تمهيد
الإطار التاريخي
كان نشوء الدولة الحديثة وما ارتبط بها من مشكلاتٍ تنموية بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يمثِّل الهم الرئيسي لرُواد التنوير في البلاد التي مرَّت بتلك المرحلة الدقيقة من تاريخها؛ فقد أثارت تحوُّلات مرحلة الانتقال من وضعيةٍ تقليدية إلى أخرى حديثة، عند أولئك المفكِّرين الرُّواد اهتمامًا كبيرًا، جعلَهم يقدحون زناد أفكارهم بحثًا عن رؤًى مستقبلية للمجتمع الجديد، فقدَّموا لمجتمعاتهم أفكارًا متقدمة عن واقع المجتمع في مرحلة التنمية، وعن طبيعة العلاقات الاجتماعية الجديدة على مختلف الأصعدة، ويرسمون بفكرهم مستقبل المجتمع في مرحلة التحول، ويحدِّدون معالم العَقْد الاجتماعي الجديد الذي تتطلبه تلك المرحلة، ويعملون على إيجاد نوعٍ من التوافق بين الموروث الاجتماعي والثقافي وبين ما تم اكتسابه في مرحلة الانتقال إلى الدولة الحديثة، وصولًا إلى إيجاد نسقٍ اجتماعي-ثقافي هجين يحقِّق التواصل المنشود في حركة المجتمع الحديث.
ولذلك كان الوقوف على القاعدة التي انطلق منها كلٌّ من هذَين المفكِّرَين أمرًا ضروريًّا لفهم الظروف التي دفعَت كلًّا منهما لتقديم ما جادت به كُل قريحته من فكر، وذلك من خلال إلقاء نظرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كلٍّ من اليابان ومصر في الفترة التي شهدت تحوُّل كلٍّ من البلدَين إلى مرحلة تكوين الدولة الحديثة، وما صاحَب ذلك من استجابةٍ فكريةٍ قدَّمها كل رائدٍ منهما في مجاله الاجتماعي-الثقافي-التاريخي لتحديات واقع مجتمعه وموروثه الفكري، وخاصة ما اتصل بإطار النظام الاجتماعي-السياسي الذي دخل معه كلٌّ من المفكرَين الكبيرَين في علاقةٍ جدلية، أنتجَت خطابًا اجتماعيًّا-سياسيًّا جديدًا. ونحاول — فيما يلي — أن نرسم ملامح التغيُّرات الهيكلية التي شهدَتها اليابان ومصر في مرحلة تكوين الدولة الحديثة.
اليابان
وهكذا تم إسقاط نظام طوكوجاوا عام ١٨٦٨م (فيما عُرف بعصر مايجي) بفضل تكاتُف القوى المعادية للنظام التي قادها صغار الساموراي الذين ينتمون إلى المقاطعات الغربية من اليابان، الذين دعمَهم كبار التجار في مدينتَي أوساكا وكيوتو، وعُرف هذا الانقلابُ باسترداد سلطة الإمبراطور، الذي كان الرمز الذي تمحور عليه النظام السياسي الجديد.
وكان عجز نظام طوكوجاوا عن مواجهة القوة العسكرية الأجنبية، وما تعرَّضَت له البلاد من إذلالٍ نتيجة الاستسلام لمطالب الأجانب، من أبرز العوامل التي حرَّكَت قادة الانقلاب لإسقاط نظام طوكوجاوا؛ ولذلك كان من الطبيعي أن ينصرفَ اهتمامُهُم إلى جعل اليابان قادرةً عسكريًّا على حماية استقلالها الوطني في عصر الاجتياح الاستعماري الأوروبي. ولمَّا كان صُنَّاع النظام الجديد من العسكريين قد صرَفوا اهتمامهم إلى بناء القوة العسكرية، فإنهم كانوا يُدرِكون تمامًا أن بلوغَ تلك الغاية يتطلَّب تحقيقَ نهضةٍ شاملة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية.
وهكذا كان الانقلاب الذي أنهى عصر طوكوجاوا الإقطاعي في اليابان، وجاء بنظامٍ جديد (عصر مايجي) انقلابًا سلميًّا إصلاحيًّا كانت دوافعُه وطنيةً بالدرجة الأولى، هدفُها إنقاذ اليابان من الوقوع ضحيةً للعدوان الأوروبي على نحو ما حدث للصين، وتم على أيدي قياداتٍ من داخل النظام الإقطاعي تحلَّت بقَدْرٍ كبير من إنكار الذات من أجل المصالح الوطنية العليا بالتحالف مع الرأسمالية الصاعدة والمثقَّفين؛ ومن ثَم غلَب عليها الطابع الإصلاحي لا الثوري، فأدخلَت إصلاحات أخرى لتحديث النظام الإداري، فنشأَت الوزارات على النمط الغربي الواحدة تلو الأخرى، كما وُضع نظام للإدارة الإقليمية أخضع المحافظات للحكومة المركزية، وتم الأخذ بالتقويم الغربي (الجريجوري) وإقرار مبدأ التسامح الديني، وامتد الإصلاح ليشمل إقامة نظامٍ حديث للبريد والشرطة والخدمة المدنية، كما شمل إصدار العملة الحديثة وإقامة المصارف الوطنية، وإصلاح النظام الضريبي والنظام القضائي. وأخيرًا، تم تشكيل مجلس للوزراء على النظام الألماني، وصدر دستور تقرَّر فيه إقامة مجلسٍ نيابي (الدايت) كمنحة من الإمبراطور لشعبه.
وأدرك نظام مايجي ما للتعليم من أهمية في الدولة الحديثة لتلبية حاجتها إلى الكوادر الفنية والإدارية والعسكرية، فتم إنشاء وزارة التعليم عام ١٨٧١م، وتم إدخال التعليم الإلزامي الذي جعل اليابان أول بلدٍ آسيوي يتخلص من الأمية عند نهاية العقد الأول من القرن العشرين. وكان التعليم لا يهدف — عند صُنَّاع النظام الجديد — إلى تثقيف المواطنين، بقَدْرِ ما كان ضرورةً تُمليها الحاجة إلى بناء دولةٍ قويةٍ حديثةٍ قادرةٍ على مواجهة التحديات، وكأداةٍ لتوجيه الجماهير ودعم التزامهم بخدمة بلادهم. وبعبارةٍ أخرى، كان التعليم — عندهم — أداةً لخدمة المشروع الوطني، والهيمنة على الجماهير من خلال تنمية الشعور الوطني القائم على التضحية بالنفس من أجل الوطن والإمبراطور، بتوظيف الشنتوية في تنمية ذلك الشعور الوطني الفريد. وحقَّق التعليم في هذا الإطار نجاحًا ملحوظًا.
وقد بدأ الإصلاح الاقتصادي بالزراعة؛ لأن الزراعة كانت المصدر الأساسي لموارد الدولة المالية، فحرَصَت الدولة على إيفاد البعثات إلى الخارج لدراسة الطرق الزراعية الحديثة وتمَّت الاستفادة بالخبراء الأجانب الذين جُلبوا من الخارج لتقديم المشورة الفنية في هذا المجال. وتم استيراد نباتاتٍ جديدة، كما تم استيراد البذور وأدوات الزراعة وأساليب الري الحديثة وكذلك الأسمدة، وأُقيمت محطاتٌ للتجارب الزراعية، وأُنشئَت المدارس والكليات الزراعية لإعداد الكوادر الفنية اللازمة في هذا المجال. ورغم ذلك كان التقدُّم في مجال الزراعة محدودًا بسبب صِغَر مساحة الأراضي المتاحة للزراعة، وكثافة استغلالها. كما أن تَتْجيرَ الزراعة وتصفيةَ النظام الإقطاعي أدَّى إلى تركُّز الملكية الزراعية في أيدي نُخبة من كبار المُلاك، وتحويل الفلاحين إلى مستأجرين وعمالٍ زراعيين دفعَتْهم فرص العمل المحدودة في الريف إلى التماس أسباب الرزق في المشروعات الصناعية الحديثة؛ مما أوجد ظروفًا ملائمةً لتلبية حاجة الصناعة إلى الأيدي العاملة. ومع زيادة الإنتاج الزراعي والموارد التي عادت على الدولة منه، ساهمَت الزراعة في تكوين المدَّخرات التي استُثمرَت في المشروعات الصناعية التي أقامتها الدولة في عصر مايجي، وتخلَّت عنها — فيما بعدُ — لرأس المال الخاص.
واتجهَت سياساتُ الحكومة نحو تشجيع النمو الاقتصادي للبلاد؛ فقد أيقن صُنَّاع نظام مايجي أن ازدهار التجارة والصناعة كان وراء قوة وجبروت الدول الغربية، فعقَدوا العزم على أن يصلوا ببلادهم إلى نفس الدرجة من القوة حتى يجنِّبوا وطنهم مخاطر العدوان الأجنبي عندما يتحقَّق التوازن بين اليابان والقوى الغربية في معادلة القوة؛ ولذلك تدخَّلَت الحكومة بطرقٍ مباشرة وغير مباشرة في إدارة وتوجيه الاقتصاد.
فقامت الحكومة ببناء الخطوط الحديدية والتلغرافية وغيرها من مشروعات المواصلات، وتولَّت إدارتها، فتم إنشاء أول خطٍّ حديدي بين طوكيو ويوكوهاما عام ١٨٧٢م، وسرعان ما استكملَت شبكة السكك الحديدية، فاحتفظَت الدولة بملكية وإدارة الخطوط الرئيسية، وسمحَت لرأس المال الخاص بإقامة العديد من الخطوط الفرعية وإدارتها، وقامت الحكومة بدعم المشروعات التجارية والصناعية الخاصة بتقديم القروض، وتيسير الحصول على المعدَّات، وغير ذلك من السبل، وخاصةً في المجالات التي كانت أقلَّ اجتذابًا لرأس المال الخاص من غيرها من المجالات، فأقامت الحكومة مصانع الورق ومصانع النسيج، وساعدَت رأس المال الخاص في إقامة صناعة بناء السفن التجارية، كما دعمَت صناعة الحرير وغيرَها من الصناعات الأساسية الأخرى، إلى جانب ما قدَّمَتْه من دعمٍ للمؤسسات التجارية والمالية الأخرى، ونحو عام ١٨٨٠م، قرَّرَت الحكومة التخلي عن المشروعات الصناعية التي تولَّت إقامتها وإدارتها لرأس المال الخاص، فيما عدا الصناعات ذات الطابع العسكري، وبيعت المصانع وغيرها من المشروعات الحكومية بنظام المزايدة، وكان السعر الأساسي منخفضًا لتشجيع رأس المال الوطني على الشراء، ولحل مشكلة العجز المالي الذي كانت تُعانيه الحكومة. ثم قامت الحكومة بعد ذلك ببيع بعض المناجم ومشروعات بناء السفن للمستثمرين الوطنيين لتشجيع النمو الرأسمالي في البلاد.
ورأى نظام مايجي أن السبيل الأمثل لحماية الاستقلال الوطني هو التوسع الخارجي على حساب الجيران، فعملَت الحكومة على تعبئة الشعور الوطني من أجل إعادة النظر في المعاهدات غير المتكافئة التي أُجبرَت حكومة طوكوجاوا على إبرامها مع الدول الغربية، واستطاعت أن تحقِّق ذلك عام ١٨٩٩م. وصاحَب النضال من أجل مراجعة وتعديل المعاهدات غير المتكافئة السعي من أجل الحصول على الاعتراف باليابان كقوةٍ كبرى. وقاد ذلك اليابان إلى التوسُّع على حساب الجيران لتجد سوقًا مضمونةً لصناعتها الوليدة، وللحصول على المواد الخام الرخيصة اللازمة لتلك الصناعة. وحرَص قادة نظام مايجي على تجنيب بلادهم مصير الصين ومصر باتباع نفس الأساليب التي اتبعَتْها الدول الغربية الاستعمارية مع جيرانهم، فتوسَّعت على حساب الصين (الحرب الصينية-اليابانية ١٨٩٤-١٨٩٥م) التي أعلنَت مولد اليابان كقوةٍ آسيويةٍ كبرى، ومهَّدَت الطريق لتعديل المعاهدات غير المتكافئة عام ١٨٩٩م، واستطاعت أن تتخلَّص تمامًا من القيود على سياستها الجمركية عام ١٩١١م، وبعد نصف قرنٍ من انقلاب مايجي استطاعت اليابان أن تجد لنفسها مقعدًا في مؤتمر الصلح في فرساي عام ١٩١٩م، بين الدول الكبرى ذات الوزن العسكري والصناعي، وأصبحَت واحدةً من الدول الخمس الكبرى في العالم عندئذٍ.
وعلى مَرِّ تلك التجربة التاريخية لبناء الدولة الحديثة كان على اليابان أن توائم بين ثقافتها التقليدية والثقافة الغربية الحديثة، وهي مهمةٌ وقعَت على كاهل رُواد التنوير في اليابان، الذين يأتي فوكوزاوا يوكيتشي في مقدِّمتهم.
مصر
استطاعت اليابان — بفضل موقعها الجغرافي — أن تنجح في بناء الدولة الحديثة القومية، وأن تدخُل نادي الدول الكبرى عند نهاية الحرب العالمية الأولى، وهي ظروفٌ لم تُتَح لمصر التي تقع في قلب العالم القديم، في مفرق الطرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما جعلها أمام اختيارَين لا ثالث لهما؛ إما أن تحقِّق درجةً من القوة تمكِّنها من أن تصبح دولةً إقليمية، أو أن تقع ضحيةً للقوى الكبرى صاحبة المصالح في الهيمنة على ذلك الإقليم البالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية.
وقد صاغ هذان الخياران تاريخ مصر منذ أقدم العصور؛ فعندما يشتد ساعدها وتقوى تصبح الدولة المركزية الإقليمية، فإذا أصابها الوهن كانت ضحيةً لغيرها من القوى الإقليمية أو الخارجية.
وقد انحصر دَور مصر كقوةٍ إقليميةٍ مع الغزو العثماني عام ١٥١٧م، فأصبحَت ولايةً تابعةً للدولة العثمانية، بعد أن كانت قاعدةً لإمبراطوريةٍ كبرى في العصرَين الأيوبي والمملوكي. وقد نتج عن انحسار دور مصر الإقليمي في العصر العثماني إلى تأثُّرها بظروف الدولة العثمانية، ولكنها حاولَت — غير مرة — أن تستردَّ دَورَها التاريخي، ولكن الظرف لم يكن مُواتيًا في أغلب الأحوال، وخاصةً مع قيام الحركة الاستعمارية الأوروبية، التي عرفَتْها مصر مع قدوم الحملة الفرنسية (١٧٩٨–١٨٠١م)، والتي كان لها دورٌ فعَّال في اليقظة التي جعلَت المصريين يُدركون خطورة استمرار الأوضاع التي كانت سائدةً في مصر قبل الحملة، والسعي لإبراز الكيان المصري، وهي ظروفٌ ساعدَت محمد علي في الوصول إلى السلطة عام ١٨٠٥م، وتبنِّي مشروع النهضة التي سبقَت النهضة اليابانية بنحو نصف القرن، ولكنها عجزَت عن أن تؤتيَ أُكُلَها بسبب الوضع الجيوبوليتيكي الذي جعل مصر مطمعًا للقوى الاستعمارية الكبرى.
كان محمد علي أكثر مَن عاصروا تجربة الزحف الغربي — ممثلًا في الحملة الفرنسية — فهمًا لدلالة ذلك الحدث التاريخي بالنسبة للدولة العثمانية، فأدرك أن ضعفَ هذه الدولة الإسلامية مردُّه إلى تخلُّفها الحضاري عن الغرب، وأن ما حدَث في مصر لا بد أن يتكرر في مواقعَ أخرى من بلاد الدولة العثمانية، وأنه لا منجاة للدولة من المصير الذي يتهدَّدُها إلا إذا تزوَّدَت بعوامل القوة والمنَعَة التي تجعلها تصمد في وجه الغرب، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بسد فجوة التخلُّف الحضاري الذي تُعاني منه البلاد.
غير أن محمد علي باشا كان جنديًّا ألبانيًّا ساعدَته ظروف مصر على أن يليَ أمرها، ولا يتيح له مركزه أن يُصلِح من شأن الدولة كلها، ففكَّر في أن يحقِّق ما يهدفُ إليه في مصر، فيقيم فيها دولةً نموذجيةً حديثة تحقِّق له ولأسرته من بعده الظروفَ الموضوعية التي تُتيح له ولهم فرصةَ إقامة دولةٍ مركزيةٍ إقليميةٍ قوية؛ أي إنه كان صاحب مشروعٍ سياسيٍّ نهضوي يهدف إلى تحويل مصر إلى قوة عسكرية وسياسية حديثة تحمي المنطقة كلها من عدوان الغرب، لا عن طريق المواجهة، ولكن عن طريق التزوُّد بأسباب القوة التي تحقِّق نوعًا من توازن القوى مع الغرب تجعل الأخير يتعامل معها معاملة الندِّ للندِّ.
ولما كان بناء جيشٍ حديثٍ يتصدَّر المشروع السياسي لمحمد علي، فقد حرَص على أن يعتمدَ الجيشُ الحديث في مُعدَّاته على الصناعة المحلية. وهكذا أنشأ محمد علي قطاعًا صناعيًّا حديثًا إلى جانب الصناعات الحِرفية التقليدية، وتولَّت الدولة إدارة المصانع الحديثة، كما احتكرَت الإنتاج الحِرفي، ولكن الإنتاج لم يتخذ طابع النمو المطرد لارتباطه بالطلب الحربي، فيزداد معدَّله كلما زادت حاجة الجيش والأسطول إلى الإنتاج الصناعي، ويتناقص معدَّله عندما يقل الطلب العسكري؛ ولذلك عندما أُنقِص حجم الجيش في أواخر حكم محمد علي، هبط الطلب على الإنتاج الصناعي هبوطًا شديدًا، مما أدَّى إلى أفول نجم الصناعة. أَضِف إلى ذلك التزام مصر بتنفيذ المعاهدة الموقَّعة بين بريطانيا والدولة العثمانية عام ١٨٣٨م، التي قضت بإلغاء الاحتكار والأخذ بسياسة الاقتصاد الحر، مما عرَّض الصناعة الوليدة في مصر لفقد أسواقها، والعجز عن منافسة المصنوعات الأوروبية.
وقد جاء اهتمام محمد علي بإقامة نظام التعليم الحديث مرتبطًا بحاجة الدولة إلى الكوادر الفنية والإدارية والعسكرية التي لم يكن باستطاعة نظام التعليم التقليدي (في الكتاتيب والمدارس والأزهر) يستطيع أن يوفِّرها له؛ ولذلك اضطُر محمد علي إلى إنشاء المدارس التي تُعِد أولئك الأولاد لسدِّ حاجة الدولة في مختلف المجالات، كما تأثَّرت الصناعةُ اتساعًا وانكماشًا بالطلب الحكومي، تأثَّر أيضًا النظام التعليمي الذي كان محدودًا مرتبطًا بحاجة الدولة إلى الموظفين، ولا يهدف إلى نشر التعليم، ولا يستهدف تقديم خدمةٍ تعليميةٍ للجماهير — على عكس ما رأينا في التجربة اليابانية — غير أن نظام التعليم الحديث والبعثات التعليمية التي أُوفدَت إلى أوروبا (والتي كان رفاعة الطهطاوي واعظًا لأول واحدةٍ منها) وكذلك حركة الترجمة التي تبنَّاها ساعدَت على تطوير الحياة الثقافية في العالم العربي في ذلك العصر.
ولما كانت الدولة قد حملَت على عاتقها مهمة إدارة الاقتصاد والمشروعات الاقتصادية الحديثة، فقد أدى ذلك إلى تطوير الإدارة، وإقامة الدواوين الخاصة بكل مجالٍ من المجالات التي أصبحَت نواة للنظام الوزاري الذي أُدخل في عهد إسماعيل، وقد استخدَم محمد علي جيشَه الحديث في دعم الدولة العثمانية في الجزيرة العربية، وفي ضم السودان، والقضاء على الثورة اليونانية، ثم التمرُّد على السلطان وضم بلاد الشام، مما أدى إلى قلب ميزان القوى في منطقة شرق البحر المتوسط، ودفع الدول الكبرى — وعلى رأسها بريطانيا — للتدخُّل لتحجيم قوة محمد علي، على النحو الذي حدث في مؤتمر لندن ١٨٤٠م، وفي الفرَمان الذي أصدَره السلطان عام ١٨٤١م، الذي جعل مصر ولايةً وراثية تحكُمها أسرة محمد علي، مع إنقاص حجم الجيش المصري بدرجةٍ كبيرة، وانحسر نتيجةً لذلك دور الدولة في إدارة الاقتصاد، بالتزامها بتطبيق المعاهدة الإنجليزية-العثمانية الخاصة بإلغاء الاحتكار.
وهكذا شهد النصف الثاني من القرنِ التاسعَ عشر نصْبَ شباك التبعية حول مصر، التي أدَّت — في نهاية الأمر — إلى تحويلِ مصر إلى وحدةٍ متخصِّصة في إنتاج المواد الأولية (وخاصة القطن) لخدمة السوق الرأسمالية الأوروبية. وكان من الطبيعي أن يُتوَّج هذا التحوُّل بالتدخل السياسي الأجنبي بحُجة حماية المصالح الأجنبية في مصر، الذي بلغ ذروتَه بالاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢م.
لقد كان التغيُّر الذي شهدَته مصر في ظل المشروع السياسي لمحمد علي، والذي حاول الخديو إسماعيل أن يتابعه في ظروفٍ تاريخيةٍ غير مواتية، بما أسفر عنه من تحولاتٍ أرست قواعد الدولة الحديثة في مصر، كان ذلك التغيُّر مشروعًا لحاكمٍ فرد حاول الاستفادة من ظرفٍ تاريخيٍّ معيَّن، ولم يأتِ نتاجًا للتطور الطبيعي للمجتمع المصري (على نحو ما رأينا في التجربة اليابانية) ولم تكن الجماهير طرفًا فيه، ولم يهتَم النظام بتعبئتهم لدورٍ محدَّد يلعبونه في التجربة، رغم إدخال نظام التجنيد العسكري، ورغم إقامة نظام التعليم الحديث، ولكن تلك التطوُّرات كانت تلبِّي حاجةً معيَّنة عند الحكام، ولا تهدفُ إلى صهر الجماهير في بوتقة المواطنة، أو دعم الشعور بالانتماء الوطني. ورغم ما حقَّقَته الصحافة من انتشارٍ منذ عهد الخديو إسماعيل، وما عرفَتْه مصر من نهضةٍ ثقافية عندئذٍ إلا أن التطور جاء سطحيًّا، مقصورًا على نخبةٍ محدودةٍ من المصريين والمتمصِّرين، ولم يضرب بجذوره في أعماق المجتمع، مما أوجَد نوعًا من الازدواجية الثقافية، احتلَّت الثقافة التقليدية الموروثة مساحةً واسعة بفضل تغلغُلها بين الجماهير وامتداد جذورها في أعماق التاريخ، وظلَّت الثقافة الحديثة طافيةً على السطح حيث نخبة المثقفين.
وقد بذل رفاعة الطهطاوي جهدًا كبيرًا في الربط بين الثقافتَين، وفي استخلاص ثقافةٍ عربيةٍ جديدة تجمع بين إيجابيات الموروث وإيجابيات المكتسَب، وتلبِّي حاجات المجتمع في مرحلة التحول إلى العصر الحديث.
•••
ويتضح مما سبق أن اليابان ومصر مرَّتا بمرحلة التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث في ظروفٍ غلب عليها الاستجابة لتحدِّي العدوان الغربي؛ ومن ثَم كان بناء قوةٍ عسكريةٍ حديثة يشكِّل حجَر الزاوية في تجربتهما، وبما اتصل ببناء تلك القوة من مشروعاتٍ تنمويةٍ اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، ولكن تلك الملامح المتشابهة بين تجربة اليابان وتجربة مصر لا تعني تماثُل التجربتَين؛ فقد قاد التحول في التجربة اليابانية فريقٌ من النخبة العسكرية الإقطاعية التي حرَّكَتها الرغبة في إنقاذ البلاد من مهانة الخضوع للسيطرة الأجنبية، على حين جاءت المبادرة في التجربة المصرية من جانب الحاكم الفرد الذي ينشُد لنفسه مجدًا شخصيًّا ويتعالى على المصريين الذين كانوا أداةَ مشروعه ودعامتَه. وكانت وراء التجربة اليابانية مرحلةُ تحولٍ اقتصادية واجتماعية امتدَّت لما يقربُ من نصف القرن، بينما كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر عند بداية التحول تكاد تكون ثابتةً عند أنماطها التقليدية. وإذا كانت إصلاحاتُ مايجي تمثِّل قوة الدفع لتحقيق النمو الرأسمالي في اليابان، فقد جاءت إصلاحات محمد علي ثم إسماعيل قريبةَ الشبه بجراحة التجميل تُغيِّر المظهر دون الجوهر. وعلى حين اعتمدَت التجربة اليابانية على تعبئة الجماهير في إطار الشعور الوطني، غُيِّبَت الجماهير عمدًا من التجربة المصرية؛ ولذلك عندما عصفَت بها الأنواء وقفَت الجماهير موقفَ المتفرج.
ويظل هناك فارقٌ جوهري فيما يتصل بالأوضاع السياسية للبلدَين؛ فقد كانت اليابان بلدًا مستقلًّا، بينما كانت مصر ولايةً تابعةً للدولة العثمانية، ولعبَت اليابان دور القوة التوسعية الاستعمارية متبعةً نفسَ أساليب الغرب، على حين كانت حركة الجيش المصري خارج حدوده إما خدمةً للدولة العثمانية، أو محاولةً لتحقيق طموحٍ سياسيٍّ لحاكم مصر؛ ومن ثَم كان حصاد التحرك المصري خارج الحدود سلبيًّا على التجربة المصرية، على حين كان التوسُّع الياباني الخارجي مُكملًا لعناصر القوة على الصعيدَين الاقتصادي والسياسي.