الموضوعات

بيت يتكلم

كل بيت من البيوت التي تَعَاقب عليها السكان لو ألقيتَ عليه طَلْسَم الخيال، وأمرتَه بالكلام فتكلم؛ لانطلقت منه أسرار وأشباح يزدحم بها فضاء المكان، ولسمعت عجبًا لا تسمع الآذن أعجب منه، وليس الذي يتحدث به «البيت» في القصيدة التالية إلا قليلًا من كثير:

جميع الناس سكاني
فهل تدرون عنواني؟
وما للناس من سرٍّ
عدا آذان حيطاني
حديثي عَجبٌ فيه
خفايا الإنس والجانِ
فكم قضَّيت أيامي
بأفراح وأحزان!ِ
وكم آويت من بَرٍّ
وكم آويت من جانِ!
فإن أرضاكم سري
فهاكم بعض إعلاني

•••

بني الإنسان لن أحفـ
ـل في دهري بإنسانِ
ألم أعرفكمُ طرًّا
فلم أسعد بعرفاني؟
أتاني أول السكْن١
وما استوفيتُ بنياني
وما أرهفت آذانًا
ولم آنَسْ بقُطَّانِ
وأصغيت على مهل
فطاشت كل آذاني
هما زوجان، أو شيطا
نة لاذت بشيطانِ
وقد عاشا وفيين
بتقدير وحسبانِ
وراحا — هكذا يحكو
ن — في رَوْح وريحانِ
وما أبصرتُ من هذا
ولا من تلك في آنِ
سوى خَوَّانة خرقا
ء تفري عرض خَوَّانِ
إذا ما ضحكا يومًا
على غش وبهتانِ
حسدت البيد والأطلا
ل في غيظي وكتماني
وأشفقت من النقمـ
ـة أن تهتز أركاني

•••

وجاء الساكن الثاني
وبئس الساكن الثاني
يراه الناس ذا مال
وأفراس وغيطانِ
وقد شوهني بخلًا
وأعراني وأعياني
وقد صيرني سجنًا
ومنه كان سجاني
فلما طال بي عهدًا
ولم أسعد بهجرانِ
وددت لوَ انَّ لي في كل
جُحْر ألف ثعبانِ
بديلًا منه أرضاه
وأحبوه بغفراني
وأنفث سمها أو يتـ
ـقي شري ويخشاني
إلى أن آده٢ أجري
ولم يظفر بنقصانِ
فأخلاني ولن أنسى
سروري يوم أخلاني

•••

وكان الساكن الثالـ
ـث ذا عز وسلطانِ
فما ارتبتُ بأن العـ
ـز والذلة سيانِ
وما ألفيته إلا
لئيمًا جد غفلانِ
ضعيفًا يستر الضعف
بطغيان وعدوانِ
وكم أَذْعَن للطاغي
عليه شر إذعانِ
إذا ما لقي الناس
بكبر منه طنَّانِ
فما أصغر ما ألقا
ه منه بين جدراني

•••

وأما رابع القوم
فذو علم وتبيانِ
حشا بالورق اليابـ
ـس والأخضر حيشاني
فما لي موضع في الأر
ض أو من فوق عمدانِ
وما لي مطبخ أو مخـ
ـدع أو بهو ضيفانِ
ولا زاوية إلا
وفيها الكتب تلقاني
أَبَى للنفس دعواها
ولم يسمع لجثمانِ
فلا سهرة أحباب
ولا جلسة ندمانِ
فما أجهله بالخلـ
ـق ذاك العالم العاني!
أَبَيْنَ الناس يُحْتَاج
إلى علم وبرهانِ؟
وهم عِمْيَان ظلماء
سَرَوا في إِثْر عميانِ؟
كثير لك يا إنسا
ن في دنياك عينانِ!

•••

وأما الخامس الجاني
فناهيك بشهوانِ
فما زَوَّدني إلا
بأثداء وأعكانِ
وهُتَّاف بألحان
وسُمَّار على الحانِ
إذا أمسيتُ مساني
بأشكال وألوانِ
على الأبواب ما يرضيـ
ـك من حسن وإحسانِ
ومن صون لأسماع
ومن غض لأجفانِ
فلا تنظرهمُ ثَمَّـ
ـة وانظر بين أحضاني
فيا لله كم في الأر
ض من غي وغيانِ
وكم في القوم من مخدو
ع آباء وإخوانِ
وأزواج وأصهار
وخلان وأخدانِ
لوَ انِّي قلت ما أدري
لهدوا كل أركاني
فنعم الصمت والحكمـ
ـة يا صخري وصواني!

•••

وكم صاحبتُ من أصحا
ب آداب وأديانِ
تجافوا وصمة العاصي
وعافوا شهوة الزاني
وباتوا بين قربان
وترتيل لقرآنِ
ولم يأسوا من الدنيا
على غَبْن وحرمانِ
إذا ما شرفَتْني زمـ
ـرة منهم بصحبانِ
حسبت الأرض تجفوني
فأنساها وتنساني
وقالوا الجان لا تقر
ب من مجلس فرقانِ
فقد ألفيتُ بعض الإنـ
ـس في العنصر كالجانِ
ولكن شر ما آويـ
ـت في لؤم وعصيانِ
رياء الخائن العادي
على أهل وأوطانِ
تَلَقَّاهم بتمويه
ولاقوه بإيمانِ
وفي حجرة أسراري
وفي ظلمة أركاني
يبيع الحوزة الكبرى
بربع أو ببستانِ
ويعطي الحق والذمـ
ـة والفُتيا بأثمانِ
ويُفني أمة تحييـ
ـه وهو الزائل الفاني
ويمشي بين قتلاه
رفيع الذكر والشانِ

•••

ولم أحمد من الضيفا
ن ضيفًا مثل فنَّانِ
تولاني بإبداع
من الفن وإتقانِ
وغطى كل جدراني
بمنظور ومُزْدَانِ
وأوحى الحسن واستوحا
ه من جنات رضوانِ
فحينًا حسن مكسوًّ
وحينًا حسن عريانِ
بريئًا في سماء الفـ
ـن من عبث وأَدْرَانِ
وفَتَّانًا على الحاليـ
ـن لكن أي فَتَّانِ
كما تفتنك الزهر
ة في أعطاف أغصانِ

•••

جموعٌ لست أُحْصِيهَا
ولو دونتُ ديواني
ومثلي كل جاراتي
ومثلي كل جيراني
عرفتُ الناس أشتاتًا
بلا عدٍّ وحسبانِ
فلم أعرف أأعداء
هم أم جمع أقرانِ؟
إذا ما اختلفوا في سيـ
ـمة تبدو وشغلانِ
فهم في الموت أشباهٌ
وفي سقم وأشجانِ
وما منهم فتى إلا
بكى حينًا وأبكاني
مساكين فلا تحفل
من الناس بإنسانِ
ولا تحسد فتى منهم
على بأس وإمكانِ
فأعلاهم وأدناهم
أمام الغيب صِنْوَانِ

•••

نزيل المنزل الخالي
ألا تعرف عنواني؟
إذا ما طفتَ حوليه
فثق أنك تلقاني
فما من منزل إلا
وفيه بعض ألواني
تأمل في نواحيه
وراقبه بإمعانِ
ولا يخدعك صمت فيـ
ـه أو تفتيح بيبانِ
ولا تحسبه خِلْوًا من
مغاليق وأكنانِ
إذا ما كانت مستحضـ
ـر أراوح وحدثانِ
فقف في المنزل الخالي
وأَرْهِفْ سَمْعَ يقظانِ
وأغمض فيه أجفانـ
ـك وانظر غير وَسْنَانِ
ترَ الأطياف أفواجًا
وتسمع موج طوفانِ
وتجمع كل ما يُجمـ
ـع من ربح وخسرانِ
ولا يخطئك تاريخ
ولا دارس أزمانِ

أمام قفص الجيبون في حديقة الحيوان

القرود العليا هي: «الشمبانزي»، و«الأرانغ أتانغ»، و«الغورلا»، و«الجيبون» وهو فرع وحده في رأي كثير من النشوئيين؛ لأنه صغير الحجم مختلف التركيب بعض الاختلاف.

ومن هذه القرود العليا ما يصلح — من الوجهة الشِّعْرية — أبًا للفلاسفة والحكماء، وهو «الشمبانزي»؛ لتأمله وسكونه واشمئزازه من الحياة!

ومنها ما يصلح أبًا لرجال المطامع والوقائع، وهو «الغورلا» لبطشه وهياجه وقوة عضله.

ولكن «الجيبون» وحده هو الذي يصلح من الوجهة الشعرية أبًا للفنانين والراقصين؛ لأنه لعوب طروب، رشيق الحركة خفيف الوثوب، يقضي الكثير من أوقاته في الرقص والمناوشة، ويحب أن يعرض للناس ألاعيبه وبدواته، وإذا صعد أو هبط في مثل لمح البصر فإنما يصعد ويهبط في حركات موزونة متعادلة، كأنما يوقعها على أنغام موسيقية لا تخطئ في مساواة الوقت ولا في مضاهاة المسافة، فإذا شَهِدْتَه فاسأل نفسك: ما بال هذا القافز الماهر قد وقف حيث هو في «سلم الرقي»، ولم يأت على درجات السلم كلها صعودًا ووثبًا في بضعة ملايين من السنين؟!

هذا سؤال، وسؤال آخر تعود فتسأله: ماذا يفيد من الصعود إن كان قد صعد؟ الطعام المطبوخ؟! هو يأكل طعامه الآن نيئًا وذلك أنفع، أو يأكله مطبوخًا على يد غيره، وذلك أدنى إلى الراحة!

أو يفيد العلم؟ قصاراه إذن أن يقول: «لست أدري»، كما يقولها الإنسان كلما واجه معضلات الوجود.

أو يفيد وزن الشعر؟ هو الآن يزن الحركة كما توزن التفاعيل والأعاريض، وغاية مسعاه إذا أتقن وزن الكلام أن تعجز يداه وقدماه عن رشاقة الوثب ورقصات اللعب؛ لتستعيض منها بترقيص الكلمات وتوقيع المعاني وهو قاعد حسير!

أمام قفص الجيبون مجال واسع لأمثال هذه الأسئلة وأمثال هذه الموازنات:

أيُّهذا الجيبون أَنْعِمْ سلامًا
يا أبا العبقري والبهلوان
كيف يرضى لك البنون مقاما
مُزْرِيًا في حديقة الحيوان؟

•••

العب الآن وانتظر بعد حقْبا
ترقَ في «سلم الرقي» وتعلُ
كيف لم تصعد السلالم وثبًا
أيها الصاعد الذي لا يملُ

•••

يا عميد الفنون صبرًا ومهلًا
وارضَ حظ الهتاف والتهليل
مرحبًا مرحبًا وأهلًا وسهلًا
والهدايا ما بين لب وفول

•••

انتظر يا صديق شيئًا فشيئًا
تطبخ القوت كله بيديكا
غير إني إخال ما كان نيئًا
منه أجدى في الحالتين عليكا

•••

انتظرْ يا صديق مليون عام
أو ملايين لستُ والله أدري
إن تدانيتَ بعدها من مقامي
فقُصَارى المطاف أن لستَ تدري

•••

واصطبرْ إن عناك نثر ونظم
سوف تتلو نثرًا وتنظم شعرًا
وغدًا يطفر الخيال ويسمو
والذراعان لا تطيقان طفرًا

•••

وجمال الوجوه سوف تراه
في المرايا بعد الطواف الطويلِ
سوف تحلو في ناظريك حلاه
فتَهيَّأْ للضم والتقبيلِ!

•••

وإذا ما درستَ أوزان رقص
بعد لأي فالرقص فيك انطباعُ
هل تنال الكمال من بعد نقص
إن أَقَلَّتْك فكرة لا ذراعُ

•••

قفصٌ أنت فيه أرحب جدًّا
من فضاء نُقيم فيه أُسَارَى
قد ضللنا فيه وهيهات نُهْدَى
ونجوم السماء فيه حَيَارَى

•••

انتظرْ سوف تفهم الشيء باسمٍ
بعد رسمٍ وغابر بعد حالِ
فإذا ما طلبتَ باطن فهم
يا صديقي طلبتَ أي محالِ

•••

أين بالأمس كنتَ يوم ابتدأنا
والتقينا بآدم في الطريقِ
قد بلغنا فأين تبلغ أينا
حين تمضي وراءنا يا صديقي؟!

•••

الهُ والعب واضحك كما شئتَ منا
أنت طفل الزمان والطفل غِرٌّ
سوف تبكي حزنًا وتضحك حزنًا
حين يمضي دهر ويقبل دهرٌ

عتب على الجيبون

ذهب بعض الأدباء إلى حديقة الحيوان بعد نشر القصيدة السابقة، وقصدوا إلى قفص «الجيبون»؛ فإذا هو في تلك الساعة كاسف البال صادِف «المزاج» عن الرقص واللعب؛ فجاءوا إلى صاحب الديوان يطالبونه بتعويض أجر الدخول إلى الحديقة، كأنه هو الذي يعرض الجيبون ويتكفل للمتفرجين بتمثيل ألاعيبه، وفي الأبيات التالية رجاء لذلك الفنان ألا يُكذِّب شهادته، ولا يخيب ظنون الأدباء في مدحه وتقريظه:

أيها الجيبون لا تفـ
ـضح تقاريظي وشكرِي
أنت بعد اليوم محسو
ب على نقدي وشِعْرِي
أنت إن لم تحسن الرقـ
ـص فمن يحسن عُذْرِي؟
أنت إن قصرتَ قالوا
شاعر بالزور يُطْرِي
ما لذا العقاد والتقريـ
ـد و«التقريظ» يُغْرِي
إنه يهرف بالمد
ح ولكن ليس يَدْرِي
فاملأ الأقفاص يا جيـ
ـبون طفرًا أي طَفْرِ
وقل: العقاد لا يخـ
ـطئ في تعريف قدرِ

قِرْشٌ مَعْقُوْل

إن أحبوا القرش لم يجدوا
عجبًا في حبه الخطرِ
فإذا ما الطفل هام به
جعلوه طرفة السمرِ
يا محبي القرش وَيْحَكُم
هل سمعتم أصدق الخبرِ؟
هل علمتم في طرائفكم
أي قرش بالهيام حرِ؟
ذاك قرش الطفل نضحك من
حبه إياه في الصغرِ
وهو أولى من قروشكم
كلها بالحب والسهرِ
هو «حقٌّ» عنده جَلَل
حاضر الميعاد والأثرِ
ثمن الحلوى يَلذُّ بها
وجمال الحسن والنظرِ
وأفانين الملاعب لم
تخلُ من نفعٍ ومن ثمرِ
وهو وَهْمٌ في خزائنكم
وخيال كاذب الوطرِ
وسجين ثم مُدَّخَر
لرجاء غير مدخرِ
لا تعيبوا الطفل وانتفعوا
منه بالآيات والعِبَرِ
الحياة الحق ناضرة
فاقطفوا من غصنها النضرِ

وَجْهَات الدكاكين

هَذِي المطارف صفِّفتْ عجبًا
فانظرْ وراء ستارها عجبا
كم منظر تجلوه مبتعدًا
أو منظر تجلوه مقتربا
إن الدكاكين التي عرضتْ
تلك المطارف تعرض النُّوبا
تحكي الفواجع كلهن لنا
صدقًا ولا تحكي لنا كذبا
هذا الستار فنحِّ جانبه
تجد القضاء يهيئ اللعبا

•••

انظرْ إلى النَسَّاج منحنيًا
يَطوي بياض نهاره دأبا
وانظر إلى السمسار مقتصدًا
أو طامعًا في الربح مُغتصبا
وانظر إلى التجار ما عرفوا
غير النضار وَعُدَّهُ تعبا
وانظر ترَ الشارين قد سمحوا
بالمال يَقطر من دم صببا
وانظر ترَ الحسناء لابسة
لم تلتمس غير الهوى أَرَبَا
لو تعرف الحسناء ما صنعت
شقتْ جيوب ردائها رَهَبَا

•••

هذا زمان العرض فانتظروا
عرضًا يرينا الويل والحربا
بَهَرَ النفوس بكل ظاهرة
وطوى جمال النفس محتجبا
فالويل للعين التي امتلأت
والويل للقلب الذي نضبا

أصداء الشارع

بنو جِرْجا ينادون
على تفاح أمريكا
وإسرائيل لا يألو
ك تَعْرِيبًا وتتريكا
وبتراكي إلى الجُودِ
على الإسلام يدعوكا
وفي كَفَّيْه أوراق
بكسب المال تُغريكا
وأقزامُ من اليابا
ن بالفصحى تُحيِّيكا
وإن لا تكُنِ الفصحى
فبالإيماء تغنيكا
قريبٌ كلها الدنيا
كرَجْعِ الصوت من فِيكَا
دعا الداعي فَلَبَّوْه
طغاةً أو صعاليكا
إذا ناديتَ يا دِينَا
رُ من ذا لا يلبيكا
فما في الناس هاذاك
ولا في الأرض هاتيكا

عصر السرعة (١)

طار في الذُّرَى
هام في السهول
مُسرع الخُطَىْ
حيثما يجول
ما له عَدَا
عدوةَ الوعول
ما له سطا
سطوةَ السيول
في صعوده
يشبه النزول

طَيْفٌ من حديد

الطيف أدخلُ شيء في باب الشعر والأحلام.

والسيارة أدخلُ شيء في باب الصناعة والحركة اليومية.

ولكن السيارة قد تتسرب بحديدها وضوضائها إلى عالم الأحلام إذا نظرت إليها في حالة من الحالات.

وإلا فما هو الطيف؟!

هو شيء يُرى ولا يُلمس، وشيء يتحرك ولا يُسمع لحركته صدى، وشيء يُحيط به البعد والظلام.

فانظر إلى سيارة يَسري مصباحها على البعد في ليلة مظلمة، وأنت ترى الطيف الذي يتحرك ولا يُسمع حراكه، وتلمحه ولا تكاد تتثبت من مرآه.

ذاك بُعدٌ وانسياب
وظلام وانسجام
أي شيء ثَم يجري؟
هو طيفٌ لا كلام

•••

أي شيء ذاك إلا الـ
ـطَّيْف يَسري في منام
يَطرق العين وهيـ
ـهات٣ بالسمع يُرَام

•••

تلك سرعة الـ
ـهارب العَجول
تلك سرعة الـ
ـحائر المَلُول
تلك سرعة الـ
آثم الخجول
أين سرعة الـ
ـسَّعْي والوصول

عصر السرعة (٢)

طاروا وداروا مسرعين في الثرى
يركب منهم رأسه من ركبا
لو لم يكن هذا الزمان آفةً
ما اتخذوا السرعة منه مهربا

عسكري المرور

متحكمٌ في الراكبين
وما له أبدًا ركوبة
لهم المَثُوبَة من بَنَا
نك حين تأمر والعقوبة
مُرْ ما بدا لك في الطريـ
ـق ورُضْ على مهل شعوبه
أنا ثائر أبدًا وما
في ثورتي أبدًا صعوبة
أنا راكب رِجْلِي فلا
أمرٌ عليَّ ولا ضريبة
وكذاك راكب رأسه
في هذه الدنيا العجيبة

•••

هو طيف من حديد
هو طيف من ضِرام
هو سيارة ركب
خطرت فوق رَغَام
ظهرت، غابت، توارت
غير مصباح يُشام
وأراها نقَّلَتْنِي
وهي للنقل لزام
سهوة من عالم اليقـ
ـظى إلى دنيا النيام

الفنادق (١)

فنادق تشبه الدنيا لِقَاءً
وتفرقةً وإن قَصُر المقامُ
تقول لكل من وفدوا عليها
بأن العيش نهب واغتنامُ
فمن تلقاه في يوم صباحًا
تفارقه إذا جنَّ الظلامُ
ورُبَّ عصية في الحب باتت
وأقرب من بدايتها الختامُ
تقول لقلبها ما الحب إلا
أمان حيث يزدحم الزحامُ
فلا سر هنالك مستباح
ولا شوق هنالك أو غرامُ

•••

منازل كل ما فيها انسجام!
منازل كل ما فيها انقسامُ!
بنوها أسرةٌ ما شذَّ فيها
مقام أو منام أو طعامُ
وما افترقت شعوب الأرض يومًا
كما افترقوا إذا انصرفوا وهاموا
ففيهم يَافِثٌ حينًا وشيثٌ
وفيهم تارة حامٌ وسامُ

الفنادق (٢)

حَسبُ الفنادق أن تذكرنا
مرَّ الفَنَاء بكل من يحيا
تبدو الوجوه لعين عابرها
وتغيب عنه كأنها رؤيا
في كل توديع وتفرقة
شيء من التوديع للدنيا

بعد صلاة الجمعة

على الوجوه سِيمَةُ القلوب
فانظر إلى المسجد من قريبِ
وقِفْ لديه وَقْفَةَ اللبيب
في ظُهْر يوم الجمعة المحبوبِ
إنك في حشد هنا عجيبِ

•••

هذا الذي يمشي ألا تراه
كأنما قد حملت يداهُ
سفتجة٤ صاحبها الإله
ذاك هو الدَّيْن وقد وفاهُ
فليس للدائن بالمطلوب

•••

وذلك المبتسم الرصين
كأنه بسِرِّه ضنينُ
أصغى إليه سامع أمين
فَهْو إذا صلى كمن يكونُ
في خَلْوَة النجوى مع الحبيب

•••

وانظر إلى صاحبنا المختال
في حُلَّة ضافية الأذيال
أكان في حضرة ذي الجلال
أم كان في عرض أو احتفال
يُزهى على المحروم والمسلوب

•••

وكم مُصَلٍّ خافِت الدعاء
كأنما نصَّ إلى السماءِ
رسالة في عالم الخفاء
فلا يني يبدو لعين الرائي
كالمترجِّي أوبة المكتوب

•••

ورُبَّ شيخ من ذوي الخَلَاقِ٥
فرحان بالجمع وبالتلاقي
كأنه التلميذ في انطلاقِ
بين تلاميذ له رفاقِ
عادوا إليه عودة الغريبِ

•••

تجمعوا في بيته تعالى
وافترقوا في جمعهم أحوالا
وهل نسوا في أرضه النضالا
فيحتويهم بيته أمثالا
على اختلاف السَمْت والنصيبِ

•••

لعلهم صلوا له ارتجالا
فاختلفوا ما بينهم سؤالا
فلو أجاب السائلين حالا
صب على رءوسهم وَبَالا
وألحق المخطئ بالمصيبِ

قطار عابر

نامت القرية وانساب القطار
هو في موعده بين الديار
يعرف الساعة لا يخطئها
هكذا الجنة في وقت المزار
رُبَّ سارٍ بات في أركانه
ودَّ لو يَسبق سبَّاق البخار
يحسب الهَمَّ الذي همَّ به
دارت الأرض عليه حيث دار
ودَّ لو يسأل هاتيك القرى
ما لقوم لم يسيروا حيث سار
وهو والركب الذي من حوله
في اشتياق وانطلاق وانتظار
عند من يُدلج في تلك القرى
صور منسية في اسم القطار
كل ما يبقى له من ذكره
ضَجَّة من حولها ثار غبار

•••

فتش الأسماء عن أسرارها
واسأل الأحرف عما في القرار
تجد «الأرصاد» حقًّا ماثلًا
وَهْي في الماضي ضلال وصَغار

صورة الحي في الأُذُن

مثل الحي في معالم سمعٍ
كالتي لا تزال للعين تظهرْ
من وراء الجدار والعين وَسْنَى
معرض الحي في سجل مُصَوَّرْ
كل صوت يطيف بالسمع منه
ثابت في «اسطوانة» تتكررْ
دارج بعد دارج وحديث
يخفت الهمس فيه حينًا ويجهرْ
ومغنٍّ إذا تَغَنَّى رويدًا
قطَّع الصوت بالسلام وصفَّرْ
وأقاويل لست تعلم منها
غير أصدائها التي لا تغيرْ
ومنادٍ بما يبيع وحيدٌ
خالَسَ الرفقة النيام وبكَّرْ
وبشير الدجاج صاح فلَبَّا
ه نظير غلا فصال فأنذرْ
ودواليب خلتها وهي تسعى
خرجت في نعاسها تتعثرْ
حُلَّة بعد حُلَّة تتراءى
في صداها ومعشر بعد معشرْ
إنه منظر يفصله الـ
ـسَّمع ويا رُبَّ مسمع فيه منظرْ

الدينار في طريقه المرسوم

لما بَدَا الدينار من
باب الخزانة في السماء
نادى الموكَّل ثَمَّ بالـ
أرزاق أين ترى الثواء؟
قال: انطلق في الخافقيـ
ـن إلى فتى جمِّ الشقاء
قد بات ممنوع الغذا
ء وراح مقطوع الكساء
فاذهب إليه ومَنِّهِ
بعض السعادة والرجاء

•••

فأجابه الدينار وهـْ
ـو يكاد يجهش بالبكاء
أنا لست أعرفه فدعـ
ـني أستطيب هنا البقاء
سيطول بحثي عنه في
وادي الخمول ولا لقاء

•••

قال الموكَّل ثَمَّ بالـ
أرزاق حسبك من رياء
لن يألف المال الفقيـ
ـرَ ولن يحيد عن الثراء
ما شئت يا دينار فامـ
ـضِ كما تشاء لمن تشاء
فاستقبل الدينارُ وجـ
ـهته وهَمَّ بلا وناء
ومضى إلى حيث المعا
لم واضحات والضياء
حيث الدنانير السوا
بق قد رسمن له الفضاء
ليس الطريق على اقتحا
م كالطريق على اهتداء

المَصْرِف «البنك»

شِبْرَان من ذاك البناء
بيني وبين المال والدنيا العريضة والثراء
ليست بأقصى في الرجاء
من حفرة المدفون في شبرين في جوف العراء
كلا! ولا أدنى على قرب المزار لمن يشاء
أعرفت آماد السماء؟!

•••

في سِكَّتي أبدًا وما
من سكة أبدًا إليه، ولست أُلغز عندما
أصف الطريق أو الحمى
انظر بعينيك البناء سما وطال وأظلما
واسأل: أهذا مصرفٌ ملئوا جوانبه دما؟!
تجد الصواب مجسما

•••

فيه دم لا شك فيه
في كل طِرْس أو كتاب أو سجل يحتويه
ودم المقتر والسفيه
يجري هناك وأنت تحسبه من الورق الرفيه
تغليه كالدم في العروق سرى وكالدم نتقيه
وسَل المُدَلِّس والنزيه!

•••

سَلْنِي فلم أكُ طالبًا
ورقًا هناك على الرفوف أنال منه جانبًا
وأعد منه حاسبًا
إلا لأوراق أراها قارئًا أو كاتبًا
ولما تجيش به الخواطر حاضرًا أو غائبًا
ودع الحسود الغاضبا

كَوَّاء الثياب ليلة الأحد

لا تَنَمْ لا تَنَمْ
إنهم ساهرون
سهروا في الظُّلَم
أو غفوا يحلمون
أنت فيهمُ حكم
وهمُ ينظرون
في غد يلبسون!
في غد يمرحون

•••

كم إهاب صقيل
يا له من أهاب
وقَوَام نبيل
في انتظار الثياب
وحبيب جميل
يزدهي بالشباب
كلهم يحلمون!
في غد يلبسون

•••

أسلَموك الحُلَلَ
كالربيع الجديد
في احمرار الخجل
أو صفاء النهود
تُشتهى بالقُبل
لا بمسِّ الحديد
يا لها من فنون
بهجة للعيون!

•••

طُويت كالعجين
فاطوِ فيها الجمال
لمسة باليمين
عطفة بالشمال
والعجين الثَّمين
في استواء «المثال»
فيه ماست غصون
من جناها الجنون

•••

زِدْ نصيب الحبيب
من هوى وابتسام
بالكساء القشيب
رفَّ حول القوام
لك فيهم نصيب
غير كيّ الغرام
عند برح الشجون
هُمْ هُمُ المكتوون

•••

الضرام اتَّقَد
في المكاوي الشداد
هل خبا أو برد
أو علاه الرماد؟
ذاك يوم الأحد
أين منك الرقاد؟!
إن قضيت الديون
كل نار تهون

•••

أنا مُصْغٍ إليك
في الظلام الطويل
سامع من يديك
كل ضرب ثقيل
ناظر موقديك
منذ غاب الأصيل
بين غمض الجفون
واطِّراد السكون

•••

يا أخا الفن لا
تَدْعُها بالثياب
وارقَ منها إلى
ما احتوت من شباب
وجمالٍ حلا
وحياة عجاب
وتفلسف على
ما احتوت من رقون٦
تَحْيَ بين الألى
خلفها يختفون
تلقهم يهمسون
وهمُ صامتون
والليالي تهون
والكَرَى والمنون

بابل الساعة الثامنة

في بعض الأحياء يمنع الشرطة نداء الباعة قبل الساعة الثامنة؛ فيجتمع الباعة عند مداخل تلك الأحياء صامتين متأهبين، حتى إذا وافت الساعة المحدودة، اندفعوا دفعة واحدة ينادون على السلع، كلٌّ وما يبيع، وهي خليط لا تأتلف أصداؤه ولا أشياؤه، فهي بابل لأمراء!

قابل بين بابل هذه وبابل الفجر الذي تختلط فيه أصداء الطبيعة مثل هذا الاختلاط، ولكنها تنسجم في معناها المبشر باستئناف الحياة وعودة النور، وأن هذه المقابلات جميعًا لَحقيقة في الشعر ببعض الإصغاء:

كم بابل في الساعة الثامنةْ
تثور في حلتنا الساكنةْ!
خفية الأصداء لا تنجلي
ولم تكن عجماء أو واهنةْ
شَتَّى فإن أفردتها لم تكد
تبين منها لفظة بائنةْ
كأنما تصغي إلى راطنٍ
يُتَعْتِعُ الأحرف أو راطنةْ
فلفظة ينطقها دونها
عشرون في حلقومه قاطنةْ
واسم يليه اسم وما جَمَّعتْ
قرينة بينهما قارنةْ
إن بعدت عن سامع أو دنت
لم تُدْنِها أوصافها المائنةْ
البرتقال الحلو والفحم والـ
أطباق والريحانة الفاتنةْ
والبيض والأثواب والتبغ والـ
أخشاب والزينة الزائنةْ
وأشربات العصر في حينها
مثلوجة إن شئت أو ساخنةْ
والناي والأرغن تتلوهما
ربابة كالهِّرَةِ الداجنةْ
ومَنْ يُناديها ويدعو بها
إليه في زوبعة زابنةْ٧
مخلوطة ممزوجة كلها
معجونة في لفظها عاجنةْ
في بابل الباعة تلك التي
نسمعها لا بابل الحائنةْ
يحبسها الشرطي حتى إذا
حانت لديه الساعة الثامنةْ
أطلقها فانطلقت فجأة
على الحمى كالغارة الكامنةْ
تجدُّ أقصى الجد لكنها
في السمع كالمجنونة الماجنةْ

•••

إذا تمادى النوم بي ضحوة
أو أرَّقتني خطرة رائنةْ
أيقظني من بابلي هذه
نفير حرب في القرى الآمنةْ

•••

يا بعدها عن بابل في الدجى
أسمعها شادية لاحنةْ
أسمع عرس الفجر في دَوْحَة
ملتفة أغصانها شاجنةْ
وكل ذي سمع سليمانها
إن غردت أطيارها الواكنةْ
شَتَّى وفَحْوَى قولها واحدٌ
لكل أذن نحوها آذنةْ٨
بُشْرَى لنا بُشْرَى لآفاقنا
عادت إلينا شمسنا الظاعنةْ!

•••

يا بابل البشرى أغيثي الكَرَى
من بابل الملعونة اللاعنةْ
هَبِيه أنت اليقظات التي
تُشْبِه أحلام الدُّجَى الحاضنةْ
لا تُسلميه لوغى بابل
مغبونة في سعيها غابنةْ
من صرخة الحاجة أصداؤها
ومن لجاج المهنة الماهنةْ
لا بائعًا صانت ولا شاريًا
كانت له عن حاجة ضائنةْ

•••

يا بابل البُشْرَى اسْلَمِي واغنمي
وجنبينا الذلة الشائنةْ
ودِدْتُ لوَ انَّ بني آدم
تعلموا حكمتك الباطنةْ
ما احتجتُ قط إلى كاهن
يوحي بمعناها ولا كاهنةْ

وليمة المَأْتَم

أعدوا الموائد واستقبلوا
ولم يرَ صاحبه المنزلُ
فأين عريس به يحفلون
وأين عريس بهم يَحفلُ؟
طواه الرَّغَام وغطى عليه
صفيح المَفَاوِز والجندلُ
وما حفل البيت من يأكلو
ن لولا فَم بات لا يأكلُ

•••

ومن قبل ذاك أعدوا الطعام
وفي النفس هَمٌّ لها مثقلُ
إذا ما تناجوا فصوت خفيض
وإن عملوا ففَم مقفلُ
ولا من يُغنِّي كما يفعلون
إذا أولم القوم أو أفضلوا
وما حمد الطفل تلك الوفود
إذا أبطأ القوم أو عَجَّلُوا
فما منهمُ مازحٌ باسمٌ
وما منهمُ لاعب مقبلُ
ولا للمضيفين زاد هنا
ك إلا وأَطْيَبُه حَنْظَلُ
وما بين ذلك إلَّا النَشِيج
ودمع على خِلْسَة مرسلُ
ثقيل على الحزن أكل الطعام
ومَنْ يَشْتَهِي أكله أثقلُ
فيا أيها الناس! لا تُولِمُوا
على مَيِّتٍ واحزنوا واعقلوا!
فليست مجاملة الراحلين
إذا انقطع الزاد أن تأكلوا

عند تمثال

وقف الطفل وقفة التفكير
عند تمثال عالم مشهور
سائلًا أمه وقد هَالَه ما
هال من ذلك الجماد الجهير
فأجابته ذاك طفلٌ كبير
أتقن الدرس في كبار الأمور
قد أتوه بهذه اللعبة الكبـ
ـرى تُسَلِّيه في ظلام القبور
أفترضى مثاله؟ قال لا يا
أم إني أراه غير جدير
لا أرى فيه مَسْحَةً من جمال
تتجلى أو نفحة من سرور

سلع الدكاكين في يوم البطالة

بشيء من التخيل يستطيع الإنسان أن يسمع سلع الدكاكين في أيام البطالة تشكو الحبس والركود، وتود أن تبرز لتُعرض على الناس وتُباع، ولا تُفِضِّل الراحة والأمان على ما يصيبها من البِلَى والتمزيق بعد انتقالها إلى الشراة، كما أن الجنين في عالم الغيب لا يفضل أمان الغيب على مضانك الحياة وآلامها، ولذلك تظهر الأجنة ألوفًا بعد ألوف إلى هذا المعترك الأليم:

مقفرات
مُغلقَات مُحكمَات
كل أبواب الدكاكين على كل الجهات
تركوها
أهملوها
يوم عيد عيدوه
ومضوا في الخلوات

•••

«البدار!»
«ما لنا اليوم قرار!»
أي صوت ذاك يدعو النا
س من خلف الجدار
أدركوها
أطلقوها
ذاك صوت السلع المحبو
س في الظلمة ثار
في الرفوف
تحت أطباق السقوف
المَدَى طال بنا
بين قعود ووقوف
أطلقونا
أرسلونا
بين أشتات من الشارين
نسعى ونطوف

•••

سوف نَبْلَى
يوم أن نُبذل بذلا
أي نعم، لم نَسْهُ عن ذاك ولم نجهله جهلا
غير أنَّا
قد وددنا
أن نرى العيش وإن لم يكُ وِرْدُ العيش سهلا

•••

كالجَنِين
وهو في الغيب سجين
إن تحذره أذى الد
نيا وآفات السنين
قال هيا
حيث أحيا
ذاك خير من أمان الغيب والغيب أمين

•••

أطلقونا
وإلى الدنيا خذونا
حيث نلقي الآكلين الشاربين اللابسينا
ذاك خير
وهو ضَيْر
من رفوف مُظلِمَات يوم عيد تحتوينا

المنازل في الصيف والشتاء

يا حُسْنَ ذاك المنزلِ
كالضاحك المتهللِ
يَروي الظلام بمنهل
من نوره كالجدولِ
مُتَكَشِّفًا عن سره
عريان للمتطفلِ
الصيف عَلَّمه الطلا
قة كالشباب المُقْبِلِ
فكأنه بعض الفضا
ء الواسع المسترسلِ
لم ينفصل عنه ولم
يُحجَب بسِتْرٍ مُسْبَلِ
مُوفٍ على آفاقه
وعلى الكواكب من علِ
ساري الطريق أمامه
عرضًا، كرب المنزلِ
والمستقر به شبيـ
ـه العابر المُتَنَقِّلِ
هذا وذاك كلاهما
في ساحة لم تُقْفَلِ

•••

عَرِّجْ عليه هناك في
ليل الشتاء الألْيَلِ
يلقى المطيف كأنه
وجه المُشِيح المُجْفِلِ
حَذَرًا على أسراره
مُتكتِّمًا لا ينجلي
هَرِمًا يخاف ويتقي
طَيْشَ الشباب الأولِ
صد الفضاء كأنه
من دونه في معقلِ
وجفا المنازل حوله
فكأنه في معزلِ

•••

خَفَّ الربيع به وأثـ
ـقله الشتاء بجندلِ
وأدار حوليه نِطَا
قا من قضاء مُنزَلِ
فكأن عابره إذا
أمسى طَرِيدَةَ هيكلِ
متفلتًا من طارديـ
ـه مُحاذِرًا ممن يلي

•••

ما في الشتاء رفاهة
للعابر المُتأمِّلِ
إلا تخيُّل موئلٍ
خلف الشعاع المرسلِ
فيه سعادة مُسْتَهَا
م أو هناءة مصطلي

الطريق في الصباح

بدأت دولة الطريق
وانتهت دولة البيوت
ضاق بالكوكب المُفِيق
عالم الليل والسكوت

•••

حيثُ يممت مسرعٌ
يتلقاه مسرعون
ما لهم؟ أين أزمعوا؟
ويحهم ممَّ يهربون؟

•••

كلما غاب مُجْفِل
طلع اثنان في هجوم
ذاك ركب مضلل
حائر حيثما يحوم

•••

حائر حيرة الأُلَى
سُحروا ثم أُطلقوا
وضح الصبح وانجلى
فهو بالسحر أخلق

•••

لا أرى فرد ساحر
فيك يا صبح بل ألوف
كم أسير وآسر
والرُّقى بينهم صنوف٩

•••

ذلك الطفل ما عَنَاه؟
جدول الضرب في كتاب!
ذلك الشيخ ما مُنَاه؟
لقمة كلها عذاب

•••

والفتى أين قِبلةٌ
نحوها يُرِسل العنان؟
غاية الأمر قُبلة
بعدها يمسح الدهان

•••

خذهم أيها الطريقْ
في غداة من الصباح
لا تضلنَّ بالرفيقْ
إن دنت ساعة الرواح

•••

إن دنت ساعة السُّبات
ويك! لا تخطئ الوكور
كم وكور مناظرات
للبيوت اسمها القبور!

معرض البيت

هو بيت قد حواهم مسكنا
ونَأُوا فيه كنَأْي الشهبِ
لو عرضنا صور الدنيا هنا
لرأينا كل معنى عجبِ

•••

فيه طفل وفتى غض الإهاب
عند كَهْل، عند شيخ جاثمِ
فيه غيد لم يجاوزن الشباب
وفتاة في الشباب الباسمِ
ذلك البيت على ضيق الجناب
معرض الدنيا، وفحوى العالمِ
كل ما همَّ ابن أنثى أو عَنَى
بنت أنثى — ها هنا لم يعزبِ
كل حي فيه دنيا بل دُنَى
جُمعِتْ أشتاتها في موكبِ

•••

موكبٌ لم يرتحل من موطن
وإليه وحده شدُّ الرحال
فيه دنيا صُنِعَتْ من لبن
عند دنيا من خزانات ومال
عند دنيا صُنعتْ من أعين
وقلوب، ولهيب، وجمال
عند دنيا لم نجدها بيننا
لم نجدها من وراء الكتبِ
عرضتْها الدارُ أشتاتًا لنا
فالتقت موصولة في سببِ

•••

رُبَّ دنيا صنعوها لعبا
جَاورتْ دنيا دواء وسقم
وصبيٍّ جد أو طفل حبا
جاورا نضو مشيب وهِرَم
ورفيقين هناك اصطحبا
وهما قُطْبَا خصال وشيم
فرجة فيها لمَنْ شاء الغِنَى
غير ما عان ولا مغتربِ
ما نأى في الدهر شيء أو دنا
بعد هذا المورد المقتربِ

•••

طالب المسرح من خلف الحجاب
أنت في «المسرح» صبحًا ومساءَ
يخلق البيت من الدنيا العجاب
صورًا شتى وأنماطًا ولاءَ١٠
وترى فيه وإن ضاق الجناب
أوجهًا مختلفات تتراءى
أين وجه يملأ العين سَنَى
من وجوه كانطباق الغَيْهَبِ
فتأمل ها هنا أو ها هنا
ترع ما شئت بمَرْعَى مُخْصِبِ

•••

أي مرأى لو تجلى للعيون
في ضياء كضياء السيمياء!
كلما باح جدود وبنون
بِرُؤاهُ، ورجال ونساء
لم يكن قط وهيهات يكون
منظر أجدر منه بالضياء
إن تَأَبَّ أن تراه بيِّنًا
فالتمسه «بالخيال» المغرب
إنما الأعين كانت أعينًا
بسَنَى من نور ذاك الكوكب

بُعيدَ الغروب

ضجيج الصغار إذا ما خلت
نواحي الديار من الوالدِ
صياح العصافير في دَوْحَة
خَلَتْ من عُقَابٍ ومن صائدِ
وأَطْرَبُ من غابة في الصبا
ح من مُنْشِدٍ ثَمَّ أو ناشدِ
تَنَادِي الصِّغَار بُعَيْدَ الغرو
ب من كل مجتمع حاشدِ
إلى لحظة ثم تلقى الجمو
ع ما بين نَعْسَان أو راقدِ

فتنة الصور المتحركة

إلى أين تَهْرَع هَذِي الفتاة
وهذا الفتى أين يبغي المفر؟
سِرَاعًا إلى الصور الناطقا
ت تحكي الغرام وتحكي الخطر
لقد أصبحوا صورًا مثلها
فلا عجب يعشقون الصور
هم الناس لم يبقَ إلا صدى
تَفَشَّى وإلا طِلَاء ظهر

على سفح الهرم

طلع البدر على سفح الهرمْ
شبح ذلك أم ظل جثم
لا تراه حينما تلمحه
من بعيد غير ظل وقدَم
لو تفشَّى النور أو رقَّ الدجى
لتولَّى خشية، أو لانهدم

متسول

هم الناس ضيفٌ لهذي الحيا
ة وذلك ضيف لهم مبرمُ
ففي كل بيت له لقمة
وفي كل جيب له درهمُ
وفي كل أرض له معقل
ومَنْ لا يخف فهو مستعصمُ

•••

ذليل مَهِين بما يَغنم
ذليل مهين بما يُحرمُ
وليس أذل من المصلحيـ
ـن إذا أصلحوا الناس أو علموا
وليس بأهونَ من دعوة
يضيق بها السذج النُوَّمُ

•••

ألا أيها السائل المعدم
قسمت فحسبك ما تقسمُ
حقرتَ الحياة كما حقَرتْكَ
فما منكما أحد يظلمُ
تحاسبتما فتساوى الحساب
فلا من يُغالط أو يندمُ
وما هكذا النابغ العبقري
ولا هكذا الآثم المجرمُ
١  السكان.
٢  أثقله.
٣  هيهات، أي: بَعُدَ جدًّا.
٤  السفتجة: هي ورقة التحويل المالي.
٥  الخير الوافر.
٦  الترقين: التزيين، والرقون: الخضاب.
٧  دافعة.
٨  أذن له وإليه: استمع.
٩  جمع رقية، وهي طلسم السحر وما يُسْتَعَان به من القوى الخفية.
١٠  متوالية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١