اليوم الذي جرت فيه الواقعة

صعدَت إليه في خطوات مُترددة، وسط دخان عربة التراحيل القديمة، وابتسمت له على غير العادة، بابتسامةٍ رقيقة تُشبه زهرة تفاح وليدة. للوهلة الأولى تعرفت عليه، غريب هو، ومُلفتة للنظر حقيبته السوداء، والنظرة العطوفة التي تطلُّ من عينَيه العميقتَين. استجابت لدعوته بالجلوس، وجد نفسه يُحدثها عن رحلته وإخوته.

للوهلة الأولى تعرفت عليه. ففي زمان قديم زارها، وفي الحلم أكثر من مرةٍ عانقته، وشكت له مصائبها المنزلية، وأنجبت منه أطفالًا وسلالة! وتحدثت إليه من الشرفة، ولامسته خلف الأبواب، ورسمت ظلَّ شاربِه فوق هوامش الكتب المدرسية، وقبلتْهُ خلسة في أمسيات الصيف القمرية، وهي وحيدة تحلم بعناق السماء، وتنتظِر كلمة الرب المُخلص.

دعته إلى الجلوس بجوارها على المقعد الجلدي، وبعد تمنُّع غير جاد، أعطته يدَها أمام الركاب جميعًا، ومسحت في حنانٍ دمعة قديمة نزفتها عيونه المرهقة، وهو يحكي لها عن جرح قديم.

وفي مساء اليوم الذي قابلته فيه لأول مرة، حملته كالمريمات إلى بيتها، وتعمَّدت أن يُشاهد كل الناس فرحتها الأولى … وحين تزاحمت حوله السترات الصفراء والسوداء، ابتسمت له مُشجعة، ومضت أمام الموكب تُبشِّر بقيامه وصعوده وتهتف له!

•••

أجلسته فوق سرير عشيقها القديم، وأشعلت له غليون والدِها، وغسلت قدمَيه بزيت الورد، وأحضرت له سمكًا وزيتونًا وأطعمته بيدها. نسِي معها معالم أرضه القديمة، وانمحت ملامح قريته وأيام طفولته، واختلط في قاع ذاكرته المُرهقة، كل أسماء بنات الخالة، وبنات العم، والإخوة، ونداءات الأطفال في ساحة (سيدي مجاهد).

صعدت أمامه صخور الشواطئ المُسننة، وجذوع الأشجار الهرمة ذات الأشواك، وسلالم أبراج المعابد الحجرية، وعندما أجلسته تحت صورة العذراء، وغنَّت له وحدَه، ماتت إلى الأبد — أو هكذا خُيل إليه — صيحات العربات الوحشية في كل مدن العالم، وكفَّ الأطفال الجوعى في عمق القارات الخمس، عن الصراخ، وسقط عرش الشاه، والإمبراطور والخصي، ولم تعُد أذناه ترتجفان رعبًا، أو تسحقها أقدام العسكر المُهرولة نحوه من أعماق الليل.

حدثته كثيرًا عن إخواتها الأربعة، الذين يحلمون بالهجرة، ولا يكفُّون عن السعي إليها، وعن أُمها النزقة ووالدها المُتسلِّط المريض بالسكر وبالضغط. وحينما اكتشفت أنه يعرفها ويعرفهم منذ أيام الميلاد، أهدته زهورَ فُلٍّ من حديقتها السرية، وغمرت وجهها سحابةُ رضا وأمَل، وحلمت بالثوب الأبيض والصلوات المُختلطة بصوت الأرغن وزغاريد النسوة!

قالت تهذي: بالتأكيد سوف يغفرون لنا، أليس كذلك؟

فأجاب كرجعِ الصدى بين جدران رطبة قاتمة: إذا كان هناك ما هو مؤكد فإنهم سيذبحوننا بدافع الشفقة، عند أول مُفترَق للطرُق.

وعندما تصلَّب جسدها وبرد حتى الموت، انحنى عليها ورسم علامة الصليب، وغنَّى لها أغنية تدشين البيت المزمور الثلاثين — «أُعظِّمك يا رب لأنك نشلتني ولم تُشمت بي أعدائي. يا رب إلهي استغثتُ بك فستغيثني. يا رب أصعدت من الهاوية نفسي. أحييتني من بين الهابطين في الجب.» — وسقط على وجهه مُنتحبًا يُصلي لإلههم، لكنهم أنكروه وعلقوا دمها برقبته، ومضوا وتركوه مُلقًى بعرض الطريق، وليس إلى جواره سواها، رقيقة وذابلة كزهرة تفاح ميتة، تُحاول بكل ما بقي لديها من قوة، أن تُبعد عنه العجلات المسرعة، وسنابك خيل العثمانيين اللامبالية، والجرائد القديمة.

•••

من جميع الجهات زحفت نحوه ملايين الحشرات المفترسة.

في البداية شرَّعت رءوسها الدقيقة البشِعة، وأدارت قرون استشعارها المُسننة في الهواء، تتسمَّع وتتشمَّم حتى اطمأنت، ولمَّا حاصرت جسدَه العاري المُقيد بالحبال أقدام الحرس ذوي الرءوس المحلوقة، أخذت تنهش لحمَه، وتمتصُّ دماءه قطرة بعد قطرة، وتُفتِّش خلايا مخِّه واحدة بعد أخرى، باحثةً عن أسماء رجالٍ وصبايا مجهولات، دون جدوى!

حاول أن ينهض، ولكن أعضاءه رفضت أن تتحرك، وخذلته، فقد كانت يد الحارس ثقيلة إلى درجةٍ هشمت أطرافه حتى العظام، أطلَّ عليه وسط ضباب أبيض ثقيل، وجهٌ كالِح، يُشبه وجه ثعلب مألوف، أخذ يشق لأنفه طريقًا بين الأجساد العارية، ثم أخذ يقترِب من وجهه مُترنحًا فوق كتفَين نحيلتَين، حتى لفحته أنفاسه الكريهة، وقال في صوتٍ أنثوي الغنجة والمخارج: ماذا تظن أنك تكتب، لست سوى فأر، وسنُلقي بك مع الآخرين طعامًا للقطط الجبلية. التاريخ وهْمٌ تعيشون فيه، فهو ليس إلَّا عجوز ذو لحية بيضاء، اخترعه الحُكام ليُحدِّث الأطفال عندما نُريد لهم أن يذكروا شيئًا بالذات. وفي يومٍ قادم بالتأكيد، لن تتعرفوا حتى على صورته تلك! لن يكون لديكم ما تفخرون به سوى رءوسكم المعلقة — على جدران مكاتب الدولة الكبرى — تشهد لنا ببراعة الصيد، وغباء الفريسة، كن عاقلًا وفكر، ألستَ من أنصار الواقعية؟ أهلك في حاجة إليك. موهوب أنت، والناس ستغفر لك، وقد تُصبح شيئًا، وإلَّا فإننا سنبعث بك لتموت معهم هناك، وسط الصحراء، أو قد تضيع أوراقك في الطريق … وكثيرًا ما فُقِدت أوراق وأوراق، منذ عرف المصريون المقابر!

وكم ابتلعت كثبان الرمل المُتحرك أُممًا وقبائل.
كل السفن ستغرق.
الشطآن بعيدة.
وربابنة الأحلام بمصر
ناموا في الظلِّ الرطب وبشموا من عطف السلطان!

التصقت به فاحتواها مُستنجدًا بطراوة أنفاسها، أن تُنقذه من حر الصحراء، أخذت ترجوه في رعب وحنان أن يتكلم، وأن يُعلن على رءوسهم أنه لن يتخلَّى عنها مهما حدث، وإن اضطر فسيهرب معها، أو يأخذها غصبًا إن لزِم الأمر.

انغرست في جانبه أسنان الصخر الحادة، فمضى يُحدثها عن المدن المعدنية، وعن بحيرات الزئبق، حيث تعيش أسماك الفضة وتموت صغيرة، وكيف يجوع الأطفال، وتنتفخ بطونهم وتخضرُّ بسبب الطاعون، وكيف تُفتَح رسميًّا في احتفالات مُقدسة، سجون جديدة كل يوم، ويُشنَق طلبة لأنهم يقرءون أشعارًا غير مُقررة … بينما توَزَّع في الوقت نفسه، جوائز الدولة على الشعراء في احتفالات مَهيبة. حدَّثها عن طرق الصِّدق الصعبة، وعن الموت فجأة في بلاد غريبة. حدَّثها عن دروب خفية، تختنق فيها العصافير الوليدة، بغازات الأفران ورائحة الأجساد المشوية، ولا يكفُّ المجانين والحالمون عن اختراقها، بالرغم من ذلك، بالآلاف كل يوم!

قالت له: عدني فقط حين يجيء الوقت!

ذابت فيه وتلاشت، فأخذ يقصُّ عليها أحداث رحلته الأولى في أحراش الناس، ولقائه بالوحش العملاق ذي العين الواحدة، وفشلِه في أن يفي بوعده ليتزوَّج البنت ذات الضفيرة الرطبة والوالدِ المجنون، وفسَّر لها لماذا كان والده لا يضحك كثيرًا، وشبَّك فوق جبينها ريشةَ الرخِّ، الذي ربط نفسه إلى ساقِه لكي يعبُر بحر الظلمات، ووضع فوق رأسها تاج ملكة الحيَّات، وأطعمها حبة كرز، سالت فوق الشفتَين عصارتها الحلوة.

ساعتها ضحكت وكفَّت عن الإلحاح، وأخذت تسأله في نزقٍ أن يحكي لها على الحراس ذوي الشوارب المنفوشة، وعن الأطفال المصبوغة أسنانهم بالدخان، وعن خُبز الرحمة المغموس في الزيت المسموم، وعن (اليمك) الساخن وأرغفة الخبز الحجرية، وعن الشاويش التركي رأس الفجلة، كانت تضحك.

لكن الكلمات تحجَّرت فوق شفتَيه وماتت. ورآها امرأةً أخرى ترقد إلى جواره مُصغية لكل أحاديث الدنيا، دون أن تفهم شيئًا، فتهدَّم أملُه في استعادة الماضي الضائع، ووجد روحه تتلاشى بين أصابعه كقطعة ثلج، فأكل لسانه!

أسرعت تهمس مُعتذرة، محاولة استعادة صورتها الأولى: لكنك، رغم كل ذلك، نجوتَ وعُدتَ إلينا منتصرًا، كانت محنةً تجاوزها الجميع … أذهله غباؤها المفاجئ، لماذا يظنُّ الجميع أنهم منتصرون لمجرد مرور الأيام وتحوُّل الألَم إلى ذكريات؟! أهي خدعة لكي ننتظر الموت في هدوء، ولكي نتفلسف ونتشاجر ولا نعرِف طعم الحب؟! استدار غاضبًا وأعطاها ظهره، وغرس عيونه في الحائط الحجري القديم الذي ينزُّ دمًا، وراح يتأمَّل آثار ملايين الأظافر البشرية، التي حفرت مُعاناتها فوق طلائه الكالِح، ويستنشق عبير الأنفاس والآهات، التي اختلطت بحجارته الباردة الرطبة، عبر سنواتٍ طويلة من الدموع والأشعار.

– لم أرجع بعد،
ويبدو أني لن أرجع أبدًا.
محصور قاربي المكسور الدفة ومحاصر،
داخل ثوبي يرقد رجلٌ آخر.
داخل كفني يتحرك رجل آخر.
والأحدب خلف الباب يُراقبني.
يلصق أُذنَيه ليسمع عمَّ نتحدث.
الأعور يرصد خطواتي،
وسيُنبئهم أنك جئتَ إليَّ الليلة.
وغدًا سيكون عقابي أكثر قوة؛
فهنا لا يسمح بزيارة أحدٍ منَّا.
ستشق دماغي أسئلة الحرس التركي.
القاضي سيُجرِّمني.
والرهبان سيُهدِر أكبرهم عمري.
وأُمي لو علمت لن تشرب من كفيك الماء.
وستخترق ضلوعي أحذية الجند الفظة.
لن أنجو حتى بين يَديك
اﻟ…
لن أنجو رغم شفاعتك.
– لا ترفع صوتك … لا تصرخ يا ابن الكلب!
انطفأ الوهج المُرتعش وجفَّ الزيت!

خرست كلمات الكتب المصفوفة فوق جميع الأرفُف، في كل مكتبات العالَم، وتوارَتْ كل نجوم الليل، ورحلت فجأة!

وارتفع صراخ الأطفال الجوعى، يُطارده ويسدُّ عليه جميع المنافذ، وأخذت أصابعه تتسلَّل نحو عُنقها العاجي المُستسلِم في رقة ثعبانية، وانشقَّ الليل عن صراخ العربة المجنونة مرةً أخرى، وسحقت الأقدام الغجرية صدْر الليل، واندفعت صاعدة إليه السُّلَّم الحديدي، في غضب، تُحاصره، وتنتزع ثيابه، وتدفعه دفعًا إلى الصراخ رعبًا، وهو يهوي في جُبِّ الحكايات القديمة؛ حيث الشياطين تقطع الوقت بمضغ عظام الأنبياء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤