تقديم
وكانت ثمرة تلك التجربة العلمية الفريدة جذب اهتمامنا نحو التعمق في دراسة تجربة النهضة اليابانية في عصر مايجي (١٨٦٨–١٩١٢م) التي كانت نتيجتها نشر أربعِ دراساتٍ بالمجلة التاريخية المصرية وهي الدورية العلمية التي تُصدِرُها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، ثم تصاعد اهتمامنا بدراسة تلك التجربة حتى اتخذ بُعدًا شاملًا في كتابنا «المجتمع الياباني في عصر مايجي»، الذي صدر بالقاهرة عام ١٩٨٠م، ثم أُعيد طبعه في ١٩٩٦م ثم في ١٩٩٩م، فكان أول دراسةٍ عربية تقوم على أسسٍ علمية، وتعتمد على مصادرَ أوليةٍ للتجربة اليابانية في المجال الأكاديمي العربي.
ومن خلال تلك الدراسة المتعمقة للمجتمع الياباني في عصر مايجي ازددنا اهتمامًا بالفكر التنويري ورائده فوكوزاوا يوكيتشي، ولاحظنا بعضَ أوجه الشبه بين فكره وفكر رفاعة الطهطاوي رائد الفكر العربي الحديث، وداعبَتْنا فكرة كتابة دراسةٍ مقارنة لفِكر هذَين الرائدَين، وعكَفْنا طوال عقد الثمانينيات على استكمال جمع ما تُرجم من أعماله الأساسية، وخاصةً ما قام به حفيده إيشي كي يوكا الذي جمع بين معرفته الدقيقة لتراث جدِّه العظيم وإتقانه للغة الإنجليزية بحكم كونه أحدَ أساتذة الأدب الإنجليزي البارزين بالجامعات اليابانية. وهكذا تجمَّعَت بين أيدينا التراجمُ المعتبَرة لأعمال فوكوزاوا التي نُشرَت بالإنجليزية، إضافةً إلى ما بأيدينا من أعمال رائدنا العظيم رفاعة الطهطاوي. وبقي إعداد الدراسة وما يحتاجه من مراجعة المتخصِّصين في تاريخ الفكر الياباني الحديث، وهو ما أتاحه لنا معهد دراسة لغات وحضارات آسيا وأفريقيا التابع لجامعة طوكيو، عندما وجَّه إلينا الدعوة أستاذًا زائرًا لمدة عام (١٩٨٩-١٩٩٠م) تفرَّغنا خلاله تمامًا لإعداد الدراسة، مع استشارة أهل الاختصاص في مختلف مراحل الكتابة، وعقد حلقات النقاش بجامعات طوكيو وكيو وإيباراكي وأوساكا لطرح ما توصلنا إليه من نتائج، ومناقشتها مع كبار الأساتذة المتخصِّصين في تاريخ الفكر الياباني وأساتذة تاريخ الشرق الأوسط بالجامعات اليابانية، واستفدنا كثيرًا من الملاحظات التي تلقَّيناها ممن حضَروا حلقات النقاش وقرَءوا مسوَّدة الدراسة التي وُزِّعت عليهم مسبقًا، ثم دفَعْنا بها إلى المطبعة في سبتمبر ١٩٩٠م، فكان صدورها في طوكيو (بالإنجليزية) في نوفمبر من نفس العام.
ورغم مرور عقدٍ كامل على صدور الطبعة الإنجليزية، فإن اهتمامنا بالتجربة اليابانية لم ينقطع، كما لم نتقاعَسْ عن متابعة ما يُنشر من ترجماتِ أعمالِ فوكوزاوا أو الدراسات المتعلقة به، وكان مما يجعلنا نشعُر بالأسى أن هذه الدراسة لم يعرفها أحدٌ في وطننا العربي إلا نفرٌ قليل ممن أُتيحَت لهم قراءتها بالإنجليزية، على حين اهتم بها الباحثون اليابانيون، وكانت مثار تعليقاتٍ وعروضٍ نقدية ظهرَت في مجلات جمعية المؤرخين اليابانيين ومجلة دراسات الشرق الأوسط التي تُصدرها الجمعية اليابانية لدراسات الشرق الأوسط، ومجلة «شيسو» (الفكر) التي تصدُر باليابانية، وكما نوَّه الكثير من محرِّري الصفحات الثقافية بالصحف اليابانية الكبرى بهذه الدراسة. ولم يظهر في مصر عرضٌ لذلك الكتاب إلا ذلك الذي صدر بصحيفة «الإجبشيان جازيت» القاهرية على صفحة كاملة (بالإنجليزية طبعًا) فلفتَت أنظارَ بعضِ قُرائها من الأجانب، فوجَّه الدبلوماسيون الآسيويون إلينا الدعوة لإلقاء محاضرة حول الموضوع في اجتماعٍ خاص في فبراير ١٩٩١م.
لذلك عقدنا العزم على إصدار طبعةٍ عربيةٍ من الكتاب لا تكون مجرد ترجمة للطبعة الإنجليزية، حتى نطرحَه على القارئ العربي من منظورٍ يتوافق مع اهتمامات الثقافة العربية، ولكن مرَّ عقدٌ من الزمان دون أن تُتيحَ لنا مشاغلُنا العلمية والثقافية المتعددة فرصةَ الانقطاع عن خِضَم الحياة اليومية للتفرغ لهذا العمل، حتى جاء اهتمام الأستاذ/محمد هاشم، مدير دار ميريت للنشر، بإصدار هذه الطبعة العربية، بدعمٍ من مؤسَّسة اليابان الثقافية، فأصبح إنجاز الطبعة العربية واجبًا مُلزمًا دفعَنا دفعًا إلى اقتطاع الوقت لإعدادها، ونأمل أن تثيرَ من اهتمام القارئ العربي ما يفوقُ ما أثارته من اهتمام الأوساط الأكاديمية في اليابان.
ونودُّ بهذه المناسبة أن نذكُر بالشكر والتقدير تلك المساعدات العلمية الكريمة التي أتاحت لنا فرصةَ إصدارِ الدراسة في أصلها الذي صدر بالإنجليزية، ونخصُّ بالشكر الصديق الأستاذ ميكي واطارو الذي كان أستاذًا لتاريخ الشرق الأوسط الحديث بجامعة طوكيو ثم جامعة كيو، وقدَّمني لزملائه من أقطاب المتخصِّصين في دراسة الفكر الياباني الحديث وتاريخ الفكر على وجه الخصوص. ومن هؤلاء الأستاذ نيشيكاوا شونساكو مدير مركز دراسات فوكوزاوا بجامعة كيو، والأستاذ أيروكاوا ديكيتشي أستاذ العلوم السياسية بجامعة طوكيو كيزاي، والأستاذ ساساكي جون نوسوكي أستاذ الاجتماع بجامعة هيتوتسباشي والأستاذ أيشيدا تاكيشي أستاذ العلوم السياسية بجامعة طوكيو.
كما أشكر معهدَ لغاتِ وحضاراتِ آسيا وأفريقيا بجامعة طوكيو على استضافته الكريمة لي ثلاثَ مرات كان آخرها عام ١٩٨٩-١٩٩٠م، الذي تفرَّغتُ فيه تمامًا لكتابة المخطوط الأصلي للدراسة.
فإذا كانت هذه الدراسة ذات قيمةٍ علمية، فالفضل كل الفضل لمن ساعدوا صاحبَها على الوصول بها إلى تلك القيمة، أما أوجه القصور فلا يُؤخذ بجريرتها أحدٌ سواه.
وعلى الله قصد السبيل.