لدافعي الضرائب.»

فقال الشاب: «رغم أنَّ الكولونيل بلاك من دافِعِي الضرائب، فهو يَدين لي بشيءٍ ما.»

رفع رداءه الخارجي على ذراعه، وخَرَج من غرفة الاتهام ثم هبط الدرَجات الحجرية المؤدية إلى الشارع، وألقى عليه الحارس تحية الوداع بابتهاج.

كان فيلو شابًّا مُزعِجًا، وزاد من كونه مصدرًا للإزعاج تلك الحقيقة المهمَّة التي تمثَّلت في أنَّه حتى أقرب أصدقائه لم يكونوا يعرفون أسلافه. كان رجلًا قد حصَّل من التعليم مستوًى أعلى من المعتاد، وكان هادئًا مُتحفِّظًا يتميَّز صوته بنبرة لطيفة؛ أي إنَّه كان يتمتَّع بجميع شِيَم الرجال الفضلاء وخصالهم.

كان يَملك بيتًا صغيرًا للغاية في حيِّ «سومرز تاون» حيث كان يعيش وحده، غير أنَّ أحدًا من أصدقائه لم يحظَ قطُّ بالعثور عليه في بيته إن زاره دون موعدٍ سابق، في غير أوقات العمل؛ ومن ثمَّ فقد كانوا يَعتقدُون أنَّ لدَيه اهتماماتٍ أخرى.

وقد تمكَّنُوا من تخمين هذه الاهتمامات حين شارك، في مُفاجأةٍ مثيرة للسخَط، في بطولة الملاكَمة للهُواة ونال جائزة الشرطة؛ إذ كان فيلو مُلاكمًا رائعًا؛ فقد كان قويَّ الضربات سريع الحركة، يَتميَّز بأدائه الجيد ومنهجيتِه الذكية.

كان أشقياء حيِّ «سومرز تاون» هُم أوَّل من اكتشَفَ ذلك؛ إذ رآه واحد منهم يُدعى جرولير ذات مرَّةٍ لا تُنسى وقد اشتبَكَ في شجار في طريقه إلى مركز الشرطة، وشهد بمهارة ذلك الشاب وبراعته أمام حشدٍ من الجماهير الفاغِري الأفواه.

وقد أكسبته طبيعتُه المستقلَّة المرحة كثيرًا من الأصدقاء، لكنَّها جعلَت له أعداء أيضًا، وبينما كان يسير في الشارع المُمتد من مركز الشرطة مُستغرقًا في التفكير، أدرك أنَّ عداوة الرقيب له ألدُّ مما هو مُعتاد عليه.

لماذا إذن؟ كان هذا السؤال يُحيِّره؛ فبالرغم من كلِّ شيء، كان فيلو يُؤدِّي واجبَه فحسب. وهو لم يكُن يرى أنَّ تَجاوُزَ مسئوليات واجباته مبرِّرٌ كافٍ لاستياء رئيسه في العمل منه؛ إذ كان قد وصَلَ إلى سِنِّ الحماس الشديد التي يُمكنُ أن يُغتَفَر فيها أيُّ شيء إلَّا التقاعس عن العمل. أمَّا بخصوص عداوة بلاك، فقَد هزَّ فيلو كتفَيه؛ إذ لم يَستطِع فهمَها. ولم يكن من طبيعته أن يشُكَّ في وجود أيِّ دافع آخَر لدى الرقيب سوى تلك الرغبة الطبيعية تمامًا لدى كلِّ الرؤساء اللامبالين المُتخَمين بالتَّجارب الحياتية في كبح جماح مرءوسيهم شديدي الاندفاع.

اعترف فرانك أمام نفسه بأنَّه كان شخصًا مُزعجًا جدًّا بالفعل، وفَهِم عداوة الرقيب تجاهه من نواحٍ عديدة. انصرف عن التفكير في هذه المسألة، وشقَّ طريقه إلى بيتِه الصغير في شارع «كروم»، ودَخَل غرفة طعامه الصغيرة.

كانت الجدران مطليةً بطلاءٍ جيريٍّ، ولم تكن قِطَع الأثاث القليلة الموجودة في البيت من نوعية الأثاث الذي يُوجَد عادةً في مثل هذه البيوت. فلا بُدَّ أنَّ الصورة القديمة المُوضوعة فوق رفِّ المدفأة كانت تُساوي الدخل السنوي لرجُلٍ عامل. ولا شكَّ أنَّ المِنضدَة الصغيرة القابلة للطيِّ الموضوعة وسط الأرضية المُغطَّاة باللِّبْد كانت تَنتمي إلى العصر اليعقوبي، وأنَّ الكراسي كانت مُصمَّمة على طراز «شيراتون»، وكذلك الخزانة الجانبية. وبالرغم من أنَّ العصور التي تنتمي إليها تلك القِطَع لم تكن مُتناغمة فيما بينها تمامًا، فقد كان عُمرها الكبير يُوفِّر درجة كافية من التناغُم. كانت المدفأة تنفثُ نيرانًا متوهِّجة، لأنَّ الليل كان قارس البُرودة. توقَّف فيلو أمام رفِّ المدفأة ليتفحَّص رسالتين كانتا في انتظاره، ثم أعاد وضعهما حيث أخذهما، ومرَّ عَبر أبوابٍ قابلة للطيِّ إلى غرفة نومٍ صغيرة جدًّا.

كان مالك البيت الذي يَسكُنُه فيلو مُتعاونًا مجاملًا؛ فمُلَّاك العقارات والمنازل في حيِّ «سومرز تاون»، لا سيما مُلَّاك البيوت البسيطة الصغيرة المَبنية على أراضٍ قيِّمةٍ، كانوا نادرًا ما يُنفِّذون مثل هذه التجديدات التي طلبها فيلو. فعلى سبيل المثال، لم يكن أيُّ مالكٍ عادي ليَبني ذلك الحمَّام الفسيح الذي زخر به البيت، لكنَّ مالك البيت الذي كان فيلو يسكنه آنَذاك لم يكن رجلًا عاديًّا.

استحمَّ الشاب، وبدَّل ملابسه مُرتديًا ثيابًا مدنية، وأعدَّ لنفسه كوبًا من الشاي، وارتدى معطفًا طويلًا وصل إلى عَقبَيه، وغادَرَ البيت بعد نصف ساعة من دخوله.

شقَّ فرانك فيلو طريقه غَربًا. وَجَد سيارة أجرة في حيِّ «كينجز كروس» وأعطى السائق عنوانًا في شارع «بيكاديللي». وقبل أن يَصلَ إلى ذلك الشارع التاريخي، قَرَع على زجاج النافذة، وأمر السائق بإنزاله.

وفي الساعة الحادية عشرة من تلك الليلة، غادَرَ الرقيب جوردن مقرَّ مركز الشرطة بعد أن انتهى من عمله. وبالرغم مما بدا عليه من هدوء وتحفُّظ في الكلام، فقد كان يستشيط غضبًا من داخله.

ظلَّت كراهيته تجاه فيلو مثلما هي لم تتغيَّر، لكنَّها اشتدَّت في الأسابيع القليلة الماضية بسبب السلوك الذي انتهجه الشاب حيال الرجل المُدلَّل لدى الرقيب.

كان جوردن لغزًا غامضًا لأفراد قسمه الشُّرْطي بقدرِ ما كان فيلو كذلك، بل أشد غموضًا؛ ذلك أنَّ السريَّة التي اكتنفَت حياة جوردن كانت تُنذر بشرٍّ أخطر من ذلك الذي يُوحي به تحفُّظ الشاب.

كان جوردن يَحمل طموحًا صار أشبه بلعنة مُسلَّطة عليه؛ فقد كان يأملُ في بداية حياته المهنية أن يُحقِّق مكانةً مميزة في فريق الشرطة، لكنَّ افتقارَه إلى التعليم، مع أسلوب تحدُّثه الذي يَميل إلى الغِلظة والفظاظة، قد صارا عقبةً في طريق حماسه.

لقد أدرك القيود التي تفرضها السلطات على صلاحياته. وكان قد فطن منذ فترةٍ طويلة إلى أنَّ الأمل في الترقية إلى منصب المُفتِّش أولًا حتى يصلَ في نهاية المطاف إلى ذاك النجم الساطع الذي يُغري كلَّ شُرطي بالتقدم في العمل كي يَبلغه، والذي يُعادِل الهراوة التي يُفترض عمومًا أنَّها موجودة في حقيبة ظهرِ كلِّ جندي؛ أي منصب المُشرِف، لم يكن يناسبه.

ولهذا، فقد كان على ذلك الرجل الطَّموح المُحبَط أن يجد منفذًا جديدًا، وقَد ركَّز اهتمامه على جنْي الأموال. صار ذلك شغفًا له، بل هوسًا قد تملَّك منه. وصار بُخله وشُحُّه وجشعه النهم مما تُضرَب به الأمثال في كلِّ أقسام قوات شرطة العاصمة.

أصبح جنْي المال هوسًا لدَيه، وصارت ألدُّ عداواته مُخصَّصةً لأولئك الذين كانوا يضعُون أهون العقبات بين الضابط وإشباع طموحاته.

جديرٌ بالقولِ عن الكولونيل بلاك إنَّه كان لطيفًا للغاية. والجَشعُ يتبنَّى مَوقفًا مُتساهلًا إزاء أخلاق وليِّ نعمته. ومع أنَّ الرقيب جوردن لم يكن من ذلك الصِّنفِ من الرجال الذي قد يرغب عن طيبِ خاطرٍ في مساعدة الخارجين عن القانون، فلَم يكن لأي شخصٍ أن يقول عن سمسار أوراق مالية خارجي، لم يُفضَح احتياله، سوى أنَّه أحد أفراد المجتمع الذين تُبتغى مرضاتهم.

كان بلاك قد حدَّد موعدًا معه. وكان الرقيب في طريقه ليُلاقيَه وَفقَ هذا الموعد. كان الكولونيل يَعيش في أحد تلك الميادين التي تقع في حيِّ «كامدن تاون» وكانت عصريةً فيما سبق. وكان ثَراؤه جليًّا؛ إذ كان يقود سيارةً يَملكُها، وأثَّث البيت رقم ٦٠ في شارع «سرينجتون جاردنز» برفاهيةٍ باذِخة.

لم يكن لدى الرقيب وقتٌ لتبديل ثيابه. وقال لنفسه إنَّه ليس مُضطرًّا إلى ذلك؛ إذ إنَّ طبيعة علاقته مع بلاك لم تكن تَستدعي الالتزام بقواعد السلوك الرسمية التقليدية.

كان الميدان مهجورًا في ذلك الوقت من الليل، وشقَّ الرقيب طريقه إلى مدخل المطبَخ في الطابق السُّفلي ورنَّ الجرس؛ وسرعان ما فَتَح الباب أحد الخُدَّام.

قال صوتٌ آتٍ من وسط الظلام بينما كان الرقيب يصعد الدَّرَج إلى الصالة غير المُضاءة في الطابق العلوي: «أهذا أنت أيُّها الرقيب؟» أضاء الكولونيل بلاك النور. ومَدَّ يده الطويلة المفتولة العضلات للترحيب بضابط الشرطة، وقال: «إنني مسرورٌ جدًّا بمجيئك.»

فأمسك الرقيب يد الكولونيل وصافَحَها بحرارة، وقال: «جئتُ لأعتذرَ لك أيُّها الكولونيل بلاك. لقد وبَّختُ الشُّرطي فيلو بشدة.»

فلوَّح بلاك بيده مستنكرًا، وقال: «إنني لا أريدُ إيقاع الأذى بأيٍّ من أفراد قوَّتك الرائعة، لكنَّ تَطفُّل هذا الرجل على عملي أمرٌ مُهين ولا يُغتفَر حقًّا.»

أومأ الرقيب برأسه وقال: «أتفهَّمُ انزعاجك جيدًا يا سيدي، لكنَّك ستتفهَّم أنَّ هؤلاء الشرطيين الشباب دائمًا ما يَنقادُون قليلًا لحماسِهم الشديد، وحين يكون المرء على هذه الشاكلة، فإنه عادةً ما يُبالِغ قليلًا في أداء عمله.»

كان يتحدَّث بنبرةٍ يغلب عليها التوسُّل رغبةً منه في إزالة أيِّ انطباعٍ سيئ قد يكون له وجود في ذهن بلاك بشأن أيِّ دورٍ له في تحرِّيات الشرطي فيلو.

فحباه بلاك بانحناءةٍ دمثة.

وقال له: «من فضلك، انسَ هذا الأمر، أرجوك؛ فأنا متيقنٌ تمامًا من أنَّ الشرطي الشاب لم يتعمَّد جرح كبريائي.» وقاد الرقيب إلى غرفة طعامٍ فسيحة كانت تقع في الجزء الخلفي من المنزل؛ حيث كان الخمر والنبيذ على المنضدة. قال الكولونيل: «فلتتفضل بأخذ ما تشاء أيُّها الرقيب.» ودَفَع كُرسيًّا كبيرًا وثيرًا ناحيته.

غاص الرقيب في أعماقه الرغدة مُتمتمًا بكلمات الشُّكر، ثم قال: «من المُقرَّر أن أعود إلى مركز الشرطة بعد نصف ساعة، إذا سمحت لي حينئذٍ.»

فأومأ بلاك قائلًا: «سنكون قد أنجزنا عملنا بحلول ذلك الوقت، لكن قبل أن نواصل، دعني أشكرك على ما أنجزته بالفعل.»

أخذ من جيب معطفِه الداخلي محفظة مُسطَّحة وفتحها وأخرج منها عملتَين ورقيتَين، ثم وضعهما على المنضدة بالقرب من الرقيب. فاحتجَّ الرقيب احتجاجًا واهيًا، لكنَّ عينَيه قد لمعتا بالبريق حين رأى العملتَين الورقيتين المُجعَّدتين. تمتَمَ قائلًا: «لا أظنُّ أنني فعلتُ أيَّ شيءٍ لأستحقَّ هذا.»

فابتسم الكولونيل بلاك وأمال سيجارَه الكبير بسعادة، وقال: «إنَّني أدفعُ بسخاءٍ نَظير خدماتٍ بسيطة أيها الرقيب. لديَّ أعداء كُثُر — رجالٌ سيُحرِّفون دوافعي — ومن الضروري أن آخذَ حذري مُقدَّمًا.»

راح يسير في البيت بخُطًى واسعة وقد وضَع يديه في جيبَي بنطاله وبدا عليه الاستغراق في التفكير.

ثم قال: «إنجلترا بلدٌ عسيرٌ على الرجال الذين قادَهم حظُّهم العثر إلى العمل في التمويل.»

فتمتَمَ الرقيب جوردن ببعض كلمات تُعبِّر عن تعاطُفِه معه.

بينما أضاف الكولونيل المتضرِّر قائلًا: «في عملنا أيُّها الرقيب، كثيرًا ما يَنهال الأشخاص المُحبَطون — أي أولئك الذين لم يُحقِّقوا الأرباح التي تَوقَّعوها — باتهاماتٍ غريبة على المسئولين عن إدارة المشروعات التي تُستَثمَر فيها أموالهم. لقد تلقيتُ اليوم رسالةً …» وهزَّ كتفيه ثم تابع: «تتَّهمني — أنا! — بإدارة محلِّ مُضارَبةٍ غير قانوني.»

فأومأ الرقيب؛ إذ كان يفهم هذا الجانب من المُضارَبة في الأسهم جيدًا.

وأضاف بلاك بينما كان يَمشي في البيت جيئة وذهابًا بخُطًى واسعة: «والمرءُ لديه أصدقاء، لديه أناسٌ يريد حمايتهم من مثل هذه المضايقات، سأضرب مثلًا هنا بصديقي الطبيب إيسلي.» وأضاف متهجِّيًا الاسم بعناية: «إيسلي: إي، ثم سين مُشدَّدة، ثم لي. هل سمعت عنه من قبل؟»

لم يكُن الرقيب قد سمع عن أيِّ شخصٍ بهذا الاسم من قبل، لكنَّه كان مستعدًّا للاعتراف بأنَّه قد سمع عنه.

قال الكولونيل: «ها هو رجلٌ، رجلٌ من أفضل بَني مهنته بكلِّ تأكيد، لكنِّي لن أُفاجأ إذا علمتُ أنَّه هو نفسه ليس بمأمنٍ من الافتراءات والتشهير.»

كان الرقيب يرى ذلك واردًا جدًّا، وتمتَمَ تَمتمةً توحي بذلك المغزى.

تابع الكولونيل حديثه قائلًا: «ثمَّة احتمال قائم على الدوام بأن يَلتصِق الحقد بالمشاهير، ولأنني أعرف أنَّك ستكون من أوائل مَن يسمعون مثل هذه الافتراءات، وأنَّك أيضًا ستمنحني فرصةً — فرصةً خاصة — للدفاع عن نفسي ضد هذه الافتراءات، فأنا أشعر بهذا الأمان. بارك الربُّ فيك أيُّها الرقيب!» ورَبَّت على كتف جوردن، الذي تأثَّر بذلك تأثُّرًا صادقًا.

قال: «أتفهَّمُ موقفك تمامًا يا سيدي، ويُمكنُك أن تَطمئنَّ إلى أنه سيكون من دواعي سروري وفخري أن أقدِّم لك أيَّ مساعَدةٍ متى أمكنَني ذلك.»

ومرة أخرى، حبا الكولونيل زائره بتربيتةٍ بسيطة.

تابع حديثه قائلًا: «أو للطبيب إيسلي أيضًا، فلتتذكَّر هذا الاسم.» وأضاف: «والآن أيُّها الرقيب، لقد استدعيتك الليلة …» وهزَّ كتفَيه مُستدرِكًا «إنَّ قولي بأنني استدعيتُك هو من قبيل المغالاة بالطبع؛ إذ كيف لمواطنٍ متواضعٍ مثلي أن يأمرَ ضابط شرطةٍ بخدمته؟»

وهنا بَرَم الرقيب جوردن شاربه في استحياء.

واصل الكولونيل قائلًا: «الأحرى أنني أستغلُّ صداقتك التي لا تُقدَّر بثمن لأطلب نصيحتك.»

توقفَ عن المشي وسَحَب كُرسيًّا مُقابلًا لمقعد الرقيب، وقَعَد عليه.

وقال: «لقد حالَف الحظُّ الشرطيَّ فيلو، ذاك الرجل الذي اشتكيتُ منه، في تقديم خدمةٍ لابنة السيد ثيودور ساندفورد، أظُنُّ أنك تعرف هذا الرجل الفاضل.»

أومأ الرقيب؛ إذ كان قد سمع عن السيد ثيودور ساندفورد، ومَن ذا الذي لم يسمع عنه؟ ذلك أنَّ ثيودور ساندفورد كان أحد أصحاب مصانع الحديد الذين تُقدَّر ثرواتهم بالملايين، وقَد شيَّد قصرًا حقيقيًّا في منطقة «هامبستيد»، واشترى إحدى لوحات الرسَّام «فاسكيز» وأهداها للوطن.

أضاف الكولونيل بلاك: «لقد قَفَز شُرطيُّك على سيارةٍ كانت الآنسة ساندفورد تقودها إلى أسفل تلَّةٍ شديدة الانحدار وكانت مكابحها مُعطَّلة، واستطاع، مُجازِفًا بحياته، أن يقود السيارة بأمانٍ وسط حركة السيارات الأخرى، والحق أن الآنسة ساندفورد كانت قد فقدت أعصابها.»

فقال الرقيب مستنكرًا: «آه، كان هو إذن، أليس كذلك؟»

رَدَّ الكولونيل بالإيجاب وبتأدُّب شديد، قائلًا: «بلى. والآن، صار ذلك الشاب وتلك الفتاة يلتقيان دون معرفة والد الآنسة ساندفورد، و… حسنًا، أنت تفهم.»

لم يكن الرقيب يفهم مقصد الكولونيل، لكنَّه لم يقل شيئًا.

قال الكولونيل: «أنا لا ألمِّح إلى وجود أيِّ خطأ، لكنَّه شرطي أيُّها الرقيب، وليس حتى ضابطًا مثلك، بل شرطيًّا!»

قال الرقيب كأنَّه يتكلم برأسه وعينَيه ويديه: «شيءٌ مؤسف!»

وأضاف الكولونيل: «ولسببٍ غريب لا أستطيع فهمه، أجد أنَّ السيد ساندفورد يتساهل مع زيارات هذا الشاب إلى بيتِه، وهذه مسألة لا نستطيع الخوض فيها مع الأسف، لكنِّي أرغب منك … حسنًا، أرغب منك أن تستخدم نفوذك مع فيلو.»

نَهَض الرقيب جوردن ليغادر. لم يكن لديه أيُّ نفوذ، بل بعض الصلاحيات فحسب. وهو لم يفهم سوى القليل ممَّا كان الرجل الآخر يقصده، وتَفَاقَم عدم فهمه حين قال له الكولونيل بلاك وهو يمُدُّ يده القوية: «أودُّ أن أعرف إذا تورَّط هذا الشاب في أيِّ مشكلةٍ، بل أودُّ أن أعرف الكثير.»

فقال الرقيب بنبرةٍ حادة: «إنَّ ذلك المدعو فيلو رجلٌ انتهازي نادِر؛ فهو يَتعرَّفُ إلى الطبقات الراقية بطريقةٍ أعجزُ عن فهمها، أعتقد أنه يَنال ثقتهم تدريجيًّا بالمكر والاحتيال. دائمًا ما أقول إنَّ المطبخ هو المكان المناسب للشُّرطي، وحين أرى شرطيًّا في غرفة المعيشة، تتبادر إلى ذهني شكوكٌ وظنون. ثمة قدر كبير من الفساد …» سَكَت فجأة عن الكلام؛ إذ أدرك أنَّه هو نفسه موجودٌ الآن في غرفة معيشة، وأنَّ كلمة «الفساد» كانت قبيحة ومتناقِضة مع هذا الموقف.

رافقه الكولونيل بلاك إلى الباب.

وتحدث إليه قائلًا: «أنت تُدرك أيُّها الرقيب أنَّ هذا الرجل — قلتَ إنَّ اسمه فيلو، أليس كذلك؟ — يُمكن أن يتخطَّاك ويُقدِّم تقريرًا إلى رئيسك مباشرة أو يُقدِّمه من وراء ظهرك؛ ولهذا أريد منك أن تَحرص أشدَّ الحرص على أن يصل إليَّ مثل ذلك التقرير، إذا قُدِّم في أيِّ وقت؛ فأنا لا أريد أن أؤخذ بغتةً. وإذا ظهرت أيُّ اتهاماتٍ تقتضي الردَّ عليها، أريد أن أعرف كل شيءٍ عنها مُقدَّمًا؛ فهذا سيجعل الردَّ عليها أسهل بكثير، إذ إنَّ لديَّ الكثير من المشاغل.»

وبعد ذلك صافَح الرقيب وأوصَله إلى خارج المنزل.

عاد الرقيب إلى مركز الشرطة بخُطًى سريعة وشعور بالاطمئنان إلى أنَّه قد قضى أمسيته على أفضل نحو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢