خاتمة
كان كلٌّ من فوكوزاوا يوكيتشي ورفاعة الطهطاوي رائدًا فذًّا للتنوير في بلاده، وقد ترك كلٌّ منهما أثرًا بالغًا على تطوُّر الفكر الحديث في بلاده، وأثَّر تأثيرًا كبيرًا في جيل المثقَّفين المعاصرين له. وقد حاول كلٌّ منهما أن يصوغَ أفكارًا جديدة في مجالات السياسة والاقتصاد والنظام الاجتماعي والتعليم والمعرفة، وأن يطرحَ مفاهيمَ جديدةً للحضارة وسبل ترقيتها، متبعًا في ذلك أساليبَ راديكاليةً أحيانًا وتوفيقيةً أحيانًا أخرى. ولمَّا كان الرجلان قد تأثَّرا بالفكر الليبرالي الغربي الذي كان متاحًا في أواخر القرنِ الثامنَ عشر، وأوائل القرنِ التاسعَ عشر، فقد اتفقت مصادرهما بقَدْر ما اتفقَت الأُطر المرجعية التي ركنا إليها. ورغم إعجابهما الصريح بالفكر الغربي والحضارة الغربية، لم يميلا إلى اقتباس تلك الحضارة وتبنِّي ذلك الفكر دون تحفظ؛ فقد فضَّلا اتباع أسلوبٍ انتقائي عند الاقتباس من الحضارة الغربية لا يتعارض مع الثقافة الوطنية لمجتمع كلٍّ منهما وظروفه الموضوعية. ومن هنا كان تأكيدُهما ضرورة أن يتخذَ التطور الحضاري طابعًا أصيلًا يقوم على السِّمات الجوهرية للمجتمع، وعارَضَا تمامًا مبدأ التبنِّي العشوائي للحضارة الغربية واقتباس مظاهرها الخارجية. ويعكسُ ذلك إدراكَهما العميق للتاريخ وفهمَهما الشامل للحضارة بقَدْر ما يعكسُ نُضجَ الوعي الوطني عندهما، وتأثير المكوِّن التراثي في ثقافتَيْهما.
ولمَّا كان الرجلان قد تأثَّرا بنفس المصادر والأُطر المرجعية للفكر الغربي، فقد كانت آراؤهما متشابهةً في كثيرٍ من الحالات حول موضوعات المساواة وحقوق الشعب والعلاقات الأسرية والتعليم والحضارة، رغم اختلاف الظروف التاريخية والثقافية للمجتمعَين الياباني والمصري اختلافًا كبيرًا. غير أن فوكوزاوا كان أكثر راديكاليةً وجُرأة في نقده للمكوِّن الأخلاقي في الثقافة التقليدية اليابانية فيما اتصل بمسائلَ معيَّنة، كوضع المرأة والعلاقات الأسرية والمعرفة التقليدية. وقد عالَج الطهطاوي نفس الموضوعات بحرصٍ شديد واتجاهٍ شديدِ التسامُحِ مع الموروث الثقافي شديدِ الميلِ إلى التوفيق بينه وبين الأفكار المكتسَبة. لقد كان من السهولة بمكانٍ بالنسبة لفوكوزاوا أن يُحاربَ بضراوةٍ الكنفوشيةَ والتعاليمَ الصينيةَ التقليدية، وأن ينتقد أفكار الحكماء ويسفِّه من تعاليمهم، وهو أمرٌ لم يكن باستطاعة الطهطاوي أن يفعلَه؛ لأن القيم الخُلُقية التقليدية في الثقافة العربية ذاتُ اتصالٍ بالدين، وللدين وضعٌ خاص ليس له نظير عند اليابانيين؛ ولذلك تمتع الطهطاوي بميزة لم تتوفَّر لفوكوزاوا؛ فقد استفاد من الإطار الرَّحْب الفَضْفاض للثقافة الإسلامية، فوظَّف الجوانب الإيجابية منها لدعم وتمرير الأفكار الجديدة التي طرحها لأول مرة في محاولة لإقناع الناس بها، وتبديد مخاوفهم منها، وذلك في سياق نقد القصور في تفسير القيم الثقافية المتوارثة، وإيجاد نوعٍ من الرابطة بينها وبين الأفكار الجديدة التي يدعو إليها.
أضِفْ إلى ذلك أن فوكوزاوا كان يتمتع بوعيٍ وطنيٍّ نتج عن ذلك المزجِ الفريدِ بين الشنتوية والفكرة القومية الحديثة، وبذلك وردَت مصطلحات «الأمة اليابانية»، و«الثقافة اليابانية»، كثيرًا في كتاباته كأمورٍ مسلَّم بها. ولمَّا كان اليابانيون يشعُرون بذواتهم، ويشتركون معًا في الإحساس بهويةٍ متميزةٍ تضربُ بجذورها في أعماق الثقافة اليابانية المستمدة من العقيدة الشنتوية، فإن فوكوزاوا لم يكن في حاجةٍ إلى مناقشة تلك المسلَّمات، بينما كان على رفاعة الطهطاوي أن يستفيضَ في الحديث عن الهُوية الوطنية لبلاده، في محاولةٍ لبلورة تلك الهُوية من بين شعورٍ فَضفاضٍ بالانتماء إلى الأمة الإسلامية، وبذلك وضَع الطهطاوي أصول الفكرة القومية التي تطوَّرَت فيما بعدُ على يد الجيل التالي من المثقَّفين المصريين.
وجديرٌ بالذكر أن وعي فوكوزاوا بعدوانية الغرب وخطورته على بلاده جعلَه يركِّز على فكرة الاستقلال الوطني، الذي رأى أن السبيل لتحقيقه لا يتم إلا من خلال الاستقلال الفردي، والاعتماد على الذات، والسعي لبلوغ درجة الرُّقي الحضاري التي بلغَها الغرب، ولكن الطهطاوي لم يُدرِك تمامًا خطر العدوان الغربي، رغم إصراره على ضرورة الأخذ بالمعارف الغربية كسبيلٍ للرُّقي الحضاري والحفاظ على الاستقلال، إلا أنه اتخذ موقفًا متسامحًا إزاء تغلغُل المصالح الغربية في مصر، بل رأى فيها عاملًا مساعدًا على تقدُّم البلاد، ولم يدُرْ بخلَده قط أن ذلك التغلغلَ كان مقدمةً لعدوان الغرب.