المقالة الثالثة عشرة

القضاء على القضاء١

ما خلص الإنسان من شِباك علم اللاهوت وامتيازات الرؤساء حتى وقع في حبائلَ أشد وأدهى، وهي علم الحقوق أو اللاهوت الاجتماعي كما صار إليه اليوم، والثورة التي يقتضيها تغيير هذا النظام المعقَّد سيكون هَوْلها شديدًا؛ لتأصُّله في قلب الاجتماع، وامتداده إلى أعماق نظاماته، ولكن اليوم الذي سيتخلَّص الاجتماع منه، ويردُّه إلى شكله البسيط، سيكون نعمةً عظيمة أيضًا؛ إذ تنصرف القوى الضائعة فيه بذلك إلى تمهيد السبيل القويم لسرعة ارتقائه الارتقاء الحقيقي.

***

لو أنصف القاضي استراح الناس

إليك أكتب أيها القارئ العاقل والعاقل المُتأمل، ولا أطلب منك علمًا واسعًا وفلسفةً بديعة وحكمةً بليغة، بل أطلب منك عقلًا حُلَّت قيوده وتفتَّحت منافذه، وأقام التفكُّر مقام الاعتقاد والبحثَ مقام المقرَّر، يقدُر مُستنتجات العلم قَدْرها، ولا يبخس مُستنبطات العقل حقها، فأعِرْني سمعك قليلًا، ولا أُكلِّفك حلمًا طويلًا قبل أن ترميني بالإغراب لاستغرابك عنوان مقالتي، وتقول: «من ذا الذي يريد قلب الموضوع وتغيير المطبوع؟» لأني على يقين بأنك إذا أمعنت نظرك، وسِرت معي شوطًا غير بعيد في هذا البحث الاجتماعي؛ لم تعُد ترضى بالوقوف عند الحد الذي أوقفتْك عنده تعاليمُ وضعها الناس على ما بهم من الجهل والغواية، وأدخلوها إلى عقلك بالإرهاب والترغيب حتى رسخت فيه، وصارت في اعتقاده قضايا مسلَّمةً لا تقبل التغيير، وجرَت على ألسنة الناس مجرى الأمثال، واعتبروها من الحِكم الباهرة، وهي لو تفحَّصتها وجدتها أوْهَى من نسيج العنكبوت، يُمزِّقها التمحيص تمزيقًا ولا تثبُت على جمر الانتقاد، بل لو دقَّقت البحث فيها جيدًا لاستغربت جدًّا، كيف يستطيع العقل أن يضلَّ هذا الضلال، ويحيد عن الجادة المُثلى، والأمثلة التي أمامه من الطبيعة كثيرةٌ تُرشده إلى خلاف ذلك، وتُعلمه طريق الصواب؟ والطبيعة هي الكتاب الوحيد المنزَّل الذي ينبغي أن يُعوَّل عليه وأن نرجع في أحكامنا إليه.

•••

جرى على ألسنة الناس مجرى الأمثال قولهم: «لو أنصف الناس استراح القاضي.» وربما لم يخطر على بال أحد أنه سيقوم أناسٌ يعتبرون مثل هذا القول خطأً، ويرون الصواب في عكسه، ويؤيدون قولهم بأدلةٍ تنطبق على العلم ويقبلها العقل، ولا يجرحها إلا كثرة عدد الجمهور المُستغرق في سُبات الاقتناع، والراقد على أديم التواتر.

والعلماء والحكماء لا يهمُّهم ذلك، ولو نالهم منه صدمةٌ قويةٌ زعزعت أركان مصالحهم، ولكنها لا تستطيع شيئًا على أفكارهم، والمستقبل لهم؛ أي لمبادئهم. فهؤلاء الناس يقولون: «لو أنصف القاضي استراح الناس.» ويريدون بالقاضي هنا القضاء عمومًا، لا الأحكام الخصوصية التي يُصدِرها القضاة أحيانًا كثيرة وتكون عُرضةً للانتقاد، كحكم المحاكم الأهلية في قضية الاختلاس الذي وقع في إحدى مصالح الحكومة، إذ أفلتت القوي عملًا بقوله:

تعدو الذئابُ على من لا كلاب له
وتتقي مَربض المُستأسد الضاري

وخفَّفت العقاب على المُرتكب الأصيل، وشدَّدته على الشريك. فمِثل هذا الحكم لا يوجد له لفظةٌ تقوم بوصفه في قاموس اللغة الفصحى، ولا يوجد له ذلك إلا في اللغة العامية. واللغة العامية، ولا يخفى، تُعبِّر أحيانًا كثيرة عن معانٍ لا تصل إليها اللغة الفصحى، فالعامة تُطلِق على مثل هذا الحكم اسم «حكم كريوني»، وربما لم يعدم العلماء وصفًا لمثل هذا الحكم ينطبق على علم الأعصاب الحديث، فأطلقوا عليه اسم (حكم هستيري)، فمثل هؤلاء الناس يعتبرون أن عدم الإنصاف كائن في القضاء نفسه، وهو سبب متاعب الإنسان في العمران.

•••

فالقضاء هو إحدى الشريعتَين العظيمتين اللتين تتولَّيان قياد الهيئة الاجتماعية، وهما الشريعة الدينية والشريعة السياسية؛ فبحسب حال هاتَين الشريعتين تكون حال الإنسان في العمران.

وقد انقضى الزمان الذي كان الجهل سائدًا فيه على العقل، والذي كان الإنسان يقول فيه:

إذا قلتُ المُحال رفعت صوتي
وإن قلتُ الصحيح أطلت همسي

فليس للإنسان شرائعُ منزَّلةٌ إلا ما أنزل جهله عليه من الخرافات والأوهام، فشرائع الإنسان من صنع الإنسان، وهي تابعة لحاله من الانحطاط والارتقاء. حقيقة تُوجِب الفخار لقائلها بمقدار ما تجلب العار على مُقاوميه.

•••

فالعقاب الذي هو أساس الشرائع عمومًا والقضاء خصوصًا أثرٌ من آثار الهمجية، وبقية من بقايا توحُّش الإنسان الأول. وما دام هذا المبدأ الفاسد أساس القضاء، فإصلاح الهيئة الاجتماعية به أمرٌ مستحيل، بل إذا دقَّقنا النظر جيدًا وجدنا أنه سبب الشر «الكثير في العمران» كالقتل والسرقة، وخصوصًا الكذب الذي هو أصل كل الشرور، وإن لم يكن سببها الحقيقي فهو السبب المُساعد على إنمائها. قال هولباخ: «إنا لا نرى هذا القدر من الجنايات على الأرض إلا لتضافُر كل شيء على جعل البشر أشرارًا جانين؛ فإن دياناتهم وحكوماتهم وشرائعهم وتربيتهم والأمثلة التي يرونها نُصْب أعيُنهم تدفعهم إلى الشر، فما عسى ينفع تعليم الفضيلة التي يذهب أصحابها غنيمةً باردة في هيئاتٍ اجتماعية ترفع شأن الجاني وجنايته، وتُجلُّ قدر المُسيء وإساءته، ولا تُقاصُّ أقبح الذنوب إلا إذا كان مُرتكبوها ضعافًا. فإن الهيئة الاجتماعية تُقاصُّ الصعاليك لذنوبٍ ترفع شأن أصحابها إذا كانوا كبارًا، وكثيرًا ما تقضي بالموت على أناس لم يرتكبوا القبيح إلا لفساد أحكامهم بالاعتقادات الفاسدة التي تكون الحكومة قائمة بتعزيز شأنها.»

فإن هذه الشرائع التي لم يُنظر فيها إلا إلى العقاب للانتقام، وهذه المعاملات التي لم يُقصد منها إلا القسوة للإرهاب؛ هي التي ولَّدت أكثر الصفات الرديئة في البشر. ولا نرجع إلى العصور الخالية، وننبش قبور الذين عذَّبتهم الغايات السياسية والمصالح الدينية، ليس من الأفراد فقط، بل من الجماهير والأمم، لنُثبت صحة هذا القول، بل ننظر إلى عصرنا الحالي؛ فإن الطمع الشديد المُستحوذ على أهله، والجنوح فيه إلى استعمال الحيل والخداع والكذب، دليلٌ على انحطاط في تقرير الحقيقة والصدق، وارتقاء مُخيف في نمو الكذب، وعلى من الذنب؟ أليس على الهيئة الاجتماعية نفسها؟ أليس الإطناب في تعظيم هذه الرذائل والإرشاد إليها جاريًا على الألسنة مجرى الحِكم؟ كما في قول الشاعر:

إن لم يكن عندك حظٌّ
فليكن عندك حيلة

وما هي الحيلة يا تُرى؟ أليست الخداع؟ وما هو الخداع؟ أليس الكذب؟ وبلسان من عبَّر الشاعر بقوله:

والصدق إن ألقاك تحت العطبِ
لا خير فيه فاعتصم بالكذبِ

أليس بلسان الهيئة الاجتماعية نفسها حتى صار الكذب شيئًا لازمًا في الحياة الخصوصية كما في الحياة الاجتماعية، في صناعة الحب كما في صناعة الحكم على الجماهير؟ ألسنا نحن الذين علَّمنا الإنسان أن يكذب لأنه رآنا نُعاقبه على الصدق، وأن يسرق لأنا حجبنا عنه ما يحتاج إليه؟ فالكذب عادةٌ الذنبُ في انتشارها على الهيئة الاجتماعية، وهو الذي يجرُّنا إلى ارتكاب الجناية، وهذه الهيئة التي تُعلمنا ذلك وتجرُّنا إلى ذلك هي التي تطلب مُعاقبتنا على ما اكسبتنا إياه بالعادة، ومكَّنته فينا بالوراثة.

•••

وأنواع العقاب الكبرى ثلاثة: القتل، والحبس، والتعذيب. فبهذه العوامل البربرية الثلاثة يسطو القضاء على الهيئة الاجتماعية التي وكَّلت إليه صيانة مصالحها. وممَّا يدلُّك على أن هذه العوامل الثلاثة من آثار التوحُّش زوال بعضها وتلطيف البعض الآخر؛ فإن التعذيب الذي كان سلاح القضاء في عصور الخشونة كاد يزول من أكثر الممالك المُتمدنة، وقلَّ القتل، واصطلحت حالة السجون نوعًا. فبعد أن كان الجاني يُلقى في أعماق السجون المُظلمة محجوبًا عن الهواء والنور اللذَين منَّ بهما الخالق على الأخيار والأشرار، صار يُسمح له بأن يرى النور ويستنشق الهواء. وهذا الإصلاح الطفيف المَعيب الذي يفتخر به القضاء اليوم هو عارٌ على القضاء، ووصمةٌ تخجل منها الإنسانية، ولا يستطيع أن يُفاخر به أقلَّ الإصلاحات التي حصلت في أقل الفروع المعاشية التي تهمُّ الهيئة الاجتماعية.

وما دام القضاء لا يتخذ مبدأً له دفع الشر عن الهيئة الاجتماعية، وتوفير النفع لها عوضًا عن العقاب للانتقام؛ فهو بعيد عن الغاية التي تطلبها منه هذه الهيئة، وهي صيانة مصالحها وتمهيد طُرُق إصلاحها.

وبمَ يكون دفع هذا الشر وتوفير هذا النفع؟ أبالإعدام الذي هو نقص في الشرائع، كما أن البَتر نقص في الطب، ولا يجوزان إلا إذا تعذَّر الإصلاح؟ أم بالتعذيب وبالأشغال الشاقَّة، وهي معاملةٌ خشنة تمكِّن الإنسان من الأخلاق الوحشية، وتُبعده عن الإنسانية؟ أم بالسجون التي هي قبور في الحياة لا يكتسب الإنسان فيها إلا فساد صحته من سوء الغذاء وقلة الهواء والنور والنظافة، وفساد أخلاقه لما بها من سوء المعاملة، وعدم الاعتناء بالتربية الحسنة، يأكل الإنسان فيها ويشرب وينام، وقد يجترُّ كالحيوان، ويقلُّ عنه في أنه لا يعمل عملًا مُفيدًا، ولا يكتسب عملًا مفيدًا؟ سقوفها تُمطر البق، وأرضها تُنبت القمل، وجدرانها تشفُّ عن الرذائل، أفي مثل هذه الأماكن المعدَّة في الأصل للانتقام نأمل أن نُصلِح الجاني، وأن توفِّر نفعه للهيئة الاجتماعية؟ كلا ثم كلا.

فالهيئة الاجتماعية نظلمها، وأي ظلم، إذا كنَّا نظن أنها تطلب منا أن نقتصَّ لها من جُناتها انتقامًا منهم، حاشا ثم حاشا أن تطلب ذلك من نفسها ضد نفسها، وهي في صحة عقلها، وبالحقيقة من هم الجُناة؟ أليسوا من الأفراد الذين يؤلِّفون الهيئة الاجتماعية نفسها؟ فلقد انقضت تلك العصور الخشنة؛ عصور الجهل التي كانوا يُغفلون فيها مصالح الأفراد، ولا يُدركون قيمة لهم، كأن ليس لهم حق في الحياة الاستقلالية، وليس لهم شأن في الحياة الاجتماعية، ولا يستحقون رحمة بهم ولا عطفًا عليهم من الإنسانية، ولكن نور العلم الوهَّاج الذي يزداد كل يوم نورًا، والذي هو نبراسنا الساطع في ظلمات هذا الوجود، ودليلنا الذي لا يضلُّ في مجاهل هذه الحياة؛ آخذٌ في تمزيق غياهب الضلالات التي أورثناها الجهل، وكل يوم يهتدي به العقل إلى تعظيم شأن الأفراد في الاجتماع الإنساني كما هو شأنها في الاجتماع الطبيعي، لتأييد دعائم الاقتصاد السياسي الذي هو نوع من الاقتصاد الطبيعي؛ لأن الأفراد هم الأساس الذي تُبنى عليه الجموع، وتنشأ منه الجماهير، وتتألف منه الهيئة الاجتماعية؛ فالعبث بحقوق الأفراد عبثٌ بحقوق الهيئة الاجتماعية نفسها.

•••

ومن يُنكر أن السجون على حالتها الحاضرة هي منشأ الجرائم والرذائل وكل الشرور التي تتأصل في الهيئة الاجتماعية، فلا شك أنه من القِحة على جانبٍ عظيم، وإنه لعارٌ على القضاء أن يكون الأخير في الاستفادة من مُكتشفات العلم والصناعة، وسائر معَدَّات التمدن. ولئلا أُرمى بالجسارة والتحامل، أقول لنُقابلْ بين المستشفيات في الماضي ومُعاملة المرضى فيها والمستشفيات اليوم ومُعاملتهم فيها، وبين السجون في الماضي والسجون اليوم ومعاملة المسجونين فيها. فقد جاء في الكورسبوندانس مديكال بتاريخ ٣١ مايو من هذه السنة عن المستشفى المعروف بأوتل ديو بياريز، الذي هو أقدم مستشفيات أوروبا (فإنه أُنشئ في سنة ٦٥١) نقلًا عن تقرير تنون في سنة ١٧٨٦ ما نصه: «وكانوا يطبخون في قاعات المرضى الطعام المعَدَّ لهم، وكانوا يضعون عدة أشخاص في سريرٍ واحد، حتى كان الداخل إليها يكاد يختنق.»

•••

بل ننظر إلى معاملة المجانين في المارستانات في الماضي كيف كانوا يُضربون ويُعذبون ويُهانون، ثم ننظر إلى ما صارت إليه المستشفيات والمارستانات اليوم من الإتقان البالغ الغاية القصوى من توفير أسباب الراحة والاعتناء بالصحة، حتى صارت تُحاكي قصور الملوك. لننظر إلى ذلك ونُقابله بحالة السجون والمسجونين في كل المعمورة، هل توجد نسبة بين الإصلاح المَعيب الذي حصل في السجون، والإصلاح البالغ الغاية في المستشفيات؟ والذنب في ذلك على من؟ أليس على القضاء نفسه الذي لم يعرف أن يستفيد من أتعاب الإنسان كما استفاد سواه، بل الذي لا يزال مُستمسكًا بالقديم المُتنقل إليه من عصورٍ غلب جهلها على علمها، مُعتبرًا أنه ما وُجد إلا للإرهاب والعقاب والانتقام، وهو بذلك يزيد مصائب الهيئة الاجتماعية، خلافًا لما يُطلب منه، وهو إصلاحها وتخفيف وَيْلاتها، كأن أهل السجون لا يستحقون هذه العناية؟ فكيف استحقَّ مرضى الأجسام اعتناء رجال الفضل والحكومات بهم، ولا يستحقُّ مرضى الاجتماع منهم ذلك؟ لأن أهل السجون ليسوا بالحصر إلا مرضى في الهيئة الاجتماعية، سواءٌ كان بالمعنى الحقيقي أو بالمعنى المجازي.

•••

بل أهل السجون هم مرضى بالمعنى الحقيقي؛ مرضى في عقولهم، مرضى في شهواتهم، مرضى في إرادتهم، مرضى في قوَّتهم المُتصرفة. فمعلوم لكل ذي عقل، ولا نحتاج إلا إقلاق العلماء والاستشهاد بأقوالهم لإثبات ذلك، أن أصحاب الجرائم قسمانِ؛ قسم يرتكب الجُرم بقصد الكسب أو شهوةٍ أخرى، وقسم يرتكب الجُرم مُندفعًا إليه بأسبابٍ أقوى منه من دون أدنى رويَّة أو تبصُّر في العواقب. فالأول يسرق ويقتل ويرتكب الفحشاء، ولا يستطيع القضاء غالبًا أن يمدَّ إليه يدًا؛ لأنه عاقلٌ يتخذ الاحتياطات اللازمة لستر جريمته. فهذا المسئول عن عمله، والذي يجب على القضاء أن يُعاقبه، فليبحث عنه لا في السجون وعلى مصاطب المحاكم، بل في القصور على فاخر الريش ووثير المِهاد. فالمُجرمون ليسوا كلهم في السجون، كما أن المجانين ليسوا كلهم في المارستانات، وليس منهم في السجون إلا المرضى بالمعنى الحقيقي. فعوضًا عن أن نُعاملهم كما يُعامَل إخوانهم في المستشفيات، نرانا شاهرين فوق رءوسهم سيف ديموقلس، أي سيف النقمة، للاقتصاص منهم، وهم أولى برحمة الطبيب.

•••

أقول أولى برحمة الطبيب ولا أُبالغ، ولو عارضني مُعارضٌ لهبَّ لنُصْرتي من أرباب العلم والذكاء ألوف، كل واحد بمقام آلاف من أبي الطب أبقراط المُتوسد في قبره من عصورٍ طويلة، إلى شركو وبال ولمبروزو من مشاهير علماء هذا العصر، وأتباعهم الذين يُعدُّون اليوم بالآلاف، وخصوصًا هذا الأخير الذي يرأس المدرسة الحديثة التي تبحث عن طبائع المُجرمين. فلنسمع ماذا يُعلمنا شركو عن مُتشيطِني الأمس ومصروعي اليوم الذين كثيرًا ما يصيرون مُجرمين؛ فقد كان الناس في العصور الخالية يعتبرون الهستيريَّات (أي المُصابات بالهستيريا، وهو مرضٌ عصبي، واللواتي يصنعون لهن الزار في هذه البلاد) أن بهن شياطين، فكانوا يُحاولون إخراج هذه الشياطين بكل ما لهم من الوسائل الدينية والسرية، فإن لم تنجح عمدوا إلى تعذيب الأجساد التي كانوا يزعمون أن الشياطين حالَّة فيها بكل أنواع العذاب، كالجَلد والصلب والتقليب على شوك الحديد والحريق بالنار، بعد أن كانوا يُقيدونها بسلاسل الحديد ويُلقونها في أعماق السجون المُظلمة. هذا ما كان يفعله رجال الدين ورجال السياسة بمثل هؤلاء المساكين قبل شركو ومن تقدَّمه من أفاضل المُصلِحين، وما كان عدد المُتشيطنين ليقلَّ بهذه المعاملة الوحشية. وأما اليوم فمن فضل شركو الذي أفاد الإنسانية من هذا القبيل في سنين قليلة أكثر من كل الشرائع قبله، صاروا يعتبرونهن من طائفة المرضى الذين يجب الرفق بهم، ومعالجتهم في المستشفيات البالغة الغاية القصوى من الإتقان، وما زاد عدد المُتشيطنين بهذه المعاملة الحسنة، بل قلَّ جدًّا؛ ممَّا يدلُّ على أن الشياطين أنفُسهم يُذعنون للمُحاسنة أكثر منهم للمُخاشنة.

•••

و«بال» يُعلمنا أن المجانين ليسوا كلهم في المارستانات؛ فإن أفعال العقل المختلفة قد تختلُّ من جهة مع بقاء الجهات الأخرى سليمة، ممَّا يمكِّنهم أن يعيشوا بين الناس بحالةٍ لا تختلف ظواهرها عن حالة العقل السليم. فإذا طرأ عارضٌ هيَّج الجانب الضعيف ظهر الاختلال في العقل، وربما جرَّ ذلك صاحبَه إلى ارتكاب الجناية، وسِيق إلى المحاكم. قال «ماريليه»: «يوجد بين الذين تحكم عليهم المحاكم عددٌ كبير من المختلِّي الشعور، وإذا دقَّقنا النظر نجد أن أكثر الجرائم صادرة عن أناسٍ غير مسئولين؛ فالمعتوهون وضعفاء العقول، والذين بهم حئولٌ وراثي، وأصحاب الصرع، وأصحاب الهذيان المُزمِن، قد يصيرون مُجرمين إذا عرَضت لهم الفرص بسبب ما بهم من الخلل في القوى العقلية، وهذه الفرص كثيرًا ما تعرض لهم فيغتنمونها.»

ولا ريب بأنه سيكون للمبروزو في المستقبل في إصلاح المُجرمين نفس الفضل الذي كان لشركو في معاملة أصحاب الأمراض الهستيرية. ولا نبعد كثيرًا عن الزمان الذي سيضطرُّ فيه القضاة أن يُتمِّموا دروسهم الشرعية بالإقامة، ولو سنة في مستشفيات الأمراض العصبية، ليرَوا بأعيُنهم ويجسُّوا بأصابعهم أوجاع الإنسان؛ ليعرفوا كيف يجب أن يحكموا فيها.

•••

والحاصل ممَّا تقدَّم أن القضاء ما دام أساسه العقاب، وما دامت السجون لا تتحول إلى مدارس تُعلَّم فيها الصناعات وتُهذَّب فيها الأخلاق، وتتحول فيها قُوى المُجرمين إلى منافع، وإلى مستشفياتٍ يُعالَج فيها مرضى الاجتماع كما يُعالَج فيها مرضى الأجسام، مدارس ومستشفيات بالغة الغاية القصوى من الإتقان؛ فهو عارٌ على الإنسانية، وعقبةٌ كبرى في سبيل إصلاح الهيئة الاجتماعية.

١  نُشرت في البصير سنة ١٨٩٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١