خاتمة

زواج الطبيعة والعلم التطبيقي

بالنظر إلى التغير المهم في فهمنا لأنفسنا (الفصل الأول) وفي نوع التفاعلات التي تجري من خلال تكنولوجيات المعلومات والاتصال التي ستتزايد في تعاملاتنا مع العوامل الفاعلة الأخرى — سواء أكانت بيولوجية أو صناعية (الفصل الثامن) — ربما تكون أفضل طرق تناول التحديات الأخلاقية الجديدة التي تصوغها تكنولوجيات المعلومات والاتصال هي تناوُلها من منظور بيئي. بينما لا يجب أن يقتصر هذا التناول على كل ما هو طبيعي وبكر، يجب التعامل مع جميع أشكال الوجود والسلوك باعتبارها أصلية وحقيقية، حتى تلك الأشكال التي تعتمد على أشياء صناعية، تركيبية، أو مُهندَسة. يتطلب هذا النوع من «توجُّه حماية البيئة» الشمولي إدخال تغيير إلى منظورنا الميتافيزيقي حول العلاقة بين «الطبيعة» كونها عامل النمو والتطور والواقع و«العلم التطبيقي».

لا يعتبر سؤال ما إذا كانت «الطبيعة» و«العلم التطبيقي» قابلين للتوافق سؤالًا له إجابة مسبقة، تنتظر أن يتم تخمينها، بل هو مشكلة عملية بالأساس، يحتاج حلها إلى الابتكار. إذا ما أردنا تشبيه ذلك لا نسأل ما إذا كان يمكن مزج مركَّبَيْن كيميائيَّيْن أم لا، بل عمَّا إذا كان مزجهما موفقًا. هناك متسع للإجابة على السؤال، شريطة توافر الالتزام الواجب. يبدو دون أدنى شك أن وجود زواج ناجح بين «الطبيعة» و«العلم التطبيقي» يعتبر مسألة حيوية لمستقبلنا ومن ثَمَّ تستأهل جهودنا المتصلة. تعتمد مجتمعات المعلومات بازدياد على التكنولوجيا حتى تزدهر، إلا أنها تحتاج بصورة متساوية إلى بيئة صحية وطبيعية للازدهار. حاول تصوُّر العالم ليس غدًا أو في العام القادم، بل في القرن القادم أو في الألفية التالية. سيكون الانفصال بين «الطبيعة» و«العلم التطبيقي» كارثيًّا سواء لرفاهتنا أو لسلامة بيئتنا الطبيعية. وهو ما يجب أن يفهمه محبو التكنولوجيا والمتعصبون لحماية البيئة؛ إذ إن الفشل في إيجاد علاقة مثمرة تكافلية بين التكنولوجيا والطبيعة ليس مطروحًا كخيار أمامهم.

لحسن الحظ، يمكن تحقيق زواج ناجح بين «الطبيعة» و«العلم التطبيقي». حقيقة، هناك حاجة إلى تحقيق الكثير من التقدم؛ إذ ربما تستهلك فيزياء المعلومات كمية كبيرة من الطاقة ومن ثَمَّ لا تعتبر صديقة للبيئة؛ ففي عام ٢٠٠٠، استهلكت مراكز البيانات ٠٫٦٪ من كهرباء العالم، وزاد هذا الرقم إلى ١٪ في عام ٢٠٠٥؛ لذا تعتبر مراكز البيانات الآن مسئولة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًّا أكثر من الأرجنتين أو هولندا، وإذا استمرت المعدلات الحالية فستزداد انبعاثات هذه المراكز أربعة أضعاف بحلول عام ٢٠٢٠، لتبلغ ٦٧٠ مليون طن. حينها، يُقدَّر أن البصمة الكربونية لتكنولوجيات المعلومات والاتصال ستكون أعلى من البصمة الكربونية لحركة الطيران. غير أنه وفق دراسات حديثة، ستسهم تكنولوجيات المعلومات والاتصال أيضًا في التخلُّص من حوالي ٨ جيجا طن متري من الانبعاثات الحرارية سنويًّا بحلول عام ٢٠٢٠، وهو ما يكافئ ١٥٪ من الانبعاثات العالمية حاليًّا وخَمس مرات أكثر من الانبعاثات المتوقعة من تكنولوجيات المعلومات والاتصال في عام ٢٠٢٠. يفضي بي هذا التوازن الإيجابي والقابل للتحسن إلى ملاحظة نهائية.

تعتبر الماكينة الأكثر صداقة للبيئة هي الماكينة التي تبلغ كفاءتها في استخدام الطاقة ١٠٠٪. لسوء الحظ، يكافئ هذا ماكينةً دائمة الحركة، ولقد رأينا في الفصل الخامس أن مثل هذه الماكينة ليست إلا وهمًا، إلا أننا نعرف أيضًا أن هذا الهدف المستحيل يمكن الوصول إليه تدريجيًّا؛ إذ يمكن تقليص الهادر من الطاقة بصورة هائلة كما يمكن زيادة كفاءة الطاقة بشدة (لا تتماثل العمليتان بالضرورة، قارن بين إعادة التدوير وتنفيذ المزيد من الأعمال باستخدام موارد أقل). عادةً، يمكن دعم هاتين العمليتين فقط من خلال الاعتماد على التحسينات الكبيرة في إدارة المعلومات (مثلًا: بناء وإدارة الآلات والعمليات بصورة أفضل). لذا، ها هي الطريقة التي يمكن أن نفسِّر بها العقلانية الأخلاقية لسقراط، التي تناولناها في الفصل السابق. فنحن نفعل الشر لأننا لا نعلم ما هو أفضل من ذلك، بمعنى أنه كلما كانت إدارة المعلومات أفضل، كان الشر الأخلاقي الحادث أقل. إلا أن هناك شرطًا: تفترض بعض النظريات الأخلاقية أن اللعبة الأخلاقية التي تلعبها عوامل فاعلة في بيئتها قد يكون النصر فيها مطلقًا، بعبارة أخرى: ليس النصر هنا وفقًا للنتيجة الأعلى، بل قد تكون النتائج النهائية قليلة ما دامت لا توجد أي خسارة أو أخطاء أخلاقية، وهو ما يشبه قليلًا الفوز في مباراة كرة قدم بتسجيل هدف واحد ما دام لم يكن هناك أهداف سُجِّلَتْ من الفريق الآخر. يبدو أن هذه الرؤية المطلقة أدت إلى تقليل الأطراف المختلفة من أهمية الحلول الوسطى الناجحة. تخيَّل أحد مناصري البيئة لا يستطيع قبول وجود أي تكنولوجيا تؤدي إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مهما كانت هذه التكنولوجيا توازن تلك الانبعاثات. لعل الرؤية الأكثر واقعية وتحديًا تتمثل في أن الشر الأخلاقي هو أمر حتمي؛ ومن ثَمَّ يكمن الجهد الحقيقي في الحد منه وتحقيق التوازن معه من خلال المزيد من الخيرية الأخلاقية.

تساعدنا تكنولوجيات المعلومات والاتصال في محاربة الدمار، والإفقار، والتخريب، وإهدار الموارد الطبيعية والبشرية، بما في ذلك الموارد التاريخية والثقافية. لذا، يمكن أن تصبح تكنولوجيات المعلومات والاتصال حليفًا قويًّا فيما أطلقت عليه في موضع آخر «البيئية الاصطناعية» أو «البيئية الإلكترونية». يجب أن نقاوم أي ميل معرفي إغريقي لاعتبار «العلم التطبيقي» سندريلا المعرفة، أو أي ميل ينحاز للمطلق بما يمنع القبول بوجود توازن أخلاقي بين شر حتمي وخيرية أكثر، أو أي إغراء حديث، متطرف، ميتافيزيقي لزرع الشقاق بين الطبيعية والبنائية، من خلال تفضيل الطبيعية باعتبارها البعد الحقيقي الوحيد في الحياة الإنسانية. يتمثل التحدي الأساسي في التوفيق بين أدوارنا ككائنات وعوامل معلوماتية فاعلة في الطبيعة وبين دورنا كحُماة الطبيعة. لعل الأنباء السارة هنا تتمثل في أن هذا التحدي نستطيع التغلُّب عليه. والشيء الغريب أننا ندرك في بطءٍ أن لدينا هذه الطبيعة الهجينة. تتمثل نقطة التحوُّل في عملية فَهمِنَا لذاتنا فيما أشرت إليه في الفصل الأول «بالثورة الرابعة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠