أدَّى تكوينُ الدولة الحديثة في اليابان ومصر إلى ازدياد الحاجة إلى المعارف الغربية
الحديثة، ووقع على عاتق المعلِّمين الكبار، من أمثال فوكوزاوا يوكيتشي ورفاعة الطهطاوي،
صياغة ملامح التعليم الحديث، كلٌّ في بلده. وكان على كلٍّ منهما أن يُدمجَ المعرفة الحديثة
المكتسَبة مع الغرب في إطار الثقافة الوطنية الموروثة ليخلق منها شكلًا جديدًا من المعرفة
يناسب بلده. وبعبارةٍ أخرى سعى كلٌّ من فوكوزاوا والطهطاوي إلى بناء شكلٍ من أشكال المعرفة
الحديثة في بلادهم تُواجِه حاجاتِ المجتمع في مرحلة النمو، دون أن تقطعَ أواصرَ الصلة
مع
الطابع الثقافي المتميِّز للبلاد.
فوكوزاوا يوكيتشي
قدَّم فوكوزاوا نظرتَه الجديدة إلى التعلُّم في الفصل الأول من كتابه «تشجيع
التعليم»، فقال: «إن التعلم لا يقتصر بالضرورة على طلب ما هو غيرُ عملي، كدراسة
التراكيب الصينية الغامضة، وقراءة النصوص القديمة التي تتسم بالصعوبة، أو قراءة وقرض
الشعر؛ فمثل هذه الاهتمامات قد تكون نافعة، ولكن لا يجب أن نبالغ في قيمتها، على نحو
ما
فعل علماء الكنفوشية والثقافة اليابانية في الزمن القديم … فمثل هذا النوع من التعلُّم
يفتقر إلى القيمة العلمية، ولا يخدم حاجات الحياة اليومية؛ ومن ثَم يجب أن يأتيَ هذا
النوعُ من التعلُّم في مكانةٍ ثانوية، وأن يكون اهتمام المرء مُنصَبًّا بالدرجة الأولى
على تعلُّم الأشياء العملية، التي هي أقرب إلى حاجات الإنسان العادية.»
١
وهناك مجالاتٌ إضافيةٌ كثيرة يجب معرفتُها، ويذكُر منها فوكوزاوا الجغرافيا،
والفيزياء، والتاريخ، والاقتصاد، والفلسفة. ودراسة تلك المجالات المعرفية الجديدة لا
يمكن أن تتم إلا بترجمة الكتب الغربية ومعرفة اللغات الغربية. وعندما يُلِم المرء
بالأمور العملية لكلٍّ من تلك العلوم، ذات الموضوعات المتنوعة، يستطيع البحث عن حقيقة
الأشياء، ويوظِّفها في خدمة أهدافه الحالية.
٢ وفي ذلك يقول: «إن الاختراعات العظيمة للبواخر والقطارات البخارية والمدافع
وغيرها من الأسلحة والتلغراف والإضاءة بالغاز، كلها تبدو أشياء عظيمة، ولكنها جاءت ثمرة
الدراسات الدقيقة والتحاليل والفحص الدقيق لأشياء أساسية طبَّقها العلماء على الأمور
الإنسانية؛ فلا يجب أن نندهشَ فقط لعظمة ما توصَّلوا إليه من نتائج، ولكننا يجب ألا
نُهملَ الأفكار البسيطة.»
٣
وفي مدرسة كيو الخاصة التي أسَّسها فوكوزاوا كان الطلاب الجدد يدرُسون العلوم
الطبيعية بصورةٍ مركَّزة، وعندما ينتقلون إلى الصفوف الأعلى كانوا يدرُسون مبادئ
الفلسفة والقانون والسياسة والاقتصاد؛ فقد كان فوكوزاوا يؤمن بضرورة وجود نوعٍ من
التوازن المعرفي بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية في برامج الدراسة، ورأى
فوكوزاوا أن تعليم العلوم الاجتماعية مهمٌّ ليقفَ الطلاب على الشئون الدولية عندما
يبلغون رشدهم فيقول: «في مدرسة كيو نهتم بتدريس كتب الفلسفة والقانون والعلوم؛ ومن ثَم
يستطيعون التمييز بين الصواب والخطأ.»
٤
وانتقد فوكوزاوا الذين يُغفِلون دراسة العلوم الحديثة بينما يتمتَّعون بمنجَزات
الحضارة الحديثة «فالشخص الذي يجهل العلم وينتفع بثمار الحضارة دون أن يدري طبيعتها
يشبه الحصان الذي يأكل العلف دون أن يدري عنه شيئًا، يستهلك فقط ما يجدُه مستساغًا،
وينفرُ مما يجده غير ذلك.»
٥
ولكن إذا لم تكن المعرفة قائمة على قوانينَ محدَّدة؛ فليس هناك أمل لتحقيق أي تقدُّم
على الإطلاق؛ لأنه ما لم يتم وضعها في صيغة قوانينَ محدَّدة يمكن التعامل معها بسهولة،
فإنها لا تلبث أن تموت؛ ولذلك رأى فوكوزاوا أن فشل اليابان في تحقيق التقدُّم والوصول
إلى درجة الدولة المتحضِّرة إنما يرجع إلى غياب الاهتمام بقوانين الطبيعة؛ فقد ركَّزَت
اليابان اهتمامها على نوعٍ من المعرفة بعَينه هي المعرفة الخُلُقية على حساب المعرفة
بالعلوم الطبيعية، واعتقدَت اليابان أن الفضائل الخُلُقية هي مادة الحضارة، ولكنه من
الواضح أن ما يؤدِّي إلى تقدُّم الحضارة هو المعرفة العلمية وليس الإلمام بالفضائل
الخُلُقية.
٦ «فالمعرفة ازدادت مئات المرات منذ الأزمنة القديمة؛ فما كان يخيف القدماء
أصبح يُثير سخرية المحدَثين، وما كان القدماء يشعُرون بقيمته الكبرى، يُثير ضحك
المحدَثين. وقد ازدادت منتجَات العقل البشري يومًا بعد يوم، وأصبحَت المخترعات أكثر من
أن تُحصر، وليس هناك نهايةٌ مرتقبة للتقدم في المستقبل.»
٧
واعتقد فوكوزاوا أن المعرفة الجديدة هي ذلك النوع من المعرفة، الذي يتطلب من كل فرد
أن يبذل الجهد للحصول عليه، وذلك من خلال تنظيم التفكير، الذي يجب أن يحتل المكان الأول
من الأهمية في نظام التعليم؛ فلا يجب أن يُهملَ الناسُ فهم قوانين الطبيعة، ويتركوها
للعلماء المتخصِّصين، ويقنعوا أنفسهم بالقول بأن منتَجات الحضارة عجيبةٌ ورائعة. ويجب
عليهم أن يحاولوا الإلمام باستمرارٍ بالقوانين الطبيعية التي تغلغلَت في حياتهم
اليومية.
٨
فالعالم عند فوكوزاوا يمثِّل تجربة، والروح التي تقود مثل هذا العالم هي روح
الاستقلال. غير أن المعرفة العلمية الجديدة لا تعني التغاضي عن القيم الروحية. ولكنها
تعبِّر عن الروح التي ترى الإنسان والطبيعة من منظورٍ يحتاج إلى النظر إلى القيم
الخُلُقية والروحية نظرةً مختلفة.
٩
وعارض فوكوزاوا الدعوة إلى إحياء الثقافة الصينية التقليدية في المدارس لدعم أخلاقيات
الشباب. وذكَر أن الكنفوشية مزيجٌ من السياسة والأخلاق إلى الدرجة التي يصعُب معها
وصفُها بالعقيدة السياسية أو العقيدة الأخلاقية؛ لذلك فإن الفكرة القائلة بالاستفادة
بالجانب الأخلاقي للكنفوشية بتطبيقها تطبيقًا مباشرًا مجرد وهمٍ ينمُّ عن الجهل. أضِف
إلى ذلك أن المجتمع الياباني أصبح متغيرًا تمامًا في بِنيته عما كان عليه الحال زمنَ
الحكماء أصحاب الفكر التقليدي؛ ومن ثَم ليس هناك ما يدعو إلى القول بأن نظريات تلك
الأيام الغابرة تصلح للتطبيق في الأزمنة الحديثة.
١٠
ويرتبط بهذا الموقف من التراث الثقافي التقليدي نقلُ فوكوزاوا للتغييرات التي طرأَت
على السياسة التعليمية عام ١٨٨١م، وتشجيع التعاليم الكنفوشية كأساسٍ للتعليم الأخلاقي،
فاستنكر فوكوزاوا «سياسة العودة إلى التعليم الأخلاقي القديم، التي أدت إلى تضييق أفق
التعليم العام في حدودِ تعاليمَ أخلاقية لا نفع منها، تقول بولاء الشخص لسيده، وطاعة
الفرد لآبائه، والتطرف في الوطنية، بل رصدَت الأموال لإصدار صحف وتنظيم محاضراتٍ عامة
لهذا الغرض، وبذلك بذلَت الحكومة أقصى جهدها لإعاقة تقدُّم الحضارة في
اليابان.»
١١
ولكن ذلك لا يعني أن فوكوزاوا كان مُعاديًا للقيم الخُلُقية، بل كانت له رؤيتُه
الخاصة لذلك النوع من القيم الذي لا يناسب المجتمع الحديث؛
١٢ فقد طالب بمراجعة التعاليم الكنفوشية، التي تتضمن ضبط النفس، وحسن إدارة
شئون الأسرة، والحكومة الوطنية، والسلام الدولي، إضافة إلى التعاون الدولي، وتوسيع نطاق
الحقوق الوطنية.
١٣ ورأى «أن تقوية الولاء والطاعة والروح الوطنية ليست موضعَ اعتراضٍ بأي حالٍ
من الأحوال؛ فعندما نكوِّن أسرة أو ندبِّر أمر مجتمعنا يجبُ أن نتبعَ قواعدَ سليمة
كأفراد ومواطنين. كما أن على المرء أن يقومَ بواجبه نحو بلاده بحكم انتمائه إليها، وذلك
كله هو مظهر الوطنية الذي أتوقَّعه من كل مواطن. غير أن تلك الروح الجميلة قد تتسبَّب
في وقوع ضررٍ شديد عندما يفسَّر الولاء والطاعة في إطارٍ ضيقٍ على نحو ما نادى به أصحاب
المدرسة التقليدية، فيصنَّف الشخص على أنه يفتقرُ إلى الولاء إذا لم يتبعِ القواعدَ
التقليديةَ في سلوكه تجاه بلاده، فيُعَد خائنًا إذا ما حاد عن الطريق التقليدي. وهذا
النوع من المنطق يُلحِق الضررَ الشديدَ بشعور الولاء والوطنية.»
١٤
واعتقد فوكوزاوا أن فصلَ التعليم عن السياسة، وتحريم تدخُّل السياسة في التعليم،
يعود
بالنفع على المجتمع، ودعا إلى فصل المدارس التابعة لوزارتَي التعليم والصناعة عن هاتَين
الوزارتَين لأن التعليم والسياسة يختلفان في طابعهما بعضهما عن بعض «والسياسة ذاتُ
طبيعةٍ نشطة لا بد أن تستمر في الحركة، ولكن التعليم متمهِّل هادئ، فهما غير متوافقَين،
وسيكون من الصعوبة بمكانٍ تجنُّب الضرر الناشئ عن ارتباطهما بصورةٍ غيرِ
طبيعية.»
١٥
وحتى يدعم فوكوزاوا وجهة نظره، استند إلى التاريخ ليبيِّن كيف أن تلك الفكرة كانت
سائدةً في عصر طوكوجاوا عندما كان لا يُسمح لكبير العلماء أن يتولى منصبًا في الإدارة،
رغم أنه كان يلي الوزراء مباشرة من حيث المرتبة. وقد يُستشار ذلك العالم في أوقات
الأزمات، ولكن دوره في تلك الحالة كان مقصورًا على تقديم النصيحة، ولكن ذلك الفصل بين
التعليم والسياسة لا يعني أن يُحجِم العلماء عن دراسة السياسة، أو تمتنع المدارس عن
تدريسها. وإنما يعني ذلك أن اليابان تحتاج إلى مدارسَ يُديرها المعلمون الذين لا سلطان
للحكومة عليهم، ولا يتحيَّزون لسياسة بعينها. وذلك يعود بالنفع على المجتمع؛
١٦ «فمن الطبيعي أن يوجِّه ناظرُ المدرسة تلاميذَه وَفْق ما يراه مناسبًا، وقد
تُعارض مدرسةٌ مدارسَ أخرى، إذا بقي هذا التعارض في إطار التعليم فإنه لا يضر بالمجتمع،
بل إن المنافسة بين المدارس تحفِّز المزيد من الدراسات، ولكن إذا أصبح لمجموعة من
المعلمين مصالحُ سياسية، فإن رزانة العلماء تتحول إلى عنف وقسوة؛ مما يؤدي إلى مشاكل
لا
نهاية لها.»
١٧
وعندما يقع التداخل بين التعليم والسياسة، فإن أي تغيُّر في أحدهما ينعكس على الآخر،
فإذا زاد حجم التغيُّر يتخذ الانعكاس شكل الاضطراب الكبير. ولتفادي ذلك رأى فوكوزاوا
أن
تُوضَع كل المدارس تحت إشراف الديوان الإمبراطوري، وفي هذه الحالة يُسنِد الديوان إدارة
المدارس إلى المواطنين ذوي الخبرة والكفاءة، ويكلِّفهم بإعادة تنظيم مدارسهم لتصبح
بمثابة مدارسَ خاصة تُدار بصورةٍ تعاونية. وفي نفس الوقت يجب أن تحصُلَ المدارس على
معونةٍ ماليةٍ من الديوان الإمبراطوري تكفي لاستمرارها في أداء واجباتها، على أن يشكَّل
مجلسٌ يضُم العلماء ذوي السمعة العلمية في البلاد، يجتمع بشكلٍ دوري للنظر في أمور
التعليم، تكون له سلطة الإشراف على أنشطة المدارس، وطرق التدريس، وتقرير الكتب، وإجراء
البحوث في التاريخ القديم والنظريات الحديثة، واستخدام اللغة، ووضع القواميس، وتنظيم
النشاط الثقافي دون تدخُّل من جانب الحكومة. وجملة القول يتولَّى هذا المجلس مهمة
المجلس الأعلى للثقافة اليابانية، دون أن تكون له أيُّ سلطاتٍ سياسية.
١٨
ولكن فوكوزاوا لم يكن يدعو إلى إلغاء وزارة التعليم؛ لأن وجودها كان مطلوبًا لمعالجة
الشئون الإدارية الخاصة بالتعليم، مثل إصدار الأوامر لمختلف الجهات لتحديد أعمار القبول
بالمدارس، وتحديد زيادة أو إنقاص أعداد المقبولين، ومتابعة نشاط المدارس وأحوالها
المالية وإدارتها والتفتيش على عملها، وبصفةٍ خاصةٍ كل ما اتصل بالتعليم الإلزامي، لا
يمكن أن يُدار دون وجود مثل هذه الوزارة، غير أن وجودَ وزارة التعليم لا يتعارض مع
واجبات مجلس العلماء الذي اقترحه فوكوزاوا.
١٩
فالديوان الإمبراطوري لا يتولى رعاية التعليم الخاص في اليابان فحسب، بل يشجِّع ويدعم
العلماء في البلاد بمنحهم تكريمًا خاصًّا ومخصَّصاتٍ ماليةً سنوية تكفُل لهم الحرية
لصرف انتباههم عن مشاغل الحياة والتفرغ بالدراسات التي يريدون القيام بها؛ فبرعاية
الديوان الإمبراطوري يستطيع العلماء أن يؤمِّنوا حياتهم، وتأخذ الدراسات في اليابان
بُعدًا جديدًا ترقَى فيه إلى مستوى الأمم الغربية، بل يستطيع علماء اليابان أن ينافسوا
علماء العالم.
٢٠
وكان فوكوزاوا على يقينٍ أن الحضارة اليابانية سوف تحقِّق التقدم فقط بعدما تنحِّي
جانبًا الروح القديمة التي تقيِّد عقول الناس، فإذا لم يتم تنحيتُها على يد الحكومة أو
على يد علماء الثقافة الصينية من اليابانيين، فإن الواجب الأول لعلماء المعرفة الغربية
أن يُوقظوا بين الناس الشعورَ بالاستقلال، ولكنهم لا يستطيعون ذلك إلا إذا كانوا هم
أنفسهم مستقلِّين عن طريق الابتعاد عن تولِّي المناصب الحكومية. وبعبارةٍ أخرى اعتبَر
فوكوزاوا أن علماء المعرفة الغربية قادةٌ للمجتمع، يقع على عاتقهم ترشيد قرارات
الحكومة، وتوجيه الشعب.
٢١
وقد سبَّبَت تلك الآراء ضيقَ زملاء فوكوزاوا من العلماء الذين تولَّوا مناصبَ حكومية،
وكتبوا مقالاتٍ في إحدى المجلات الكبرى، ذكروا فيها أنه يمكن استخدام سلطة الحكومة
لتعليم الشعب ونشر الثقافة الغربية بشكلٍ أسرع، بينما تقتصر الجهود الخاصة على تحقيق
ذلك في مجالٍ محدود؛ لأن اليابان يجب أن تتقدَّم بسرعة، وكانت وجهة نظر فوكوزاوا، على
النقيض من ذلك، تُقيم أسسَ الحضارة على قواعدَ راسخة في أذهان الشعب، ولا تسعى لمجرد
تقديم المعرفة الجديدة.
٢٢
فيرى فوكوزاوا أن التعليم لا يغيِّر ما وهبَتْه الطبيعة للناس، ولكنه يسعى للبحث
عن
المواهب الدفينة فيهم، ويحاول تنميتها بتحسين واقع الحياة. وأبدى معارضتَه للرأي القائل
بأن التعليم يُصيب الشباب بالانطواء والتعالي؛ فليس صحيحًا أن الشخص المتعلم ينظر
بازدراء إلى الفلاح، ولكن التعليم ليس شيئًا يوفِّر قوةً معينة أو يُوجِد عجائبَ
محدَّدة.
٢٣
ورأى فوكوزاوا أن التعليم يجب أن يكون فنًّا عمليًّا موجَّهًا لمصلحة المجتمع، ونصَح
تلاميذه قائلًا: «يجب أن يكون المرءُ مدركًا للمدرسة الكبرى التي يُقال لها المجتمع،
والتي تقع خارجَ فصول الدراسة، وأن يواصلَ تدريبه في تلك المدرسة الكبرى؛ ففي هذه
النقطة يختلف التعليم المتحضر في الغرب عن التعليم التقليدي في الصين واليابان، وفيه
تكمُن قيمة التعليم المتحضِّر. وإذا كان التلميذ قادرًا على الدراسة في الوقت الذي
يتعلم فيه من المجتمع، فإنه سيكون مُهيَّأً لخدمة مجتمعه في الأعمال الخاصة أو
الحكومية، في الصناعة أو التجارة. وسوف يجني من وراء ذلك التدريبَ الذي يؤهِّله
للقيادة؛ فالنشاطُ الأكاديمي يصبح مجرد رياضةٍ ذهنية عندما ينأى عن الشئون الإنسانية،
ويصبح الباحث بذلك بمثابة الولد الماجن في المجتمع.»
٢٤
وحذَّر تلاميذه من أن يفقدَ المرءُ نفسَه في التعليم؛ ففي حفل افتتاح جامعة كيو
الجديدة (٢٧ يناير ١٨٩٠م) ألقى فوكوزاوا خطبةً قال فيها: «وفيما يتعلق بإصراري على ألا
يفقدَ المرء نفسه في التعليم، فمردُّ ذلك إلى أنني أعتبر الدراسة فنًّا عمليًّا؛ فبمجرد
تخرُّجكم احتفِظوا داخل عقولكم بما تعلمتموه، واتجهوا إلى ممارسة أعمالكم في المجتمع،
انغَمِسوا بين حشود الناس واختلِطوا بهم؛ فإن ذلك سوف يغيِّر من أفكارهم، وبذلك تُتاح
لهم فرصة توسيع نطاق التعليم.»
٢٥
ويعكس ذلك نظرة فوكوزاوا إلى التعليم العالي؛ فهو يرى أن يقتصر ذلك التعليم على
النخبة من الشباب الموهوبين، الذين يريدون العمل من أجل تحقيق استقلال البلاد؛ فالتعليم
العام يحقِّق استقلال الفرد بينما التعليم العالي يحقِّق استقلال الوطن.
٢٦
وانفردَت جامعة كيو بالاهتمام بدراسة اللغة الإنجليزية محادثةً وكتابة، وأصرَّ
فوكوزاوا على أن تدريسَ العلومِ الغربية باللغة اليابانية لا يحقِّق القَدْر المطلوب
من
الكفاءة، وأن النظام التعليمي الذي يستخدم الإنجليزية في مختلف مراحله يحقِّق أكبر
الفائدة للشعب الياباني، وتنبَّأ بأن الحضارة اليابانية سوف تحتلُّ مكانةً عاليةً في
العالم الأكاديمي الياباني يومًا ما.
٢٧
ولكن تدريس الإنجليزية واستخدامها كأداة للتعليم لا يعنيان أن مدرسة فوكوزاوا لم
تُساهم في تطوُّر العلم في اليابان؛ فقد تمَّت صياغة الكثير من المصطلحات اليابانية
الخاصة بالعلوم الغربية في مدرسة كيو، كما قدَّم فيها فوكوزاوا لأول مرة فنَّ الخطابة،
وأقام المؤتمرات لأول مرة في اليابان، وصاغ المصطلح الخاص بالخطابة باللغة
اليابانية.
رفاعة الطهطاوي
أدرك الطهطاوي أن تقدُّم أوروبا في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية ما كان
ليحدثَ لولا التقدُّم في مجال التعليم. ولمَّا كانت معرفةُ الناس محدودةً بأنواع
التعليم في الغرب، فقد حَرَص الطهطاوي على أن يوضِّح ذلك في «تخليص الإبريز» مبينًا
لقُرائه الموضوعاتِ الأساسيةَ في التعليم الأوروبي. وقد لفَت نظرَه اتساعُ نطاق التعليم
ليشملَ الذكور والإناث على حدٍّ سواء، وعبَّر عن إعجابه بحيوية النظام التعليمي
الفرنسي، وإقبال العلماء على العلوم الحديثة التي تفرَّغوا لدراستها.
٢٨ وذكَر أن العلماء عندهم يُلِمُّون بمختلف العلوم، ويتخصَّصون في واحدٍ منها
يتبحرون فيه، يكتشفون المواقع الجديدة، وميَّز بين العالِم والمعلِّم والمؤلِّف؛
فالمعلِّم والمؤلِّف ليس بالضرورة عالمًا، كما لاحظ أن العلماء ليسوا من رجال الدين؛
فللعلم مجالاته وللدين مجاله.
٢٩
وقارن الطهطاوي بين حال العلم عند الغرب وحاله في المدارس الكبرى بالعالم العربي،
كالأزهر والمسجد الأموي بدمشق وجامع الزيتونة بتونس؛ حيث يُركز الاهتمام على العلوم
النقلية التقليدية وعلوم اللغة العربية والأدب، على حين يتم التركيز عند الفرنسيين على
العلوم الطبيعية التي تتقدَّم باطراد؛ فلا يكاد يمُر عامٌ دون أن يتوصل العلماء إلى
اكتشافاتٍ جديدة.
٣٠
ووصف الطهطاوي — بإعجابٍ شديدٍ واضح — الحياة العلمية عند الأوروبيين مقارنةً بما
كانت عليه الحال في العالم الإسلامي، فذكَر أن العلماء لا يتوقَّفون عن طلب العلم فور
إنهاء دراستهم النظامية، بل يعتبرون تلك الدراسة بدايةً على طريق المعرفة؛ فليست مهمة
العالم أن ينقلَ ما تلقَّنه من معرفة إلى تلاميذه كما حصَّلها (على نحو ما كان معروفًا
في العالم الإسلامي) ولكن ليتخذَ من تلك المعرفة نقطةَ انطلاقٍ يضيف إليها، ويعدِّل
منها، وَفْق ما يهتدي إليه عن طريق البحث والدراسة. وعدَّ ذلك الحرصَ على البحث الدائم
في مجال العلم سببًا في ثراء أوروبا، الذي تحقَّق عن طريق التبحُّر في العلم.
٣١
وأبدى الطهطاوي اهتمامًا ملحوظًا بالتعليم العالي، وقدَّم وصفًا تفصيليًّا له، واهتم
اهتمامًا كبيرًا بالموضوعات التي كان يتمُّ تدريسُها في المدارس الغربية فاق اهتمامه
بتنظيم إدارة التعليم، ورأى أن تقدُّم التعليم في الغرب يعود إلى عاملَين؛ ميل
الأوروبيين الطبيعي للمعرفة وشعورهم الدائم بالرغبة في البحث والدراسة، والعامل الآخر
دَور الحكومة في تشجيع البحث وضمان حرية العمل للعلماء. وقد لعب العامل الأول دورًا
هامًّا في حياة الغرب العقلية، بينما ساهم العامل الثاني في تطوُّر التعليم.
٣٢
وبهذا الوصف لأحوال العلم والمعرفة في الغرب قدَّم الطهطاوي مفاهيمَ جديدةً للتعليم
والمعرفة، فأكَّد أن التعليم الإسلامي التقليدي لم يكن تعليمًا عمليًّا قادرًا على
تلبية حاجات المجتمع الحديث؛ فهناك علومٌ كثيرةٌ مهمَلة أهميتُها، كالطب، والفلك،
والاقتصاد، والجغرافيا، والتاريخ، والفيزياء، والرياضيات، وغيرها، تحتاج إلى الدراسة،
وتكوين العلماء المتخصِّصين فيها؛ فالتخصُّص في علمٍ بعَينه يفتح طريقَ التقدُّم على
طريق المعرفة، ويؤدِّي إلى إثراء الأمة، ويحقِّق للمجتمع الرخاء والرفاهية.
٣٣
وذهب الطهطاوي إلى أن التقدُّم الحضاري لا يتحقَّق إلا بتحقيق التقدُّم في العلوم
والفنون، التي يُصيبها الركود في الأممِ الأقلِّ حظًّا من الحضارة. ولمَّا كانت المعرفة
هي السبيل للرُّقي الحضاري، وجب على الحكومة أن تتولى تشجيع التعليم ورعاية
العلماء.
٣٤ كما يجب على الحكومة أن تضمنَ حرية النشر وتحرِّم تقييدها بأي سبيلٍ من
السبل؛ لأن تداول المطبوعات يوسِّع دائرة الحضارة، ويشجِّع العلماء على تأليف الأعمال
الهامة وإتاحتها للقُراء.
٣٥ كما يجب على الحاكم أن يشجِّع العلماء بإغداق المِنَح والهِبات لهم إذا كان
ينشُد تحقيقَ التقدُّم لبلاده؛ لأن ذلك يساعد على التنافس في العلم والبحث، ويؤدي إلى
رُقيِّ العلوم والآداب، ويضمن استمرارَ العمل على تطبيق ثمار البحث العلمي على
المجتمع.
٣٦
ورأى الطهطاوي أن التعليمَ ضروريٌّ للإنسان كضرورة الخبز والماء. ولمَّا كان الإنسان
يتميَّز بميزة العقل التي جعلَته يفضُل جميع الحيوانات، فإن عليه أن يتعلَّم كيف
يفكِّر. وقد أطلَق الطهطاوي على القدرة اللغوية والفكرية عند الإنسان اصطلاح «الناطقية»
وشرحه على النحو التالي: «منَحَه الله سبحانه وتعالى قوة الكلام، وخصَّه بقوة الفكر
والفهم والإفهام، ليُدرِك ما في الأشياء التي حوله من المشابهة والمباينة، ويعرف
النِّسَب بين الأشياء الخفية والمُعايَنة.» ويجعل الطهطاوي القدرة اللغوية والفكرية عند
الإنسان مقومًا أساسيًّا لتكوُّن المجتمع البشري والحضارة الإنسانية، فيقول: «لو لم يكن
الإنسان مخلوقًا للتأنس مع إخوانه، والاجتماع مع أقرانه، ليضع معهم هيئةً اجتماعية،
وحالةَ عمرانٍ تمدُّنية، لم يكن لتخصيص الحكمة الإلهية له بصفة الناطقية كبيرُ
مزيَّة.»
٣٧
ولما كان التعليم حجَر الزاوية في بناء الحضارة وتقدُّمها، فقد رآه ضروريًّا لجميع
المواطنين دون تمييز، فيقول: «حُسن تربية الآحاد ذكورًا وإناثًا، وانتشار ذلك فيهم،
يترتَّب عليه حُسن تربية الهيئة المجتمعة، يعني الأمة بتمامها؛ فالأمة إذا حسُنَت تربية
أبنائها، واستعَدُّوا لنفع أوطانهم، هي التي تُعد أمةً سعيدة، وملةً حميدة.»
٣٨
ورأى الطهطاوي أن يكون هدفُ التعليم بناء الشخصية، وليس مجرد حشو الأذهان بالمعلومات؛
فيجب أن يتضمَّن المعرفة بالصحة البدنية، والعائلة وواجباتها، وقواعد السلوك العام،
وفوق كل ذلك الوطنية التي تحرِّك الإنسان لبناء مجتمعٍ متحضر؛
٣٩ فعلى الحكومة أن تتخذ من التعليم أداةً لتكوينِ عقلية الشباب – ذكورًا
وإناثًا – بما يتفق مع أحوال الأمة ونظامها الاجتماعي.
٤٠
وقد قضَى الطهطاوي معظم حياته معلمًا ومنظمًا للتعليم والمدارس، وكان لديه رؤيةٌ
واضحة عما يجب عمله، ووضَع أفكاره التربوية في كتابه «المرشد الأمين»، فرأى أنه يجبُ
أن
يتم ربط التعليم بحاجات ومشكلات المجتمع،
٤١ وأن يكون التعليم الابتدائي عامًّا وموحَّدًا للجميع ذكورًا وإناثًا دون أي
تمييز، باعتباره المصدرَ الأساسيَّ للمعرفة العامة،
٤٢ وأن يكون التعليمُ الثانوي رفيعَ المستوى لا يُقبل به إلا الطلاب ذوو
الكفاءة والتميز، أما مَن لا تؤهِّلهم قدراتُهم للالتحاق بالتعليم الثانوي، فيتمُّ
تدريبُهم على حِرفةٍ أو صناعةٍ معيَّنة.
٤٣ أما التعليم العالي فيجب أن يكونَ مقصورًا على القادرين من أبناء الذوات
(الأرستقراطية). ويعبِّر عن ذلك بقوله: «درجة العلوم العالية المعدَّة لأرباب السياسات
والرئاسات، وأهل الحل والعقد في الممالك والحكومات، فإنه ينبغي أن يقتصدَ في تعليمها
والتضييق في نطاقها، أن كل من طلَب الاشتغال بالعلوم العالية لا بد من أن يكون صاحب
ثروة ويسار.»
٤٤
ورغم أن الطهطاوي أقرَّ حق المواطنين جميعًا في التعليم الابتدائي والثانوي دون
تمييزٍ على أسسٍ اجتماعية أو نوعية، إلا أنه جعل التعليم العالي مقصورًا على النخبة،
ولكنه كان أول مفكِّر عربي يطالب بإتاحة التعليم العام للبنات، وجعله مقياسًا لدرجة
تحضُّر الأمة.
٤٥
وفي اتساقٍ تام مع فكرة أن يتخذَ التعليم منطلقًا عمليًّا من أجل منفعة المجتمع،
وضع
الطهطاوي برامج الدراسة في التعليم العام، فرأى أن تتضمَّن المرحلة الابتدائية القراءة،
والكتابة، والقرآن الكريم، والرياضيات، والهندسة، والنحو.
٤٦ إلى جانب الرياضة البدنية، وبعض أنواع التدريب المهني،
٤٧ وبالنسبة للتعليم الثانوي تتضمَّن برامج الدراسة الرياضيات، والجغرافيا،
والتاريخ، والفلسفة، والأحياء، والفيزياء، والكيمياء، والإدارة، والزراعة، والإنشاء،
والخطابة، وبعض اللغات الأجنبية.
٤٨ وذكَر أن التعليم العام يجب أن يُحيطَ الطلاب بمبادئ الشريعة الإسلامية
والقانون المدني والإجراءات الإدارية، حتى يكون الطلاب على وعيٍ تامٍّ بما لهم من حقوقٍ
وما عليهم من واجبات.
٤٩
واعتبَر الطهطاوي الدينَ من الأسس الروحية للحضارة، التي يجب أن تُوضَع في مناهج
التعليم العام، فرأى أن التعليم الديني يمثِّل حجَر الزاوية في تكوين الأخلاق والسلوك
السوي، ويتضمَّن منهج الدين القرآن والسنة والفقه،
٥٠ وأكَّد أن الأمور التي قرَّرها الدين لا تخضع للتفكير العقلي؛ لأن الدين
يتولى تحديد إطار السلوك الإنساني؛
٥١ ومن ثَم فتدريس الدين بالمدارس ضروري على طريق طلب الحضارة؛ لأن الإسلام
يستطيع أن يَبْنيَ حضارةً عظيمة؛ لأن الإسلام معيارُ الحضارة، فيجب أن يكون أساسيًّا
في
التعليم.
٥٢
هذا الموقفُ من تعليم الدين وقواعد السلوك الأخلاقي كان من نقاط الاختلاف بين
فوكوزاوا والطهطاوي، أما نقاط الخلاف الأخرى فهي استقلال التعليم، والفصل بين التعليم
والسياسة، وتأكيد الاستقلال الفردي كهدفٍ للتعليم، واستخدام اللغة الأجنبية كأداةٍ
للتعليم؛ فقد كان موقف فوكوزاوا من تلك الأمور راديكاليًّا صارخًا، بينما كان موقف
الطهطاوي توفيقيًّا معتدلًا؛ فموضوع الدين في اليابان ليس على تلك الدرجة من الأهمية
التي نشعُر بها نحن في العالم العربي والإسلامي. كما أن الطهطاوي كان يَدين بكلِّ ما
حقَّقه على صعيد العلم والمكانة والثروة للدولة ولولي الأمر،
٥٣ على عكس فوكوزاوا الذي كان رجلًا عصاميًّا مستقلًّا.
غير أن فوكوزاوا والطهطاوي كان لهما موقفٌ محدَّد من المعرفة الغربية، باعتبارها
أساسَ التعليم، كما دعا كلٌّ منهما إلى تحقيق التوازن في برامج التعليم بين العلوم
الطبيعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، واتفَقا على أن التعليمَ والمعرفةَ الحديثة
هما مفتاح الطريق إلى الحضارة، وأن العلم والتعليم يجب أن يحظيا برعاية سلطة السيادة
في
الدولة (الإمبراطور في اليابان وولي الأمر في مصر)، كما اتفَقا في أن يكونَ التعليمُ
العالي نخبويًّا، ولكن الطهطاوي كان أكثر ليبراليةً وتقدمًا من فوكوزاوا فيما يتعلق
بتعليم البنات.