دعت التغيُّرات التي شاهدتها اليابان في عصر مايجي، ومصر في أواخر عصر محمد علي، إلى
ضرورة البحث عن أُطرٍ فكرية تُواكب التغيرَين الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة التحول،
وتعمل
على فتح آفاق التطور أمام المجتمع. تلك الأُطر تتضمن أفكارًا تعبِّر عن قيمٍ اجتماعيةٍ
جديدة تحتاج إلى رُواد يجتازون — ببعد نظرهم — حدود الواقع الراهن إلى آفاق المستقبل.
وقُدِّر لفوكوزاوا في اليابان والطهطاوي في مصر، أن يلعب كلٌّ منهما هذا الدور، وهنا
نجد
الأُطر المرجعية غريبة الأصل، ولكنَّ كلًّا من فوكوزاوا والطهطاوي أضافا عليها طابعًا
يتسق
مع واقع مجتمعه وثقافته الوطنية.
كانت القيم الخُلُقية التقليدية المتصلة بالاقتصاد والنشاط الاقتصادي تعوقُ طريق نمو
الاقتصاد الحديث، فكان المجتمع في حاجة إلى قيمٍ أخلاقيةٍ جديدة تُصاغ من خلال مراجعةٍ
شاملة للموروث الثقافي التقليدي، كما كانت الحاجة ماسَّة إلى صياغة أساسٍ جديد للعلاقات
الأسرية، بما يتَّسق مع الأوضاع التي استجدَّت في المجتمع. وترتَّب على ذلك النظر في
أوضاع
المرأة الاجتماعية القانونية، وفتح الطريق أمامها للمشاركة في عملية التحول الاجتماعي
الحديث.
وبعبارةٍ أخرى أفرزَت عملية التحديث نظامًا اجتماعيًّا جديدًا — بصورةٍ تدريجية —
كنتاجٍ
للتطورات الاقتصادية، ولم تعُد القيم التقليدية صالحة للتعامل مع تلك الظروف؛ ومن ثَم
أصبحَت هناك حاجةٌ ماسَّة إلى قيمٍ جديدة كانت الشغل الشاغل لرُواد التنوير، ومثَّل هذا
الجانب ركنًا أساسيًّا في فكر كلٍّ من فوكوزاوا والطهطاوي في سعيهما لبناء المجتمع الحديث
في بلدَيْهما.
الاقتصاد الجديد
أبدى فوكوزاوا اهتمامًا مبكرًا بالاقتصاد عندما كتب عن العملة الورقية والشركات
التجارية في كتابه «أمور غربية» كما ترجم القسم الأول من كتاب بورتون عن الاقتصاد
السياسي (طبعة أدنبرة ١٨٥٢م) وجعله ملحقًا لكتاب «أمور غربية» تناول فيه الجوانب
الاجتماعية-الاقتصادية. وبعد ذلك بسبع سنوات (١٨٧٣م) ترجم فوكوزاوا كتابًا في طرق
المحاسبة، كتبه عام ١٨٧١م مدرسان بإحدى المدارس التجارية الأمريكية، ويهمُّنا هنا
المقدِّمة التي كتبها فوكوزاوا لتلك الترجمة، وما وجَّهه فيها من نقدٍ للقيم اليابانية
التقليدية الخاصة بالتجارة والأعمال المالية؛ فقد ذكر أن اليابان شهدَت في الأزمنة
القديمة مَن حقَّقوا ثرواتٍ طائلة، وأنهم كانوا يُضطَرون أحيانًا إلى اكتنازها في قدورٍ
ودفنها في الأرض؛ لأنهم لا يعرفون شيئًا عن الاقتصاد العالمي، ولا يعرفون كيف يبذلون
الجهد في هذا المجال، ولا يدركون منافع التجارة.
١
وأنحى باللائمة على العلماء الذين تقاعسوا عن دراسة الاقتصاد؛ لأنهم لم يهتمُّوا
بالتجارة وعدُّوها نشاطًا غير جدير بالاحترام وبالدراسة؛ فهم يعتقدون أنه كلما انغمس
العالم في دراسة أصبح قادرًا على التحليق في السماء، بينما الفلاحون والتجار الجهلاء
يخجلون من أنفسهم، وبذلك نفَر العلماء من عالم الفلاحين والتجار.
٢ وبذلك وقع على عاتق أهل العلم بعلوم الغرب أن يُنيروا الطريق لملايين
الفلاحين والحرفيين والتجار بما يقومون به من دراسات عن الاقتصاد.
٣
وتضمَّنَت ترجمة فوكوزاوا لفصول كتاب بورتون عن الاقتصاد السياسي شرحًا للاحتكار
والمنافسة، وكان على فوكوزاوا أن يصوغَ المصطلحاتِ اليابانية الخاصة بها لأول مرة،
شارحًا فوائدَ المنافسة الحرة والمضارَّ التي تلحق بالاقتصاد نتيجة الاحتكار.
٤
ويعكس هذا الموقف اهتمام فوكوزاوا بالاقتصاد الليبرالي الذي كثيرًا ما عبَّر عنه
في
خُطَبه؛ فقد كان يعارض دائمًا القيم التقليدية التي تحدِّد المكانة الاجتماعية للناس
وتُلزمهم بها، وبذلك تحول دون حدوث حَراكٍ اجتماعي؛ لذلك دعا فوكوزاوا إلى الفردية،
فقال: «إن الثروة والشهرة لا تخصُّ الأسرة ولكنها تخص الفرد … ونحن نعيش في زمان
يُقيَّم فيه الفرد حسب مواهبه، ويُحاسَب عما يقع منه من تقصير.»
٥
وأعلن فوكوزاوا أن نظرياته في الاقتصاد هي أن يكسبَ كلُّ فردٍ عَيْشه بعرَق جبينه؛
لأن ذلك هو قانون الطبيعة،
٦ فإذا لم تكن فرص العمل متاحةً في الوطن فقد يهاجر المرء إلى بلادٍ أجنبية
طلبًا للرزق، ولكن فوكوزاوا لم يشجِّع على هجرة العمالة غير الماهرة إلى الخارج، متخذًا
من تجربة العمال الصينيين في أمريكا نموذجًا لذلك، فيذكُر أنهم يُعامَلُون معاملةَ
الكلاب والخيول، رغم أنهم يعودون إلى وطنهم بعد عدد من السنين يقضونها في أمريكا وقد
كوَّنوا بعضَ المدَّخرات، ورأى أن تقتصر الهجرة إلى الخارج على المتعلِّمين الذين
تلقَّوا تعليمًا غربيًّا إذا لم تُتَح لهم فرصةُ العمل في اليابان.
٧
وذهب فوكوزاوا إلى أن الأعمال التجارية والصناعة هي بمثابة الأم بالنسبة للعلم؛ فلا
يمكن أن يتحقَّق شيءٌ في ميدان التعليم دون تقدُّم الصناعة والتجارة في اليابان. وكان
التقدُّم الاقتصادي لليابان الشغل الشاغل لفوكوزاوا؛ ففي خطبة ألقاها في ٣ فبراير ١٨٨٤م
وجَّه نقدًا مريرًا للقصور الذي عانت منه التجارة اليابانية عندئذٍ، وقدَّم مقترحه
بتنمية العمل التجاري، جاء فيها: «يجب علينا أولًا أن نضع نظامًا ثابتًا موحدًا
للمقاييس لكل أنواع السلع التجارية، وأن نصرفَ اهتمامنا إلى السلع السيئة فنضع
القوانينَ التي تُقاوم هذه الظاهرة، ولكن نشر الكتب دون إذن أصحابها أو وضع علاماتٍ على
المنتجات لنسبتها إلى منتجٍ آخر تُعَد جرائم يصعُب اكتشافها أو منعها، كما أنه لا يُوجد
تطابقٌ بين العينات التي تُعقد على أساسها الصفقات وما يتم بيعه بالفعل، ومثل هذه
الممارسات للغش تؤدِّي إلى ركود التجارة. كما يجب أن يكون هناك حدٌّ فاصل بين تجارة
الجملة وتجارة المفرَّق (القطاعي).»
٨
وفي نفس الخطبة اقترح فوكوزاوا أن تتم دراسة السوق الحديثة لتلافي ما تُعانيه التجارة
من صعوبات، فقال: «إن هناك مَن يتجاهلون عامل التكلفة تمامًا، ويبيعون منتجاتهم بأسعارٍ
بالغة الانخفاض، أو يُقبلون على الاتجار بسلعٍ لا يعلمون شيئًا عن مدى حاجة المستهلكين
لها، ونتيجة لذلك حطَّم التجار بعضهم بعضًا، كما أن العلاقة بين تاجر الجملة وتاجر
المفرَّق عانت من مشكلاتٍ كثيرة، وانتهت بدمارهما معًا.»
٩
وفي خطبةٍ أخرى كتبها فوكوزاوا ليُلقيها أسابوكي آي جي، وهو رجلٌ أصبح مديرًا لشركةٍ
تجارية، وكان يُريد إلقاء خطبة في حفل افتتاح الشركة في أغسطس ١٨٨٠م، فكلَّف فوكوزاوا
بإعداد الخطبة له. واتخذ فوكوزاوا في هذه الخطبة موقفًا معاديًا من التجارة الأجنبية
في
اليابان، قائلًا: «إن ارتفاع شأن التجار الأجانب في اليابان يُعَد نتيجةً طبيعية؛ فمن
الناحية السياسية لم تفقد اليابان شبرًا واحدًا من أرضها، ولكن من الناحية التجارية
نستطيع القول إن الأجانب نجحوا في غزو بلادنا، وليس أمامنا اليوم إلا طريقٌ واحد لا
بديل له، أن ننتزع من الأجانب الامتيازات التي حصلوا عليها في مجال الأعمال التجارية،
وأن نوسِّع نطاق تجارتنا الوطنية. وعلينا نحن اليابانيين أن نغزوَ بتجارتنا البلادَ
الأجنبية وأن نبيعَهم بضائعنا في بلادهم، وأن نشتري منتجاتهم لنبيعَها في بلادنا، وهذا
ما يُسمُّونه الاستيراد والتصدير «المباشرَين».»
١٠
وبالإضافة إلى الشرح المختصر الذي قدَّمه فوكوزاوا عن العملة الورقية الأوروبية في
الجزء الأول من كتابه «أمور غربية»، نشر فوكوزاوا عام ١٨٧٨م، كُتيبًا بعنوان «العملة»
ناقش فيه المشاكل المالية والنقدية التي وقعَت في أوائل عصر مايجي، ذكَر فيه أن الإدارة
الخاصة في النقد لا تحتاج إلى الاحتفاظ بأرصدةٍ كبيرة إلا ما يكفي لشراء الطعام من
الخارج في حالة وقوع المجاعة، ويعكسُ هذا تجربةَ فوكوزاوا مع العملة الورقية وما ذهب
إليه من أن طرح تلك العملة يساعد على الرواج التجاري، ويدفع بعَجلة النمو الاقتصادي إلى
الأمام؛ ولذلك لم يكن يُلقي بالًا إلى مسألة الأرصدة اللازمة لتغطيتها.
وفي مارس ١٨٨٢م عدَّل فوكوزاوا أفكاره الخاصة بالعملة، في مقالٍ افتتاحي نشَره
بصحيفته، فاعترفَ بخطأ الرأي الذي أورده في كتابه عن العملة، ووافق على سياسة إنقاص حجم
العملة المتداوَلة، ولكنه رأى أن سياسة التقتير التي يتبعُها وزير المالية متسوكاتا على
درجةٍ كبيرةٍ من الحدة تجعلها عاجزةً عن الاحتفاظ بالتقدُّم الاقتصادي الذي تحقَّق
عندئذٍ.
١١
ويتضح من هذا أن فوكوزاوا كان متأثرًا بفكرة العملة الورقية التي لا أرصدة لها، والتي
كانت مستخدمةً في عصر طوكوجاوا، وقد تكرَّر هذا التمسُّك بالموروث التقليدي في دنيا
الاقتصاد عند نقده لتشريع العمل الصادر في ١٨٩٦م، فطالَب بأن تُطبَّق التقاليدُ الخاصة
التي كانت تحكُم العلاقات بين سيد الإقطاع والفلاحين على العلاقة بين أصحاب العمل
والعمال في الصناعة؛ لأن لليابان تقاليدَها الخاصة في مجال العمل، وبرَّر اعتراضه على
تشريع العمل بأنه سيؤدي إلى تقليل فرص العمل ومن ثم إنقاص أجور العمال نتيجةَ إنقاصِ
ساعات العمل، وزعم أن مشروع القانون لا يناسب الأوضاع في اليابان؛ لأنه جاء ترجمةً
للقوانين الغربية. وبذلك عبَّر فوكوزاوا عن وجهة نظر دوائر الأعمال في اليابان — في ذلك
الوقت — وتبنَّى مصالحهم، غير أن فكرته الخاصة بتطبيق تقاليد العمل في القرية على قطاع
الصناعة قد استُخدِمَت كإجراءٍ مؤقَّت؛ فقد كان يرى أنه عندما تبلغُ الصناعةُ اليابانية
درجةً عاليةً من التطور يمكن إدخال تشريعات العمل الحديثة.
١٢
ورغم ذلك كان فوكوزاوا يُعارِض المساس بحرية العمال في الحركة وبحقوقهم المدنية،
واعترض على هجوم البوليس على العمال لفضِّ إضرابات ١٨٩٨م، وأيَّد حقَّهم في تكوين
النقابات للدفاع عن مصالحهم. وكانت دعواه إلى تطبيق تقاليد العمل في القرية على قطاع
الصناعة تعتمد على طبيعة العلاقة بين عامة القرية والسيد الإقطاعي، التي كانت تُعَد —
نظريًّا — علاقةً أبوية؛ فلا يحكُمها إلا الاختلاف في المكانة الاجتماعية.
١٣ ويعني ذلك أن فوكوزاوا لم يلفظ تمامًا الموروث التقليدي، ولكنه قَبِل بما
اعتقد فيه النفع وما رآه مناسبًا للمجتمع.
وبينما كان فوكوزاوا يميل إلى اتخاذ مواقفَ براجماتية تجاه الاقتصاد، فقد ظل
ليبراليًّا يتطلع إلى تحقيق التنمية في قطاعَي الأعمال التجارية والصناعية على طريق
الرأسمالية، وكان ذلك أيضًا موقفَ رفاعة الطهطاوي.
فقد تعرَّض رفاعة الطهطاوي للظواهر الاقتصادية وما ارتبط بها من أمور في كتابه «مناهج
الألباب»، وتأثَّرَت أطروحاته بالفكر الليبرالي الاقتصادي الغربي الذي شاع في أوائل
القرنِ التاسعَ عشر، ولكن كان عليه أولًا أن يقومَ بمراجعةٍ نقديةٍ للأفكار التقليدية
المتعلقة بالثروة، التي كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت. وقد شاع الاعتقاد
أن انكباب الناس على تكوين الثروات قد يُلهيهم عن العبادات؛ ومن ثَم يشغلهم عن العمل
لآخرتهم. رغم أن ذلك الاعتقاد ليس له جذورٌ للعقيدة الإسلامية، وإنما يرجع إلى الظروف
التي عاشتها الثقافة الإسلامية في مرحلةٍ من مراحل الضعف في العصور المتأخرة، إلا أنه
كان يشكِّل جزءًا من الثقافة الشعبية الدينية التقليدية. وقد انتقد الطهطاوي ذلك
الموقفَ من الثروة، ودعا إلى تحقيق الثروة كنوعٍ من التحدث بنعَم الله، وذكَر أن كلَّ
من يجمع المال لنفعه الشخصي جديرٌ باللوم، أما من يجمع المال من أجل توظيفه فيما يعود
على مجتمعه بالمنفعة، فجديرٌ بالتقدير في الدنيا والآخرة.
١٤
ودعم الطهطاوي رؤيته لهذا الجانب من الحياة الدنيوية بالأحاديث النبوية والمأثور
عن
الصحابة الذين كوَّنُوا ثرواتٍ كبيرة في صدر الإسلام لا لينتفعوا بها وحدَهم، ولكن
لتنتفع بها الجماعة، ولتُنفق في وجه الله؛
١٥ فجمعُ المالِ مطلوبٌ للإنفاق على الأعمال الخيرية، وعلى الخدمات التي تعود
بالنفع على المجتمع في الحاضر والمستقبل، كالمرافق العامة، والمنشآت الدينية، وغيرها؛
فالأمم تحقق الثراء من خلال تنمية «المنافع العمومية»؛ أي الاقتصاد بمختلف مجالاته،
الذي يُعد قاسمًا مشتركًا بين أبناء الوطن، لكلٍّ منهم نصيبٌ فيه.
١٦
ويرتكز الإنتاج الاقتصادي عند الطهطاوي على دعامتَين؛ العمل، ورأس المال، وأبرزَ
دورَ
العمل في تكوين ثروة الأمة بما يضيفه من قيمةٍ كبيرة إلى الموارد الطبيعية، وبذلك يُعَد
العمل محدِّدًا هامًّا لمستوى تطور الأمة — مقارنةً بغيرها من الأمم — وفي ذلك يقول:
«إن الأمة المتقدِّمة في ممارسة الأعمال والحركات الكدِّية ذات الكمالات في العملية،
المستكملة للأدوات الكاملة والآلات الفاضلة والحركة الدائمة، قد ارتفعَت إلى أعلى في
درجات السعادة والغِنى بحركات أعمالها، بخلاف غيرها من الأمم — ذات الأراضي الخِصْبة
الواسعة — الفاترة الحركة؛ فإن أهاليها لم يخرجوا من دائرة الفاقة والاحتياج، فإذا
قابلتَ بين أغلب أقاليم أوروبا وأفريقيا ظهر لك حقيقةُ ذلك.»
١٧
وتناوَل الطهطاوي العلاقةَ بين العمل ورأس المال مفضلًا الأول باعتباره مصدرَ ثروة
الأمة، وأنه يُساهم في تنمية مواردها الطبيعية، وفي ذلك يقول: «الفضل للعمل، وأما فضل
الأرض فهو ثانوي تبعي، وهذا الذي يعتمده أهل الفلاحة، ويستدلُّون على ذلك بأنه لا يمكن
إيجاد الخِصْب في الأرض إلا بدوام الشغل واستمرار العمل، وإلا لبقيَت مُجدِبةً إذا
انقطع الشغل عنها؛ فإن الشغل يعطي قيمةً لكل الأشياء.»
١٨
ولكن رغم ما للعمل من قيمةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ عند الطهطاوي، إلا أن نصيبه من عائد
الإنتاج محدود، بينما يحصُل رأس المال على القسط الأكبر من العائد. ويُعطينا الطهطاوي
مثالًا على ذلك في العلاقة بين صاحب الأرض والفلاحين في مصر؛ فقد كان الطهطاوي نفسه
واحدًا من كبار المُلاك، ويذكُر أن أصحاب الأرض هم الذين يَجْنون ثمارَ العمل الشاق
الذي يقوم به الفلاحون، ويحتكرون المحاصيل، ويحصُلون لأنفسهم على الجزء الأكبر من عائد
الإنتاج، ولا يتركون للفلاحين إلا أجورًا ضئيلة لا تتكافأ مع قيمة ما يبذلون من عمل،
فلا يحصل العمال إلا على ما يسُد رمقَهم بينما يخرج أصحاب رأس المال بالنصيب الأكبر،
ويبرِّر أصحابُ رأس المال ذلك بتغطية ما تحمَّلوه من تكاليف، وبأن لهم حقَّ التمتُّع
بعائد استثمار أموالهم التي هي ملكٌ خاص لهم، ولا يستطيع العمال سوى القَبول بأجورهم
المتدنِّية، التي لا تكاد تكفيهم مطالبَ الحياة الضرورية.
١٩
ولا يعني ذلك أن أفكار الطهطاوي الاقتصادية قد اتجهَت نحو الزراعة وحدها؛ فالنموذج
الذي طرحه فيما سبق كان سبيلًا لإيضاح فكرة غياب التوازن بين العمل ورأس المال لقُرائه
الذين ينتمون إلى مجتمعٍ زراعي؛ فقد تضمَّنَت أفكاره الاقتصادية الإشارة إلى الأموال
المستثمَرة في الصناعة والتجارة أيضًا، فيذكُر أن أصحاب رأس المال يحتكرون عائدَ
الصناعة والتجارة على نحوِ ما يفعل مُلاك الأراضي الزراعية.
٢٠ وحذَّر كبارَ المُلاك وأصحابَ رأس المال من الآثار السلبية والاضطرابات
الاجتماعية التي قد تنتُج عن تدنِّي أجور العمال ونصيب العمل من عائد الإنتاج.
وكان اهتمام الطهطاوي بالاقتصاد يتسع ليشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية، مثل التحكُّم
في الموارد الطبيعية، واختراع الآلات والمُعدَّات، وابتداع طرقٍ جديدة للإنتاج في مختلف
مجالات الاقتصاد، فكتب عن رأس المال المُنتِج ورأس المال غير المُنتِج، وصنَّف التجارة
والصناعة والزراعة تحت النوع الأول وصنَّف قطاع الخدمات العامة تحت النوع
الثاني.
٢١
ولفَت الطهطاوي أنظارَ القارئ المصري — لأول مرة — إلى مبادئ الاقتصاد الحديث،
باعتباره فرعًا أساسيًّا من فروع المعرفة، فذكر أنه عندما تحقِّق المعرفة الاقتصادية
تقدمًا في البلاد، فإن ذلك ينعكس على التجارة والصناعة، وقد تؤدِّي إلى اختراع آلاتٍ
وأدواتٍ جديدةٍ لمصلحة الزراعة والصناعة والتجارة، ودراسة الأمور الاقتصادية تُساهم في
تنمية الاقتصاد وتحقيق الرفاهية، من خلال الاستغلال الأمثل للموارد.
٢٢
واعتبَر الطهطاوي تراكُم رأس المال أساسَ ثروة الأمة والمحرِّك للإنتاج القومي، ودعا
إلى استثمار الأموال في أصول الشركات، كالشركات المساهمة، والشركات المالية، والبنوك
التي أسماها «الجمعيات الاقتراضية» فيذكُر أن هناك أمورًا نافعة للاقتصاد، مثل «الشركات
السلمية» ويقصد بها الشركات المساهمة، و«الجمعيات الاقتراضية» التي تقدِّم القروض
للمشروعات الصناعية والزراعية، والتي لا تستطيع الأمة — بدونها — أن تُحرِزَ التقدُّم
الاقتصادي؛ ولذلك وجب على الحكومة أن ترفعَ كلَّ القيود التي تحدُّ من حركتها، وأن
تضمنَ الحرية الاقتصادية لجميع مواطنيها.
٢٣
وقدَّر الطهطاوي أهمية المنافسة كعاملٍ أساسي في تكوين رأس المال وتنمية الاقتصاد،
وانتقد القيم التقليدية المتوازنة التي تعتبر المنافسة نوعًا من الرذيلة، فذكَر أن
المنافسة تتقدَّم كل الفضائل التي يجب أن يتحلى بها المجتمع وتُعَد أكثرها نفعًا؛
فالمنافسة هي التي حقَّقَت التقدُّم للأمم المتحضرة، ولكنها يجب أن تقتصر على ميادين
المعرفة والمنافع العمومية (الاقتصاد) وليس على مجال اقتناء وسائل الرفاهية.
٢٤
واعتبر الطهطاوي الإنتاج — كمًّا وكيفًا — من سِمات الحضارة، ومحدِّدًا هامًّا
للتمييز بين الأمم المتحضِّرة؛ فالتقدم في التجارة والصناعة والزراعة يساعد على رُقي
الأمة، وبذلك وقع على عاتق الدولة ضمانُ الحرية الاقتصادية في مختلف المجالات تحقيقًا
للرخاء، ولكن قد تُضطَر الدولة — في ظروفٍ معيَّنة — أن تضع قيودًا تحدُّ من نطاق
الحرية الاقتصادية، إذا وجدَت أن الناس لم يتأهلوا بعدُ لممارستها.
٢٥
ونستطيع أن نتبيَّن من ذلك الدافع الذي جعل الطهطاوي يضع هذا التحفظ؛ فقد كانت الدولة
في مصر عندئذٍ تضع قيودًا على بعض المجالات الاقتصادية؛ فموقفه هنا جاء على سبيل تبرير
تلك السياسة، رغم اقتناعه التام بأهمية الحرية الاقتصادية في تحقيق تقدُّم
الأمة.
وذهب الطهطاوي إلى أن الدولة يجب أن تُصدِرَ القوانين المنظِّمة للأعمال الصناعية
والتجارية والزراعية، وناقَش بالتفصيل القانون التجاري الغربي، وبيَّن صلاحيتَه للتطبيق
في مصر التي تُبيح — من وجهة نظر الشريعة الإسلامية — الاجتهاد في مجال المعاملات، وفي
ذلك يقول: «ومَن أمعَن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم
الوسائل النافعة من المنافع العمومية؛ حيث بوَّبوا للمعاملات الشرعية أبوابًا مستوعبة
للأحكام التجارية، كالشراكة، والمضاربة، والقرض، والمخابرة، والعارية، والصلح، وغير
ذلك. ولا شك أن قوانين المعاملات الأوروبية استُنبِطَت منها، كالسفتجة، التي عليها
مبنَى معاملات أوروبا، ولم تزل كتب الأحكام الشرعية إلى الآن تُتلى وتُطبَّق على
الحوادث والنوازل علمًا لا عملًا كما ينبغي … إنما مخالطات تجار الغرب ومعاملاتهم مع
أهل الشرق أنعشَت نوعًا هِمَم هؤلاء المشارقة، وجدَّدَت فيهم وازعَ الحركة التجارية،
وترتَّب على ذلك نوعُ انتظام؛ حيث تُرتَّب الآن في المدن الإسلامية مجالسُ تجاريةٌ
مختلطة لفصل الدعاوى والمرافعات بين الأهالي والأجانب، بقوانين في الغالب أوروبية، مع
أن المعاملات الفقهية لو انتظمَت وجرى عليها العمل لما أخلَّت بالحقوق.»
٢٦
وأكَّد الطهطاوي أن من واجب الدولة أن تشجِّع التجارة الخارجية في توفير وسائل النقل
وتأمين سلامة التجار الأجانب. واقترح أن تقوم الدولة بتحويل الأوقاف إلى مؤسَّسةٍ
اقتصاديةٍ إنتاجية باستثمار أموالها في مشروعات الخدمات، كالصحة، والأعمال الخيرية،
وطالب الدولة بفرض ضريبةٍ للدخل على جميع المواطنين دون تمييزٍ يُنفق عائدها على
الخدمات العامة.
٢٧
ويتضح مما تقدَّم أن الطهطاوي كان أكثر اهتمامًا بالفكر الاقتصادي النظري؛ فلم يهتم
بالشئون الاقتصادية اليومية، ولم يحدِّد موقفه منها كما فعل فوكوزاوا؛ فقد قدَّم
الطهطاوي رؤيتَه لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد المثالي، بينما اهتم فوكوزاوا بمعالجة
المشكلات التي كان يُعاني منها اقتصاد بلاده، وقدَّم أفكاره بشأنها، غير أن الرجلَين
اتفَقا في موقفهما النقدي من الموروث الثقافي التقليدي المتعلق بالعمل ورأس المال،
بقَدْر ما اتفقا في المنطلَق العام لأفكارهما الخاصة بإعادة النظر في العلاقات الأسرية
في ضوء الأفكار الحديثة.
٢٨
العلاقات الأسرية الجديدة
كان تناوُل فوكوزاوا للأسرة والعلاقات الأسرية الجديدة من منطلَق اهتمامه بتقوية
الأمة اليابانية وضمان استقلالها، فكانت نقطة الانطلاق في أفكاره الخاصة بالنظام الجديد
للأسرة هو العلاقة بين الزوجَين، التي قادَتْه إلى إثارة قضية وضع المرأة بقَدْرٍ كبير
من التفصيل. وقد اتخذ تحليلُه للوضع الراهن للمرأة – في عصر مايجي – طابعَ النقد للقيم
الثقافية التقليدية المتعلقة بتربية البنات والقيم الكنفوشية التقليدية الخاصة بوضع
النساء وآداب السلوك عندهن. وكان ذلك الوضع موروثًا من المجتمع الإقطاعي الذي يقوم على
نظرية سيادة الذكور في المجتمع؛ لأن الرجال يرتبطون بالسماء على حين ترتبط النساء
بالأرض؛ ومن ثَم وجب على النساء خدمة الرجال وطاعتهم ومعاملتهم باللطف والرقة، وأن
يبدون دائمًا بمظهرٍ نظيفٍ مهندم، وأن يُحسِنَّ أداء واجباتهن المنزلية؛ فالمرأة التي
تحقِّق ذلك كله هي المرأة الفاضلة.
٢٩
وفي نقده للموروث الثقافي الخاص بتربية البنات، ذكَر فوكوزاوا أن تلك التقاليد وضعَها
الرجال لخدمة أنفسهم ولإذلال النساء، وفي ذلك يقول: «إنهم لا يرَون في الزوجة التي تلد
أطفالًا اختلافًا عن الطباخ الذي يطهو الأرز؛ فالطاهي الذي لا يُجيد طهو الأرز لا بد
من
طرده، والزوجة التي لا تلد أطفالًا يجب أن تُطلَّق، وإذا كان الوعاء يمكن أن يحتل مكان
الطاهي، فإن المحظية تستطيع أن تحلَّ محلَّ الزوجة، ومن هنا يأتي القول الشائع أن الرحم
وعاءٌ مستعار، ومعنى ذلك أن الطفل الذي تلده الزوجة ابن أبيه وليس ابنًا لأمه؛ لأن
محصول الأرز الذي ينمو هذا العام جاء نتاجًا للبذور التي بُذرت في العام الماضي، ولا
علاقة للأرض بالمحصول.»
٣٠
وحتى يُثبِتَ فسادَ تلك الأفكار، أعطى فوكوزاوا لقُرائه درسًا في البيولوجي، فذكَر
أن
الطفل عندما يُولَد يكتسب نصفَ جسده من أمه ونصفَه الآخر من والده؛
٣١ ولذلك لا مبرِّر للقول بأن النساء أقلُّ شأنًا من الرجال، واستطرد يقول:
«عندما يتفاخر الرجال بقوَّتهم ويضَعون النساء تحت أقدامهم، فإن ذلك يسبِّب الآلام
لأولئك المستضعفات، ويحرم الرجال من ذراعهم اليمنى، وبذلك يخسر الرجال كما تخسر الأسرة،
وتمتد الخسارة إلى الوطن كله، ولا يؤدي ذلك إلا إلى زيادة الاكتئاب بين الناس،
وإضعافهم، وإضعاف أمتهم.»
٣٢
كان ما يشغل بال فوكوزاوا هو تقدُّم الأمة اليابانية ماديًّا وثقافيًّا، واعتقد أن
ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا حدث تغييرٌ جذري في وضع المرأة اليابانية، وفي ذلك يقول:
«إن فكرتي الخاصة بتقدُّم الأمة تقوم على النهوض بالحالة الذهنية للمرأة، وتشجيعها على
إبراز طاقتها البدنية، وبذلك نضمن ارتفاع المستوى الصحي لبلادنا … إن التعليم الكونفوشي
التقليدي المُسمَّى بتربية البنات لم يعُد له ما يبرِّره؛ لأنه يفرضُ الحظر على النساء؛
فهو ليس سوى فلسفةٍ للظلم والاستبداد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالحالة الصحية
للمرأة.»
٣٣ ويضيف إلى ذلك في موضعٍ آخر: «إن الغرضَ الأساسيَّ من هذا الجدل تأييدُ
المرأة، وتأكيدُ حقوقها؛ لأنني أريد أن تتقدَّم الأمة اليابانية؛ ولذلك على زعماء أمتنا
وقادة التقدُّم الاجتماعي فيها أن يعملوا على فَك قيود المرأة اليابانية على وجه
السرعة.»
٣٤
وذهب فوكوزاوا إلى أن حرية المرأة حجَر الزاوية لتقدُّم المجتمع الإنساني. ويوضِّح
ذلك بقوله: «إذا كان قادةُ مجتمعنا اليوم يزعمون أن المجتمع قد حقَّق تقدمًا يفوقُ ما
كان عليه من قبلُ، فإنهم مُلزَمون بتحرير المرأة بالقَدْر الذي يتوافقُ مع ما تحقَّق
من
تقدُّم مقارنةً بالماضي؛ فقد كان الرجال والنساء أحرارًا في الزمن القديم، ومع تقدُّم
المجتمع البشري احتكَر الرجال الحرية وحرَموا النساء منها، وليس هناك مبرِّر لتلك
الظاهرة، وإنني أُرجع السبب في ذلك إلى التأثير السيئ للكنفوشية التي تدعمَت أركانُها
في عصر طوكوجاوا.»
٣٥
واعتنق فوكوزاوا مبدأ المساواة بين الرجال والنساء، ورأى في الزواج رباطًا يجمع بين
شخَصين مستقلَّين يكوِّنان معًا شركةً واحدةً تُسمَّى الأسرة؛ ولذلك يجب على الرجل أن
ينظر إلى زوجه على أنها مخلوقٌ كامل الأهلية، ويضعها على قدَم المساواة معه، ويناقش
معها كل شيء، ويستشيرها في كل الأمور، ويشاطرها نعيمه وشقاءه، كما يشاطرها الحب
والاحترام.
٣٦ وفي ذلك يقول: «إن الحقيقة القائلة بأن الرجال والنساء لا يختلفون في بِنية
أجسادهم وفي قُدراتهم العقلية، وأنهم متساوون في ذلك، حقيقةٌ مؤكَّدة. وعندما يُقال إن
الإنسان سيد المخلوقات فلا يُقصَد بذلك الرجال وحدهم، ولكن النساء أيضًا يصدق عليهن
ذلك. وعندما يُقال إن الأمة لا تقوم بغير الرجال، والأسرة لا تقوم بدونهم، فيجب أن
يُقال أيضًا إن الأمة لا تقوم لها قائمة بدون النساء، فإذا نظرنا إلى الفكرة القائلة
بأيهما يُعَد أكثر أهمية من الآخر، لا نجد سببًا في التفريق بينهما من حيث الأهمية
والمكانة ونبل الأصل.»
٣٧
ورأى فوكوزاوا أن العلاقة بين الزوج وزوجه يجب أن تقوم على الحب والود والاحترام
المتبادل؛ فمن مصلحة الرجال أن يُدرَّب النساء على مختلف المهارات؛ لأن ذلك يزيد من قوة
العمل في الأسرة، ويُضاعف قوة العمل على مستوى الأمة،
٣٨ فإذا تحقَّقَت المساواة في الحقوق بين الزوج وزوجه، فإن الأمر يقتضي إصدار
قانون يُقِر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في حق الملكية؛ ففي الوقت الراهن لا
تتمتَّع النساء بحق الملكية؛ حيث تنُص التقاليد على أن المرأة لا يجبُ أن يكونَ لها
بيتُها الخاص في هذه الدنيا.
٣٩ ورأى فوكوزاوا أن المرأة إذا أصبحَت مستقلةً اقتصاديًّا «تتضاعف
مسئولياتها، وتتزايد اهتماماتها، وهذه الزيادة في الاهتمامات تُضفي على حياتها متعة،
فإذا تزايدَت الهموم والمُتع ازدادت المرأة نشاطًا من الناحية الذهنية والجسدية، سواء
رغبَت في ذلك أم لم ترغب.»
٤٠
وبعبارةٍ أخرى، ذهب فوكوزاوا إلى أن الاعترافَ للمرأة بحق الملكية الخاصة وما يترتَّب
عليه من استقلالها اقتصاديًّا سوف ينعكس إيجابيًّا على شخصية المرأة اليابانية الجديدة.
كما دعا فوكوزاوا إلى المساواة بين النساء والرجال في الميراث، وفي حق الزواج والطلاق.
وحتى تتحقَّق المساواة بين الرجال والنساء في الزواج، اقترح فوكوزاوا إدخال نظامٍ جديد
بأسماء العائلات تختار العائلة بموجبه اسمًا جديدًا عندما يتم الزواج يختلف عن اسم
عائلة الزوج وعائلة الزوجة، ويضرب لذلك مثلًا طريفًا، فيقول: «على سبيل المثال عندما
تتزوج امرأة من أسرة كتاياما من رجلٍ من أسرة كاجيهارا يمكنهما أن يكوِّنوا أسرةً جديدة
تُسمَّى ياماهارا، فإذا افترضنا أن ولدًا من تلك الأسرة تزوَّج فتاة من عائلة إيتو، فإن
اسم الأسرة الجديدة تصبح ياموتو.»
٤١
ولكن لتحقيق المساواة بين الرجال والنساء يجب تخليصُ النساء من أحوالهن الجسدية
والذهنية السيئة؛ لأن القرون الطويلة من القهر الاجتماعي الذي تعرَّضَت له المرأة
اليابانية جعلها أقلَّ من الرجل من حيث القدرة البدنية، وفي ذلك يقول: «وهناك عاملٌ آخر
يؤثِّر تأثيرًا كبيرًا على النساء في اليابان، ويجعلهن يشعُرن باستمرارٍ بالاكتئاب
والعصبية والحساسية؛ مما يؤثِّر على حالتهن الصحية فيقعن فريسة المرض؛ لأن هذا القهر
الاجتماعي حرمَهن من إشباع رغباتهن في التعبير عن الحب، وقيَّدَهن بقيود التقاليد
العنيفة، تلك التقاليد التي تسود الطبقة الوسطى وما فوقها …
٤٢ إن المتعة غذاءٌ للعواطف، والنساء في اليابان يتضوَّرن جوعًا طلبًا لهذا
الغذاء.»
٤٣
وذهب فوكوزاوا إلى أن النساء لا يجب أن يلزمنَ بيوتهنَّ، بل يُسمح لهن بالخروج وتكوين
الصداقات مع النساء والرجال على حدٍّ سواء، ويجب أيضًا أن تتسع اهتماماتهن لتشملَ كل
شيء داخل وخارج البيوت؛ فهن يحتجن إلى التأكُّد من أن نصفَ الوطن ملكٌ لهن، وبذلك عليهن
أن يغيِّرن من موقفهن من أعماق القلوب، ويقرِّرن ألا يقبلن تهميشَهن من جانب الرجال،
فيما يتعلق بكل الأمور العامة.
٤٤
ودعا فوكوزاوا إلى التعاون بين الرجال والنساء لإنقاذهن من حالة الاكتئاب القائمة،
ومن الاتجاه الذي يؤدي إلى فساد الأخلاق، حتى يضعن أقدامهنَّ على طريق الاستفادة من
المنجَزات الحضارية. واقترح في سبيل ذلك أن تتناقصَ الضغوط الاجتماعية لإعطاء قدْرٍ من
الحرية يسمح بالتعاون بين الجنسَين؛ لأن ذلك سوف يحقِّق نفعًا كبيرًا؛ إذ يؤدي إلى قيام
نوعٍ من التوافق في العلاقات الاجتماعية؛ لأن هذا التعاون بين الجنسَين الذي يقتضي
الالتقاء بينهما يسمو بالعلاقة بينهما إلى أهدافٍ نبيلة، ويحول دون العلاقات المريبة
التي كانت شائعة في الماضي، وسيصبح الناس قادرين على التمتُّع بكل ما هو خيرٌ في العالم
الجديد.
٤٥ وذهب إلى أن التعاون بين الرجال والنساء ييسِّر سبل تبادل المعارف، ويُعلي
من شأن المستويات الأخلاقية.
٤٦
ووجَّه فوكوزاوا نقدًا شديدًا لعادة تعدُّد الزوجات — التي كانت سائدة في بلاده
عندئذٍ — وبنَى وجهة نظره على أن تعداد النساء والرجال متكافئ بين السكان، وأن ذلك يعني
أن لكل رجل الحقَّ في الزواج من امرأةٍ واحدة،
٤٧ وأن ممارسة تعدُّد الزوجات لا يضع خطًّا فاصلًا بين الحيوانات
والبشر.
٤٨ وذكَر أن من واجب قادة المجتمع الذين تشرَّبوا روح الحضارة أن يقضوا على
الظاهرة الاجتماعية المَرَضية التي تتمثل في الاحتفاظ بعددٍ من المحظيات وممارسة الزنا.
ومن أجل القضاء على تلك الظاهرة السيئة طرح فوكوزاوا اقتراحَين؛ أولهما إبعاد المحظيات
عن مجتمع النساء، ومعاملة من بلغن منهن مرتبةَ الزوجة الشرعية معاملة المحظيات، كما
يُفعل نفس الشيء مع الزوجات الشرعيات اللاتي تضمنَت عقود زواجهن النصَّ على شراء
الأزواج لهن مقابل قدْرٍ من المال. وثانيهما عزل بنات الجيشا والمومسات وكل مَن ترتكبُ
أعمالًا آثمة عن المجتمع الإنساني عزلًا تامًّا، ومنعهن من الاتصال بغيرهن من
الأسوياء.
٤٩
وكان تعليم البنات يأتي في مقدِّمة اهتمامات فوكوزاوا، فكتب كثيرًا حول تعليم البنات
في المدارس وفي البيوت. وخلال زياراته الثلاث للغرب وقف على أحوال التعليم في مدارس
البنات هناك، وسجَّل ذلك في كتابه «أمور غربية» وفي كتابٍ آخر حمل عنوان «كل بلاد
الدنيا» ولم يكن في اليابان عندئذٍ تعليمٌ للبنات، وكان تعليمُهن يتم في البيوت. وفي
سنة ١٨٨٢م أصدرَت الحكومة إعلانًا جعلَت فيه التعليم حقًّا لكل المواطنين بما في ذلك
النساء، ودعا فوكوزاوا إلى ضرورة إتاحة التعليم لكل البنات دون تمييز على أساس الثروة
أو المكانة الاجتماعية. وفي ١٨٨٨م وَضَع خطةً لإقامة مدرسةٍ للبنات داخلَ حرَم مدرسة
كيو، ورغم أن المشروع لم يتم إلا أنه خصَّص في مدرسته قسمًا للتعليم الحر
للبنات.
٥٠
وفي الجزء الثاني من سلسلة المقالات التي كتبها فوكوزاوا بعنوان «في تعليم النساء»
اهتم اهتمامًا خاصًّا بالتعليم في البيوت، ووضع إطار ما أسماه بالتربية المُثلى للبنات،
فقال: «عندما تُولَد البنت يجب أن تحظى بالحب والاهتمام الذي يحظى به المولود الذكر،
فلا تُنبذ لمجرد كونها أنثى، وعندما تكبر لا بد من الاهتمام بحالتها الصحية جسديًّا
وذهنيًّا، ويجب ألا تُحرم من التعليم لمجرد كونها أنثى، ويجب إعطاؤها الحرية للخروج إلى
الناس، وتكوين الصداقات، والتعرُّف على المجتمع والعالم كما تتعرَّف على شئون البيت.
وإذا كانت لدى الأسرة أملاكٌ يجب أن توزَّع بالتساوي بين الأبناء ذكورًا وإناثًا، وأن
يتولى كلٌّ التصرُّف فيما يخصُّه بحرية. وفوق ذلك كله يجب أن تتعلم البنت مهنةً تساعدها
يومًا، على حسب عيشها … تلك هي الطريقة المثلى لتعليم النساء تعليمًا عمليًّا في البيت،
وجعلهن يدركن شئون الدنيا بدلًا من الاقتصار على التعليم في المدرسة.»
٥١
وجعل فوكوزاوا من تعليم البنات هدفَه في الحياة تماشيًا مع مبدأ الاستقلال الفردي
والاعتماد على النفس، ورأى أن ذلك التعليم يؤدي إلى تقوية روح الاستقلال، وقد بدأَت أول
مدرسةٍ ابتدائيةٍ خاصة للبنات عام ١٨٧٤م، بعددٍ كبير من الطالبات، ولكن ذلك العدد
تناقَص بسبب تحسُّن التعليم في المدارس الابتدائية العامة، أضِف إلى ذلك أن الآباء
كانوا أكثر استعدادًا للإنفاق على تعليم أبنائهم من تعليم بناتهم. وعندما انحسر الإقبال
على مدرسة البنات الخاصة اضطُر فوكوزاوا أن يعلِّم بناته في البيت على يد معلمين
خصوصيين.
٥٢
واعتقد فوكوزاوا أن الإصلاح المطلوب لليابان بإلحاحٍ هو ذلك المتصل بالعلاقات
الأسرية، وقد رأيناه يُولي العلاقة بين الزوج والزوجة اهتمامًا خاصًّا، وكذلك كان موقفه
من العلاقة بين الآباء وأبنائهم، التي وضعَتْها الثقافة الكنفوشية في إطار الخضوع؛ ومن
ثَم وجَّه فوكوزاوا نقدًا شديدًا لتلك الثقافة التي تفرض على الأبناء الطاعة العمياء،
وتُثقل كاهلهم بالواجبات نحو آبائهم، ولا تذكُر شيئًا عن واجبات الآباء نحو أبنائهم.
وتفرضُ على الأبناء أن يعملوا بجد واجتهاد في خدمة الآباء، ولا تُلزِم الآباء، بتقديم
شيءٍ لأولادهم مقابل ذلك؛
٥٣ فقد جعلَت الكنفوشية الخضوع للآباء واجبًا لا يقبل الجدل، حتى لو كان
آباؤهم لا يقابلون ذلك بالعطف والاهتمام.
وقد شن فوكوزاوا هجومًا شديدًا على أنانية وقسوة الآباء، وطالَب بأن يكون هناك توازنٌ
في توزيع الحقوق والواجبات بين الآباء وأبنائهم، وأن يعمل الآباء على إبداء مشاعر الود،
ويجعلوا من أنفسهم قدوةً حسنة لهم.
٥٤ وتبدو الأنانيةُ واضحةً في الآباء الذين رغم قدرتهم على العمل يبيعون
بناتهم، أو حتى يشجِّعوهن على بيع أجسادهن والاشتغال بالدعارة لينعم الآباء بسعة العيش،
واعتبر فوكوزاوا هذه الظاهرة على درجة من الوحشية تُعادل أكل لحوم البشر؛ فقد استغل
الآباء في تلك الحالة خضوع بناتهم لهم فأكلوا لحومهن.
٥٥
كما أنه ليس هناك ما يبرِّر الخضوع التام من جانب الأبناء لآبائهم الذي يبلغ حد
التضحية بالنفس وتحمل الآلام من أجل الآباء، على زعم أن الآباء تحمَّلوا الكثير من
العَنَاء في تربيتهم لأبنائهم منذ مولدهم، وفي ذلك يقول فوكوزاوا: «إنهم يذهبون في ذلك
إلى حد القول بأن الطفل كان مصدرَ الألم لأمه طوالَ حملها له، وعند ولادته ورعايته
صغيرًا؛ مما يجعله مدينًا لها بالفضل، ولكن الطيور والحيوانات كلها تنجب صغارًا وتتولى
رعايتها، ولا فرق بينها ويبن الآباء من البشر، إلا ما يقع على عاتق بني البشر من مهمة
تربية أبنائهم، وتعليمهم أمور الحياة، إلى جانب تزويدهم بما يحتاجون إليه. والآباء
عندنا يلِدون الأطفال، ولكنهم لا يعرفون كيف يتولَّون تربيتهم.»
٥٦
ولذلك يجب أن تُوضَع حدود على السلطة الأبوية في المجتمع المتحضر. ويجب أن يتوقف
الآباء أولًا عن فرض سلطتهم المطلقة على أبنائهم وبناتهم بمجرد بلوغهم سنَّ الرشد؛ فمن
السخف أن نعاملَ البالغين معاملةَ الأطفال على النحو الذي تقول به تقاليد الطاعة
العمياء للوالدَيْن. ولا يجب أن يتدخل الوالدان خصوصًا في زواج أبنائهم أو يُجبروهم على
العيش معهم بعد الزواج؛ فيجب أن يكون لهم مسكنٌ مستقل وحياةٌ خاصة، وألَّا يفرضوا عليهم
قيودًا لا يقبلها العقل؛ فليس على الأبناء أن يطيعوا والدَيْهم فيما لا يتفق مع العقل،
أو يتجاوز حدود القيم الخُلُقية.
٥٧
وبينما كان تناوُل فوكوزاوا للعلاقات الأسرية الجديدة يدورُ في إطار اهتمامه الأساسي
بتكوين مُواطنٍ ياباني مستقل الشخصية معتمدٍ على نفسه كمتطلَّبٍ أساسي للحضارة
والاستقلال الوطني، عالَج الطهطاوي القضية من منطلقٍ آخر؛ فقد كان الطهطاوي يهدفُ إلى
بناء مجتمعٍ جديد من خلال إعادة ترتيب العلاقات الأسرية. وقد جرَّه سعيُه إلى إقامة
علاقةٍ متوازنةٍ بين الزوجَين إلى أن يطرح للمرة الأولى في العالمَيْن العربي والإسلامي
الدعوةَ إلى حقوق المرأة.
فقد كانت أوضاعُ المرأة في مصر متدنيةً طوال القرون التي شهدَت التخلف الحضاري. وكان
التزامُ المرأة العربية الحذَر، وخاصة في المدن، أسوأ نتيجة لهذا التخلف؛ حيث عُزل
النساء تمامًا داخل بيوتهن، ومُنعن من التعامل مع المجتمع. وأصبحَت أمية البنات من
الفضائل التي يجب رعايتُها، وفُرض عليهن أن يتجهنَ إلى الخدمة المنزلية ومساندة أمهاتهن
في تربية الأطفال. وكان على البنت أن تطيع والدها وأمها وأخاها، وكُبلَت تمامًا بقيودٍ
اجتماعيةٍ ثقيلة. واعتُبر الزواج المبكر للبنات أمرًا طبيعيًّا مطلوبًا، وكن يُمنعن من
الاتصال بعالَم الذكور خارج إطار المحارم بمجرد ظهور بوادر بلوغهن، ولم يكن لهن الحق
في
إبداء الرأي عند الزواج، وكان الزوج يحلُّ محل الأب باعتباره السيد المطلَق الحق في
أمور بيته، وكان على الزوجة أن تُخلصَ في خدمته وطاعته. ووظيفتها الأساسية رعاية أمور
البيت وإنجاب الأطفال وبخاصة الأولاد. وحتى عند توجيه الأطفال كانت سلطةُ الأم محدودةً
بينما كان الأبُ صاحبَ الأمر والنهي في ذلك. وكان تعدُّد الزوجات شائعًا رغم أن الشريعة
الإسلامية تضع شروطًا معيَّنة لإباحته، كما قضت القيم الخُلُقية الدينية والاجتماعية
بأن يطيع الأبناء آباءهم طاعةً عمياء، وأن يرعَوهم عند شيخوختهم.
٥٨
ولما كان الطهطاوي يوقن أن ظروف المجتمع المصري لم تبلغ الدرجة التي تسمح بإدخال
تغييرٍ جذري في وضع المرأة، فقد تناول المسألة بحرصٍ شديد، ولم يقترب منها قبل عام
١٨٧٢م، عندما تعرَّض لها لأول مرة في كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين».
ونستطيع أن نلتمسَ أصولَ أفكار الطهطاوي في تجربته الأوروبية؛ فقد أشار إلى ذلك
المركز الاجتماعي البارز الذي احتلَّته المرأة في فرنسا؛ فبالإضافة إلى مشاركتها في
الحياة الثقافية للبلاد كانت تُساهم كذلك في النشاط الاقتصادي من خلال العمل، وأنه قد
جرَت العادة في تلك البلاد على أن تتولَّى النسوة أعمالَ البيع والشراء بينما يمارس
الرجال أعمالًا أخرى. غير أن صورة المرأة الفرنسية عنده لم تكن برَّاقةً دائمًا؛ فقد
ذكَر أن باريس تُعَد جنةً للنساء وجهنم بالنسبة للرجال، وأرجع ذلك إلى ما تتمتَّع به
النساء من استقلالٍ ومن وضعٍ اجتماعيٍّ خاص، وانتقَد ذلك الوضع بقوله إن: «وقوع اللخبطة
بالنسبة لعفَّة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والحسنة
… العفة تستولي على قلوب النساء المنسوبات إلى الطبقة الوسطى من الناس دون نساء الأعيان
والرعاع؛ فنساء هاتَين المرتبتَين يقع عندهن الشبهة كثيرًا ويُتهَمن في
الغالب.»
٥٩
ولكن الطهطاوي لم يُرجع نقصَ العفة عند المرأة الفرنسية إلى عدم تحجُّبها، بل أرجع
ذلك إلى التربية و«التعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة والالتئام
بين الزوجَين». واتجهَت ملاحظات الطهطاوي الأخرى على المرأة الفرنسية إلى تأنُّقها في
ملابسها، وحرصها على الظهور في أبهى صورة.
٦٠
وعندما طرح أفكاره الخاصة بالمرأة في مصر والعالم العربي أكَّد مبدأ المساواة بين
المرأة والرجل في الصفات الجسدية والقدرات العقلية واختلافها فقط في التنوع؛ فالمرأة
قد
خُلقَت لأداء واجباتٍ بعينها: «خصَّهن الله سبحانه وتعالى دون الرجال بتدبير المعائش
الأولية، والقيام بالأشغال الضرورية والمتاعب المعاشية، ومباشرة فِراش المرضى من
الأزواج والأولاد وغيرهم، وتخفيف الآلام والأسقام، وما أشبه ذلك.»
٦١
ويمضي الطهطاوي قُدُمًا في التنبيه إلى أن دَور المرأة لا يقتصر على ما تقوم به
المرأة من أعمالٍ منزلية ورعايةٍ لأسرتها، بل يذكِّر القُراء بما يحفل به التاريخ
الإسلامي من النساء اللاتي كان لهنَّ مساهماتٌ بارزة في العلم والأدب والشريعة، شأنهن
في ذلك شأن الرجال، وختم ذلك بقوله إنهنَّ ألطفُ من الرجال وأرقُّ حاشيةً وأكثرُ
حساسيةً منهم.
٦٢
ولما كان الزوجان متساويَين في التكوين الجسدي والنفسي وفي القدرات وفي الحقوق،
ويشتركان معًا في الواجبات والتبِعات، وأن على الزوجَين اللذَين يشتركان معًا في بيتٍ
واحد ويجمعُهما الحب والود أن يبذلا أقصى جهدهما لتحقيق السعادة لأسرتهما، وعليهما أن
يشتركا معًا في إدارة أمور الأسرة وفي تربية الأطفال، وأن يركَنا إلى الصبر، والحرص في
تعاملهما معًا، ضمانًا لاستمرار المودة والرحمة بينهم.
٦٣
ورأى الطهطاوي أن العلاقة بين الزوج وزوجته لا يجب أن تكون كعلاقة السيد بعبده؛ فالحب
والمودة والاحترام هي أسس الحياة الزوجية؛ لأن عقد الزواج يعني اتحاد الرجل والمرأة
لتكوين أسرة وإنجاب أطفال وتربيتهم، ولا يمكن لهذا العقد أن يقوم على أساسٍ سوي، إلا
إذا جمعَتْهما المودة والرحمة، إضافة إلى الإخلاص والعفة؛
٦٤ فالاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد للحفاظ على المحبة بين الزوجَين،
وعليهما أن يتحلَّيا بالتسامح، وأن يجعلا من التسامح دليلًا لحياتهما.
٦٥
لذلك لم يُبدِ الطهطاوي ارتياحَه للزواج المبكر، وحذَّر الآباء من إجبار بناتهم على
الزواج ممن لا يحبونهم؛ لأن الحياة الزوجية القائمة على المحبة تحقِّق السعادة للآباء
والأبناء على السواء،
٦٦ ولكن حتى يكون النساء على قدم المساواة مع الرجال يجب أن يتعلمن، فرأى
الطهطاوي أن تعليم البنات ضروري لثلاثة أسباب؛ تحقيق الزواج المتجانس، وتنشئة الأولاد
تنشئةً صالحة، وقيام النساء بالعمل شأنهن في ذلك شأن الرجال، في حدود قدراتهن، لإنقاذهن
من الوقوع بين براثن النميمة في الحريم فيجب أن يتعلم البنات، كما يتعلم الأولاد،
القراءة والكتابة والحساب، فيتأهلن بذلك لنيل حظ من المعرفة يساعدهن على التخاطب مع
الرجال، وتكوين آرائهن الخاصة بهن، كما أن التعليم يساعد النساء على ارتياد مجال العمل،
على نحو ما سبقَت الإشارة إليه.
٦٧
واقترح الطهطاوي نوعًا من تقسيم العمل بين الرجال والنساء؛ بحيث يختص النساء بالتمريض
والتعليم إلى جانب تربية الأطفال التي تُعَد من أجلِّ المهام. ورأى أن «العمل يصون
المرأة عما لا يليق ويقرِّبها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومةً في حق الرجال، فهي
مذمةٌ عظيمة في حق النساء.»
٦٨ ولكن ذلك لا يعني أن المرأة تستطيع أن تشتغل بالسياسة، أو أن تتولى مناصبَ
حكومية فلا تتقلد الحكم أو القضاء، ولعل ذلك يرجع إلى موقفِ الشرع الذي يمنع اختلاط
الرجال بالنساء؛ ومن ثم يحول دون أداء النساء لعملهن حال تقلُّدهن وظائفَ حكومية. ويكفي
النساء أن «يتسلَّطن على قلوب ذوي السلطان»؛ ومن ثم يكون لهن نفوذ في صناعة
القرارات.
٦٩
ودعم الطهطاوي هذه الفكرة برواية القصص عن شهيرات النساء اللاتي تولَّين الحكم في
بلادهن، في الشرق والغرب على السواء، فذكَر من حُكام مصر كليوباترة وشجر الدر، وأشاد
بنجاح حكمَيْهما، وكأنه أراد أن يشير من طرفٍ خفيٍّ إلى أن المرأة تستطيعَ أن تقومَ
بأعباء الحكم على خلاف ما تُقِره الشريعة.
٧٠
ولمس الطهطاوي برفقٍ مشكلة تعدُّد الزوجات التي لها أصولٌ شرعية، فركَّز على أن
الإسلام لم يجعل تعدُّد الزوجات حقًا مطلقًا للرجل دون شروط، وجاء شرط العدل بين
الزوجات في المعاملة في مقدمة تلك الشروط. ولمَّا كان الزواج اتحادًا بين رجل وامرأة
يقوم على المحبة والود، فإنه لا يمكن أن يتحقَّق في حالة تعدُّد الزوجات؛ لأن الرجل لا
يستطيع أن يقع في غرام أكثر من امرأةٍ واحدة؛ ومن ثم فإن المتعة الجنسية قد تكون دافعًا
لتعدُّد الزوجات؛ مما يؤدي إلى المساس بجوهر الزواج. وأيد رأيه بالعديد من القصص
المستمدة من التراث الأدبي التقليدي، التي تشير إلى العواقب الجسدية والاجتماعية السيئة
لتعدُّد الزوجات، لينتهي إلى الاستنتاج بأنه أمرٌ غير مستحب. وإذا كان تحقيق العدل بين
الزوجات أمرًا مستحيلًا، فإن التعدد يفقد مبرِّره القانوني.
٧١ وقد طوَّر المفكرون اللاحقون هذه النقطة، ليصلوا إلى القول بأن القيود التي
وُضعَت لتعدُّد الزوجات تجعل منه أمرًا مستحيلًا بل ومكروهًا.
وأرسى الطهطاوي قواعدَ جديدةً بين الآباء والأبناء فتربية الأطفال — في رأيه — واجبٌ
يقع على عاتق الوالدَيْن وليس فضلًا أو منَّة. وإن تربيةَ الأطفال يجب أن تجمعَ بين
التربية الجسدية والروحية وآداب السلوك؛ فالتربية الجيدة للذكور والإناث تؤدِّي إلى
قيام أمةٍ متعلمة. والأمة المتعلمة تُعِد أبناءها لحماية مصالحها الوطنية وتحقيق
أهدافها.
٧٢
وحتى يحظى الآباء باحترام وتقدير ومحبة أطفالهم، يجب أن يعاملوهم على قدَم المساواة
دون تمييزٍ أو تحيُّز؛ فإن ذلك يؤدي إلى حماية الأطفال من الوقوع بين براثن الغَيرة
والحقد، وتجعلُهم يُحبون بعضهم بعضًا فتسود السعادة والرفاهية الأسرة جميعًا.
٧٣ ولم يتناول الطهطاوي قضيةَ حقوق الأبناء في الميراث؛ لأنها مقرَّرة بالنصوص
الشرعية؛ ومن ثَم فلا مجال لمناقشتها.
وهكذا رغم أن أهداف فوكوزاوا والطهطاوي كانت متشابهة، فإن كلًّا منهما عالج مشكلة
العلاقات الأسرية الجديدة من منطلَق يختلف تمامًا عن صاحبه، بحكم اختلاف الظروف
الموضوعية لليابان ومصر في ذلك العصر. وبينما اتَّسم أسلوب معالجة فوكوزاوا بالجرأة
والرفض التام للقيم الخُلُقية التراثية الخاصة بالأسرة، سعى الطهطاوي إلى تدعيم
أطروحاته باتخاذ الشريعة الإسلامية مرجعًا له؛ فالمساواة بين الناس بغَض النظر عن النوع
ذكرًا كان أم أنثى، وحق الأفراد في الملكية جميعها أمورٌ أقرَّها القرآن وأكَّدتها
السنة؛ فوفقًا للقرآن تُعَد السكينة والمودة والرحمة أسسًا للعلاقة الزوجية، وإن كانت
الشريعة قد ألزمت الزوجة بطاعة زوجها؛ ومن ثَم لجأ الطهطاوي إلى الاستفادة من الجوانب
الإيجابية في التراث الثقافي الإسلامي، واتخذ منها أساسًا لصياغة مفاهيمَ توفيقيةٍ
اجتماعية جديدة، ولكن فوكوزاوا عزل نفسه تمامًا عن الموروث الثقافي التقليدي، ولفظَه
لفظًا تامًّا، واقترح نظامًا اجتماعيًّا مختلفًا عنه تمام الاختلاف. وقد كانت أفكاره
أكثر ليبراليةً من أفكار الطهطاوي في هذا المجال — إلى حدٍّ ما — وخاصة فيما اتصل
باستقلال النساء وتعاونهن مع الرجال واختلاطهن بهم، غير أن الطهطاوي كان أكثر ليبراليةً
من فوكوزاوا لطرحه لأفكاره الخاصة بتعليم المرأة وحقِّها في العمل.