الفصل العاشر

ثنائيات الفم ٣: فقاريات على اليابسة

عين لسمنْدل الماء، وإصبع قدم ضفدع،
وصوف وطواط، ولسان كلب،
ولسان أفعى مشقوق، وإبرة العظاءة العمياء،
ورجل سحلية، وجناح بومة صغيرة،
من أجل تعويذة نافذة الأثر،
مثل حساء مسحور يغلي ويبقبق في الجحيم.
ويليام شكسبير، «مكبث»، الفصل الرابع، المشهد الأول

من الزعانف الشحمية إلى الأرجل

في ٢٢ ديسمبر عام ١٩٣٨ عُرض على شاب أمين متحف في جنوب أفريقيا سمكة غير عادية في زرقة قوس قُزَح ضمن حصيلة صيد قارب محلي. أصبحت السمكة — التي يبلغ طولها نحو مترين، ولها زعانف لحمية قوية، وحراشف متعاظمة الحدة — محطَّ اهتمام الرأي العام. إنها أول عينة حية تتبع رتبة الأسماك الشوكية الجوف، «شوكيات الجوف»، وهي مجموعة من الأسماك القديمة يبدأ عمر حفرياتها من ٤٠٠ مليون سنة مضت حتى انقراضها المفترض منذ ٦٥ مليون سنة مضت. وقد وصفت مجلة «أخبار لندن المصورة» هذا الكشف باعتباره «أحد أعجب أحداث عالم التاريخ الطبيعي في القرن العشرين»، ومنذ ذلك الحين تم اصطياد عينات من السمكة الشوكية الجوف «لاتيميريا تشالومناي» — التي سُمِّيَتْ على اسم أمين المتحف مارجوري كورتيناي لاتيمير — عدة مرات من أمام شاطئ شرق أفريقيا، خاصة قرب شواطئ جزر القمر. كما أن نوعًا آخر من شوكيات الجوف، ويُدعَى «لاتيميريا مينادوينسيس»، تم اكتشافه في المحيط الهندي. إن الإثارة في موضوع شوكيات الجوف الحية ليست في أنه كان يُظن أنها انقرضت. بل الأهم أن لهذه الحيوانات دلالة خاصة في فهم تطور فقاريات اليابسة، وهي خطوة حاسمة في تاريخ تطورنا. إن الزعانف اللحمية — التي تتحرك مستقلة على الجانبين الأيمن والأيسر كما لو كانت شوكيات الجوف «تمشي» في البحار المتسعة — هي محور هذا الطرح. إن تركيبها، جنبًا إلى جنب مع الخصائص المختلفة لجماجمها، تكشف أن شوكيات الجوف تنتمي إلى مجموعة «لحمية الزعانف»؛ أي «فقاريات ذات زعانف شحمية»، وليس إلى الأسماك الشعاعية الزعانف. وبالإضافة إلى شوكيات الجوف، فإن المجموعتين الأخيرتين من الفقاريات الحية ذات الزعانف الشحمية هما الأسماك الرئوية ورباعيات الأرجل، وتشمل الأخيرة جميع فقاريات اليابسة بما فيها البشر. ليست شوكيات الجوف ولا الأسماك الرئوية هي السلف الحقيقي لفقاريات اليابسة، ولكن المجموعات الثلاث مرتبطة بعضها ببعض وكلٌّ منها انحدر من أسماك شحمية الزعانف كانت تسبح في العصر الديفوني المبكر منذ نحو ٤٠٠ مليون سنة مضت. وتشير الأدلة الحفرية والبيانات الجزيئية إلى أن رباعيات الأقدام أقرب قليلًا إلى الأسماك الرئوية من شوكيات الجوف، ولكن كلا المجموعتين من الأسماك الشحمية الزعانف مهمتان لتفهم أصولنا. إن الأسماك الرئوية الحية — التي منها أربعة أنواع في أفريقيا، ونوع في أمريكا الجنوبية، ونوع في أستراليا — هي كلها حيوانات متخصصة وغير عادية تمامًا، ولكنها في الحقيقة أسماك تتنفس الهواء، حيث إن لها رئات تناظر رئات فقاريات اليابسة.

وبينما قامت مجموعات عديدة من اللافقاريات — مثل الحشرات وعديدات الأرجل والعناكب والقواقع — بانتقال صعب من العيش في المياه إلى العيش على اليابسة، فإن هذا الانتقال لم ينجح إلَّا مرة واحدة فقط في التاريخ التطوري للفقاريات. إن الخط التطوري الوحيد للفقاريات الذي تغلب على تحدِّيات العَيْش على أرض جافة نشأتْ عنه جميع فقاريات اليابسة التي ما زالت تعيش اليوم؛ جميع البرمائيات وجميع الزواحف وجميع الطيور وجميع الثدييات. ومن أجل العيش بنجاح على اليابسة، يجب أن تكون الحيوانات قادرة على الحصول على الأكسجين من الهواء، وأن تجد الغذاء على اليابسة وتستطيع اقتناصه، وأن تحمل ثقل أجسامها في وسط أقل دعمًا بكثير من المياه، وأن يمكنها دفع أجسامها على اليابسة، وأن تتجنب الجفاف الناتج عن الفقد الشديد للرطوبة. تستطيع الأسماك الرئوية، وهي أقارب لصيقة بفقاريات اليابسة، أن تستخدم رئاتها في تنفس الهواء، وكذلك استخدام خياشيمها في الحصول على الأكسجين من الماء؛ مما يدلِّل على أن تنفسها الهواء نشأ قبل الانتقال الحقيقي إلى العيش على اليابسة بفترة طويلة. ولكن دعم الجسم والاغتذاء والحركة على اليابسة شكلت تحديًا أكبر، واحتاجت تغيرات تطورية عديدة للانتقال من «الأسماك» إلى «رباعيات الأرجل». وقد أَلْقَتْ بعض الحفريات الهامة الضوء على هذه التحورات، وكشفت أيضًا عن الترتيب الذي حدثتْ به.

أحد التغيرات التشريحية كان تطور خطم مفلطح قادر على نهش الفريسة، بدلًا من استخدام طريقة المص التي تعمل جيدًا تحت المياه. وتوضح الحفريتان المنقرضتان «باندريخثيس» و«تيكتاليك» — اللتان عاشتا منذ ٣٧٥ مليون سنة مضت — هذه الخاصية تمامًا، وكانت هذه الحيوانات تمتلك نهاية أمامية شبيهة بما لدى التماسيح. ولكنها ما زالت مرتبطة بالأسماك من حيث إن زعانفها لها أشعة رقيقة عند طرف الأجزاء الهيكلية بدلًا من أصابع عظمية قوية. وقد أدى هذا الجمع بين صفات الأسماك وصفات رباعيات الأقدام ﺑ «نيل شوبين» — مكتشف الحفرية «تيكتاليك» — إلى وصف هذا الحيوان بأنه «سمك قدمي». أما النوع «أكانثوستيجا» — الذي كان يعيش بعد ذلك بقليل، منذ ٣٦٥ مليون سنة مضت — فكانت له زعانف تنتهي بوحدات متمفصلة أصبعية الشكل، تجعله أقرب إلى رباعيات الأقدام. ومن المدهش أنه لم يكن لديه خمسة أصابع فقط كما نجد اليوم في معظم الفقاريات الحية على اليابسة، ولكن كان له ثمانية في الطرف الأمامي، وغالبًا العدد نفسه على الطرف الخلفي. كان النوع «أكانثوستيجا» يعيش على نحو شبه مؤكد في المياه وكان يتنفس باستخدام الخياشيم، ولكنه كان قادرًا على أن ينتقل إلى اليابسة؛ ربما ليقتنص الغذاء أو ليستدفئ بالشمس. وهناك حفرية رباعي أقدام مبكر آخَر هو «أيكيوستيجا» ربما مَثَّل خطوة أخرى في الانتقال للحياة على الأرض؛ ذلك أنه بالإضافة إلى الخصائص المذكورة سابقًا، فقد كان يتمتع بهيكل «محوري» أقوى؛ أي عمود فقري، مع وجود نتوءات عظمية طويلة تُعرف باسم «نتوءات نيرية» تُمكِّن الفقرات من أن تتعشق معًا وتساعد على دعم وزن جسم الحيوان.

العلاجيم والسلمندرات: متنفسات بالجلد

ربما كانت حيوانات انقرضت منذ أمد بعيد في العصر الديفوني هي صاحبة أولى محاولات انتقال الحيوانات ذات العمود الفقري إلى اليابسة، ولكن هذه الحيوانات كانت لا تزال معتمدة بشكل كبير على المياه، على الأقل من أجل التكاثر. وهذا أيضًا ينطبق على بعض رباعيات الأقدام التي تعيش اليوم، ونقصد مجموعة من الحيوانات تقضي معظم حياتها على اليابسة، ولكنها تضع بيضها في المياه أو حولها. وهذه الحيوانات هي: العلاجيم والضفادع والسمندل المائي والسلمندر وعديمات الأرجل؛ أي البرمائيات المعاصرة، إن معظم هذه الحيوانات لا يبعد كثيرًا عن البيئات الرطبة؛ ذلك أن جلدها ليس حائلًا لنفاذ الماء، وفي كثير من الأنواع يجب أن يظل الجلد رطبًا كسطح يقوم بتبادل الغازات. والسبب الثاني للاعتماد على الماء هو أن البويضات والصغار يحتاجان بيئة رطبة. إن يرقات معظم البرمائيات الحية، مثل «أبو ذنيبة» الخاص بالعلاجيم، لها خياشيم تقوم باستخلاص الأكسجين مباشرة من بيئاتها المائية. وعند طرح موضوع البرمائيات، فإنه قد يكون مغريًا — ولكن ليس دقيقًا — أن ننظر إلى الأنواع الحية بوصفها تمثل خطوة أخرى في الطريق نحو الحياة «الحقيقية» على اليابسة، وأنها أقل نجاحًا وأقل تقدمًا عمَّا هي الحال في الزواحف والطيور والثدييات. ولكن الحقيقة هي أنه ما دام أنها تعيش جميعها الآن فإن هذا دليل على نجاحها المستمر. وفي الحقيقة، البرمائيات الحية متخصصة إلى حد كبير وتختلف كثيرًا عن برمائيات اليابسة المبكرة. بالإضافة لذلك، لبعض أنواعها أعداد كبيرة، خاصة أنواع العلاجيم والضفادع. على سبيل المثال انتشر علجوم القصب وأصبح شائعًا جدًّا في شمال أستراليا، بعد إدخاله المقصود والكارثي في عام ١٩٣٥، وهو الآن يمثل آفة غازية كبرى.

fig14
شكل ١٠-١: لحميات الزعانف: (أ) شوكية الجوف. (ب) ضفدع أفريقي ذو أظفار. (ﺟ) سقنقور ثلج تسماني. (د) دجاجة.

تقضي أنواع قليلة من البرمائيات حياتها كلها في الماء، فهي لا تغامر بالخروج إلى اليابسة على الإطلاق، حتى الأطوار اليافعة منها. وتشمل الأمثلة على ذلك السلمندر الياباني العملاق «أندرياس جابونيكاس» الذي ينمو إلى ١٫٥ متر، والسلمندر الأمريكي العجيب «كريبتوبرانكوس أليجانينسيس» والضفدع الأفريقي ذا الأظفار «زينوبوس». على أن أشهر حيوان «برمائي مائي» هو السمندل المكسيكي «أمبليستوما مكسيكانوم» المعروف باسم عفريت الماء، الذي يبلغ طوله ٢٠ سنتيمترًا، وله شكل شرغوف بالغ له خياشيم خارجية ريشية الشكل. وهذه بالضبط حقيقة هذا الكائن؛ نظرًا لأن عفريت الماء نشأ من سلمندرات يابسة «عادية» من خلال تغير في عملية نموها الفسيولوجية، وأصبحت الآن ناضجة من دون المرور بالتحول إلى الشكل اليافع للأسلاف. وعفريت الماء يذكِّرنا بقوة بأن التطور لا يسير في طريق ذي اتجاه واحد، وأن هناك سلالات مختلفة للحيوانات، تتكيف كل واحدة منها حسب ظروفها المحلية، بغض النظر عن أي اتجاهات علوية قد نستشعرها.

الحراشف والجنس: الزواحف

تمثل الزواحف «مستوًى» من مستويات التنظيم، أكثر من كونها مجموعة متفردة على الشجرة التطورية للفقاريات، وتتضمن الأنواع الحية مجموعة متباينة من الحيوانات تشمل السحالي والثعابين والسلاحف والتماسيح ومنقاريات الرأس القديمة في نيوزيلندا. إن الديناصورات هي أيضًا زواحف تقع على الخط التطوري نفسه مع الزواحف والطيور، بينما شملت زواحف أخرى منقرضة التيروصورات ذات الأجنحة، والإكتيوصورات البحرية، والموزاصورات، والبلصورات. وقد عادت هذه الأنواع البحرية — مثل السلاحف البحرية الآن — إلى المياه بشكل ثانوي؛ إذ إنها نشأت عن أنواع عاشت بشكل كامل على اليابسة. إن الملمح الحاسم للزواحف الأولى هو أنها مثَّلتِ انفصالًا تامًّا عن البيئات المائية؛ فهي المجموعة الأولى من الفقاريات التي فعلت ذلك، والزواحف التي تسكن اليابسة تستطيع العيش والاغتذاء والتكاثر دون العودة إلى الماء على الإطلاق.

ثمة ابتكاران أساسيان يبدو أنهما أساس هذا الانتقال؛ تطور جلد حائل لنفاذ الماء، وامتلاك بيضات ذات قشرة ولها عدة أغشية داخلية. إن الخاصية الأولى تبدو واضحة بشكل كافٍ، وقد تحققت بتكوين جلد أكثر تعقيدًا له عدة طبقات من الخلايا تُنتج بروتينات كيراتينية ودهونًا، أحد تداعيات هذا التغير هو أن الجلد أصبح لا يمكن استخدامه للتنفس (كما هي الحال في العلاجيم والسلمندرات الحديثة)؛ ذلك أن الأسطح الرطبة فقط هي التي تسمح للأكسجين وثاني أكسيد الكربون بالنفاذ عبرها. بدلًا من ذلك فقد ظهر في الثدييات «تنفس ضلعي» حيث تُستخدم العضلات المتصلة بالضلوع في تهوية الرئات، محوِّلة الرئات بذلك إلى أعضاء تنفس مؤثرة. إن أهمية «البيضة الأمنيوتية» أقل وضوحًا، ولكنها حيوية أيضًا. يكمن سر هذه البيضة في أغشية ثلاثة هي الأمنيون والغشاء المنباري والكوريون، التي تحيط بالجنين وتوفر مدًى متسعًا من الأوعية الدموية لتبادل الغازات، بالإضافة إلى أنها توفر موقعًا لتراكم النفايات النتروجينية السامة في أمان بعيدًا عن الجسم النامي. ورغم أن معظم أنواع الزواحف — ومنها السلاحف والتماسيح — تضع بيضات أمنيوتية محاطة بقشرة، فإن بعض الثعابين والسحالي تلد صغارًا أحياء. وهذا أكثر شيوعًا في أفعى الرباط والبوا والأفاعي السامة، وهنا تحتضن الأم بيضات كبيرة غنية بالمح داخل جسمها طوال فترة نمائها. في بعض الزواحف الأخرى تأتي التغذية من الأم مباشرة وليس من المح؛ وفي أكثر الحالات تطرفًا يتحقق ذلك عن طريق مشيمة، كما في جنسي السقنقور «مابويا» و«سيدوميا». وهذه التواؤمات الفسيولوجية والتشريحية والسلوكية العديدة مكَّنتِ الزواحف من أن تغزو بعض أكثر البيئات حرارة وجفافًا، وهذه تشمل الصحراء الساخنة في أفريقيا وأستراليا وآسيا والأمريكتين.

إن فسيولوجية الجسم في الزواحف تناسب تمامًا ظروف الحرارة المرتفعة؛ حيث إن معظمها يستدفئ تحت أشعة الشمس لزيادة درجة حرارة أجسامها. هذا يساعد على ارتفاع معدل الأيض وتحقيق نمط حياة نشطة حتى من دون عزل جيد للجسم. تؤثر درجة الحرارة أيضًا على بيولوجية العديد من الزواحف بطريقة مختلفة كثيرًا وغير عادية؛ إذ تمكِّنها من تحديد جنس نسلها. فعلى سبيل المثال، إذا حُفظ بيض التمساح الأمريكي في درجة حرارة أقل من ٣٠ درجة مئوية، فإنه يفقس إناثًا، بينما البيض المحفوظ عند درجة ٣٣ درجة مئوية يفقس ذكورًا. تُعرف هذه الظاهرة باسم «تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة»، وهذا على النقيض مع النظام الشائع المعروف وهو «تحديد الجنس المعتمد على الجينات»، الذي فيه يتحكم اختلاف الجينات في تحديد جنس النسل، ومثال ذلك الجينات المحدِّدة للذكورة الواقعة على الصبغي Y في الثدييات. ولكن، لماذا يستخدم بعض الزواحف (وفي هذا الشأن، بعض الأسماك) نظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة في حين أنه يبدو من أول نظرة أن الطريقة المعتمدة على الجينات يمكن التعويل عليها بقدر أكبر؟ أليس هناك مخاطرة في أن يؤدِّي تغير في الظروف البيئية، مثل تغير المناخ، إلى انقراض العشائر المعتمدة على تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة، ما دام كل النسل عندئذٍ سيتبع الجنس نفسه؟ إن الإجابة تقع في التواؤم مع الظروف البيئية المحلية كما اتضح ذلك ببراعة من الأبحاث الحديثة التي أُجريت على سقنقور الثلج التسماني بواسطة إدو بن وتوبياس أُلر وزملائهما. يعيش هذا الحيوان الزاحف في نطاق يمتد من مستوى سطح البحر حتى المناطق الجبلية، ويلاحظ أن العشائر التي تعيش على ارتفاعات منخفضة تتكاثر وفقًا لنظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة، ولكن حيوانات النوع نفسه التي تعيش عند ارتفاعات عالية تعتمد في تحديد الجنس الناتج على الطراز الجيني. والسبب في هذا الاختلاف هو أن الأمهات عند الارتفاعات المنخفضة تستخدم نظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة لكي ينتج عنه نِسَب أكبر من الإناث في السنوات الحارة وبذا يكون لها فُرَص عالية في النمو والخصوبة خلال الصيف الطويل، ولكنها تنقلب إلى العكس فتنتج ذكورًا أكثر في السنوات الأكثر برودة؛ حيث إن حجم الذكر أقل أهمية في سقنقور الثلج. لا توجد هذه الميزة عند الارتفاعات العالية؛ حيث تكون معدلات النمو أبطأ، وحيث يكون للفروق الكبيرة في درجات الحرارة تأثير مدمر على النِّسَب بين الجنسين إذا لم يتوقف نظام تحديد الجنس المعتمد على درجة الحرارة، ويتم تفعيل نظام تحديد الجنس اعتمادًا على الجينات.

ريش وطيران: الطيور

إحدى مجموعات الزواحف المُحتفَى بها هي الديناصورات التي سادت حياة اليابسة على كوكب الأرض لملايين عِدَّة من السنين. لقد ظهرتْ أُولى الديناصورات منذ حوالي ٢٣٠ مليون سنة مضت، وتنوَّعت إلى العديد من الأنواع ذات الأحجام والأشكال والعادات المختلفة حتى انقراضها المفاجئ والشهير منذ ٦٥ مليون سنة مضت، وحتى نكون أكثر دقة نقول: حتى انقراضها الظاهري. إن الانطباع الشائع بالاختفاء الكلي للديناصورات مضلِّل إلى حدٍّ ما؛ ذلك أن بعض الحيوانات التي تعيش الآن هي سليلٌ تطوُّري مباشِر لمجموعة من الديناصورات، هي الثيروبودا. إن الثيروبودا المنقرضة المعروفة جيدًا تشمل آكِل اللحوم العملاق التيرانوصور، والديناصور الأصغر ولكن المخيف بالقدْر نفسه الفيلوسيرابتور، الذي صنع شهرته من خلال الفيلم «الحديقة الجوراسية». بالطبع لم تَعُدِ التيرانوصورات والفيلوسيرابتورات تجوب سطح كوكب الأرض، ولكن يمكنك أن ترى بعض أقاربهما المقرَّبين في كل يوم. إن مجموعة من الثيروبودا لم تنقرض منذ ٦٥ مليون سنة مضت، ولكنها بقِيَتْ على قيد الحياة بعد الكارثة العظمى التي ألمَّت بالديناصورات، وتنوعت حتى يومنا الحاضر؛ إنها الطيور.

من وجهة نظر تطورية، الطيور هي مجموعة من الديناصورات التي لم تنقرض. إن فكرة أن الطيور نشأت من الديناصورات وُضعت لأول مرة بواسطة توماس هنري هكسلي في سبعينيات القرن التاسع عشر، لقد لاحَظَ هكسلي تشابهات أساسية في البناء العام لهيكل ديناصورات الثيروبودا مع هيكل الطائر المنقرض أركيوبتركس الذي استُدل عليه من عدد قليل من حفريات حُفِظت جيدًا على امتداد ١٥٠ مليون سنة. ورغم أن الأركيوبتركس له سمات تُشبه إلى حدٍّ كبير تلك الخاصة بالسحالي، مثل الأسنان والذيل الطويل المدعم بالعظم، فإن له أيضًا أجنحة وريشًا. والآن يُعَدُّ الأركيوبتركس أحد أوائل الطيور التي ظهرت. كانت فكرة هكسلي مُثيرة للجدل، ورغم أن كل البيولوجيين كانوا متقبِّلين لوجهة النظر القائلة بأن الطيور نشأت من زواحف قديمة، فإن فكرة أنها في الواقع سلالات مباشِرة للديناصورات ذهب عنها التعاطف سريعًا. ظلت هذه الفكرة معلَّقة على مدى معظم القرن العشرين، حتى عادت بقوة إلى السطح في ثمانينيات القرن العشرين من خلال الإنجاز الدقيق لجون أوستروم الأستاذ في جامعة ييل الأمريكية. ولكن أهم الدلائل المُثيرة والحاسمة لم تَظهَر حتى العَقْد الأخير من القرن العشرين، عندما اكتُشف العديد من الحفريات اللافتة للنظر الخاصة ﺑ «ديناصورات ذات ريش» في الصين، وهذه كانت بلا شك «ديناصورات لا تطير»، ولكنها بريش يغطِّي أجسامها وأرجلها. إن الديناصورات المريَّشة لا تقدِّم فقط دليلًا قويًّا على العلاقة بين الطيور والديناصورات، ولكنها تسلِّط الضوء على الريش بوصفه أداة تكيف مبكرة، ربما لحفظ الدفء، مهدت الطريق فيما بعد لنشوء الطيران.

إن ريش الطيور الحديثة هي تراكيب جديرة بالملاحظة؛ فالريش المستخدَم في الطيران له تركيب معقَّد وغير متناظر يوفر الجسوء والقوة عند الضرب لأسفل، وهو أيضًا قوي وخفيف الوزن بقدر كبير. للريشة ساق مركزي يبرز منه عدد ضخم من أسلات متقاربة بعضها لبعض، يحمل كل منها أسيلات خطافية دقيقة تتعشق معًا. وعلى النقيض، فإن الزغب المستخدم كعازل للجسم لا يتعشق معًا بالأسلوب نفسه، وهو يحصر حيزات من الهواء بدلًا من تكوين أسطح تشبه الأغطية. وبالإضافة إلى هاتين الوظيفتين الأساسيتين — الطيران والعزل ضد البرد — يلعب الريش أدوارًا في عدم نفاذ الماء، وفي التمويه، وفي التواصل بين الأفراد. إن الريش والطيران يسودان كل عناصر البيئة والسلوك في الطيور، وتضافرا لتشكيل تطورها. إن الوزن قضية هامة في الطيران؛ وبناءً على ذلك فإن الطيور نشأت ليكون لها عظام رقيقة مجوَّفة، مقوَّاة بدعامات داخلية. وخلال التطور فقدت الطيور الأسنان الثقيلة، وكذلك الذيل الطويل. ولكن الأهم من الوزن المطلق هو توزيع هذا الوزن، وعلى ذلك فإن تشريح الطيور متكيف لوضع مركز الثقل إلى الأمام عمَّا هي الحال في معظم الفقاريات، فأصبح بين الجناحين مباشرة. وقد تحقق ذلك بثني عظم فخذ الطرف الخلفي إلى الأمام، وذلك على كل من جانبَيِ الجسم، وكذلك إطالة القدم؛ وهذا يفسر لماذا تبدو الركبتان في الطيور بارزتين إلى الخلف، فهما ليستا رُكبتين في الواقع، ولكن رُسغَيْ أقدام.

هناك نحو ١٠ آلاف نوع من الطيور تعيش اليوم، وهي توجد في كل قارة، وتطير فوق كل بحر. وهي تشمل الطيور الطنانة في أمريكا الجنوبية، وطيور الجنة المُثيرة للإعجاب في غابات غينيا الجديدة، والنسور الملكية التي تحوم فوق ممرات جبال الأنديز، وطائر جَلم الماء الذي ينزلق فوق موجات المحيط على بُعْد مئات الأميال من اليابسة، وصقور العوسق التي تحوم فوق منحدرات عشبية، وطيور الصعو، وطيور أبو الحناء، وطيور الدُّج، وأكثر من ذلك. قد يبدو ذلك كمشهد للتنوع، ولكن في الواقع كل الطيور متشابهة إلى حد كبير، على الأقل في التشريح. هناك طيور قليلة تمثل استثناءات واضحة، حيث فقدتِ استثناءً القدرةَ على الطيران. إن البطاريق متكيفة، بأشكال أجسامها غير العادية، مع العيش في المياه وليس في الهواء، والنعام بحجمه الكبير وضخامته لا يَطِير، وتُذكرنا هذه الاستثناءات بأن الطيران يَضَع قيودًا ثقيلة على تشريح وفسيولوجية الطيور. إن التطور لا يمكنه أن يراوغ قوانين الفيزياء.

لبن وشَعر: الثدييات

إن نظام الحياة النشط للطيور ممكنٌ فقط بفضل درجة حرارة جسمها الدافئة نسبيًّا، والناتجة عن ارتفاع معدل الأيض، فضلًا على العزل الحراري الذي يوفره الريش. أما المجموعة الأخرى من فقاريات اليابسة التي توَلِّد وتحفظ حرارة أجسامها فهي تلك المجموعة التي ننتمي إليها؛ الثدييات. في حالة الثدييات، يحدث العزل الحراري بفضل الشَّعر، ويُلاحَظ أن تركيب الشعر أقل تعقيدًا بكثير من الريش، فهو يتكون من شرائط بسيطة تتكون من ألياف بروتين هو الألفا كيراتين، ويمكن لطبقات الشعر المتراكِبة بعضها فوق بعض أن تحجز الهواء بكفاءة، وبذا تحفظ للجلد دفئه. واحتجاز الحرارة هذا يمكِّن الثدييات من أن تذهب هنا وهناك في ظروف البرودة، وذلك قبلَ أن تجد أشعة الشمس فرصة لتدفئة أقاربها من الزواحف. وعلى عكس الطيور، فإن الثدييات لم تنشأ من داخل التنوع المعتاد للزواحف؛ ففي الشجرة التطورية للرهليات (فقاريات اليابسة ذات بيضات تُحاط فيها الأجنة بغشاء الرهل)، أُعطِيَ أحد الفروع الزواحف والثعابين والتماسيح والديناصورات والطيور، بينما أُعطِيَ خطٌّ تطوري مناظر مجموعةً منقرضة — هي السينابسيدات — ومن هذه المجموعة انحدرت الثدييات.

إلى جانب الشَّعر، هناك صفة هامة ثانية تشترك فيها كل الثدييات، هي الإرضاع؛ إنتاج لبن لإعاشة النسل. هذا تكيف على درجة عظيمة الأهمية لأنه يسمح للثدييات بالتكاثر في أي وقت من العام، حتى عندما يكون تنوع الغذاء غير سهل الحصول عليه، أو يتفاوت الحصول عليه من وقت لآخر. إن الإناث البالغات تستطيع الاحتفاظ بمخزون من الغذاء عندما يكون متاحًا، وتخزن الطاقة كمخزون من الدهون، ويستطيع النسل بعد ذلك أن يُزوَّد باللبن العالي الطاقة عن طريق الرضاعة من الأم. إن الفرد البالغ الخبير من المرجَّح أن يكون أكثر كفاءة في جمع الغذاء من الفرد الحديث السِّنِّ؛ وهذا يعني أن رضاعة اللبن التي يقوم بها الصغير تمكِّنه من استغلال قدر أكبر من الطاقة في عملية النمو.

قد يكون غريبًا على أسماعنا القول بأن اعتماد الصغار على رضاعة اللبن مهَّد الطريق لتنوع بيئي كبير في الثدييات وذلك من خلال تطور الأسنان المعقَّدة. وفيما يلي إيضاح لذلك؛ بسبب الإرضاع، فإن حديث الولادة لا يحتاج أسنانًا، وهذا يعني أن الجمجمة والفك ينموان بقدر كبير قبل ظهور الأسنان، وبالتبعية، مكَّن ذلك من عدم الاستبدال المستمر للأسنان البسيطة، وهو النظام الذي يحدث في معظم الرهليات بما فيها السحالي، بدلًا من ذلك، فإن الثدييات أنشأت نظام «ثنائية التسنين»، بما يعني إنتاج مجموعتين من الأسنان؛ مجموعة بسيطة في الصغار، ثم أسنان معقَّدة في الفك الكامل الحجم. ولأن تكوين الأسنان يتأخر وفق هذا الأسلوب، فإن أسنان الثدييات يجب أن تحقق تطابقًا دقيقًا بين الفكين العلوي والسفلي، وهي خاصية تُعرَف باسم انطباق الأسنان، إن هذه الخاصية يصعب تخيُّلها في حيوان ينمو فكَّاه بشكل متسارِع بينما هما محتويان على أسنان. إن انطباق الأسنان أعطى الثدييات قدرة حاسمة على مضغ وطحن الغذاء، خاصة المواد النباتية المتينة أو القِطَع المُنتزَعة من لحم فرائسها. لقد تنوَّعت الثدييات المبكرة مزوَّدة بهذا الجهاز الهائل لتستغل مدًى كبيرًا من مصادر الغذاء وأساليب الاغتذاء بأكثر مما يُشاهَد في أي مجموعة أخرى من الفقاريات.

هناك نحو ٤٤٠٠ نوع من الثدييات، وهو عدد يَقِلُّ عن نصف أنواع الطيور، ولكن الثدييات تتميز بتنوع أكبر في أشكال الأجسام، والأحجام، وطرق المعيشة. ومن هذه، يوجد خمسة أنواع فقط وحيدة المخرج، أو ثدييات تضع البيض: خُلد الماء، وأربعة طرز من النضناض، أو آكِل النمل الشوكي. جميع الثدييات الأخرى «ولودة» وتَلِد صغارًا أحياء. وهي تشمل مئات قليلة من أنواع الجرابيات التي تَلِد صغارًا غير ناضجة إلى حدٍّ كبير وتقوم بتغذيتها وهي داخل كيس، ومن أمثلتها الكانجارو والوُمبات والأبسوم والبوترو والبندقوط والكوالا والشيطان التسماني. إن الأغلبية العظمى من الثدييات الحية هي من ذوات المشيمة، وهذه لها مدة أطول في الحمل، وليس لها كيس. والتنوع البيئي للثدييات المشيمية مدهش، وهي تشمل آكِلات الحشرات مثل الزباب، وآكِلات الأعشاب الراعية مثل الظباء والأفيال والزراف وثيران البيسون، والمفترسات الصيادة مثل الثعالب والأسود، والحيوانات المتنوعة التغذية مثل الفئران والجرذان والبشر، وآكِلات أعشاب مثل خرفان البحر، والمفترسات المائية مثل الفقمة والدولفين، كما أن هناك مجموعة من الثدييات تُحلِّق في السماء هي الخفافيش.

على مدى معظم القرن العشرين كان هناك قدر من عدم الوضوح حول شجرة علاقات القربى الخاصة بالثدييات المشيمية. ففي وسط كل هذا التنوع، مَن يكون أقرب إلى مَن؟ هذا السؤال قريب الآن من الحل، خاصة منذ التطبيق الحديث لتقنيات تتابعات الدنا. ثمة إجماع واضِح على تقسيم الحيوانات المشيمية إلى أربعة مسارات كبيرة. ومن الملاحظ أن مسارات الأنساب هذه تنطبق بشكل رائع على التاريخ الجيولوجي المعروف للقارات، بما يقترح أن تنوع المشيميات حدث مع انفصال كتلة اليابسة العظمى إلى أجزاء تمثِّل قارات اليوم. هناك فرع «الأفريقيات» الحيوي، الذي يشمل، كما يدل الاسم، رُتَبًا ثديية نشأتْ في أفريقيا وتضم الأفيال وخنزير الأرض وخرفان البحر. ومن أمريكا جاءت «غريبات المفاصل» وتشمل آكِل النمل والكسلان والمدرَّع. وتشمل «اللوراسيات» مجموعة من الثدييات يُظن أنها نشأت على القارة العظمى الشمالية لوراسيا، التي نشأت منها قارة أوروبا ومعظم قارة آسيا. شملت هذه المجموعة القطط والكلاب والحيتان والخفافيش والزباب والبقر والأحصنة ضمن حيوانات أخرى كثيرة. وفي النهاية هناك فوق الرئيسيات، وهي تشمل الجرذان والفئران والأرانب، بالإضافة إلى الرئيسيات مثل القرود والقِرَدة العليا.

إذا نظرنا إلى موقعنا على الشجرة التطورية للحيوانات، سنجد أن البشر يمثلون مجرد غصن ضئيل. فنحن نستقر داخل مجموعة الرئيسيات، التي بدورها تقع داخل فوق الرئيسيات. وهذه تستقر داخل ذوات المشيمة، التي هي جزء من الثدييات الولودة، التي تستقر داخل الثدييات، التي هي جزء من الرهليات، التي تقع بدورها داخل رباعيات الأرجل، التي تستقر بدورها داخل لحميات الزعانف. كما أن لحميات الزعانف هي إحدى مجموعات ثلاث للفقاريات ذات الفكوك، وتقع الفقاريات داخل الحبليات، وتقع الحبليات داخل ثنائيات الفم، وهذه تقع داخل ثنائيات التناظر، داخل الشجرة الكبيرة لتطور الحيوانات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠