الفصل الخامس

على طريق الحضارة

كان تحقيقُ التقدم دائمًا الشغلَ الشاغلَ لرُوَّاد فكر التنوير، والمحور الذي تدور حوله أفكارهم، وكذلك كان الحال بالنسبة لفوكوزاوا والطهطاوي؛ فكلاهما رأى في التاريخ عمليةً تقدميةً في التطور نحو تحقيق الحضارة. واستطاع الرائدان من خلال دراسة التاريخ دراسةً متأنيةً أن يكتشف كلٌّ منهما موقع المنجَزات الحضارية، وكيف أصبح الحاضرُ أفضلَ من الماضي؛ ومن ثَم يمكن استشرافُ التقدم في المستقبل.

وفي سعيهما على طريق الحضارة، كما كان يتمثل في النموذج الغربي؛ صاغ كلٌّ من فوكوزاوا والطهطاوي آراءهما فيما يتصل بتحقيقِ نمطٍ حضاريٍّ خاصٍّ ببلد كلٍّ منهما يتناسب مع ظروف مجتمعه.

فوكوزاوا يوكيتشي

لم يحاول فوكوزاوا أن يكتب تاريخًا مستفيضًا لليابان، ولكن كتاباته عن الحضارة قادَتْه إلى تقديم أول نقدٍ للمدرسة التقليدية التاريخية في اليابان؛ فقد رأى أن تلك المدرسة قد جانبَها الصوابُ عندما أعطت السلوك الأخلاقي للحاكم ووزرائه أهميةً كبرى؛ فليس من الحكمة أن نتصوَّر أن تتحقَّق الرفاهية في بلدٍ ما لمجرد تمتُّع حكامها بحُسن الخلق؛ لأن شعور الناس بالاستقرار والرفاهية يعتمد على ما بلغوه من درجة التقدُّم، ويعتمد هذا بدوره على «روح العصر» وليس على السلوك الخُلُقي للحكام؛ فقد كان لروح العصر (Jisei) تأثيرٌ كبيرٌ فعَّال على أعمال عظماء الرجال؛ لأن الأبطال والعظماء لا يمكنهم ابتداع أحداثٍ خارجة عن روح العصر؛ فلا يحققون النجاح إلا عندما يسايرونها.١ ولما كان التقدُّم قانونًا طبيعيًّا، فقد رأى فوكوزاوا أن الإنسان بطبعه مرهونٌ بالتقدم مرتبطٌ به؛ ومن ثَم يأخذ بأسبابه بصورةٍ طبيعيةٍ دون أن يشعر بذلك. ولا شك أن عملية التقدُّم قد تتوقف لأسبابٍ غير طبيعية لمدةٍ زمنيةٍ معيَّنة، ولكنها ما تلبث أن تندفع كالمد لتكتسحَ كل العقبات التي تقفُ في طريقها. وفي مثل تلك الحالات قد تبدأ «روح العصر» على شكل آراء تطرحها مجموعةٌ محدودةٌ من الناس، ولكن لأنها تعبيرٌ عن عمليةٍ حتميةٍ فلا تلبثُ أن تعبِّر عن نفسها لتصبح رأيًا عامًّا، وتقدِّم الفرصة لارتقاء درجة من درجات التقدُّم.٢
وكان مفهوم الحضارة عند فوكوزاوا نسبيًّا، وفي ذلك يقول: «عندما نتحدث عن الحضارة في عالم اليوم نجد أن الأمم الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تمثِّل أرقَى الأمم حضارة، ونجد البلاد الآسيوية مثل تركيا والصين واليابان تندرج تحت ما يمكن أن نُسمِّيه بلادًا شبه متقدمة، بينما نجد بلاد أفريقيا وأستراليا لا تزال بدائية … ولما كانت الفوارقُ بين البلاد في هذا الصدد فوارقَ نسبيةً بالضرورة، فليس هناك ما يمنع مَن لم يتعرَّف عن الحضارة الأرقى من أن يظنَّ أن مرحلةَ ما يشبه التقدُّم التي تعيشها بلاده هي ذروة التقدم. ولمَّا كانت الحضارة الغربية أرقى قياسًا بالبلاد شبه المتقدمة، فإن هذه الأخيرة تُعَد راقيةً قياسًا بالمجتمعات البدائية.»٣
وذهب فوكوزاوا إلى أن الحضارة تتسم بالحيوية والحركة، فهي ليست شيئًا ميتًا؛ فهي تمُر بدوراتٍ ومراحل؛ فالمجتمعات البدائية تمُر بمرحلة شبه التقدم، والمجتمعات شبه المتقدمة تمُر بمرحلة الحضارة، والحضارة ذاتها تتطور إلى أشكالٍ أرقى باطِّراد، «ومن ثَم يمكن اعتبار أوروبا اليوم تمثِّل أعلى مستوًى من التقدُّم الفكري الذي استطاع الإنسانُ تحقيقَه في هذه المرحلة التاريخية، ويصدُق هذا على جميعِ بلاد العالم، سواء كانت بدائيةً أو شبهَ متقدمة؛ فعلى كل مَن يهتمون بتقدُّم بلادهم على طريق الحضارة أن يتخذوا من الحضارة الأوروبية أساسًا للجدل، وأن يَزِنوا الإيجابيات والسلبيات بمعيارها.»٤
وفي كتابه «إطار نظرية الحضارة» كان معيار الحضارة عنده هو الحضارة الغربية التي اتخذَها أساسًا لتقييم كل شيء، ولكنه لم يَعنِ بذلك الأخذَ بالحضارة الغربية كما هي باعتبارها نموذجَ الحداثة في كل البلاد. وإنما دعا إلى تطويع الحضارة الغربية لحاجات كل بلدٍ من البلاد ومزاج كل أمةٍ من الأمم النابع من تقاليدها الاجتماعية، وفي ذلك يقول: «يجب أن نتبع أسلوبًا انتقائيًّا في تطبيق الحضارة الأجنبية على المجتمعات شبه المتقدمة، فيجب أن نميِّز في الحضارة بين ما هو مظهري وما هو جوهري، فمن السهل أن نأخذَ الأول على علَّاته على حين يصعُب علينا أن نفعل ذلك مع الآخر، والآن عندما نهدفُ إلى جلب الحضارة للبلاد، فإن أصعبَ ما يمكن عملُه يجب أن نبدأ به، ونترك الأسهلَ للنظر فيه فيما بعدُ. أما إذا اتبعنا عكسَ ذلك، وأخذنا بالجانب الأكثر سهولة قبل أن نأخذ بالجانب الأصعب، فإن ذلك الجانب الأسهل يكون غالبًا لا نفع له، بل يكون ضارًّا أيضًا.»٥
وذهب فوكوزاوا إلى أن المظاهر الخارجية للحضارة تُعَد جميعًا ذات طابعٍ تطبيقي، كالطعام، والملابس، والمسكن، ومختلف الأدوات والمعدَّات ونحوها، وكذلك الإجراءات الحكومية، والقوانين والمؤسسات على اختلاف أنواعها، فإذا اعتبرنا كلَّ تلك المظاهر الخارجية حضارة، فإن كل أمة ستتبعُ منهجًا انتقائيًّا لتطبِّق تلك المظاهر على طريقتها؛ ولذلك يجب على البلاد الآسيوية ألا تقلِّد أسلوبَ الغرب تقليدًا أعمى؛ لأن ذلك لا يمكن أن يُعَد حضارة، نظرًا لاختلاف تلك البلاد عن المجتمعات الغربية. وفي ذلك يقول: «لا يجب أن نقيِّم حضارة بلدٍ ما من خلال مظاهرها الخارجية؛ فالمدارس، والصناعة، والجيش، والبحرية جميعها مجرد أشكالٍ خارجية للحضارة. وليست هناك صعوبةٌ في إيجاد تلك الأشكال التي يمكن شراؤها بالمال، ولكنَّ هناك مكوِّنًا روحيًّا إضافيًّا فيها لا يُرى بالعين المجردة، ولا يُسمع ولا يُباع أو يُشترى، كما لا يمكن استعارته. غير أن تأثيره على الأمة عظيم، وبدونه تفقدُ المدارس والصناعات والمؤسَّسات العسكرية معناها؛ فلا شك أن القيمة الكبرى للحضارة تكمُن في روحِها التي هي في نفس الوقت روحُ الاستقلال الكامنة في الشعب.»٦
ورأى فوكوزاوا أنه يجب ألا تستوردَ اليابانُ المظاهرَ الخارجية للحضارة فقط، ولكنها يجب أن تبدأ بخلق روح الحضارة الخاصة بها؛ لأن «حجر الزاوية للحضارة الحديثة يمكن إرساؤه فقط عندما يتغيَّر الشعور الوطني تغيرًا ثوريًّا، وتتغير معه مؤسسات الحكومة. وعندما يحدُث ذلك فإن قواعدَ الحضارة سوف ترسو، وستتكوَّن المظاهر الخارجية المادية للحضارة تبعًا لذلك، في صورةٍ طبيعية، دون حاجة إلى بذل الجهد من جانبنا، سوف تأتي دون أن نطلبها، وتتحقق دون أن ننشُدها؛ ولذلك أقول إن علينا أن نُعطيَ الأولوية للجانب الأصعب الخاص باستيعاب الحضارة الغربية. يجب أن نُصلِح أولًا من شأن أفكار الناس، ثم ننتقل بعد ذلك إلى إصلاح نظام الحكومة، وفي النهاية نتجه إلى المظاهر الخارجية … ونستطيع أن نحفظ النظام، ونجعله يبدو يسيرًا، ولكن ذلك الاتجاه يقودنا إلى طريقٍ مسدود. وسيكون ذلك وكأننا نضع وجوهَنا على حائطٍ حجري.»٧
ورأى أن الشكل السياسي للحضارة لا يجب اعتباره معيارًا للحضارة كلها؛ إذ يجب تغييره إذا أثبت عدم صلاحيته. ولمَّا كانت الحضارة هي الهدف الوحيد للبشرية، الذي يمكن تحقيقُه عبْر طرقٍ متعدِّدة، فإن التقدُّم المعقول هو الذي يمكن تحقيقُه من خلال عمليةٍ طويلةٍ تقوم على التجربة والخطأ؛ ولذلك لا يجب أن تتجه أفكار الناس اتجاهًا واحدًا لا بديل له؛ لأن التجربة هي روح التقدم. ويضيف قائلًا: «لم تكن هناك قَط حضارةٌ بلغَت حد الكمال، كما لم يكن هناك شكلٌ من أشكال الحكم بلغ الحد، فإذا وصلنا يومًا إلى حضارةٍ كاملة، فسوف تصبح الحكومة على درجةٍ عاليةٍ من الاستبداد، وعند تلك المرحلة لن نكون في حاجةٍ لتفضيل شكلٍ على آخر، أو أن نختلف حول المسمَّيات، ونظرًا لأن الحضارات في عالم اليوم تقف في منتصف طريق التقدم، فإن النظم السياسية لا تزال تمُر بعملية التطور؛ فالأمم تختلف فقط في نسبة تطورها.»٨
ورأى فوكوزاوا أن الحضارة علاقةٌ تعاقدية بين الناس؛ ومن ثَم كان تحقيقها هدفًا حيويًّا للبشرية، ويحتوي ذلك التعاقد على نوعٍ من تقسيم العمل بين الناس يقوم فيه «كل شخص بأداء دوره في تحقيق هذا الهدف، فتختصُّ الحكومة بحفظ النظام وتسيير الأمور، ويركِّز العلماء جهودهم على المجالات الفكرية، لاكتشاف البدائل التي تُستخدم في المستقبل، وتبذلُ الصناعة والتجارة الجهد في مجالهما للمساهمة في تكوين ثروة الأمة. وبذلك يقدِّم كل فريقٍ مساهمته في صنع الحضارة.»٩
ويرى فوكوزاوا أن تقدُّم الحضارة يتضمَّن التطور العقلي والخُلُقي للشعب ككل. وبعبارةٍ أخرى، ترتبط الحضارة بالمعرفة والفضائل التي تتسم بالتباين، ولكنها تتكامل معًا في نهاية الأمر.١٠ ويطرح فوكوزاوا سؤالًا عن هدف اليابان من السعي على طريق الحضارة، فقال إنه يجب التمييز بين ما هو موروث وما هو مكتسَب، وذلك للحفاظ على استقلال البلاد. وأضاف: إن السبيل للحفاظ على الاستقلال لا يمكن أن ننشُده إلا بتحقيق الحضارة. ويمضي قائلًا: «إن السبب الحقيقي الذي يجعل الناسَ اليومَ في بلادنا يحثُّون الخُطَى نحو الحضارة هو الحفاظ على استقلال بلادنا؛ ومن ثَم فاستقلالُ بلادنا هو الهدف، وسعيُنا على طريق الحضارة هو السبيل لتحقيقه … فبدون الحضارة لا يمكن الحفاظ على الاستقلال؛ فالحديث عن الاستقلال أو عن الحضارة هو حديثٌ عن قضيةٍ واحدة.»١١
ولذلك كان لزامًا على اليابان أن تحقِّق مرحلةً متقدمةً من الحضارة لتحافظ على استقلالها، وأحسَّ فوكوزاوا أن اليابان يجب أن تستوعبَ الحضارةَ الغربية حتى تحقِّق حضارتها الحديثة الخاصة بها؛ ولهذا الغرض كتب كتابه «إطار نظرية الحضارة» ليحدِّد معالم طريق اليابان إلى الحضارة، وليخلق حضارةً يابانيةً متميزة تمزجُ المكتسَب من الغرب بالموروث الياباني، فتكسبُه قوةً روحية، وتزوِّده بروح التقدُّم. وقد قدَّم فوكوزاوا تفسيرًا عامًّا للحضارة، وتحليلًا تاريخيًّا للحضارة اليابانية، بهدف الوصول بالحضارة اليابانية إلى نفس المستوى الذي وصلَت إليه الحضارة الغربية.١٢

رفاعة الطهطاوي

نظر رفاعة الطهطاوي إلى التاريخ من نفس الزاوية التي نظر إليه منها فوكوزاوا، باعتبار التاريخ حركةً تقدُّميةً يقطعها الإنسان على طريق الحضارة، وسجلًّا للحضارة البشرية. ومن بين مؤلَّفاته المتأخرة كتابٌ في مجلدَيْن عن تاريخ مصر — سبقَت الإشارة إليه — وكان الكتاب قد قصد به أن يكون الأول في سلسلة تعرضُ لكل ما يجب أن يعرفَه المصري الحديث عن بلاده؛ لأن الطهطاوي رأى أن دراسة التاريخ تُفيد الأمم؛ فهي تلعب نفس الدور الذي يلعبه التعليم العام في صياغة الروح الوطنية؛ لأنه يتضمَّن تجارب الماضي التي تُعين الأمة على حل مشاكلها الراهنة.١٣
ورأى الطهطاوي أن دراسة التاريخ تؤدى إلى الوصول إلى نتيجتَين؛ أولاهما أن الحضارة مجرد مرحلة من مراحل التطور وليست ذروة ذلك التطور، وثانيهما أن الناس يجب أن تتوفر لديهم الرغبة في المضيِّ على طريق الحضارة والتضحية في سبيل تحقيقها. وأرجع الطهطاوي نجاحَ أوروبا في بلوغ ما حققَته من الرُّقي الحضاري إلى ثلاثة أسباب؛ أولًا ما أبداه الأوربيون من روح المبادرة والحيوية، ثانيًّا اتباعها لنظامٍ سياسي يقوم على الحرية والعدالة، وثالثهما حرصهم على الاستفادة من صِلاتهم بالشعوب الإسلامية ذلك الاتصالَ الذي كان سلبيًّا زمنَ الحروب الصليبية وإيجابيًّا في إسبانيا وإيطاليا؛ فكان الأوروبيون قادرين على الاستفادة من اتصالهم بالبلاد الإسلامية؛ لأن عقولهم كانت متفتحة، وإن اختلفوا عنهم في العقيدة؛ ومن ثَم رأى الطهطاوي أن الوقت قد حان كي يتجهَ المسلمون والعرب إلى التعليم من أوروبا دون تردُّد.١٤
وأكَّد الطهطاوي أن الاتصال بأوروبا يحفِّز التقدم الحضاري في البلاد العربية؛ لأن الاتصال بالبلاد الأجنبية يماثل حرية العمل، ولا يستقيم بدونها، وأن الدافع لمن يقومون بهذا الاتصال طلب العلم والمعرفة وخدمة أهداف الأمة، والاتصال بالأجانب وخاصةً أهل العلم منهم يزوِّد الوطن بأسباب التقدم.١٥ وامتدح الطهطاوي محمد علي لإنهائه عُزلة مصر وتشجيعه الاتصال بالأجانب؛ لأن ذلك يعود بالنفع على الاقتصاد المصري، ويدفَع بالبلاد على طريقِ التقدم الحضاري.١٦
وقد دعا الطهطاوي إلى استيعاب كل فروع المعرفة، فيما عدا ما اتصل بالدين المسيحي، وتحفَّظ على بعض مجالات الفلسفة الغربية التي تتناول أشياء تتعارض مع ما جاء بالكتب المقدسة؛ ولذلك اشترط على مَن يقبل على دراسة الفلسفة أن يكون ضالعًا في العلوم الشرعية، حتى لا تؤثِّر تأثيرًا سلبيًّا على إيمانه.١٧ واستخدم الطهطاوي مصطلح «التمدن» عند وصفه للتطور الاجتماعي والاقتصادي في أوروبا، وقسَّم التطور الحضاري إلى ثلاثِ مراحل، ضرب أمثلةً طريفةً لكلٍّ منها، فقال: «فكلما تقادم الزمنُ في الصعود رأيتَ تأخُّر الناس في الصنايع البشرية والعلوم المدنية، وكلما نزلتَ ونظرتَ إلى الزمن في الهبوط رأيتَ في الغالب ترقِّيَهم وتقدُّمَهم في ذلك.
وبهذا الترقِّي وقياس درجاته، وحساب البُعد عن الحالة الأصلية والقُرب منها، انقسم سائر الخلق إلى عدة مراتب:
  • المرتبة الأولى: مرتبة الهمَل المتوحشين.
  • المرتبة الثانية: مرتبة البرابرة الخشِنين.
  • المرتبة الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضُّر والتمدُّن.

مثال المرتبة الأولى همَل بلاد السودان، الذين هم دائمًا كالبهائم السارحة، لا يعرفون الحلال من الحرام، ولا يقرَءون ولا يكتبون، ولا يعرفون شيئًا من الأمور المسهِّلة للمعاش، أو النافعة للمعاد …

ومثال المرتبة الثانية عرب البادية؛ فإن عندهم نوعًا من الاجتماع الإنساني والاستئناس والائتلاف … غير أنهم أيضًا لم تكتمل عندهم درجة الترقِّي في أمور المعاش والعمران والصنايع البشرية والعلوم العقلية والنقلية … ومثال المرتبة الثالثة بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم والإفرنج والمغرب وسنار وبلاد أمريقة على أكثرها وكثير من جزائر البحر المحيط؛ فإن جميعَ هؤلاء الأمم أربابُ عمران وسياسات وعلوم وصناعات وشرائع وتجارات، ولهم معارفُ كاملة في آلات الصنايع … ولهم علمٌ بالسفر في البحور، إلى غير ذلك. وهذه المرتبة الثالثة تتفاوت في علومها وفنونها وحسن حالها وتقليد شريعة من الشرائع وتقدُّمها في النجابة والبراعة في الصنايع المعاشية، مثلًا البلاد الإفرنجية قد بلغَت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة أصولها وفروعها …»١٨
وقد عارض الطهطاوي التقسيم التقليدي الإسلامي للعالم إلى دار الإسلام ودار الكفر؛ ففي التصنيف الحضاري الذي أورده أعلاه وضع البدو العرب الذين يُعَدُّون مادة الإسلام ضمن شريحة البرابرة، بينما وضع المسيحيين الأوروبيين في نفس الشريحة التي ضمَّت العرب والفرس والأتراك، واعترف لهم بتفوقهم في مجال المعرفة. وجعل هذا أساسًا لتجديد علاقة العرب بأوروبا في العصر الحديث. وفي كتابات الطهطاوي ترِد عبارة «البلاد الغربية» لأول مرة في الأدبيات العربية لتعبِّر عن أوروبا وغيرها من بلاد الغرب كمُقابلٍ للعالم الإسلامي، وبذلك أراد الطهطاوي أن يبيِّن أن هناك الغرب في مقابل الحضارة الإسلامية، وأن لكلٍّ من الحضارتَين جوانبها الإيجابية، فامتازت الحضارة الإسلامية بالشريعة، على حين امتازت الحضارة الغربية بالمعرفة العلمية.١٩
وعند تمييزه بين الحضارتَين ذكَر الطهطاوي أن الفارق بينهما يتمثل في روحانية الشرق ومادية الغرب، فيذكر في «تخليص الإبريز» أن الفرنسيين ماديُّون يسعَون لتحقيق الثروة المادية؛ ومن ثم يختلفون عن العرب في ذلك؛٢٠ ولهذا السبب لا يرى أن العرب يستطيعون أن ينهَجوا نهجَهم حتى يتم استيعابهم للحضارة الأوروبية؛ ولذلك سعى للتعرُّف على أسس تلك الحضارة التي يستطيع العرب أن يفيدوا منها وأن يكتسبوها.٢١
وهنا نجد الطهطاوي يميِّز بين مكوِّنَين من مكوِّنات الحضارة؛ المكون الروحي الذي يتصل بالأخلاق والعادات والسلوك، ويتمثل في الدين والشريعة، والمكوِّن الآخر مادي يتصل بالمنافع العمومية، كالزراعة والتجارة والصناعة، وهو ضروري لتحقيق التقدُّم. غير أن الوصول إلى درجةٍ عاليةٍ من الرقي الحضاري يحتاج إلى المزج بين العنصرَين، وإلا كان التطور مختلًّا. ورأى الطهطاوي أن الأخذ بالمظاهر الخارجية للحضارة الأوروبية، كالملابس، والأدوات، ونمط الحياة اليومية لا يحقِّق التقدم الحضاري، ولكن التغيُّرات البنيوية المادية والروحية هي التي تجعل التقدُّم الحضاري ممكنًا.٢٢
ورأى الطهطاوي أن العرب (والمسلمين) يجب أن يقتبسوا بعض المظاهر النافعة من الحضارة الغربية، على أن يكون ما يقتبسونه منها في إطار القيم الخُلُقية والمبادئ القانونية للشريعة الإسلامية. وأشار إلى أن الاندفاع نحو العقلانية دون تحفُّظ يتعارض أحيانًا مع الشريعة الإسلامية، من خلال إشارته إلى أن إغراقَ الفرنسيين في العلم جعلهم يحيدون عن طريق الإيمان، غير أنه لم يُلقِ المزيد من الضوء على هذه الفكرة، وإن كنا نظن أنه كان مدفوعًا إليها بدافع الحرص على عدم إثارة المدرسة التقليدية عند طرحه لفكره الجديد؛ لأننا نجده يقول «كما أن البلاد الإسلامية قد برعَت في العلوم الشرعية والعمل بها وفي العلوم العقلية، وأهملَت العلوم الحكمية بجملتها؛ فبذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه وجلب ما تجهل صنعه.»٢٣ فهو هنا لا يجد مناصًا من الاستفادة من الجانب المادي في الحضارة الغربية، ولكن على أساسٍ انتقائي.
وذهب الطهطاوي إلى أن الأمة التي تُهمِل تطوُّر الحضارة في بلادها، وصولًا إلى أرقى مستوًى يمكن بلوغه، تتعرَّض للوقوع تحت سيطرة غيرها من الأمم.٢٤ ويرى أن تحقيقَ الرُّقي الحضاري يجلب منافعَ متعددة، فتقل الحروب وتتناقص الصراعات حتى تتلاشى تمامًا ويتلاشى معها الاستعباد والفقر؛ فالحضارة تؤدِّي إلى حفظ القانون والنظام والتنافس في طلب العلم والمعرفة، وتنمية الزراعة والتجارة والصناعة، واكتشاف الأراضي الجديدة التي تساعد على النمو الاقتصادي، واختراع المُعدَّات والآلات التي تيسِّر وسائل الإنتاج، ولا يتحقَّق ذلك إلا بتشجيع العلماء على وضع المؤلَّفات في مجالات العلوم والشريعة والأدب والسياسة والاقتصاد، وضمان حرية النشر وتطور الصحافة، حتى يتسع بذلك مجال الحضارة.٢٥
لقد استقى فوكوزاوا والطهطاوي معظم أفكارهما المتصلة بالتاريخ والحضارة من كتابات المؤرخين الغربيين؛ فكلاهما تأثَّر كثيرًا بكتاب جيزو Guizot عن تاريخ الحضارة الأوروبية، وقد أضاف إليه فوكوزاوا كتاب باكل Buckle عن تاريخ الحضارة في إنجلترا. وقد قدَّر كلٌّ من فوكوزاوا والطهطاوي الحضارة الغربية تقديرًا كبيرًا، وجعلا هدفهما أن تلحق بلادهما بأعلى درجات الرُّقي الحضاري، ولكنهما لم يطرحا أفكارهما دون تحفُّظات؛ فقد اتفقَت وجهاتُ نظرهما حول التناقضات الأساسية بين ثقافة بلادهم الوطنية التقليدية وبين الثقافة الأوروبية، وسعى كلٌّ منهما إلى رسم الطريق الذي تسلكُه بلاده طلبًا للرُّقي الحضاري، واتفق الرجلان على أن المظاهر الخارجية للحضارة الغربية لا تحقِّق التقدم، كما رأيا في التقدُّم الحضاري السبيلَ للحفاظ على الاستقلال الوطني.

ولكن هناك خلافات جوهرية بين أفكار فوكوزاوا والطهطاوي فيما يتصل بتكوين الشكل الوطني المتميز للحضارة في بلادهم؛ فبينما سعى فوكوزاوا إلى صياغة نظامٍ أخلاقيٍّ جديدٍ من خلال ما أسماه «روح العصر» تمسَّك الطهطاوي بالقيم الخُلُقية الإسلامية، كإطارٍ لا غنى عنه لعملية التطور الحضاري الحديث، غير أن الرجلَين اتفقا على مبدأ الانتقاء عند الاقتباس من الحضارة الغربية.

هوامش

(١) Blacker, The Japanese Enlightenment, pp. 93-94.
(٢) Ibid., pp. 98-99.
(٣) Fukuzawa, An Outline of the Theory of Civilization, pp. 13-14.
(٤) Ibid., p. 15.
(٥) Ibid., p. 16.
(٦) Fukuzawa, An Encouragement of Learning, p. 30.
(٧) Fukuzawa, op. cit., p. 18.
(٨) Ibid., p. 45.
(٩) Ibid., p. 62.
(١٠) Ibid., p. 104.
(١١) Ibid., p. 193.
(١٢) Ibid., the preface.
(١٣) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص٢٠٦.
(١٤) Abu-Lughod, Arab Rediscovery, pp. 146–48.
(١٥) الطهطاوي، مناهج، ص١٨٨.
(١٦) نفس المرجع، ص٢٣٢.
(١٧) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص١٣١.
(١٨) نفس المرجع، ص٦-٧.
(١٩) Abu-Lughod, p. 139.
(٢٠) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص١٢٤-١٢٥.
(٢١) الطهطاوي، مناهج، ص٥-٦.
(٢٢) نفس المرجع، ص٦-٧.
(٢٣) Abu-Lughod, p. 145.
(٢٤) الطهطاوي، المرشد، ص٤٣.
(٢٥) نفس المرجع، ص٢١١–١١٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦