الفصل الأول

فوكوزاوا والطهطاوي: صورةٌ قلمية

في خِضَم الأحداث التي شهدَتها فترة التحول إلى الدولة الحديثة في اليابان ومصر، التي عرضنا لها في الفصل السابق، لعبَت الظروفُ الموضوعية لكلٍّ من البلدَين دورًا هامًّا في تحديد ملامح حقبة الانتقال التي حققَت نتائجها في اليابان وعجزَت عن تحقيقها في التجربة المصرية. ومهما كان اختلاف الظروف والمعطيات والنتائج، فإن لكلٍّ من التجربتين جانبها الثقافي الذي تطلَّب جهدًا فكريًّا لمعالجة متطلَّبات مرحلة التحول، ومثل ذلك الجهد يحتاج إلى رُواد من نوعٍ فريد، يُدرِكون أبعاد المرحلة، ويتمتَّعون بالقدرة على استشراف المستقبل، ويصوغون ذلك كله في أُطرٍ فكرية تهدفُ إلى مساعدة مجتمعاتهم على المضي قُدمًا على طريق النهضة. وقد لعب فوكوزاوا في اليابان دورًا شبيهًا بذلك الذي لعبه الطهطاوي في مصر.

ونُلقي في هذا الفصل بعض الضوء على حياة كلٍّ منهما وتكوينه الثقافي، قبل أن نصحبهما في رحلةٍ تهدف إلى استكشاف أبعاد فكر كلٍّ منهما.

فوكوزاوا يوكيتشي (١٨٣٥–١٩٠١م)

وُلد فوكوزاوا يوكيتشي في العاشر من يناير ١٨٣٥م، بمدينة أوساكا، لأبٍ من صغار الساموراي، ينتمي إلى عشيرة أوكودايرا حكام ناكاتسو بمقاطعة بوذن بجزيرة كيوشو. وكان والده مسئولًا عن الشئون المالية للعشيرة الإقطاعية، يتولى تسويقَ محصولِ الأرز، ويتفاوضُ مع التجار في أوساكا للحصول على القروض التي يحتاجها سيده. وكان الوالد يعُد العمل في خدمة سيده واجبًا لا مفَر منه بحكم التقاليد وتأثُّره بالثقافة الكنفوشية الصينية.١

ولم يُقدَّر لفوكوزاوا أن يعرفَ والده؛ فقد مات الأب عندما كان فوكوزاوا طفلًا في منتصف العام الثاني من عمره، فعادت أمه بأولادها؛ فوكوزاوا، وشقيقه الأكبر، وبناتها الثلاث إلى ناكاتسو؛ حيث عاشت الأسرة في منزلها تُعاني الفاقةَ والعوَز؛ فلم تكن كمية الأرز التي تتلقَّاها الأسرة من السيد كمعاشٍ مستحقٍّ لها تكفي لسد الرمق؛ مما اضطرَّهم إلى البحث عن عملٍ يستعينون به على مواجهة ضرورات الحياة. وقد اضطُر فوكوزاوا نفسه عندما كان طفلًا أن يعملَ في إصلاح القباقيب الخشبية وغيرها من الأعمال الأخرى.

وقد بذلَت والدتُه جهدًا كبيرًا لتشجيعه عندما كان طفلًا على أن يُعِد نفسه حتى يصبح كاهنًا بوذيًّا لينجوَ بنفسه عندما يكبر من أن يصبحَ من صغار الساموراي كوالده؛ حيث يتحدَّد الموقع الاجتماعي في ظل النظام الإقطاعي وفقًا لوضع الأب، وحيث كان صغار الساموراي مُلزَمين بالانحناء فيما يقربُ من وضع السجود في حضرة سادتهم من كبار الساموراي، كما أنه ليس من حق صغار الساموراي أن يحلُموا بتخطِّي وضعهم الاجتماعي الموروث؛ لذلك كره فوكوزاوا النظام الإقطاعي منذ طفولته، وعدَّه مسئولًا عن وفاة والده، وتمنَّى — بينه وبين نفسه — أن يعمل على إسقاطه. ولم ينسَ قط ما تعرَّض له شقيقُه الأكبر من امتهانٍ عندما وجَّه خطابًا إلى رئيس ديوان السيد الإقطاعي فردَّه له؛ لأنه لم يستخدم عباراتِ التفخيمِ التي تليق بمقام المُرسَل إليه، فاعتبر فوكوزاوا أنه من الحماقة بمكانٍ أن يظل مقيمًا في ناكاتسو عُرضةً للإذلال والهوان، وعقد العزم على الهرب منها.٢

ولكنه لم يُبدِ اهتمامًا بأن يسلك سبيل الخدمة الدينية البوذية، وأبدى اهتمامًا بالتراث الصيني شأنه في ذلك شأن والده. وعندما كان صبيًّا التحق بمدرسةٍ محليةٍ يديرها معلم يُدعى شيرايشي؛ حيث تعلَّم القراءة والكتابة وبعض النصوص الأدبية. وحانت له فرصة مغادرة ناكاتسو عام ١٨٥٤م، عندما كان في التاسعةَ عشرةَ من عمره؛ فقد أثار قدوم الأسطول الأمريكي بقيادة الكومودور بيري مخاوف الساموراي، وجعلهم يفكِّرون في تعلُّم القتال بالأسلحة النارية، ويتجهون إلى نجاساكي؛ حيث كانت المحطة التجارية الهولندية في جزيرة ديشيما (في مواجهة نجاساكي) هي المكان الوحيد الذي يمكن التعرُّف من خلاله على كل ما اتصل بحضارة الغرب. وتقرَّر إيفاد ابن السيد الإقطاعي إلى هناك لتعلُّم هذا الفن، واختير فوكوزاوا ليذهبَ معه كخادمٍ له، فرحَّب فوكوزاوا بهذه المهمة للتخلُّص من ناكاتسو ذات الأفق المحدود، على حد قوله.

وفي نجاساكي تعلَّم فوكوزاوا الأبجدية الهولندية وبعض المبادئ النظرية للأسلحة النارية، ولكنه قرَّر السفر إلى إيدو Edo (التي أصبحَت تُعرف باسم طوكيو) ليعمل في خدمة طبيب كان والدًا لأحد أصدقائه، متعللًا لسيده الشاب بالحاجة إلى زيارة والدته في ناكاتسو، فما كاد يسمح له بالسفر حتى فرَّ إلى إيدو. ولما كان صِفر اليدَين والرحلة عندئذٍ طويلةٌ شاقة، فقد عرَّج على أوساكا حيث كان شقيقُه الأكبر يعمل في نفس الوظيفة التي كان يشغلها والده، وعندما علم الأخ الأكبر منه أنه فرَّ من خدمة سيده وأن وجهته إيدو، لم يُقرَّه على ذلك، وطلب منه أن يبقى معه في أوساكا.

وفي أوساكا، التحق فوكوزاوا بمدرسةٍ خاصةٍ يديرها أوجاتا كو إن (١٨١٠–١٨٦٣م) الذي كان طبيبًا وأحد الدارسين المعدودين للعلوم الهولندية، وفي تلك المدرسة بدأ فوكوزاوا عام ١٨٥٥م، يدرس تلك العلوم لمدة ثلاث سنوات، من بينها اللغة الهولندية التي أتقنها، والتشريح، والطب، والفيزياء، والكيمياء.

وفي ذلك الوقت، كانت الدراسات الهولندية تواجه صعوباتٍ جمَّة؛ فعدد الكتب المتاحة كان قليلًا، كما كان ذلك النوع من المعرفة يلقى معارضةً من الساموراي وأصحاب الثقافة الصينية التقليدية، وكان الطلاب وأساتذتهم عُرضةً للاغتيال من وقتٍ لآخر. ووجد فوكوزاوا نفسه موضع كراهية جميع أهله فيما عدا أمه، ولكنه وغيره من تلاميذ تلك المدرسة أقبلوا على الدراسة بحماسٍ كبير، يَصِلون الليل بالنهار.٣

وفي عام ١٨٥٨م تلقى فوكوزاوا أمرًا من سادته بالتوجه إلى إيدو، ليتولى تدريس الهولندية في مقر عشيرة ناكاتسو هناك؛ حيث تولى تعليم اللغة الهولندية لعشرة من الطلاب جاءوا خصيصًا لهذا الغرض، بعدما أدرك سادة الإقطاع أهمية التزود بلغة أجنبية لمتابعة التغيرات التي تمُر بها البلاد.

ولكن فوكوزاوا أدرك أن معرفة الهولندية وحدها ليست السبيل الأمثل للتزود بالثقافة الحديثة؛ فقد زار يوكوهاما بعد وصوله إلى إيدو بوقتٍ قليل ليُلقيَ نظرةً على المستوطنة التي سكنها الأجانب هناك بعد توقيع المعاهدات مع الدول الخمس، واكتشف أن معرفته بالهولندية التي اكتسبها خلال تلك السنوات لا نفع منها؛ لأنه عجز عن التفاهم بها مع التجار الأجانب هناك، ويشير إلى ذلك في مذكراته بقوله:
«… عندما أردتُ أن أتحدثَ إليهم، بدا أن أحدًا لم يفهم على وجه الإطلاق ما أقول، كما أنني عجزتُ تمامًا عن فهم ما يقولون، كما عجزتُ عن قراءة لافتات المحلات والبطاقات الملصَقة على الزجاجات التي يبيعونها، فأحسست بالخيبة المريرة ولكن الوقت لا يتسع للتحسر على ما فات؛ فقد تأكدتُ أن اللغة الإنجليزية هي أهم اللغات في التعامل في المستقبل، وأيقنتُ أن من يستطيع قراءة الإنجليزية والتحدث بها سوف يُعد عالمًا بشئون الغرب عندئذ.»٤

لذلك قرَّر فوكوزاوا أن يتعلم الإنجليزية، غير أنه لم يكن هناك معلم للإنجليزية في إيدو؛ لذلك عقد العزم على أن يتعلمها بنفسه، من خلال كتاب في المحادثة الإنجليزية اشتراه من يوكوهاما، كما اشترى معه قاموسًا إنجليزيًّا-هولنديًّا غالي الثمن طلب من العشيرة الإقطاعية أن تشتريه له. وكذلك شجَّع صديقًا له على دراسة الإنجليزية معه، وحقَّقا بعض التقدم.

وفي أواخر عام ١٨٥٩م، علم فوكوزاوا أن حكومة طوكوجاوا تنوي إرسال بعثة دبلوماسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتصديق على معاهدة ١٨٥٨م، المبرَمة بين البلدَين، وتقرَّر أن تُرافقَ إحدى السفن اليابانية السفينة الحربية التي سوف تحمل وفدًا يابانيًّا من ثلاثة أعضاء إلى واشنطون، فصمَّم فوكوزاوا أن يسافر في تلك الرحلة، واستطاع أن يحصل على خطاب توصية لربَّان السفينة اليابانية المرافقة للبارجة الحربية، وزاره في منزله، ورجاه أن يسمح له بالسفر معه كخادمٍ خاصٍّ له، فوافق الربَّان على ذلك. وبعد رحلةٍ شاقة استغرقَت ٣٧ يومًا وصلَت السفينة إلى سان فرانسيسكو في ربيع ١٨٦٠م. ولم يغادر البحَّارة سان فرانسيسكو التي ظلوا فيها لما يقرب من أربعة شهور. أُتيحت خلالها لفوكوزاوا فرصةُ رؤيةِ عجائبِ العلم ومظاهرِ الحياة اليومية في المجتمع الغربي التي لم يقع عليها في أي كتابٍ من قبلُ مما قرأه في اليابان، فانبهر بالمفاجآت التي شاهدها؛ البُسُط المفروشة على أرضية الفنادق، والعربات التي تجرُّها الخيول، والمشهد الغريب للرجال الذين يُراقصون النساء. وكانت المرة الأولى التي تعرَّف فيها على التلغراف، وعلى طريقة تكرير السكَّر. وبلغ سلوكُه تجاه العادات الغربية التي شاهدَها حدَّ الشعور بالخجل، والحرج رغم أنه من الساموراي.٥ ويصف حاله — عندئذٍ — بقوله: «لم يكن هناك جديدٌ بالنسبة لي فيما يتعلق بالاختراعات والآلات الصناعية، ولكنني أحسستُ بالحَيْرة أمام أمور الحياة اليومية والعادات الاجتماعية وطرق التفكير.»٦
وقبل رحلة العودة، اشترى فوكوزاوا والمترجم تاكاهاما نسخةً لكلٍّ منهما من قاموس ويستر Webster الذي كان أول قاموسٍ يصل معهما إلى اليابان من هذا النوع.٧
وبعد غيبة لمدة ستة شهور عاد فوكوزاوا ليرى اليابان وقد شملَتها هيستريا العداء للأجانب؛ فقد تم اغتيال رئيس ديوان الشوجون المعروف بميله للغرب، وأصبح الشعار السائد هو: «اطردوا الأجانب»، ولكن ذلك لم يمنع فوكوزاوا من الاستمرار في تدريس الهولندية في مقر العشيرة بإيدو مع متابعة دراسة الإنجليزية. وبعد عودته بقليل نشر أول قاموس ياباني-إنجليزي، وعينَتْه الحكومة مترجمًا لرسائل القناصل بمكتب الشئون الخارجية التابع لها، وهي وظيفةٌ أتاحت له فرصةً ممتازة لاستخدام الإنجليزية.٨
وجاءت زيارة فوكوزاوا الثانية للغرب عام ١٨٢٦م، عندما رافق الوفد المرسل إلى أوروبا كمترجمٍ له، وذلك للتفاوض حول تأجيل فتح ميناءي هيوجو وني جاتا للتجارة الأجنبية والسماح للأجانب بالإقامة في إيدو وأوساكا. وقد أبحر الوفد في نوفمبر ١٨٦١م، على متن بارجةٍ إنجليزية توقفَت في هونج كونج وسنغافورة وبعض موانئ المحيط الهندي، ثم وصلَت إلى السويس حيث هبط الوفد واستقلَّ قطارًا إلى القاهرة التي مكث فيها يومَين، ثم استقلَّ القطار إلى الإسكندرية ليُبحِرَ بالبارجة إلى مرسيليا عبْر البحر المتوسط،٩ وفي أوروبا زار الوفدُ فرنسا وإنجلترا وهولندا وبروسيا وروسيا والبرتغال، وحرَص مُضيِّفوهم على أن يُطلِعوهم على كل ما يخطَف الأبصارَ من عجائب الحضارة الغربية.١٠
ولم يدَّخر فوكوزاوا جهدًا لتعلُّم كل ما يستطيع تعلُّمه، وخاصةً ما اتصل بالسياسة والاقتصاد وأمور الحياة اليومية التي لا يهتم الغربيون بالكتابة عنها في كتبهم. ويشير إلى ذلك بقوله:
«خلال هذه البعثة في أوروبا، حاولتُ أن أتعرَّف على بعض الأشياء الشائعة المعروفة في الثقافة الأجنبية، فلم أهتم بدراسة الأمور العلمية أو الفنية خلال تلك الرحلة؛ لأنني أستطيع القراءة عنها في الكتب عندما أعود إلى بلادي، ولكنني شعَرتُ بالحاجة إلى معرفة أمور الحياة اليومية الشائعة مباشرةً من الناس؛ لأن الأوروبيين لا يذكُرونها في كتبهم، غير أنها بالنسبة لنا أمور تستعصي على الفهم؛ ولذلك عندما ألتقي شخصًا ذا حيثية أطرحُ عليه أسئلة وأدوِّن إجاباته في مذكِّرتي، وعندما عُدتُ من الرحلة بنَيتُ أفكاري على هذه المذكِّرات، وعلى البحث في الكتب التي قُمتُ بشرائها، وأعددتُ كتابي الذي حمل عنوان «أمور غربية» (Seiyo Jijo).»١١
وعندما عاد فوكوزاوا إلى اليابان كانت حركة العداء للأجانب قد بلغَت ذروتَها. وأصبحَت حياتُه مهددةً بالخطر بسبب انتشار عصاباتٍ من الرونين (الساموراي الذين لا يتبعون سيدًا ما) تتولى اغتيال كل ما عُرف عنه التشيُّع للغرب أو ثقافته، فكانوا يظنُّون أن من يتولى تدريسَ علوم الغرب أو لغاته أفَّاقٌ يضلِّل الناس، ويمهِّد الطريق أمام الغرب للسيطرة على البلاد.١٢ ورغم ذلك استمر فوكوزاوا يدرِّس الإنجليزية في المدرسة الصغيرة التابعة لعشيرته، ويُترجِم الوثائق الأجنبية في مكتب الشئون الخارجية التابع للشوجون. وبلغ عددُ نُسخ الجزء الأول من كتابه «أمور غربية»، الذي طُبع عام ١٨٦٦م، مائةً وخمسين ألف نسخة، نَفِدت فور صدورها، وطبع البعض نُسخًا أخرى دون إذنه بلغَت مائةَ ألفِ نسخة، وتضمَّن الكتاب وصفًا لمؤسسات الحياة اليومية في أوروبا، كالمستشفيات، والمدارس، والمعامل، والمتاحف، ومستشفيات الأمراض العقلية، ونظام الضرائب، وغيرها من أمور، وساعد على رواج الكتاب أنه صيغ بأسلوبٍ مبسَّط يفهمه أيُّ قارئ ياباني بسهولة ووضوح.
وقد دعم الكتاب شهرة فوكوزاوا ككاتبٍ وخبيرٍ بشئون الغرب، وفتح بابَ النجاح أمام مؤلَّفاته اللاحقة التي نشر سبعةً منها قبل سقوط حكومة طوكوجاوا عام ١٨٦٨م، وكانت كل تلك الكتب، إضافة إلى الكتب الثمانية التي نُشرَت في العام الأول من عصر مايجي، كانت معنيةً بتقديم معلوماتٍ أولية عن العلوم الغربية والأمور المتعلقة بالحياة اليومية في الغرب.١٣
وفي يناير ١٨٦٧م سافر فوكوزاوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية مرةً أخرى كمترجمٍ لوفد أُرسل إلى واشنطون لشراء بارجةٍ حربيةٍ أمريكية، وبنادق لجيش الشوجون. وقد مكث الوفد أسبوعَين في سان فرانسيسكو ثم توجَّه إلى بنما بالباخرة، وعبَر المضيقَ بالقطار ثم أبحر من بنما إلى نيويورك، ومن هناك اتجهوا مباشرةً إلى واشنطون؛ حيث تولى وزيرُ الخارجية تدبيرَ أمورِ الصفقات التي جاءوا من أجلها، وعاد الوفد إلى اليابان في يونيو، ويبدو أن فوكوزاوا لم يعُد ينبهر بمظاهر الحياة الغربية كما حدث له من قبلُ، فركِّز في مذكِّراته على موضوع البعثة، وعلى مناقشاته لأحوال الوطن السياسية مع أحد زملائه المترجمين. ولكنه حصل هذه المرة على مكافآتٍ مالية عن عمله الرسمي مع الوفد مكَّنَتْه من شراء كميةٍ كبيرةٍ من الكتب ليستعينَ بها على تدريس علوم الغرب في مدرسته. ويشير إلى ذلك في مذكراته قائلًا:
«اشتريتُ عددًا من القواميس المختلفة الأنواع، والكتب الدراسية في الجغرافيا، والتاريخ، والقانون، والاقتصاد، والرياضيات، وكل ما وصلَت إليه يدي، وكان معظمها أول نُسخٍ من تلك الكتب تصل إلى اليابان.»١٤
وخلال أحداث انقلاب مايجي عام ١٨٦٨م، استمر فوكوزاوا في الكتابة والتدريس بمدرسته، والتزم جانب الحَيْدة طوال الأحداث؛ لأنه لم يكن متحمسًا لأيٍّ من الطرفين، كما لم يكن لديه طموحٌ سياسي شخصي، وفي ربيع ١٨٦٨م نقلَ أسرتَه ومدرستَه إلى مبنًى جديدٍ اشتراه في منطقة تُدعى شنسنزا Shinsenza، وفي أبريل أصبح باستطاعته متابعة التدريس بالمدرسة التي يملكُها، التي كانت تتسع لإقامة مائة طالب، وبها مكتبة تضُم الكتب التي اشتراها من أمريكا، وبذلك أصبح باستطاعة الطلاب استخدام النُّسخ الأصلية للكتب بدلًا من الاعتماد على النُّسخ المنقولة بخط اليد.١٥ وأطلقَ على المدرسة اسم Keio Gijuku (مدرسة كيو الخاصة) وحصَّل من الطلاب المصروفاتِ الدراسية التي لم تكن تعرفُها اليابان من قبلُ؛ حيث كان الطالب يدفع ما تيسَّر له، فوضع فوكوزاوا نظامًا ثابتًا لذلك على نحو ما شاهده في الغرب.

وطوال الأحداث التي تلت انقلاب مايجي لَزِم فوكوزاوا مدرستَه رغم تناقُص أعداد الطلاب وشيوع الاضطرابات في المدينة، وحتى عندما دخل الجيش الإمبراطوري إيدو، ووقعَت معركة أووينو، كان فوكوزاوا يدرِّس مبادئ الاقتصاد السياسي لمن بقي من الطلاب، الذين كانوا ١٨ طالبًا فقط.

وقد كتب فوكوزاوا يصفُ أحوال التعليم في اليابان عند وقوع انقلابِ مايجي:١٦ «في ذلك الوقت كانت كلُّ المدارس التي كانت تدعمُها حكومة الشوجون قد أُغلقَت، وتفرَّق معلِّموها. ولم يكن النظام الجديد مهتمًّا بعدُ بأمور التعليم، فلم يبقَ في البلاد كلها مدرسةٌ تقدم تعليمًا حقيقيًّا سوى مدرسة كيو.» ويُشير إلى أن مدرسة كيو بقيَت حتى عام ١٨٧٣م، على الأقل، هي المدرسة الوحيدة التي تدرِّس علوم الغرب.١٧ ونتيجةً لذلك ازداد إقبال الطلاب على الالتحاق بالمدرسة زيادةً كبيرة، خلال تلك الفترة والسنوات التالية لها، وتراوَح عدد الطلاب ما بين مائة ومائتَين.١٨
ويذكُر فوكوزاوا أنه بدا وكأنه قد أصبح المسئول الوحيد عن تقديم علوم الغرب، وكانت اللغة الرئيسية في مدرسته هي الإنجليزية، واحتلَّت الصينية المرتبة الثانية بعد أن كانت لها المكانة الأولى في اليابان من قبلُ. وبينما كان الطلاب في المدارس الأخرى يبدَءون بتعلُّم الصينية قبل الإنجليزية كانت مدرسة كيو تبدأ بتدريس الإنجليزية ثم يأتي دور الصينية فيما بعدُ، وكثيرًا ما كان الطلاب لا يستطيعون قراءة الصينية مطلقًا رغم قراءتهم للإنجليزية بسهولة.١٩
وأيقن فوكوزاوا أن مهمته الحقيقية في الحياة هي تدريس علوم الغرب، وأن إحداثَ تغيُّرٍ جذريٍّ في المعرفة مطلوبٌ بإلحاح لخلق أمةٍ متحضرة في اليابان مسلَّحة بالعلوم اللازمة في زمن الحرب، والسلم وخاصة علوم الغرب.٢٠ كما تحتاج إلى تعليم اليابانيين قيمةَ العلم وروح الاستقلال، ولتحقيق هذا الغرض أوقف فوكوزاوا ما بقي من عمره لتنوير الشعب الياباني، وتغيير طرق التفكير عنده من جذوره.٢١ وفي يونيو ١٨٦٨م اعتذَر عن عدم قَبولِ عددٍ من المناصب عرضَتْها عليه حكومة مايجي الجديدة، بما في ذلك الإشراف على مدارس الحكومة. وفي أغسطس تخلَّى عن مرتبة الساموراي وأصبح من عامة الناس. ووجَّه كتاباته النقدية إلى لفتِ نظرِ اليابانيين إلى خطأ التمادي في إهمال العلوم وروح الاستقلال.٢٢
وفي مارس ١٨٧١م نقلَ فوكوزاوا مدرستَه إلى مزرعةٍ تبلغ مساحتُها نحو عشرة أفدنة كانت تملكُها عشيرة شيمابارا في منطقة ميتا Mita بطوكيو تُطل على الخليج، وحتى يحصُلَ فوكوزاوا على تلك الأرض كان يجب أن تُصادرها الحكومة أولًا ثم تقوم بتأجيرها له. ولحُسن الحظ طلَب محافظ طوكيو في ذلك الوقتِ من فوكوزاوا أن يقترحَ عليه إقامةَ نظامٍ للشرطة على النمط الغربي، فقدَّم فوكوزاوا المشورةَ للمحافظ في مقابلِ قيام الأخير بترتيبِ إجراءاتِ تأجيرِ الأرض لفوكوزاوا، وما لبث أن اشتراها من الحكومة بعد ذلك بوقتٍ قصير.٢٣
ويصفُ فوكوزاوا موقع مدرسة كيو قائلًا:٢٤ «استخدمنا القصر السابق للفصول الدراسية وأماكن إقامة السيدات لمبيت الطلاب، وكانت مساحةُ الأرضِ واسعةً بصورةٍ مُرضِية، وعندما احتجنا المزيد من المساحة اشترينا بثمنٍ متواضع البيوتَ الخالية التي كانت تملكُها بعض الأسر الإقطاعية في المناطق المجاورة، وحوَّلنا تلك البيوت إلى ملحق لإقامة الطلاب، وبذلك تحوَّلَت مدرستُنا إلى مؤسسةٍ كبرى، وازداد عدد الطلاب تبعًا لذلك، وكان هذا الانتقال وإعادة التنظيم يمثل مرحلةً جديدة في تاريخنا.»
ولكن استمرار هذه المدارس الكبيرة في أداء رسالتها دون مواردَ خاصة أو معونةٍ مالية كان من الصعوبة بمكان، ولمَّا كان معظم الطلاب من الساموراي السابقين، فإن القرارات التي صدَرَت عام ١٨٧١م، وأثَّرَت على أوضاع الساموراي، كان لها انعكاسُها السلبي على المبالغ التي يمكن أن ينفقوها على التعليم. كما أن الظروف الاقتصادية التي مرَّت بها البلاد، وخاصةً في سنوات التضخم ١٨٧٧–١٨٨١م جعلَت الكثير من الطلاب الساموراي يتركون المدرسة بسبب عجزهم عن سداد المصروفات. وللتغلُّب على تلك العقبات المالية، ضمانًا لاستمرار المدرسة في أداء رسالتها، قام فوكوزاوا بدعم ميزانيتها من ماله الخاص، كما حاول عبثًا الحصولَ على قروضٍ من الحكومة ومصادر التمويل الخاصة، ويصف تلك الأزمة قائلًا:٢٥ «رغم أنه لم تكن لدينا مواردُ مالية استطعنا تدبيرَ مرتَّبات المدرِّسين باقتسام المصروفات الشهرية بينهم. ولمَّا كان جميع المدرِّسين من خريجي المدرسة فقد قَبلوا برحابة صَدرٍ ما يحصلون عليه من أجورٍ ضئيلة، ولم أحصل لنفسي على مليمٍ واحد، بل قدَّمتُ كل ما أستطيع لسد حاجات المدرسة، وفعَل المدرِّسون نفس الشيء، رغم أنه كان باستطاعتهم الحصول على رواتبَ كبيرة لو التحقوا بأعمالٍ أخرى، ولكنهم فضَّلوا البقاء في كيو، فبدَوا وكأنهم قد تبرَّعوا برواتبهم للمدرسة.»
وعلى كلٍّ، فإن الالتحاق بمدرسة كيو في تلك الفترة جاء انعكاسًا للتغيُّرات التي شهدَتها اليابان، فزادت نسبة العامة بين الطلاب من الثلث إلى ما يتجاوز النصف عام ١٨٧٥م، نتيجة التضخُّم الذي أدَّى إلى زيادة دخول الفلاحين الميسورين بالقَدْر الذي جعلَهم يستطيعون إلحاق أبنائهم بمدرسة كيو.٢٦
واعتبر فوكوزاوا التعليم العام أمرًا ضروريًّا لتحقيق الاستقلال لكل فرد في المجتمع، وكان هدف مدرسة كيو تزويد الطلاب بالمستوى الأوَّلي للعلوم الحديثة. وتتضمَّن الكتب الدراسية التي استخدمَتْها المدرسة في العقد الأول من عصر مايجي، والتي تُحفظ الآن بمكتبة جامعة كيو، الكثيرَ من الكتب الدراسية الخاصة بالمدارس الابتدائية المطبوعة بالولايات المتحدة وإنجلترا، وبعضُ تلك الكتب كان مقرَّرًا في تلك البلاد على طلابِ الفرقة الأولى أو الثانية بالمدارس الابتدائية، وكان الطلاب البالغون في مدرسة كيو يستخدمون تلك الكتب كمصدرٍ للمعرفة الجديدة؛ فقد كانت سياسة فوكوزاوا تقوم على دعم التعليم العام الأساسي أولًا، وحتى بعد تأسيس جامعة طوكيو عام ١٨٧٧م أحسَّ أن الوقت ما زال مبكرًا بالنسبة لمدرسة كيو لتُدخِلَ مرحلة التعليم العالي في برامجها، ولم يقُم فوكوزاوا بتنظيم الأقسام الجامعية بالمدرسة إلا عام ١٨٩٠م، واستطاع عندئذٍ أن يحصلَ على تبرعاتٍ قدَّمها ٤٠٠٠ من خرِّيجي المدرسة ومن غيرهم من المواطنين، وبذلك بدأَت أولُ جامعةٍ خاصةٍ في اليابان نشاطَها في خدمة التعليم العالي بثلاثة أقسام، هي القانون والاقتصاد والأدب، وتولَّى رئاسةَ كلِّ قسمٍ من تلك الأقسام أستاذٌ أمريكي، وبلغ عددُ طلابِ الأقسام الثلاثة تسعة وخمسين طالبًا.٢٧
ويذكُر فوكوزاوا في سيرته الذاتية أن الهدف من الجهود التي بذلها لم يكن مجرد جمع الشباب وإعطائهم خلاصةَ ما تحتويه الكتب الأجنبية، ولكن كان ما يسعى إليه هو فتح أبواب اليابان المغلَقة ليسطع من خلالها نور الحضارة الغربية.٢٨ وقد وجَّه فوكوزاوا كل كتاباته لتحقيق هذا الهدف، تلك الكتب التي نُشرَت طوال حياته وحقَّقَت درجةً عالية من التداول، ومن أبرز تلك الكتب «تشجيع التعليم» ويضم مجموعةً من المقالات التي نُشرَت تباعًا فيما بين ١٨٧٢م و١٨٧٦م، كُتبَت بأسلوبٍ سهل، وتناولَت بالنقدِ الكثيرَ من الأفكار الشائعة، وبلغ أرقام مبيعاتها ٣٫٤ مليون نسخة، وكان العمل الثاني الذي بلغ حدًّا كبيرًا من الشهرة والانتشار هو كتاب «حول نظرية الحضارة»، الذي نُشر عام ١٨٧٥م، ويتضمَّن بحثًا في طبيعة الحضارة بطريقةٍ أكاديمية. وفي عام ١٨٧٨م، نشَر كُتيِّبين ناقَش فيهما الخيارات السياسية للحركة السياسية المعاصرة؛ أحدهما بعنوان «الخطاب الشعبي حول حقوق الشعب»، والثاني بعنوان «الخطاب الشعبي حول الحقوق الوطنية». وفي عام ١٨٨١م نشر نقدًا مستفيضًا للاتجاهات السائدة عندئذٍ بعنوان «تعليق المشاكل الجارية» عالج فيه وَضْع اليابان في الشرق في مواجهة العدوان الغربي. كما نشَر عددًا من المقالات عن وضع المرأة أبرزها «في المرأة اليابانية» الذي نُشر ١٨٨٥م، و«عرض للتعليم الضروري للمرأة» نُشر عام ١٨٩٩م، ونُشرَت مجموعة مقالات في موضوعاتٍ متفرقة عام ١٨٩٧م، وكذلك سيرته الذاتية التي أملاها على سكرتيره عام ١٨٩٨م.٢٩
كما أسَّس فوكوزاوا جريدةً يومية حملَت عنوان Jiji shimpo (الزمان) نشر فيها معظم مقالاته منجَّمة بعد عام ١٨٨٢م. وأُعلنَت سياسةُ الجريدة في عددها الأول، التي تتلخَّص في نشر مبادئ الاستقلال، التي كانت المبدأ الذي اتبعَتْه مدرستُه طوال ربع القرن، وفي ذلك يقول فوكوزاوا: «أريد أن يكون تعليمنا مستقلًّا لا يعتمد على ما يقدِّمه لنا الغرب من سقَط المتاع. نريد أن تكون تجارتنا مستقلة لا تخضع لهم. نريد أن يكون قانونُنا مستقلًّا لا يخضع لضغوطهم. نريد أن تكون عقيدتُنا مستقلَّة لا تطؤها أقدامهم. وباختصارٍ لقد جعلنا استقلالَ بلادنا هدفَ حياتنا، وكل من يشاركوننا هذا الهدف هم أصدقاء لنا، ومن يُنكِرون علينا ذلك هم أعداءٌ لنا.٣٠

وكان فوكوزاوا هو أول من ابتدع فنَّ الخطابة في اليابان، وصاغ المصطلح الخاص به؛ فلم يكن فن الخطابة معروفًا في المجتمع الياباني التقليدي، واعتقد العلماء أن اللغة اليابانية تفقد تأثيرها إذا استُخدمَت في الحديث إلى جمعٍ من المستمعين، ولكن فوكوزاوا برهن ببلاغته أن الخطابة باليابانية ليست ممكنةً فحسب، بل وسيلة فعالة لنشر فكرة الاستقلال. وفي عام ١٨٧٤م أسَّس جمعية ميتا للخطابة، وفي السنة التالية شيَّد قاعة ميتا للخطابة داخل الحرم الخاص بمدرسته.

ورغم أن فوكوزاوا كان يبُث الدعوة لقيمٍ غربية بعينها ومبادئَ فلسفية تنويرية، إلا أنه ظل وطنيًّا قحًّا. وقد شارك بصورةٍ ما في الحركة الليبرالية في الثمانينيات والتسعينيات من القرنِ التاسعَ عشر، وشهد منجزاتِ اليابان الحديثة في الحرب الصينية اليابانية (١٨٩٤–١٨٩٥م) كما شهد صدور دستور مايجي في ١٨٨٩م، ولكن السبعينيات كانت أكثر سنوات حياته تميزًا عندما كان شخصيةً بارزةً في اتجاه اليابانيين إلى إعادة اكتشاف أنفسهم في ضوء معرفتهم الجديدة بالغرب، وتُمثِّل كتاباتُه في السبعينيات المزجَ بين القيم الموروثة وتلك المكتسَبة والنظرات النقدية فيهما.٣١

رفاعة الطهطاوي (١٨٠١–١٨٧٣م)

وعلى نقيض فوكوزاوا، لم يترك الطهطاوي لنا مذكِّراتٍ أو سيرةً ذاتية، مثل تلك التفاصيل التي ذكَرها فوكوزاوا عن طفولته وأسرته، وطوالَ حياته العلمية لم يتحدَّث الطهطاوي عن المرحلة السابقة على ذهابه إلى باريس واعظًا للبعثة التعليمية الأولى التي أرسلها محمد علي إلى هناك. وكان عمر الطهطاوي عندئذٍ ستةً وعشرين عامًا، واعتمد كلُّ من كتبوا سيرته اعتمادًا تامًّا على المعلومات الخاصة بطفولته، التي أوردها تلميذه صالح مجدي في ترجمته للطهطاوي، التي كتبها في مطلع الثمانينيات من القرنِ التاسعَ عشر، وظلت محفوظةً حتى تم نشرُها عام ١٩٥٨م.٣٢
وقد وُلد الطهطاوي عام ١٨٠١م، بمدينة طهطا في صعيد مصر، لعائلةٍ بارزة من علماء الأزهر كانت تمتلك مساحةً صغيرة من الأراضي الزراعية تعيش على ريعها، وتُرجع تلك العائلة نسبها إلى الدوحة النبوية الشريفة، وتنتمي إلى أصولٍ حجازية هاجرَت إلى مصر في أوائل العصر الإسلامي. تُوفي والده بدوي الطهطاوي بعد مولد رفاعة بقليل، وكان فلاحًا متعلمًا نال حظًّا محدودًا من الثقافة الإسلامية، ولكن أخواله كانوا من علماء المدينة البارزين، تولَّوا كفالته بعد وفاة والده، وأشرفوا على تعليمه في الكُتَّاب؛ حيث تعلَّم القراءة والكتابة والحساب، وحفظ القرآن الكريم، كما تولَّى أخواله تعليمه بعضَ النصوصِ الدينية الإسلامية الأخرى أثناء دراسته بالكُتَّاب ليُعدُّوه لدخول الأزهر. وفي عام ١٨١٧م، انتقل رفاعة الطهطاوي إلى القاهرة، والتحق بالأزهر.٣٣ وكان الأزهر في ذلك الوقت يعكس حال الثقافة في العالم الإسلامي، ويقتصر التدريس فيه على النحو واللغة والتفسير والحديث وبعض كتب الفقه، أما العلوم الطبيعية والفلسفة وغيرها من المعارف التي كانت تُدرس بالأزهر في سالف الزمان، فقد انقطع تدريسها عندئذٍ، ووصف الشيخ حسن العطار (١٧٦٦–١٨٣٥م) أحد كبار علماء الأزهر في ذلك العصر أحوال التعليم في الأزهر عندئذٍ فقال: «إن مَن تأمل في علمائنا السابقين يجد أنهم كانوا، مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية، لهم إطلاعٌ عظيم على غيرها من العلوم والكتب التي أُلفت فيها، حتى كُتب المخالفين في العقائد والفروع، أعجبُ من ذلك تجاوزهم إلى النظر في كتب غير أهل الإسلام من التوراة وغيرها من الكتب السماوية واليهودية والنصرانية، ثم هم مع ذلك ما أخلوا تثقيف ألسنتهم برقائق الأشعار ولطائف المحاضرات.»٣٤ ويرسم لنا العطار صورةً قاتمةً عن انطباعه حول مستوى التعليم في الأزهر عندئذٍ فيقول: «ومن نظر في ذلك، وفيما انتهى إليه الحال في زمانٍ وقعنا فيه، علم أننا منهم بمنزلة عامة أهل زمانهم؛ فإن قُصارى أمرنا النقل عنهم بدون أن نخترع شيئًا من عندنا، وقد اقتصرنا على النظر في كتبٍ محصورة ألَّفها المتأخرون المستمدون من كلامهم، نكرِّرها طول العمر، ولا تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها حتى كأن العلم فيها.»٣٥
فلا عجب أن نجد رفاعة الطهطاوي الشاب لا يُبدي ارتياحًا لأسلوب علماء الأزهر في التدريس، فالتحق بحلقة الشيخ حسن العطار، الذي كان له تأثيرٌ كبير عليه فكان يلتقي به في غير أوقات الدروس ليأخذ عنه علومًا أخرى، لم تكن تدخُل آنذاك ضمن مواد الدراسة في الأزهر، وهي التاريخ والجغرافيا والأدب والهندسة والرياضيات.٣٦
وفي عام ١٨٢٢م، أتم الطهطاوي دراسته في الأزهر، وتولى التدريس فيه مدة عامَين، ولكن ما كان يحصل عليه من أجرٍ لم يكن كافيًّا لتغطية نفقات إقامته بالقاهرة، ونفقات والدته التي كانت بطهطا، وتولَّى أستاذه الشيخ حسن العطار أمر تعيينه إمامًا بإحدى فِرَق الجيش المصري الحديث، وما لبث أن رشَّحه عام ١٨٢٦م للعمل كإمام للبعثة التعليمية الأولى، التي أرسلها محمد علي للدراسة في باريس.٣٧
وقد تركَت هاتان التجربتان أثرهما على الطهطاوي؛ فقد كان الجيش الحديث محور بناء الدولة المصرية الحديثة، وظل الطهطاوي طوال حياته مُقدِّرًا للجيش المصري وللمنجَزات العسكرية التي حقَّقها جنودُه في عهد محمد علي، ولكن باريس كان لها الأثر الأكبر فيه؛ فقد ظل هناك خمسَ سنواتٍ (١٨٢٦–١٨٣١م) كانت من أهم سنوات عمره، ورغم أنه أُرسل إلى هناك كإمام وليس كطالب فقد انغمَس في الدراسة بحماس ونجاح كبيرَين.٣٨ وتقديرًا لكفاءته كتب المسيو جومار — العالم الفرنسي الذي تولى الإشراف على البعثة المصرية في باريس — إلى محمد علي يطلب منه الموافقة على أن يصبح الطهطاوي طالبًا إلى جانب عمله كإمام. وبعد دراسةٍ مكثَّفة للغة الفرنسية ملَك الطهطاوي ناصيةَ اللغة والنحو ومشكلات الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وانكبَّ على قراءة كتبٍ في التاريخ القديم والفلسفة اليونانية والأساطير والجغرافيا والرياضيات والمنطق، كما قرأ ترجمةً لنابليون وبعض الأشعار الفرنسية، وخاصة شعر راسين وخطابات اللورد تشستر فيلد Chester Field لابنه، وأهم من ذلك كله ما قرأه من الفكر الفرنسي في القرنِ الثامنَ عشر، مثل فولتير، وكوندياك، وروسو، والأعمال الرئيسية لمونتسكيو.٣٩ وقد ترك هذا الفكر أثرًا باقيًا على الطهطاوي، ومن خلاله على الفكر العربي عامة.
وعندما عاد الطهطاوي إلى مصر عام ١٨٣١م، عُيِّن مترجمًا ومدرِّسًا للغة الفرنسية في مدرسة الطب، ثم نُقل بعد ذلك بعامَين إلى نفس وظيفته بمدرسة المدفعية، وعلى مدى أربعة أعوام ترجَم بعضَ الكتب الفرنسية في الهندسة والجيولوجيا وعلم الفلزات والجغرافيا، بالإضافة إلى مراجعته لترجمةِ كتابَين في الطب.٤٠ ونشَر عام ١٨٣٤م كتابه الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، الذي قدَّم فيه وصفًا للمجتمع الفرنسي، كما شاهده أثناء إقامته هناك، وقد قُرئ هذا الكتاب على نطاقٍ واسع في البلاد العربية والإسلامية، فقد أُعيد نشره في أعوام ١٨٤٨م، ١٩٠٥م، ١٩٥٨م، ١٩٧٤م، وطُبعَت ترجمتُه التركية عام ١٨٣٩م، تحت عنوان «سفرنامه رفاعة بك».٤١
ولمَّا كان الطهطاوي من بين أوائل العرب الذين زاروا أوروبا في القرنِ التاسعَ عشر وأول مَن نَشر كتابًا عن تلك البلاد الغربية، فقد وقع على عاتقه مهمة تقديم صورة للمجتمع الأوروبي لقُراء العربية، وقد نجح في تلك المهمة وقدَّم لقُرائه برشاقةٍ وحرصٍ جوهرَ الحضارة الغربية. وعندما كان يَعْرض لمصطلحاتٍ أوروبية ليس لها نظيرٌ في العربية، قدَّم صياغةً عربية للمصطلح، وفي بعض الحالات صاغ مصطلحاتٍ عربيةً لأول مرة كترجمة لأشياء أوروبية غير معروفة للثقافة العربية. ويمكن أن يُقال نفس الشيء عن التفاصيل الخاصة بالمواقع الجغرافية والتكوين الطبيعي المميز لتلك المواقع، ويضُم «تخليص الإبريز» وصفًا كاملًا للمؤسَّسات السياسية الرئيسية في فرنسا، والأحداث السياسية الكبرى التي شاهدَها خلال إقامته، وألقى الضوء على طبيعة وأوضاع العلوم في أوروبا، وقدَّم لقُرائه أعمال كبار المؤلفين الأوروبيين، كما أبرز الثقافة السياسية في فرنسا.٤٢
وفي تخليص الإبريز أيضًا قدَّم الطهطاوي لقُرائه العناصرَ الجديدةَ للمجتمع الأوروبي، مثل وضع النساء ودورهن في المجتمع، والطبقات الاجتماعية المختلفة، والأحوال الدينية والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الفرنسي الحديث، ولكن وصفه لتلك الظواهر لم يخلُ من نظراتٍ نقدية.٤٣
وفي مقدِّمة الكتاب أبرز الطهطاوي الطابع التثقيفي والتنويري لعمله، فقال: "فلما رُسم اسمي في جملة المسافرين، وعزمتُ على التوجه، أشار عليَّ بعض الأقارب والمحبين، لا سيما شيخنا العطار؛ فإنه مولَع بسماع عجائب الأخبار والاطلاع على غرائب الآثار، أن أنبِّه على ما يقع في هذه السفرة، وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغربية والأشياء العجيبة، وأن أقيِّده ليكون نافعًا في كشف القناع عن مُحيَّا هذه البقاع التي يُقال فيها إنها عرائس الأقطار، وليبقى دليلًا يهتدي به إلى السفر إليها طلاب الأسفار … فما قصَّرتُ في أن قيَّدتُ في سفري رحلةً صغيرة نزَّهتُها عن خلَل التساهل والتحامل، وبرَّأتُها من زلَل التكاسل والتفاضل، ووشَّحتُها ببعض استطراداتٍ نافعة، واستظهاراتٍ ساطعة، وأنطقتُها بحثِّ ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع؛ فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمرٌ ثابتٌ شائع.»٤٤ فهو يشير هنا إلى ما للتقدم العلمي في الغرب من أثرٍ كبيرٍ في النهضة الحضارية، ويعبِّر عن حاجة البلاد الإسلامية إلى التزوُّد به لتحقيق التقدم الحضاري المنشود.
وفي عام ١٨٣٥م، أصبح رفاعة الطهطاوي ناظرًا لمدرسة الترجمة، التي أُنشئَت حديثًا تلبيةً لاقتراحٍ تقدَّم به الطهطاوي نفسه إلى محمد علي باشا، وتطوَّرَت المدرسة على مدى ست سنوات، واتسع مجال الدراسة فيها ليشمل الأدب، والقانون الفرنسي، والشريعة الإسلامية، والفلسفة والآداب واللغات الأوروبية، مع اهتمامٍ خاصٍّ باللغة الفرنسية.٤٥ وشهد عام ١٨٤١م تطورَين مهمَّين؛ فقد تغيَّر اسم مدرسة الترجمة ليصبح «مدرسة الألسن والمحاسبة»، وأُنشئ «قلم الترجمة» ملحقًا بالمدرسة التي استمرَّت تحت إدارة وتوجيه رفاعة الطهطاوي، وتحدَّدَت مهمة قلم الترجمة «بمراجعة كل أعمال الترجمة»، وعُيِّن الخرِّيجون الأوائل من مدرسة الألسن مترجمين بقلم الترجمة، الذي ضم أربعة أقسام، هي: الرياضيات، والفيزياء، والطب، والآداب والعلوم الإنسانية، وقسم الترجمة التركية. وقد قام الطلاب بالترجمة كجزء من مهمة تدريبهم، كما شارك أساتذتُهم في أعمال الترجمة والمراجعة، كما التحق بقلم الترجمة عددٌ من المترجمين المحترفين، وكان حجم الأعمال التي تمَّت ترجمتُها كبيرًا؛ فقد كانت تربو على ألفَي كتاب، تمَّت ترجمتها في الفترة ١٨٣٥–١٨٤٨م، وتحسَّن مستوى الترجمة نتيجة الخبرة التي توفَّرت للمترجمين. ولعب رفاعة الطهطاوي دورًا رئيسيًّا في اختيار الكتب التي يتم ترجمتها وإسناد مهمة الترجمة إلى المترجمين الأكْفاء، كما راجع بنفسه بعضَ تلك الأعمال المترجَمة.٤٦
وإلى جانب عمله، كناظر لمدرسة الألسن والمحاسبة، وقلم الترجمة، أُسنِدَت إلى الطهطاوي مهمة التفتيش على المدارس، وكان عضوًا باللجان الخاصة بالتعليم ولجان الامتحانات، ومحررًا لجريدة «الوقائع المصرية» التي كانت تُصدِرها الحكومة باللغتَين العربية والتركية، وكانت أول صحيفة تصدُر في مصر، وتتولى نشر كل ما تريد الحكومة إبلاغَه للناسِ من تعليمات وقرارات، إلى جانب بعض المقالات، وقد لعب الطهطاوي دورًا هامًّا في تحويل الصحيفة من مجرد نشرةٍ رسمية إلى صحيفةٍ أسبوعية تُحاكي الصحف الأوروبية، فأصبحَت تتضمن ركنًا للأخبار الدولية، وآخر للشئون الاقتصادية، وثالثًا للعلوم والآداب، ورابعًا للتحليل والتعليقات … فكان للطهطاوي فضل ابتكار المقالات العربية في تلك المجالات، بأسلوبٍ سهل يستطيع أن يفهمه كلُّ مَن يعرف القراءة.»٤٧
لقد كانت أعمالُ رفاعة الطهطاوي تلبِّي رغبة الحاكم في النهوض بالبلاد عن طريق التزوُّد بمعارف الغرب وأسباب القوة والمنَعة عنده، وتعتمد على الظروف السياسية التي تمُر بها الدولة؛ ومن ثَم كان تحجيم قدرات محمد علي العسكرية، وانحسار دولته داخل حدود مصر، دافعًا لتحجيم التعليم الذي كان يستهدفُ – كما رأينا من قبلُ – إعداد الكوادر الذين تحتاج إليهم الدولة للخدمة العسكرية والمدنية، ولمَّا كانت حاجةُ الدولة إلى الكوادر قد تناقصَت تناقصًا كبيرًا، فقد انعكس ذلك سلبيًّا على التعليم، ولعل ذلك يفسِّر اتجاه خليفتَي محمد علي، عباس الأول (١٨٤٨–١٨٥٤م) ومحمد سعيد (١٨٥٤–١٨٦٣م) إلى تصفية المدارس التي أقامها محمد علي باشا نتيجة كَفِّ يد الدولة عن إدارة الاقتصاد؛ ومن ثَم تناقُص مواردها المالية تناقصًا ملحوظًا.٤٨
ففي العامَين الأولَين من حكم عباس الأول تُركَت مدرسة الألسن لتمضي على طريق التدهور، بسبب نقص المخصصات المالية، حتى أغلقت رسميًّا عام ١٨٥١م، وأُغلق معها قلم الترجمة، وكان رفاعة الطهطاوي قد أُبعد إلى السودان عام ١٨٥٠م؛ حيث عُين ناظرًا لمدرسةٍ ابتدائية أُنشئَت بالخرطوم، فكان هذا النقل في حقيقة أمره نفيًا وإبعادًا لرفاعة الطهطاوي؛ فقد كره عباس الغرب، واعتبره مسئولًا عما أصاب مشروع جدِّه (محمد علي) من انتكاس؛ ومن ثم سخطَ على أقطاب التعليم الغربي وعلوم الغرب، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي؛ فلم تكن المدرسة الابتدائية بالخرطوم ذات وجودٍ حقيقي بسبب قلة الموارد المالية عندئذٍ. وشَغَل الطهطاوي نفسَه خلال السنوات الأربع التي قضاها هناك بترجمة كتاب فينيلون «مغامرات تليماك»، فكان بذلك أول روايةٍ أوروبية تُرجمَت إلى العربية.٤٩ كانت الرواية قد صيغت في إطار نصائحَ خُلقية كتبَها مؤلِّفها لتثقيف وتوجيه تلميذه الدوق بورجون، وتضمنَت نقدًا ضمنيًّا لاستبداد لويس الرابع عشر، وبذلك جاءت ترجمتها تنفيسًا عما في صدر الطهطاوي من ضيقٍ باستبداد عباس الأول.٥٠
وما لبث تغيُّر الحاكم أن غيَّر الأقدار بالنسبة لرفاعة الطهطاوي؛ فعندما تولَّى محمد سعيد باشا الحكم خلفًا لعباس الأول عام ١٨٥٤م، استدعى الطهطاوي إلى القاهرة ليصبح وكيلًا للمدرسة الحربية ثم ناظرًا لها، فأعاد إنشاء «قلم الترجمة» بتلك المدرسة، وأدخل في برامج الدراسة بها الأدب والرياضيات واللغات الأجنبية، ولكن المدرسة أُغلقَت عام ١٨٦١م — نتيجة اضطراب سياسات سعيد — وتم الاستغناء عن جميع معلِّميها بمن فيهم رفاعة الطهطاوي.٥١

ولكن ما لبث رفاعة الطهطاوي أن استعاد مكانتَه بعد عامَين؛ فقد تُوفي سعيد ليخلُفه إسماعيل باشا عام ١٨٦٣م، الذي كان شديدَ الحماس للثقافة الغربية، وخاصةً الثقافة الفرنسية، فأعاد افتتاح مدرسة الألسن وقلم الترجمة، وعيَّن رفاعة الطهطاوي ناظرًا لهما، وكان من السهل عليه أن يجمع شتات تلاميذه وزملائه لتعودَ المدرسة إلى نشاطها، وتستأنف معها حركة ترجمة جديدة.

ولم يزِدْ كَمُّ الترجماتِ نتيجةً لهذه الحركة فحسب، بل اتخذَت اتجاهات، وعبَّرت عن اهتماماتٍ جديدة؛ فبالإضافة إلى الترجمات العلمية المتنوعة ترجمَت العديد من الأعمال في العلوم العسكرية، كما ترجمَت التشريعات الفرنسية؛ فقد أدى توسُّع الاستثمارات الأجنبية في مصر، وما صَحِب ذلك من ضغوطٍ لتوفير الغطاء القانوني الأوروبي لتلك المصالح المتنامية، إلى زيادة الاهتمام بالتعرُّف على القوانين الأوروبية بصورةٍ أدقَّ للاستفادة بها عند صياغة التشريع المصري الحديث. بل أوعز إسماعيل إلى الطهطاوي بتكليفِ بعضِ تلاميذه بإجراء مقارناتٍ بين الشريعة الإسلامية والقانون الفرنسي. وفي إطار ذلك تُرجمَت تشريعاتُ نابليون إلى العربية (١٨٦٦م)، كما تُرجم القانون التجاري الفرنسي (١٨٦٨م) واستُخدم في تلك الترجمة المصطلحات الفقهية المستمدة من الشريعة الإسلامية، فكان لتلك الترجمات القانونية أثرها على الفكر القانوني العربي الذي استوحت صياغتُه الحديثة تلك الترجمةَ الرائدة التي وضَعها الطهطاوي وتلاميذه.٥٢
وإلى جانب إدارته لمدرسة الألسن وقلم الترجمة، كان رفاعة الطهطاوي عضوًا باللجنة التي وضعَت نظام التعليم وغيرها من اللجان المتصلة بالنهضة العلمية والنشاط الثقافي في عصر إسماعيل. ورغم ذلك اتسع وقتُ رفاعة الطهطاوي ليقدِّم المزيدَ من الإنجازات الثقافية والعلمية؛ ففي عام ١٨٧٠م أُسندَت إليه مهمة تحرير مجلة «روضة المدارس» التي أصدرها ديوان المدارس، وظل رئيسًا لتحريرها حتى وفاته عام ١٨٧٣م. وقد استخدم مقالاته الافتتاحية كأداةٍ لنشر أفكاره عن الحضارة ونقده لبعض العادات والتقاليد السائدة. كما نشر على صفحاتها ثلاثةً من كتبه منجَّمة أولها: «القول السديد في الاجتهاد والتجديد»، وثانيها: «رسالة البدع المتقرِّرة في الشِّيَع المُتبَربِرة» التي كانت دراسة في الحضارة، وثالثها: «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» التي كانت أول دراسةٍ حديثةٍ للسيرة النبوية وتاريخ صدر الإسلام.٥٣

وفي نفس السنة التي تولَّى فيها مهمة تحرير «روضة المدارس» صدر للطهطاوي (١٨٧٠م) عملٌ هام هو «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية»، الذي أعدَّه ليكون كتاب قراءة في المدارس، ولكنه كان فتحًا جديدًا في الفكر العربي الحديث، حدَّد معالم الطريق الذي يرشِّحه لمصر لتسلكه في نهضتها، وبيَّن كيفية الاستفادة بعلوم وثقافة الغرب، مع الحفاظ على ما هو إيجابي من الموروث الثقافي العربي الإسلامي، وصاغ المفاهيم الأساسية للوطن والوطنية. وفي عام ١٨٧٢م نشر كتابه الثاني الهام «المرشد الأمين للبنات والبنين»، الذي أودَعه خُلاصة فكره الاجتماعي والثقافي وكان — أيضًا — كتاب قراءة في المدارس؛ ومن ثَم نستطيع أن نُدرِك مدى تأثير فكر الطهطاوي في الجيل الذي تلقَّى تعليمه في عصر إسماعيل، وتفتَّح وعيه السياسي والثقافي في عهد الاحتلال البريطاني، ولعب دورًا هامًّا في صياغة المشروع الوطني السياسي-الثقافي، في إطار التطوُّرات التي شهدتها مصر عام ١٩١٩م.

وكان كتاب «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» هو العمل الثاني الذي ساهم به رفاعة الطهطاوي في دراسة التاريخ، أما الكتاب الأول في التاريخ الذي ألَّفه الطهطاوي فكان «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل» الذي نُشر عام ١٨٦٨م، وهو كتابٌ في التربية الوطنية يضع بين يدَي الشباب المصري ما يجبُ عليه أن يعرفَه عن بلاده، يتناول تاريخ مصر القديم اعتمادًا على مصادرَ أوروبية، ويتخذ من ظهور الإسلام مَعْلمًا هامًّا في تطوُّر التاريخ.٥٤ ويُعَد هذا الكتاب أول محاولة لاستخدام مناهج البحث الحديثة في التاريخ في دراسة تاريخ مصر.

•••

ويتضح مما تقدَّم كيف كان للرائدَين العملاقَين فوكوزاوا والطهطاوي دورٌ مميز في حياة مجتمعهما السياسية والثقافية، من خلال هذه الصورة القلمية التي رسمناها لهما، وكلاهما كان مُعلِّمًا وكاتبًا ومترجمًا ورائدًا في مختلف المجالات الثقافية والتعليمية والعلمية، مبدعًا في مجال الفكر، وله باعٌ طويل في الصحافة، ولكن ذلك لا يعني تماثُل الشخصيتَين تماثُلًا تامًّا؛ فنستطيع أن نلاحظ — للوهلة الأولى — أن فوكوزاوا اعتمد في ثقافته على جهده الفردي، وكان في اتصاله بالثقافة الصينية التقليدية أو بالعلوم الهولندية أو حتى باللغة الإنجليزية اتصالًا سطحيًّا، على حين كان حظُّ صاحبه رفاعة الطهطاوي أَوفَر في الغَوص في الثقافتَين الإسلامية التقليدية من خلال دراسته في الأزهر، وكذلك الغوص في الثقافة الأوروبية من خلال أعمال مفكِّري عصر التنوير، ومن خلال تجربة المعايشة الطويلة أيام البعثة، وليس مجرد الزيارات الخاطفة على نحو ما فعل فوكوزاوا، وكان تقديمُه للمجتمع الغربي في «تخليص الإبريز» بالغ العمق مقارنةً بالعمل الذي صنع شهرة فوكوزاوا «أمور غربية».

وعلى حين كان الطهطاوي وما حقَّقه من إنجازات من نتاج مشروع النهضة الذي تبنَّاه الحاكم الفرد سواء كان هذا الحاكم محمد علي أو حفيده إسماعيل؛ ومن ثَم تأثَّر دوره امتدادًا وانحسارًا حسب تقلُّب الأحوال السياسية واختلاف مشارب الحكام، نجد فوكوزاوا يحتفظ لنفسه بالاستقلال التام عن السلطة، ويصرف جهوده لإقامة مشروعه التعليمي الخاص، وصحيفته الخاصة، ويعيش من عائد مؤلَّفاته التي درَّت عليه الكثير بسبب ارتفاع نسبة القُراء في اليابان ومحدودية نسبة الأمية التي تلاشت تمامًا عند نهاية القرنِ التاسعَ عشر، وبذلك أُتيحَت لفوكوزاوا فرصة الحركة الحرة والاختيار الحر التي لم تُتَح للطهطاوي.

وعلى كلٍّ، كان لكلٍّ من الرجلَين دورٌ مميزٌ في زيادة حركة التنوير في بلاده، وترك كلٌّ منهما أثرًا كبيرًا في تطوُّر الفكر الحديث والثقافة الوطنية في بلاده، على نحو ما سنرى في الفصول التالية.

هوامش

(١) اعتمدنا بصفة أساسية على الترجمة الذاتية لفوكوزاوا وعلى كتاب كارمن بلاكر، انظر: Fukuzawa Yukichi, The Autobiography of Fukuzawa Yukichi, trans. Eiichi Kiyooka, Columbia Univ. Press, 1968; Carmen Blacker, The Japanese Enlightenment: a study. Cambridge Univ. Press, 1964.
(٢) The Autobiography, p. 19.
(٣) Blacker, op. cit., p. 4.
(٤) The Autobiography, pp. 97-98.
(٥) Ibid., p. 114.
(٦) Ibid., p. 116.
(٧) Ibid., p. 117.
(٨) Wayne H. Oxford, The Speeches of Fukuzawa, A Translation and Critical Study, The Hokuseido Press, Tokyo, 1973, p. 14.
(٩) The Autobiography, p. 125.
(١٠) Blacker, p. 6.
(١١) The Autobiography, p. 133.
(١٢) Ibid., p. 142.
(١٣) Blacker, p. 8.
(١٤) The Autobiography, p. 119.
(١٥) Ibid., pp. 119–200.
(١٦) Ibid. pp. 210-11.
(١٧) Ibid., pp. 213.
(١٨) Oxford, p. 16.
(١٩) The Autobiography, p. 214.
(٢٠) Ibid., p. 214.
(٢١) Blacker, p. 19.
(٢٢) Oxford, p. 16.
(٢٣) Ibid., p. 17.
(٢٤) The Autobiography, pp. 219-20.
(٢٥) Ibid., pp. 223-24.
(٢٦) Shunraku Nishikawa, Profiles of Educator, Fukuzawa Yukichi (1835–1901), UNESCO Magazine, 1990, pp. 19-20.
(٢٧) Fukuzawa Yukichi, On Education, trans. Eiichi Kiyooka, Tokyo Univ. Press, 1985, The Introduction.
(٢٨) The Autobiography, p. 264.
(٢٩) انظر قائمة بمؤلَّفات فوكوزاوا المنشورة في: Oxford, Appendix C, pp. 278–281.
(٣٠) Blacker, pp. 11-12.
(٣١) انظر مقدمة دافيد دلوورث في: Fukuzawa Yukichi, An Encouragement of Learning, Sophia Univ. Tokyo, 1969.
(٣٢) انظر: حلية الزمن بمناقب خادم الوطن رفاعة بك رافع الطهطاوي، القاهرة، ١٩٥٨م. التراجم الأخرى لرفاعة الطهطاوي يمكن مراجعتها في: إبراهيم عبده، تاريخ الوقائع المصرية، ط٣، القاهرة، ١٩٤٢م؛ عبد اللطيف حمزة، أدب المقالة الصحفية في مصر، ج١، ط٣، القاهرة ١٩٥٨م؛ جمال الدين الشيال: التاريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر، القاهرة، ١٩٥٨م؛ ولنفس المؤلف: تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي، القاهرة، ١٩٥١م؛ وكذلك رفاعة الطهطاوي زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي، القاهرة، ١٩٤٦م؛ أحمد بدوي، رفاعة الطهطاوي بك، القاهرة، ١٩٤٦م؛ حسين فوزي النجار، رفاعة الطهطاوي، رائد فكرة وإمام نهضة، أعلام العرب ٥٣، القاهرة، د.ت.
(٣٣) صالح مجدي، ص٢٣، و٢٢٠.
(٣٤) حسن العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع، القاهرة، د.ت، ج٢، ص٢٢٥-٢٢٦.
(٣٥) حسن العطار، حاشية على شرح الخبيصي، القاهرة، د.ت، ص٢٥٨.
(٣٦) صالح مجدي، ص٢٥.
(٣٧) نفس المرجع، ص٢٩، و٣٩.
(٣٨) Hourani, Albert, Arabic Thought in the Liberal Age 1798–1939, Oxford Univ. Press, 1962, p. 25.
(٣٩) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص١٨٩، ٣١٩، ٣٣٦.
(٤٠) صالح مجدي، ص٣٦؛ جمال الدين الشيال، تاريخ الترجمة، ص٣٢.
(٤١) Abu-Lughod, Ibrahim, Arab Rediscovery of Europe, Princeton Press, 1963, pp. 50-51.
(٤٢) Ibid., pp. 77-78.
(٤٣) Hourani, Albert, p. 71.
(٤٤) الطهطاوي: تخليص الإبريز، ص٢.
(٤٥) للمزيد من التفاصيل حول مدرسة الألسن راجع: أحمد عزت عبد الكريم، تاريخ التعليم في عصر محمد علي، ص٣١٩–٣٤٤.
(٤٦) المرجع السابق، ص٣٣٩؛ الشيال، المرجع السابق، ص١٤٧.
(٤٧) إبراهيم عبده، المرجع السابق، ص٣٤، ٤٨-٤٩.
(٤٨) أحمد عزت عبد الكريم، ص٥٨؛ Abu-Lughod, pp. 42-3.
(٤٩) الشيال، المرجع السابق، ١٤٢–١٤٤.
(٥٠) Hourani, Albert, op. cit., pp. 73-4.
(٥١) محمود فهمي حجازي، أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، القاهرة، ١٩٧٤م، ص٣٠.
(٥٢) Abu-Lughod, pp. 42–44.
(٥٣) محمود فهمي حجازي، المرجع السابق، ص٣١-٣٢.
(٥٤) Hourani, Albert, op. cit., p. 80.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦