الفصل التاسع

ثنائيات الفم ٢: ظهور الفقاريات

لقد جعل الرومان في أوج انتصارهم الأسماك سيدة في كل حفلاتهم؛ فهم يبدءون بتناول أسماك الحفش والجلكيات وأسماك البوري.

إيزاك والتون، «الصياد الكامل» (١٦٥٣)

الانقسام العظيم

من الشائع أن نشاهد كتبًا تعليمية في علم الحيوان تتناول فقط الحيوانات اللافقارية، وكتبًا أخرى تختص بالفقاريات (أي الحيوانات التي لها عمود فقري). وهناك العديد من المقررات الجامعية التي تعمد إلى تقسيم التنوع الحيواني على الأساس نفسه. وهذا ليس تقسيمًا جديدًا؛ فقد فرَّق جان باتيست لامارك — الذي نذكره اليوم بشكل أساسي لأفكاره غير الصحيحة عن توريث الصفات المكتسبة — بين الاثنين تفريقًا واضحًا، وكتب عن «الحيوانات الفقارية» منذ ٢٠٠ سنة مضت. لكن لم يكن هو أول مَن قام برسم هذه الحدود؛ فمنذ ما يزيد عن ألفَيْ سنة مضت قسَّم أرسطو الحيوانات إلى «حمراء» (أي لها دم)، و«غير حمراء» (أي ليس لها دم)، وهذا بالضرورة يناظر التقسيم: فقاريات/لا فقاريات.

ورغم ثبات وجهة النظر هذه وشعبيتها، فإن كثيرًا من المشتغلين بعلم الحيوان أشاروا إلى مشكلة عميقة تعترضها؛ إن معظم أعداد الحيوانات. لا فقاريات، كما أن معظم الأنواع التي تم وصفها هي أيضًا لا فقاريات. إن الاختلاف في الأعداد شاسع، فهناك ملايين من أنواع اللافقاريات، ونحو ٥٠ ألف نوع فقط مختلف من الفقاريات. ولكن المشكلة أعمق من كونها ببساطة مشكلة عدم تساوٍ؛ فالمشكلة تقع في الشجرة التطورية للحيوانات؛ أي تاريخ الحياة الحيوانية. إن الحيوانات تُصنَّف في شُعَب تمثل تفرعات لشجرة التطور تشمل أنواعًا لها تنظيم جسماني متشابه. ومن بين ٣٣ شعبة حيوانية، أو نحو ذلك، هناك ٣٢ شعبة خالصة للافقاريات. وحتى هذه الشعبة رقم ٣٣ ليست خالصة للفقاريات، ولكنها تضم خليطًا من الحيوانات اللافقارية والفقارية. إنها شعبتنا بالطبع، الحبليات، وهي تحتوي من اللافقاريات على كلٍّ من القربيات والسُّهيمات، فضلًا على الفقاريات. إن تنظيم الجسم في جميع هذه الحيوانات متشابه بما يكفي لجعلها تُضَم معًا. وإذا أخذنا خطوة إلى الخلف ونظرنا إلى التنوع في المملكة الحيوانية، فسنجد أن الفقاريات ليست مختلفة بشكل كافٍ حتى تستحق أن يُخصَّص لها شعبة. فهل هذا يعني أن الفقاريات مجرد غصن في شجرة الحياة الحيوانية؟

فروق عميقة

رغم أن الحجة القائمة على الأعداد ومشاكل شجرة علاقات القربى لا يمكن التشكيك فيها، فإن للفقاريات قدرًا يُعتَدُّ به من الخصوصية. في الحقيقة تُعَدُّ الفقاريات بشكل ما حيوانات استثنائية. من الواضح أن كل الحيوانات «الكبيرة» على هذا الكوكب هي فقاريات. هناك بعض اللافقاريات الضخمة مثل السبيدج والأخطبوط وخنافس جالوت، ولكن الأغلبية العظمى من اللافقاريات لا تزيد أطوالها عن سنتيمترات قليلة. أما الفقاريات فهي عكس ذلك؛ حيث ضخامة الحجم هي القاعدة. ففي كلٍّ من الأسماك والبرمائيات والزواحف والطيور والثدييات نجد عمالقة. ربما يكون أكبر الحيوانات هو القرش الحوت الذي يبلغ طوله ١٢ مترًا، والسلمندرات العملاقة التي يبلغ طولها ١٫٥ متر، والديناصورات (المنقرضة بالطبع) التي كان يبلغ طولها ٣٠ مترًا، والطائر الفيل (المنقرض أيضًا للأسف) الذي كان يبلغ طوله ٣ أمتار، والحوت الأزرق الذي يبلغ طوله ٣٠ مترًا، ولكن كل حيوان منها يقع عند نهاية سلسلة متصلة من الحيوانات ذات الأحجام الكبيرة. وفي الواقع، لا وجود تقريبًا للأحجام الصغيرة للغاية في الفقاريات. تُعَدُّ السمكة الإندونيسية «بايدوسيبريس» أحد أقل الفقاريات حجمًا؛ حيث يصل طول السمكة البالغة إلى أقل من سنتيمتر واحد. وحتى هذه السمكة تعتبر عملاقة إذا ما قورنت بالكثير من اللافقاريات.

أحد المفاتيح اللازمة للنمو إلى حجم ضخم يكمن في وجود نظام معقَّد من الأوردة والشرايين يستخدم في توصيل الأكسجين والتخلص من ثاني أكسيد الكربون من الأنسجة النشطة الموجودة في أعماق الجسم؛ ونعني بهذا «الجهاز الدوري المغلق» العالي الكفاءة. من قَبِيل المصادفة أن بعضًا من أضخم اللافقاريات، مثل السبيدج والأخطبوط، لها أيضًا جهاز دوري مغلق، ولكن هذا نشأ بشكل مستقل. هناك صفة ثانية على درجة مساوية من الأهمية وفرت كبر الحجم، وهي التي منحت الفقاريات اسمها؛ إنها العمود الفقري. إن الهياكل تتخذ أشكالًا مختلفة في المملكة الحيوانية؛ فالعديد من الديدان له أجهزة دعامية تعتمد على السوائل، كما أن مفصليات الأرجل لها هيكل خارجي متين، ولشوكيات الجلد صفائح داخلية جاسئة من كربونات الكالسيوم. ولكن هيكل الفقاريات مختلف ولافت للنظر تمامًا. في بعض الفقاريات يتكون الهيكل من غضروف، وهو نسيج متين ولكنه مَرِن، يعتمد تكوينه على البروتينات، ولكن معظم الفقاريات هيكلها عظمي. إن العظم ليس فقط خفيفًا وقويًّا بشكل مدهش بما يجعله عاملًا فعَّالًا في دعم الأجسام الضخمة، ولكن له خاصية ممتازة ومتفردة؛ إنه حي. ففي داخل حشوة من البروتينات والمعادن توجد خلايا ترسب العظام، وخلايا أخرى تزيل العظام، هناك خلايا أخرى تستشعر الضغوط الميكانيكية وتُطلق رسائل تأمر العظم بأن ينمو أو يتقلص ويستجيب للظروف المتغيرة، إن العظم في حراك دائم، إنه نسيج غير عادي، وهو مناسب بشكل أمثل للحيوانات الكبيرة والنشطة والنامية، سواء أكانت تعيش في الماء أم على اليابسة.

تختلف الفقاريات أيضًا عن أقرب أقربائها من اللافقاريات — القربيات والسُّهيمات — في دماغها المعقَّد وأعضاء الحس. إن تنظيم الدماغ ثابت بدرجة كبيرة على مدى جميع الفقاريات، من الجلكيات حتى البشر؛ إذ تملك الفقاريات ثلاثة أنواع من المدخلات الحسية هي المدخلات البصرية (زوج من الأعين)، والكيميائية (زوج من أعضاء الشم)، والميكانيكية (ترصد تغيرات الضغط في الماء أو الصوت في الهواء). إن منطقة الرأس كلها في الفقاريات محكمة ومعقَّدة، تعتمد على جمجمة تكسو الدماغ، وأيضًا على تفعيل أعضاء الحس هذه لكي تتعامل مع العالم الخارجي. إن النمو الجنيني للجمجمة يكشف غرابة أخرى؛ طرازًا خاصًّا من الخلايا يُسمَّى العُرف العصبي. تنشأ هذه الخلايا عند حواف الحبل العصبي أثناء تكوينه، وتهاجر عبر الأنسجة الجنينية ثم تكوِّن تنوعًا كبيرًا من التراكيب تشمل عظم الجمجمة أو غضاريفها والفكين ودعامات الخياشيم. دون خلايا العرف العصبي لا تستطيع الفقاريات بناء منطقة الرأس المعقدة والمحمية؛ ودون خلايا العرف العصبي لا تستطيع الفقاريات أن تكون تلك المفترسات وآكلات العشب الكبيرة التي تسود الأنظمة البيئية على اليابسة أو في البحر.

تتضافر هذه الخصائص — كِبَر الحجم، والدورة الدموية ذات الكفاءة، والهيكل ذو الفعالية والمرونة، والدماغ المعقد، والجمجمة الحامية للدماغ، وأعضاء الحس العالية الكفاءة — كي تضع الفقاريات بعيدة عن أقربائها. إن الفقاريات تشارك السُّهيمات والقربيات في شعبة الحبليات، ولكن جسمها أكثر تعقيدًا ورقيًّا بكثير. والاختلافات داخل الشعبة أعمق من هذا، وقد كشفت المقارنات بين تتابعات الجينوم في الحيوانات الفقارية واللافقارية عن حقائق مبهرة؛ إذ كشفت تتابعات الدنا بوضوح أنه في الفترة المبكرة من تطور الفقاريات — عند القاعدة مباشرة أو بعدها بقليل — حدثت طفرات أساسية. لقد تضاعف كل الجينوم — كل جين — ثم تضاعف مرة أخرى. ومقابل كل جين في أي سلف للحبليات، بات لكل فقاري مبكر أربعة جينات. سرعان ما فُقدت بعض هذه الجينات «الزائدة»، ولكن منها ما ظل موجودًا، وترتب على ذلك أن صارت الفقاريات تمتلك تنوعًا أكبر من الجينات عما هي الحال في معظم اللافقاريات. إن مسألة هل كانت الجينات الجديدة قد أدَّتْ إلى تطور صفات جديدة للفقاريات أم لا محل جدال، ولكنَّ هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا؛ هو أن التقسيم إلى لا فقاريات/فقاريات يجب ألَّا يُتجاهل.

شجرة الفقاريات

الطريقة الشائعة لتصنيف الحيوانات ذوات العمود الفقري هي تقسيمها إلى أسماك وبرمائيات وزواحف وطيور وثدييات. وهذا التصنيف يصلح جيدًا لأغراض عدة، ولكنه لا يعكس بدقة شجرة الأصول الوراثية للفقاريات. إحدى المشكلات هي أن الأنواع المختلفة من الأسماك لا تقع معًا على مسار خط تطوري واحد منفصل عن المجموعات الأخرى. فالحيوانات التي تُسمَّى «أسماكًا» توجد مختلطة بفقاريات أخرى. وهناك مشكلة مماثلة مع «الزواحف»؛ حيث إن الزواحف الموجودة الآن تتشارك في المسار التطوري نفسه مع الطيور. وإذا كنَّا جادِّين في تصنيف الحيوانات حسب التاريخ التطوري، يجب ألَّا يكون للمجموعتين المسماتَيْن «الأسماك» و«الزواحف» وجود.

رغم هذا التعقيد، فإن مسار تطور الفقاريات — كما هو معروف من الحفريات وعلم الأحياء الجزيئي والتشريح — بسيط تمامًا. إن أول فقاريات نشأتْ كانت تُشبه الأسماك، ولكنها كانت تفتقد إلى فكوك قاضمة. ورغم أنها كانت متنوعة إلى حد بعيد في ذروة عصرها، منذ ما يزيد عن ٤٠٠ مليون سنة مضت، فهناك الآن مساران فقط باقيان من هذه العجائب العديمة الفكوك: الجلكيات وسمك الجريث. نشأت الفقاريات ذوات الفكوك من أسلاف عديمة الفكوك، ثم تشعبت هذه المفترسات المبكرة إلى ثلاثة مسارات تطورية رئيسة، هذه المجموعات الثلاث هي «الأسماك الغضروفية» (وتضم القروش بهياكلها الغضروفية)، و«الأسماك الشعاعية الزعانف»، و«الأسماك الفصية الزعانف». وتشمل جميع هذه المسارات «أسماكًا» مائية، ولكن الأسماك الفصية الزعانف تشمل أيضًا فقاريات تركتِ المياهَ وظهرتْ على اليابسة. أصبحت هذه الحيوانات — التي لها تراكيب هيكلية قوية في زعانفها اللحمية — «رباعيات أقدام» لها أربعة أطراف. وهي تضم البرمائيات و«الزواحف» والطيور (التي تقع على الفرع التطوري نفسه الخاص ببعض الزواحف)، والثدييات.

الجلكيات وسمك الجريث: ولائم وزَبَد رغوي

إن الجلكيات وسمك الجريث ليس لها فكوك قاضمة؛ ولذا فهي تحتاج إلى وسائل أخرى لإدخال الطعام إلى أفواهها؛ للجلكيات اليافعة ممص فنجاني الشكل يحيط بفم كالمبرد مسلَّح بحلقات من أسنان حادَّة. وهذا الجهاز شرس المنظر يجعل الحيوان قادرًا على التمسك بشدة بلحم فريسته الحية، وهي عادة سمكة كبيرة، وأن يمتص دمها. تستطيع الجلكيات أن تظل ممسكة بفرائسها لأسابيع عديدة، متدلِّية في ارتخاء كزوائد طفيلية.

عندما تكون الجلكيات ممسكة بالفريسة بممصاتها، أو حتى ممسكة بصخور أو بقاع النهر، فإنها لا تستطيع الحصول على الأكسجين من المياه التي تأخذها عن طريق الفم. عوضًا عن ذلك، فإن الجلكيات لها «خياشيم طارئة»؛ حيث تندفع المياه من خلال ثقوب على جانبي رأس الحيوان، ثم تُطرَد من خلال الثقوب نفسها. على النقيض من ذلك، فإن يرقات الجلكيات — الأموسيتس — لها تيار مائي عادي وحيد الاتجاه — يدخل من خلال الفم عبر الخياشيم، ويخرج من خلال الفتحات الخيشومية — وهذا شيء متاح؛ حيث إن يرقات الجلكيات ليست طفيلية. تضع الجلكيات بيضها في أنهار ضحلة مبطنة بالحصى، وبعد الفقس تقوم يرقات الأموسيتس النامية بالحفر في طبقة طمي سميكة؛ حيث تبقى لسنوات عدة، وتغتذي على جزيئات مغذية مستخلصة من المواد المتحللة. يمكن الحصول على هذه اليرقات الزلقة الدودية الشكل بالحفر في طبقة الطمي السميكة التي توجد قريبة من المجاري الضحلة في العديد من المجاري المائية والأنهار البريطانية. وبعد التحول، حين يتكون الممص، فإن الأطوار اليافعة لمعظم الأنواع تهاجر إلى البحر. ولكن هناك العديد من الأنواع التي لا تترك اليابسة مثل الجلكي الضئيل الحجم (اللاطفيلي) «لامبترا بلانيري» الذي ينمو إلى ١٥ سنتيمترًا فقط، بالمقارنة بالجلكي البحري «بتروميزون مارينوس» الذي يبلغ طوله مترًا.

fig12
شكل ٩-١: شجرة علاقات القربى للفقاريات.

لطالما ارتبطت الجلكيات بالمَلَكية؛ فقد تُوفِّي الملك هنري الأول ابن ويليام الفاتح بعد أن تناول «وليمة من الجلكيات» — وجبته المفضلة — وذلك عند زيارته أحفاده في نورماندي عام ١١٣٥. كذلك كان حفيده هنري الثاني ينكبُّ على تناول هذه الوجبة من عديمات الفكوك، كما أن هنري الثالث كان يتناول وجبات بانتظام من فطائر الجلكيات المُعَدَّة له؛ «حيث إن كل الأسماك بعد الجلكيات تبدو غير مشوِّقة.» واستمرارًا للتقاليد المَلَكية، أرسلت مدينة جلوستر فطائر جلكيات في العيد الماسي للملكة فيكتوريا عام ١٨٩٧، وكذلك في العيد الفضي للملكة إليزابيث عام ١٩٧٧.

تماثل أسماك الجريث الجلكيات في كونها تفتقد الفكوك، ولكن بدلًا من الممصات فإن لها لوامس تحيط بلوحين قاضمين جانبيين وبلسان قرني قابل للانكماش، وهي تقتات على اللافقاريات الحية مثل الديدان البحرية، وتقوم أيضًا بكحْت لحوم الأسماك الميتة أو التي في طريقها للموت على قاع البحر. يقوم سمك الجريث باقتحام الأجسام الميتة لحيوانات أضخم تشمل الحيتان والأسماك الكبيرة وتلتهمها من الداخل. ومثل الجلكيات، فإن أسماك الجريث تفتقد إلى «زعانف مزدوجة» تقع على جانبي الجسم. إن وجود زوج من الزعانف الصدرية وآخر من الزعانف الحوضية هي سمات تميز الأسماك الحية ذات الفكوك، وقد تحولت إلى أرجل في أنسالها التي تسكن اليابسة. إن العمود الفقري لسمك الجريث ضامر إذا ما قورن حتى بما لدى الجلكيات، ولهذا السبب نجد أن بعض المشتغلين بعلم الحيوان لا يطلقون وصف فقاريات على سمك الجريث، ويستخدمون مصطلح «جمجميات» ليجمع سمك الجريث والجلكيات والفقاريات ذات الفكوك. إلا أن وجهة النظر هذه مثيرة للجدل؛ ذلك أنه يمكن أن يحدث فقد للخصائص المميزة خلال التطور، وهذا هو حال فقرات سمك الجريث. فعلينا ألَّا نقتلع حيوانًا من مجموعته الطبيعية بسبب فَقْد أشياء بشكل ثانوي. وعلى أساس الشكل العام ونمط النمو الجنيني، نجد أن سمك الجريث في الحقيقة مماثل تمامًا لباقي الفقاريات.

تتسم أسماك الجريث ببعض السمات الغريبة، وليس هناك أكثر إثارة للتعجب من المخاط اللزج، إن كثيرًا من الحيوانات لزجة الملمس، ولكن سمك الجريث يأخذ هذه الصفة إلى مستوًى جديد. إن أسماك الجريث هي سيدة اللزوجة بلا منازع. وعند انزعاج سمكة الجريث تبدأ ثقوب موجودة على مدى جانبَيِ الجسم في إطلاق إفراز بروتيني سرعان ما يتمدد بشكل متعاظم عند ملامسته للماء. إن حجم المادة الرغوية يصبح مدهشًا، ففي خلال ثوانٍ يمكن لسمكة جريث صغيرة طولها ٢٠ سنتيمترًا أن تُنتج كميات كبيرة من مادة رغوية صمغية سميكة القوام، مناسبة تمامًا لإبعاد المفترسين. ولتجنيب نفسها الالتصاق بما أفرزتْه من مادة رغوية، فإن لسمكة الجريث حيلة بارعة؛ إذ إنها تربط نفسها بأنشوطة بسيطة جاهزة، وتنزلق هذه الأنشوطة عبر جسمها لتزيل ما التصق به وتعيده نظيفًا.

الفكوك: القروش، والورنكيات، وذوات الأشعة

الكل يعرف أن القروش لها فكوك، سواء شاهد فيلم عام ١٩٧٥ وأعجبه أم لا. إن الفكوك — ومعها الزعانف المزدوجة — خصائص مميزة لأكبر ثلاث مجموعات تطورية للفقاريات المعاصرة: الأسماك الغضروفية (مثل القروش وسمك الكلب)، وشعاعيات الزعانف، ولحميات الزعانف. ومن كلمات ألفريد شيروود رومر: «ربما يكون أهم عناصر الارتقاء في تاريخ الفقاريات هو نمو الفكوك.» وقد أوضحت الدراسات التي أُجريت على أجنة القروش من نوع سمك الكلب، وفقاريات أخرى ذات فكوك بوضوح كيف نشأت هذه التراكيب العالية الكفاءة والمختصة بالتغذية. في النمو الجنيني تتحرك موجات من خلايا مهاجرة من الأعراف العصبية، وذلك من حواف الدماغ الخلفي المتكون إلى سلسلة من الانتفاخات، حيث تُنشئ دعامات هيكلية للخياشيم. في الفقاريات ذات الفكوك — من القروش إلى البشر — أحد هذه الانتفاخات — وهو قوس الفك السفلي — لا ينمو إلى دعامة لخيشوم، بل ينمو إلى عظام أو غضاريف للفكوك. يكوِّن تيار الخلايا الموجود خلفه — القوس اللامي — تركيبًا دعاميًّا يصل ما بين الطرف الخلفي للفكين والجمجمة. تكشف هذه المسارات وأنماط هجرة الخلايا في الجنين أن الفكوك نشأت في الأغلب من دعامات خيشومية متحورة.

fig13
شكل ٩-٢: (أ) و(ب) و(ﺟ): أسماك غضروفية: (أ) سمك الكلب. (ب) ورنك صغير. (ﺟ) كيميرا. (د)، (ﻫ): أسماك شعاعية الزعانف: (د) السمكة المخططة. (ﻫ) السمكة المجدافية.

إن الفك العلوي في القروش المعاصرة ليس ملتحمًا بالجمجمة من فوقه، بل يتدلَّى — منفصلًا تمامًا — من أربطة مرنة بالإضافة إلى دعم من القوس اللامي من الناحية الظهرية. يسمح ذلك للقرش عندما يقوم بالاغتذاء بأن يُبرِز فكيه لالتقاط الفرائس الصغيرة الحجم برشاقة من قاع البحر أو بأن يغرس أسنانه داخل لحم الفرائس الكبيرة الحجم. إن أسنان معظم القروش مسنَّنة بحِدَّة، وقادرة على النفاذ في النسيج بمجرد أن تنغمس الفكوك داخل جسم الفريسة وتشقه من جانب إلى آخر. وتعتمد ملاحقة الفريسة على مجموعة تُثير الإعجاب من أعضاء الحس المعقدة؛ إن للقروش حاسة شمٍّ تتسم بكونها حساسة وموجَّهة. في بعض القروش — خاصة القرش المطرقة — تقع فتحتا الأنف بعيدًا على امتدادين غريبين يبرزان على جانبي الرأس؛ مما يسمح لهما بالاستدلال بشكل أدق على اتجاه التركيز الأعلى لمادة كيميائية. وعندما تقوم القروش بالاقتراب أكثر وأكثر من فرائسها فإنها تستخدم الرؤية والإحساس الحركي بتموجات الماء في تحديد موقعها واقتناصها. وعندما تبدأ الهجوم تقوم معظم القروش بإسدال أغشية حماية فوق أعينها بما يحول دون الإضرار بها وإعاقة الرؤية. إن العمى المؤقت لا يُعطي فرصة للفريسة لأن تهرب؛ حيث إن القرش عندئذٍ يعتمد على مستقبلات كهربية حساسة بشكل رائع لتحديد النطاقات الكهربية الضعيفة التي تصدر عن عضلات الحيوان. توجد هذه الخلايا الحسية في «قارورات لورِنزيني»، وهي سلسلة من حُفَر متخصصة في جلد القرش. وقد وُصفت لأول مرة في عام ١٦٧٨ من جانب عالِم التشريح الإيطالي العبقري ستيفانو لورِنزيني الذي حُبس فيما بعدُ على يد دوق توسكانا العظيم بسبب صداقته لزوجة الدوق المنفصِلة عنه.

ومن الصفات الملحوظة التي تَضَع القروش وسمك الكلب والورنكيات والأسماك الشعاعية الزعانف منفصلةً عن معظم الفقاريات الأخرى ذات الفكوك أن هياكلها غضروفية وليست عظمية. أيضًا، تفتقر هذه الأسماك إلى التجويف الممتلئ بالغاز داخل أجسامها، وهو التركيب الذي يُعرف باسم مثانة العوم ويوجد في الأسماك الشعاعية الزعانف، ونشأت عنه الرئات في فقاريات اليابسة. ومن دون مثانة العوم قد يظن المرء أن القروش ستغطس في قاع البحر إذا ما توقَّفت عن السباحة، ولكن هذه ليست الحال، بدلًا من ذلك، حلَّت القروش مشكلة الطفو بطريقة مختلفة تمامًا. إن مفتاح التكيف هو كبد عملاق يحتشد فيه الزيت، خاصة السكوالين، وهو هيدروكربون طويل السلسلة، تتعادل كثافته المنخفضة مع الكثافة العالية لهيكل القرش وأسنانه وحراشيفه مما يجعل القروش طافية بقدر معتدل. ويتحقق التوازن والدفع الإضافي إلى أعلى عن طريق زعانف مزدوجة غليظة على كلا جانبي الجسم. إن الطفو ليس أيضًا مشكلة لمعظم الورنكيات والأسماك الشعاعية الزعانف التي هي ذات قربى لصيقة بالقروش؛ حيث إن هذه الحيوانات عادة ما تكون قاعية، بمعنى أنها تعيش على قاع البحر، وذلك على عكس القروش التي تعيش في عرض البحر؛ أي حرة السباحة. إن بعض الأسماك الشعاعية الزعانف، مثل سمك شعاع العباءة، تقضي وقتًا أقل على القاع، وبدلًا من ذلك فهي تطوف في المحيط؛ حيث تقوم بخفق زعانفها الصدرية فائقة الضخامة، وتقوم بترشيح العوالق عن طريق شبكة من نسيج إسفنجي متصل بأقواسها الخيشومية.

المجموعة الأخيرة من الأسماك الغضروفية — وهي تطوريًّا مختلفة تمامًا عن القروش وسمك الكلب والورنكيات والأسماك الشعاعية الزعانف — هي أسماك الجرذ الغريبة أو الكيميرات، لهذه الأسماك أيضًا هيكل غضروفي وتعوزها مثانة عوم، وهي ذات إخصاب داخلي مثل القروش، ولكن الكيميرات تختلف عن باقي الأسماك الغضروفية الأخرى في أن الفك العلوي ملتحم مع الجمجمة، وفي أن هناك فتحة خيشومية واحدة على كل جانب بدلًا من وجود عدد من الفتحات. كما أن الرأس في هذه الأسماك متين البنيان وله خطم لحمي يشبه ذلك الخاص بالفيل، وهذا يعطي لهذه الحيوانات مظهرًا عجيبًا. لهذه الحيوانات شكل عام «سمكي»، ولها زعانف كبيرة، ولكن عيونها الكبيرة وأسنانها الناتئة تماثل ما لدى أرنب كاريكاتوري، بينما بعض الأنواع لها أيضًا ذيل طويل يشبه ما لدى الجرذ. وعلى نحو ملائم، فإن التسمية «كيميري» تذكرنا بالمسخ الأسطوري لدى الإغريق القدامى، والمكون من أجزاء حيوانات مختلفة، وصفه هوميروس في الإلياذة بأنه «جسم خالد، ليس بشريًّا، له رأس أسد، ونهاية ثعبان، وبدن ماعز.»

الأسماك ذات الزعانف الشعاعية: المرونة

معظم الأنواع المعروفة جيدًا من الأسماك تنتمي إلى مجموعة متنوعة تسمى الأسماك الشعاعية الزعانف، ومن أمثلتها الأسماك التجارية مثل القُد والحدوق والرنكة والتونة والثعابين؛ وأيضًا أجناس تُحفظ في المرابي المائية مثل السمك الذهبي والتترا والجوبي والقراميط؛ ومعظم الأسماك التي يتم اصطيادها بالصنانير مثل السلمون والشبوط وسمك الكراكي والروش والقاروص؛ والعديد من الأسماك الأخرى يشمل المنوه، وأبو شوكة والقوبيون. من السهل وضع قائمة ﺑ «الأسماك» التي ليست شعاعية الزعانف؛ إذ إنها تقتصر فقط على أسماك الجريث والجلكيات والقروش والورنكيات وسمك الراي اللاسع والكيميرات والشوكيات الجوف والأسماك الرئوية. هناك ما يزيد عن ٢٤ ألف نوع من الأسماك الشعاعية الزعانف، وهي تسكن محيطات العالم وبحاره وأنهاره وبحيراته.

إن الأسماك الشعاعية الزعانف لها زعانف «غير مزدوجة» وأخرى «مزدوجة»، تمامًا مثل القروش. تقع الزعانف غير المزدوجة على مدى الخط الأوسط للجسم، وهي تشمل زعنفة أو زعنفتين ظهريتين على الناحية الظهرية، وزعنفة ذيلية عند الذيل، وزعنفة شرجية على الجانب البطني. هناك أيضًا مجموعتان من الزعانف المزدوجة: صدريتان تقعان خلف الخياشيم مباشرة، وحوضيتان تقعان إلى الخلف. في الأسماك الشعاعية الزعانف — كما يدل الاسم — تُدعَم الزعانف بواسطة أشعة عظمية رفيعة؛ مما يعطيها قدرة على المناورة. وهذا مهم بوجه خاص للزعانف الصدرية، التي يمكنها أن تنثني وتلتوي؛ لأنه يحقق التحكم الدقيق سواء أكانت السمكة تعوم أم تلتف، أم حتى تبقى بلا حراك في الماء. وعلى مدى تطور الأسماك الشعاعية الزعانف تحورت الزعانف بطرق عديدة مختلفة، وكان هذا بوضوح أحد العوامل التي يُعزى إليها التنوع في هذه المجموعة. وفي أمثلة واضحة لذلك، نلاحظ أن أسماك السكين تستطيع العوم ببطء سواء إلى الأمام أو إلى الخلف باستخدام تموجات صادرة عن زعنفة شرجية متضخمة إلى حد كبير، بينما السمك الطائر له زعانف صدرية كبيرة تُشبه الأجنحة، وهذا يمكِّنها من الاندفاع في الهواء لمسافات تصل إلى ٥٠ مترًا. تستطيع أسماك التونا ملاحقة فرائسها بانطلاقات سريعة تتحقق بفضل دفعات مركزة من الزعنفة الذيلية والجزء الخلفي من الجسم؛ بينما يفتقد فرس البحر إلى الزعنفة الذيلية تمامًا، وهو يسبح ببطء باستخدام تموجات الزعنفة الظهرية.

تتنوع الأشعة العظمية التي تدعم الزعانف؛ ففي بعض الأنواع تؤدي وظيفة دفاعية، مثال ذلك الأشواك الحادة البارزة في الزعنفة الظهرية لسمك الفرخ وسمك أبو شوكة؛ وفي أحيان قليلة يمكنها أن تحقن مادة سامة كما في سمك الحجر وسمك الطرخين وسمك الأسد. يمكن أيضًا استخدامها كأعضاء ثانوية في التغذية، كما في سمك الغُرنار وسمك الصنارة. يعيش سمك الغُرنار عند القاع، ولزعانفه الصدرية أشعة طويلة مزودة بصف من مستقبلات حسية تستخدم من أجل «المشي» على قاع البحر واستشعار الفريسة. وفي سمك الصنارة نجد أن الأشواك الثلاثة الأولى بالزعنفة الظهرية طويلة إلى مدًى غير عادي، وتندمج معًا لتكون «عصا صيد» تستخدم في إغراء الفريسة نحو فمها المنفرج.

حلت الأسماك الشعاعية الزعانف مشكلة الكثافة بطريقة مختلفة عن القروش. فأسفل العمود الفقري مباشرة يوجد حيز مملوء بغاز؛ مثانة العوم، وهي تعمل كعوامة داخلية تساعد في تحقيق الطفو. في بعض الأسماك كالشبوط والسلمون تتصل مثانة العوم بالمِعى عن طريق أنبوب، بما يحقق امتلاءها بالهواء الذي يُتجرَّع عند السطح. وفي أسماك أخرى، مثل سمك الفرخ، لا يوجد اتصال للمثانة بالمِعى، وتمتلئ مثانة العوم بغدة متخصصة تفرز غازات يتم امتصاصها من الدم. يستخدم العديد من أسماك المياه العذبة — بما فيها أسماك من فصيلة الشبوط — مثانة العوم بها لتدعيم حاسة السمع، باستخدام أشواك متحورة على الفقرات لنقل تموجات المثانة الغازية إلى الأذن الداخلية. ومن المدهش أيضًا أن تستطيع بعض الأسماك أن تُصدر أصواتًا عن مثانة العوم بها بهدف لفت انتباه شريك التزاوج، أو إبعاد المنافس. على سبيل المثال، يقوم ذكر سمك الضفدع بإصدار أصوات عن طريق انقباض «عضلات صوتية» سريعة متصلة بمثانة العوم؛ مما يسبب اهتزاز جدرها بسرعة. وينتج عن ذلك صوت صاخب حزين.

إن رأس الأسماك الشعاعية الزعانف مركب ومعقد. في معظم الأسماك الشعاعية الزعانف يستطيع الفكان السفليان الأيسر والأيمن أن ينفتحا إلى الجانب، بينما تستطيع إحدى عظام الفك العلوي — عظم القواطع السائب — أن يبرز إلى الأمام. تسمح هذه الحركات بتضخيم تجويف الفم فجأة؛ مما ينتج عنه قوة شفط قوية توظَّف في أسْر فريسة كان يمكنها الهروب. إن التغذية بالشفط تُشاهَد في عدد كبير من الأسماك الشعاعية الزعانف، كما تقوم عليها العلاقات الإيكولوجية للعديد من الأنواع. عند مؤخرة الرأس توجد الخياشيم، وهي تختفي تحت غطاء لا يحمي فقط الخياشيم الرقيقة، ولكنه أيضًا يلعب دورًا أساسيًّا في طريقة أدائها. وبغلق الغطاء وتوسيع الفم، ثم غلق الفم وفتح الغطاء، تقوم السمكة الشعاعية الزعانف بدفع الماء بشكل فعال عبر الخياشيم، حتى لو لم تكن تعوم. إن وجود إمداد دموي للخيوط الخيشومية يتجه في اتجاه مضاد لاندفاع الماء يسمح للأسماك الشعاعية الزعانف بأن تستخلص من المياه أقصى حدٍّ من الأكسجين.

إن التنوع الكبير للأسماك الشعاعية الزعانف يفسره جزئيًّا وجود مثانة العوم، ومواءمة أشعة الزعانف، والتغذية بالشفط وغطاء الخياشيم. إن ارتفاع أعداد الأنواع يعتمد على تضافر عوامل عدة تشمل مزيجًا من الفُرَص البيئية، والبناء الجسمي المتوافِق، فضلًا عن خصائص موازية للجينوم. بالنسبة للنقطة الأخيرة، من المثير أن الأسماك العظمية، التي تكوِّن أغلبية الأسماك الشعاعية الزعانف، تتشارك في تضاعف إضافي في الجينوم إلى جانب التضاعفين اللذين يقعان عند قاعدة الفقاريات. ليس من الواضح حاليًّا إن كان ذلك قد سمح بتكيف أفضل لبنيان الجسم، أم إن ذلك حتى سبَّب تسارع معدل الانتواع من خلال اختفاء جينات متنوعة في عشائر مختلفة. لم يؤثر التضاعف الجينومي الإضافي في كل الأسماك الشعاعية الزعانف، وما زال هناك عدد قليل من أنسال التفرعات التطورية المبكرة لهذه المجموعة، وهي تُسمَّى «الأسماك اللاعظمية الشعاعية الزعانف»، وهذه تشمل الأسماك المجدافية المتغذية بالرشح (بوليودون) وهي ذات رأس ملعقية الشكل، وأبو منقار المدرع، وأنواع مختلفة من الحفش — العديد منها يندر وجوده الآن ومهدد بالانقراض — الذي يتم تناول بيضه على صورة كافيار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠