الفصل الخامس عشر

الهِبات والمكافآت المالية

يستلقي أربعة أشخاص غرباء عن المدينة على حَشِيَّة في أحد أركان مطعم «بي إي دي»، أحد الأماكن الحيوية الأكثر عصرية في حي ساوث بيتش بمدينة ميامي، يراقبون الراقصين، ويستعرضون المُحيط الأنيق وهم يرتشفون ببطء «أميوز-بوش»، وهو حساء جراد البحر كفاتح شهية، بينما ينتظرون اختياراتهم من قائمة الطعام الفرنسية المعاصرة. تدفقت الكلمات من فم أحدهم وهو يقول: «هذا هو الحال الذي ينبغي أن تكون عليه ميامي المثالية.» تجربة هؤلاء الأربعة تماثل تجارب آلاف الشباب الذين يزورون حي ساوث بيتش، مع وجود استثناء جوهري واحد. عندما تأتي فاتورة الحساب، لم يكن على هؤلاء الضيوف أن يُخرجوا بطاقاتهم الائتمانية؛ فحسبما أوردت صحيفة «ذا ميامي هيرالد»، أخذ المطعم الفاتورة التي قيمتها ٦٥٠ دولارًا، وترك مندوبٌ من مكتب السياحة التابع لمنطقة ميامي الحضرية ١٠٠ دولار بقشيشًا. ولم يدفعوا كذلك مقابل رحلات الطيران الخاصة بهم، وأقاموا في فندق عصري على طراز آرت ديكو على الشاطئ، ولم يتناولوا طعامهم إلا في أفضل المطاعم، وزاروا أشهر أماكن الجذب السياحي، دون أن ينفقوا سنتًا من المال. لم يكن هؤلاء سياحًا اعتياديين، بل كانوا كتابًا صحفيين متخصصين في السفر يجربون أفضل ما في منطقة جنوب فلوريدا.1
يُقَدَّم للصحفيين كل شيء من شركات تأمل في الحصول على دعاية مجانية. بعض الهدايا لا تبعث كثيرًا على الاهتمام. قال سي تي براون كاتب المقالات في صحيفة «سان بيترسبرج تايمز» إنه كان من السهل عليه رفض الهبات وقتما كان يغطي أخبار مجتمعات محلية صغيرة في ولاية فلوريدا، وكتب يقول:

لا بد أنني أبدو تافهًا؛ فذات مرة قدَّم لنا مالك مقهًى بمنطقة لاند أُو ليكس بعضًا من مخبوزات كرات الدونتس المجانية — ليس حتى مخبوزات كريسبي كريم الحقيقية المحشوة بالفراولة — عندما عرف أن ثلاثة منا كانوا يعملون في صحيفة يومية. وبينما كان يسجل على آلة الكاشير مشترياتنا من القهوة في عصر ذلك اليوم، قال: «ربما يمكنكم أن تكتبوا عن مطعمي يومًا ما.» فرفضنا وتركنا المخبوزات.

وعرض عليَّ حلاق حلاقة مجانية إذا روجت للمحل. لا، ليس مسموحًا.2
قُدِّمتْ لصحفيين آخرين — ومنهم حتى أولئك الذين يعملون بصحف جامعية — عروض أكثر إغراءً بكثير من مخبوزات كرات دونتس؛ فجلبت شركة دايو الكورية للسيارات عبر رحلات جوية صحفيين جامعيين إلى مصانعها في كوريا لتطلعهم على خط إنتاجها الجديد من السيارات الذي كانت تخطط لتسويقه من خلال طلاب جامعيين. شركات الترفيه تحاول هي أيضًا أن تتودد إلى الصحفيين؛ فقد عرضت على محرر الفنون والترفيه في صحيفة «دايلي أزتيك» لولاية سان دييجو رحلات إلى مدينة نيويورك لإجراء مقابلات في نهاية الأسبوع مع توم كروز والمخرج كاميرون كرو. ذات مرة تحملت شركة باراماونت تكلفة فاتورة سفر كُتَّاب ترفيه جامعيين إلى مدينة نيويورك، وقضاء ليلة في أحد أغلى فنادق ضاحية منهاتن. وتلقى محررون رياضيون في صحف جامعية كثيرة أحذية مجانية من ماركة نايكي.3
يرى البعض أن أفضل الامتيازات التي تُقَدَّم في الوقت الحاضر هي تلك التي تُقَدَّم للكُتَّاب الذين يغطون سوق الألعاب الإلكترونية، ويستعرضون الإصدارات الجديدة والعتاد الصلب الجديد لأجهزة الكمبيوتر! وعندما تكون ألعاب جديدة في طور الإعداد، يبعثهم المصنعون عبر رحلات جوية إلى ولاية كاليفورنيا حيث يتحدثون إلى المصممين، ويلعبون نسخًا أوليةً من الألعاب. ولأجل الترفيه، ينال الكُتَّاب فرصة إطلاق النار من بنادق، والقفز بالمظلات، وقيادة سيارات سباق، ومباشرة أنشطة أخرى ذات صلة باللعبة الجديدة. وهم — حسب صحيفة «ذا إندبندنت» من المملكة المتحدة — «يستفيدون من سيارات الليموزين الطويلة الفارهة، والفنادق ذات الخمسة نجوم والمطاعم الغالية غلاءً فاحشًا.»4
المدونون كذلك يحولون الأمر لمنفعة مادية؛ فأولئك الذين يكتبون عن التكنولوجيا معتادون على تلقي سلع غالية مجانًا لدرجة أنهم بدءوا حملة ضد شركة أبل للكمبيوتر، التي ارتأَوْا أنها كانت بخيلة جدًّا في هداياها، حسب مجلة «بي آر ويِك». وانتهز مدونون آخرون فرصة الحصول على رحلات مجانية إلى هولندا مقدمة من موقع Holland.com.5

(١) وداعًا أيها الغداء المجاني!

معضلة الهبات هي معضلة جديدة نسبيًّا في الصحافة الأمريكية، فعلى الرغم من أن من يسعَوْن إلى إغواء الصحفيين موجودون منذ سنوات، فنادرًا ما ورد ذكرهم في المؤلفات الأقدم عن أخلاقيات الصحافة، فلم يرَ قادة الصحافة محاولاتهم على أنها تهديد خطير لنزاهة الصحافة؛ ربما لأن الهبات لم تكن شائعة ذلك الشيوع الكبير.

تغير ذلك مع تصاعد حراك العلاقات العامة، الذي تنامى إبان عشرينيات القرن الماضي؛ إذ كان يُشار على الحكومة، والأعمال التجارية، وقطاعات المجتمع الأخرى، أن تسترضيَ رجال الصحافة وأن تسعى لنيل استحسانهم، وعادة ما كان يترجَم ذلك في صورة هدايا وتذاكر ورحلات ووجبات مجانية.

لم يعتبر الصحفيون في تلك الأيام التذاكر المجانية للمسارح أو السيرك أو مباريات البيسبول مشكلة؛ فهذه الامتيازات كانت أمورًا جانبيةً عاديةً ترتبط بالوظيفة؛ إذ كانت بمثابة تعويض عن التدني المخزي والمعروف في رواتبهم. كان كثير من المراسلين يفترضون أن الأشخاص الذين يمثلون مصادرهم الإخبارية سوف يدفعون عنهم فاتورة مشروباتهم ووجباتهم. كان ثمة «تقليد في الصحافة يقوم على أخذ ما يمكن أن تطوله يداك»، حسبما قال ريتشارد بي توتل وقتما كان ناشرًا ومحررًا في صحيفة «ستار جازيت» بمدينة إلميرا، بولاية نيويورك.6 هل تريد أن تأخذ أطفالك إلى مدينة للملاهي؟ اتصل بمكتب للعلاقات العامة، وأطلعهم على الموعد الذي ستأتي فيه. لا تستطيع تحمل نفقات عطلة لطيفة؟ عِدْ وكلاء السفر ومنظمي الرحلات السياحية بتحقيقٍ صحفي مفعَم بالإطراء بقسم السفر الذي يصدر يوم الأحد بالصحيفة، واذهب حيث تشاء. أحيانًا كان نهم بعض الصحفيين يذهل حتى ممارسي مهنة العلاقات العامة الذين كانوا ينسقون الهبات؛ تتذكر مديرة تنفيذية في مدينة ملاهي ديزني وورلد مراسلًا من إحدى صحف ولايات الغرب الأوسط، رفض الغرفة المجانية التي أُعِدَّت له في أحد أجمل فنادق ديزني. لقد طلب المراسل جناحًا؛ فرضخت المديرة التنفيذية، وكعربون سلام اقترحت أن يحصل المراسل وزوجته على عشاء مجاني في مطعم الفندق. قالت المديرة التنفيذية: «لقد طلبوا من الناحية اليمنى من قائمة الطعام»؛ إذ لم يتخيروا إلا أغلى الأطباق ثمنًا.

كان من المعتاد أن يكون عيد الميلاد (الكريسماس) مهرجانًا للهبات: في منتصف القرن العشرين، عادة ما كانت غرف الأخبار تبدو مثل أقسام لف وتغليف الهدايا بالمتاجر مع توالي الهدايا. بعض تلك الهدايا — مثل سلال التفاح من سيناتور شهير — كانت للجميع، وكان هناك هدايا أخرى لكُتَّاب أو محررين معينين. بمقدور صحفيين مسنين كثيرين أن يرووا حكايات عن غرف أخبار تفيض بزجاجات الويسكي، وعن صحفيين يحاولون مسرورين أن يحافظوا على القواعد الأخلاقية القديمة التي سمحت لهم بأن يستمروا في الشرب بقدر ما يستطيعون في جلسة واحدة.

ووضعت بعض الصحف مراسليها في مواقف محرجة؛ إذ كانت الصحف متدنية إلى درجة عدم دفعها نفقات سفر مراسليها؛ لذا كان المراسلون الرياضيون يُضطرون إلى الاعتماد على مسئولي الدعاية بالفرق الرياضية ليُجروا لهم ترتيبات السفر من أجل حضور المباريات، بل إنه كان من المتوقع من المراسلين السياسيين أن يقبلوا تحمل مرشحي الانتخابات الذين كانوا يغطون أخبارهم لنفقات سفرهم وإقامتهم بالغرف الفندقية.

لو مَثَّلْت تاريخ الهبات في أمريكا برسم بياني، فسيكون هناك خط آخذ في الصعود ببطء خلال عَقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، ويصل إلى أعلى نقطة له في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، ثم يهبط ببطء خلال السبعينيات والثمانينيات وصولًا إلى التسعينيات من القرن العشرين. وكانت زيادة المهنية في أوساط الصحفيين هي السبب وراء هذا التراجع.

في الوقت الحاضر يصر غالبية مراسلي الصحف الأمريكيين على دفع ثمن وجباتهم ومشروباتهم، وتشجعهم غالبية المؤسسات الإخبارية على دفع الفاتورة عن مصادرهم. ويدفع النقاد المسرحيون ونقاد المطاعم كامل الثمن مستخدمين المال الخاص بمؤسساتهم الإخبارية. في بعض الصحف، تُمْنَح الهدايا المقدمة في صورة طعام أو زهور إلى ملاجئ المشردين والمستشفيات. وفي صحف أخرى، كصحيفة «هيرالد آند ريفيو» في مدينة ديكاتور بولاية إلينوي، عندما ينتهي النقاد من الكتب والأقراص المدمجة فإنها تُباع، وعادة ما يكون ذلك في مزادات صامتة (وهي وسيلة لجمع التبرعات)، ويُوَجَّه العائد إلى المؤسسات الخيرية.7 وتنفق وسائل الإعلام الإخبارية آلاف الدولارات حتى يتمكن المراسلون من مرافقة الرئيس في جولاته في أنحاء البلاد ومن تغطية الأحداث الرياضية.
وحتى في أقل غرف الأخبار الأمريكية تقيدًا بالقواعد أثناء ما كانت الهبات في أوجها، كان ما يتلقاه الصحفيون الأمريكيون يُعد تافهًا إذا ما قورن بما ينتفع به نظراؤهم في بلدان أخرى إلى الآن؛ فكثيرًا ما يحصل المراسلون الألمان على أجهزة كمبيوتر شخصية وتخفيضات كبيرة على السيارات، بل إن بعضهم يتلقى إعفاءات ضريبية من حكومات محلية.8 وصحفيون مكسيكيون كثيرون مدرجون على كشوف الرواتب الحكومية أو كشوف رواتب الأحزاب السياسية. قبل حرب الخليج في عام ١٩٩١م، أوردت تقارير كثيرة أن دولة الكويت قدمت — وفق الإجراءات المتبعة لديها — للمراسلين سيارات مرسيدس، وأن صحفيين بريطانيين وأوروبيين كثيرين قبلوها دون تردد. كان أحد كُتاب الأعمدة في صحيفة «ذا صنداي إندبندنت»، وهي من الصحف البريطانية ذات التأثير، بين صحفيي المملكة المتحدة الذين تفاخروا في دورية تجارية للعلاقات العامة بشأن بعض الهبات التي تلقوها؛ فكتب يقول إن أفضل رحلة مجانية نالها كانت إلى أستراليا، حيث أمضى خمسة أيام على قارب مزدوج فوق الحيد المَرجاني العظيم، وأعقبها أسبوعان في منتجعات فخمة في غابة مطيرة وفي المناطق الريفية الأسترالية النائية (الآوت باك).9 قال الصحفيون الآسيويون للباحثين إنهم لا يرَوْن إلا قدرًا ضئيلًا من الخطأ في قبول الرحلات المجانية، والوجبات المجانية … إلخ، لكنهم يحجمون عن قبول هدايا نقدية.10
قد تكون أيام الهبات الكبرى التي تُقَدَّم للصحفيين خارج الولايات المتحدة معدودة أيضًا؛ فبعد أن فرض عليها المحررون في صحيفة «ذا سيدني مورنينج هيرالد» في أستراليا قيودًا، نشروا خبرًا يسجلون فيه كل الهدايا التي تلقاها المراسلون أثناء الأسبوع الفائت، التي تشتمل على وجبات ورحلات مكلفة إلى هونج كونج وأمستردام وفرنسا ونيويورك على نفقة الأشخاص الذين كانوا هم الشخصيات المعنية بأخبار المراسلين.11 استحدثت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية — وهي صحيفة يومية وطنية مرموقة — مدونة قواعد أخلاقية لأول مرة في عام ٢٠٠٤م. وانضمت إلى صحيفتي «ذا إندبندنت» و«ذا جارديان» ضمن الصحف البريطانية القليلة التي تحظر الهبات.
بالطبع ليست الصحافة هي المهنة الوحيدة التي تخشى من التأثير الذي لا مسوغ له للمُسَوِّقين؛ ففي الماضي، كان من المعتاد أن ترسل شركات الأدوية الأطباء عبر رحلات جوية إلى منتجعات أجنبية لتعريفهم بأدوية جديدة، بل إن إحدى الشركات أنشأت نظام مكافآت كان يَعِد برحلات مجانية إلى مدينة كان بمنطقة الريفييرا الفرنسية، عندما يكون الطبيب قد كتب وصفات طبية بأدوية هذه الشركة عددًا معينًا من المرات. وبعد أن نشرت وسائل الإعلام الإخبارية تحقيقات تطرح تساؤلات بشأن الرحلات الترويجية، غيرت الجمعية الطبية الأمريكية مدونة القواعد الأخلاقية الخاصة بها للحد من هذه الهدايا.12

ويخضع المسئولون الحكوميون أيضًا لتدقيق متزايد؛ فتضع حكومات الولايات والحكومات الفيدرالية قيودًا على أنواع السفريات التي يمكنهم تلقيها في مسعى يرمي إلى أن يبعد عن أذهان العامة تصور أن المشرعين فاسدون ومرتشون. وتضع القواعد الأخلاقية — والقوانين أحيانًا — قيودًا على الهدايا المقدمة من جانب جماعات الضغط. ويمكن أن تتسبب حتى التذاكر المجانية إلى الفعاليات الرياضية في غرامات باهظة في كثير من الأوساط.

(٢) ما المشكلة في الهبات؟

تحظر كل مدونات القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام تقريبًا الهبات؛ وذلك للأسباب الآتية:

(٢-١) دوافع المانحين

يدرك حتى أكثر المراسلين سذاجة أن العاملين في مجال العلاقات العامة والساسة وصناع الخبر لا يدفعون المال مقابل وجبات العشاء أو يدفعون تكاليف السفر لأنهم يعتقدون أن المراسلين أشخاص لطفاء؛ فهم يعتقدون أن الهدايا تؤثر في التغطية الإعلامية. ارتأى مجلس السياحة في مقاطعة بروارد بولاية فلوريدا أن مبلغ اﻟ ٢٥٠٠ دولار، الذي أُنْفِق لدفع نفقات أربعة كُتَّاب من مجلات متخصصة، قد أُحْسِن إنفاقه عندما ظهر أول خبر في مجلة كانت تتحمل ٥٠٠٠ دولار مقابل إعلان في صفحة كاملة. لم يكن ذلك أرخص تكلفة فحسب؛ إذ كان المجلس يعرف أن دراسة السوق أظهرت أن الناس يبدون ثقة في الموضوعات الإخبارية أكثر من ثقتهم في الإعلان.13

(٢-٢) شكوك الجمهور

تخيل أن رئيسة بلدية تقبل عطلة مدفوعة من قِبَل شركة محلية؛ فإذا ما اقترحت — بُعَيد عودتها من العطلة — قانونًا من شأنه أن يفيد تلك الشركة، فسيعتقد الكثير من الناخبين أن الشركة قد اشترت موالاة رئيسة البلدية. وهنا يكمن سبب آخر في أن الكثير من المؤسسات الإخبارية لا تجيز للصحفيين قبول الهبات؛ فحتى وإن لم يتأثر الصحفيون بالهبات، فقد يشك الجمهور في أنهم قد تأثروا بها. يقول كيث وودز، مدرس أخلاقيات الصحافة بمعهد بوينتر: «يتصور الجمهور بالفعل أن المعلنين يمتلكون تأثيرًا لا مسوِّغ له على الأخبار؛ فإذا رأَوُا المراسلين يتصرفون بجشع كالخنازير على حوض العلف، فذلك ليس مفيدًا.»14 ففي حفل تسليم جوائز الإعلام البيئي لعام ٢٠٠٣م، طبقًا للتقارير وقعت أحداث هرج ومرج حينما حاول إعلاميون الحصول على قمصان مجانية.15

(٢-٣) طبقة مميزة؟

اعتاد الصحفيون قبول كل أنواع الامتيازات الخاصة. كتبت كاثرين جراهام، ناشرة صحيفة «ذا واشنطن بوست»، في سيرتها الذاتية التي تحمل اسم «السيرة الشخصية»:

بعد فترة وجيزة من تولي روس ويجينز منصب مدير تحرير صحيفة «ذا واشنطن بوست» في عام ١٩٤٧م، استدعى مراسل أخبار الشرطة بالصحيفة. سأله ويجينز عما إذا كان يتولى أمر إلغاء مخالفات انتظار السيارات؛ فقال له المراسل: «نعم يا سيدي.» وأضاف أنه يفعل ذلك لكل العاملين بمبنى الصحيفة: «كل ما في الأمر أنني آخذ المخالفات إلى قسم الشرطة وأعطيها لرئيس الشرطة.»

في الوقت الحالي لا يكاد يوجد مؤسسات إخبارية تسمح لموظفيها بإلغاء مخالفات انتظار السيارات؛ السبب الأول: أن هذه المؤسسات لا تقبل فكرة أن يكون مراسلوها مدينين بالفضل لرئيس الشرطة. والسبب الثاني: أن هذه المؤسسات تعرف أن الحصول على معاملة خاصة كهذه من شأنه أن يُقابل بالاستياء من جانب الجمهور، الذي لا يثق كثيرون من أفراده في وسائل الإعلام، ويعتقدون أن الصحفيين يظنون أنهم أعلى مقامًا من غيرهم من المواطنين.

(٢-٤) شبهة الرياء

صحفيون كثيرون يتحاشَوْن الهبات والعلاقات المالية الأخرى مع ذوي السلطة بسبب خوفهم من الظهور بمظهر المرائين. هذا على الرغم من أنه نادرًا ما يرد ذكر هذا الأمر في مدونات القواعد الأخلاقية. ظل المراسلون لسنوات يفتخرون بفضحهم للساسة الفاسدين والمرتشين؛ فعلى أي حال، إذا قَبِلَ رئيس لجنة مصرفية في الكونجرس عطلة مترفة مدفوعة من جانب المصرفيين، أو إذا خفف مرشح من موقفه بشأن الرقابة على بيع الأسلحة النارية بعد تلقيه مساهمة لحملته من الجمعية الوطنية للبنادق (التي تُعرف اختصارًا باسم «إن آر إيه»)، فإن ذلك يُعد خبرًا. يعتقد صحفيون كثيرون أن الموقف الأخلاقي لوسائل الإعلام في مثل هذه الأمور يصبح في مهب الريح إذا كان زملاؤهم يقبلون هدايا.

(٢-٥) ما الحقيقة المجردة للأمر؟

غالبًا ما يحصل النقاد والكتاب السياحيون على معاملة خاصة؛ فالخدمة التي يحصلون عليها في المطاعم والفنادق سوف تكون من الطراز الأول، ولن يشوب الغرف شائبة، وسلال الفاكهة سوف تُمْلأ، وقد يراجع رؤساء الطهاة الوجبات إذا عرفوا أن النقد إما أن يشجع رواد المطعم على ارتياده أو يجعلهم يحجمون عنه. تقول لينسي ماكنيل، وهي كاتبة سياحية في العديد من المطبوعات البريطانية، إنه من الصعوبة بمكان الحكم على القيمة النسبية لبعض الرحلات لأن كل شيء يجري التحكم فيه من وراء الستار. وقالت لمطبوعة نقدية مختصة في مراقبة الصحافة: «لقد قضيتُ رحلة رائعة، ولكنها لم تكلفك شيئًا. في بعض الأحيان أُسائل نفسي «هل كان سيخامرني نفس الشعور لو كنت دفعت ٣٥٠٠ جنيه إسترليني (نحو ٦٥٠٠ دولار) مقابل تلك الرحلة؟»»16

(٢-٦) الضغوط المباشرة من مانحي الهدايا

يمارس بعض العاملين في مجال العلاقات العامة ضغوطًا مباشرة على المراسلين ليكتبوا أخبارًا مرضية لأهوائهم إذا قبلوا هبات، وقلة من المؤسسات هي التي تتعامل بطريقة صريحة ومباشرة بشأن ما تنتظره من وسائل الإعلام عندما تمنحها هبة. تقدم شركة ديزني لاند انتقالات للبرامج الإذاعية والتليفزيونية لتقوم ببث مباشر من خارج الاستوديوهات من مدينة الملاهي في ولاية كاليفورنيا. قال جون مكلينتوك، وهو أحد المشرفين على الدعاية، إن شركة ديزني تتوقع مقالًا إطرائيًّا، وأوضح: «إن ذلك الأمر سيكون عبارة عن صفقة، فلا أحد يتوقع تغطية صحفية موضوعية من ذلك التعامل. إن تلك العلاقة هي علاقة ترويجية.»17 بل إن بعض المروجين يتعاملون على نحو أكثر قسوة وعدوانية؛ فشركة سوني أوضحت بجلاء شديد لجيريمي هورويتز أنها غير راضية عن المقال الذي كتبه لمجلة «إنتيليجينت جيمر» عن لعبة فيديو من إنتاج شركة سوني تسمى «كراش بانديكوت». صرح هورويتز لمجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» قائلًا: «لقد تعرضت أنا شخصيًّا للصراخ فيَّ عبر الهاتف من [مسئول علاقات عامة من شركة سوني] الذي أوضح لنا بجلاء أننا لن نتلقى نسخًا من لعبة «كراش بانديكوت»، ومن المحتمل ألا نتلقى منتجات سوني الأخرى.»18
يعترف بعض المحررين في أحاديث خاصة أنهم يصيغون ملاحظاتهم بطريقة تجعلهم يستمرون في الحصول على هبات. صرح أحد المدونين الذي يكتب عن الأجهزة عالية التقنية لمجلة «سمارت موني» بأنه قد تلقى هبات تعادل قيمتها آلاف الدولارات. وقال: «لم أكن لأستطيع أبدًا أن أقدر على شراء الهاتف الذي أتحدث منه.» في إشارة إلى طراز هاتف نوكيا ثمنه ٦٠٠ دولار؛ فسأله محرر الصحيفة عما إذا كان هاتفًا جيدًا؟ فقال: «إنه رائع كمشغل للموسيقى، ولكنه سيئ كهاتف فعلي.» ومع ذلك، عندما صدر تقييمه، كتب يقول إنه في حين أن «بعض الخصائص تفتقر إلى القليل من الصقل … فإنه يعدل وزنه ذهبًا.»19

(٣) من يُشْتَرى مقابل قدح من القهوة؟

«أنا لا يمكن شرائي مقابل شطيرة هامبورجر وقدح من القهوة.» ذاك هو جوهر أحد أكثر مبررات قبول الهبات شيوعًا. يرى دانيال جيلبرت، أستاذ علم النفس بجامعة هارفرد، أن غالبية الأشخاص الذين يقولون هذا صادقون في قولهم. وكتب يقول في مقال في صحيفة «ذا نيويورك تايمز»:

يعتقد المشرعون أن التبرعات لحملاتهم الانتخابية لا تؤثر على خياراتهم عند الاقتراع على أحد القوانين. ويتهكم الأطباء من فكرة أن الهدايا التي يحصلون عليها من إحدى شركات الأدوية يمكن أن تدفعهم إلى كتابة وصفات طبية بأدوية تلك الشركة … أما الناخبون والمواطنون والمرضى ودافعو الضرائب فبالكاد يمكنهم أن يكتموا ضحكاتهم الساخرة المتشككة.

وثمة سبب وجيه لشكوكهم؛ استشهد جيلبرت بأحد البحوث النفسية الذي يشير إلى أن «صانعي القرار لا يدركون كم يسهل وكم هو متكرر أن تصبح موضوعيتهم مَعْرِضًا للشك والظنون؛ فالعقل البشري يعرف الكثير من الحيل التي تتيح له أن ينظر في الأدلة، ويُقَيِّم الحقائق، ويصل رغم ذلك إلى النتيجة التي يستحسنها.» توصلت إحدى الدراسات إلى أن ٨٤ بالمائة من الأطباء ارتابوا في أن زملاءهم قد استُميلوا بالهدايا من شركات الأدوية، إلا أن ١٤ بالمائة فقط ظنوا أن الهدايا أثَّرَت في اتخاذهم لقراراتهم.20 ولربما كان المحررون بنفس القدر من سهولة التأثر. يشير بحث أُجري على الآراء النقدية المتعلقة بالألعاب الإلكترونية أن النقاد الذين أخذوا رحلات ترويجية مجانية منحوا الألعاب المروج لها آراءً مُرْضية أكثر من آراء الجمهور أو النقاد الذين لم يتلقَّوْا هبات. ومع ذلك، عندما سُئِل الكُتَّاب عن تأثير الهبات، ارتأوا أنهم حافظوا على موضوعيتهم.

(٤) هل ينبغي أن يكون ثمة قواعد مختلفة للأقسام المختلفة؟

في كثير من المؤسسات الإخبارية، يُطْلَق على قسم الرياضة مسمى «محل اللعب». قد يكون ذلك لأن الرياضة لا تعتبر صحافة جادة؛ فالكُتَّاب الرياضيون يبدون الموافقة، بالقول فقط دون الفعل، على القواعد الأخلاقية التي تُطَبَّق بصرامة في الأقسام الأخرى في نفس غرفة الأخبار. عندما استطلعت أستاذة الصحافة الرياضية ماري هاردِن آراء المحررين الرياضيين، خَلُصَت إلى أن الصحفيين الرياضيين كانوا لا يزالون يعيشون في الأيام الخوالي السوداء للهبات؛ فما يقارب من نصفهم لم يروا إلا قدرًا ضئيلًا من الخطأ في قبول الهبات. وكان ذلك الشعور أكثر شيوعًا بين محرري البلدات الصغيرة، الذين عادة ما يكونون صحفيين شبابًا.21 منذ وقت طويل، كتب المحررون الرياضيون بوكالة «أسوشيتد برس» مدونة للقواعد الأخلاقية حظرت كل الهدايا والتذاكر المجانية والمخفضة لفعاليات لا يغطيها الكاتب الرياضي، إلا أن مدونة القواعد اختيارية.
يعتقد أيضًا بعض كُتَّاب التحقيقات الخاصة أن القواعد المتعلقة بالهبات ينبغي أن تكون مختلفة في حالتهم. كانت كيلي ماكبرايد، وهي مراسلة سابقة في صحيفة «ذا سبوكسمان ريفيو» في مدينة سبوكين، بولاية واشنطن، تُدير نقاشًا بشأن الهبات في ورشة عمل لمحرري التحقيقات الخاصة بمعهد بوينتر، وكان موضوع ورشة العمل هو الأخلاقيات. اشتكى أحد المحررين من أن القواعد المتعلقة بالهبات كُتِبَت بينما كان موضوعًا في الاعتبار مراسلو الأخبار الجادة. كتبت ماكبرايد، على الموقع الإلكتروني الخاص بمعهد بوينتر، تصف ثلاث مشكلات أخلاقية كان قد صادفها المحررون:
  • ناقدة لموسيقى البوب قالت إن رئيسها كان قد أوضح لها بجلاء أنها ينبغي أن تستمع باستمرار إلى أنماط مختلفة من الموسيقى، وأن تسمع الإصدارات الجديدة، وأن تستكشف الاتجاهات الثقافية، إلا أن الصحيفة لم تكن تشتري أي أسطوانات مدمجة. وكانت الناقدة تنتظر أن تحصل على أسطوانات مجانية.

  • أراد ناقد للنبيذ إجراء اختبار مستقل لكل نبيذ كابرنيه الأحمر المُصَنَّع في ولايته، وكان من غير الوارد أن يدفع ثمن النبيذ. وإدراكًا منه أن مصانع النبيذ قد تتوقع منه تغطية محابية لها إن قدمت النبيذ للصحيفة، فإنه عوضًا عن ذلك، طلب من أحد الموزعين أن يوفر له النبيذ.

  • أراد مراسل أن يُجري تحقيقًا صحفيًّا يلعب فيه دور المستهلك حول مُبَيِّضات الأسنان، وكانت بعض الشركات قد أرسلت عينات مع بياناتها الصحفية. واشترى منتجات أخرى ليستكمل المنتجات التي كانت الصحيفة قد تلقتها، وأدرج في المقارنة المنتجات التي حصل عليها مجانًا والتي اشتراها.

قالت ماكبرايد إن ردها كان متسقًا مع معظم القواعد الأخلاقية؛ فالناقدة يتعين عليها أن تشتري الأقراص المدمجة أو أن تُقنع محرريها بأن يخفضوا من توقعاتهم. ومن شأن ناقد النبيذ أن يحتاج إلى شراء النبيذ، أو ألا يُجري التحقيقات، وينبغي على الصحيفة أن تشتري مبيضات الأسنان. أما فيما يتعلق بردود أفعال كُتَّاب ومحرري التحقيقات الخاصة؛ فبعضهم وجد أن معالجتها للمشكلات «شبه متزمِّتة» و«غير عملية»؛ لأن الصحف لن تنفق تلك الأموال. واختتمت ماكبرايد بقولها:
ولكن إن كنت قد تعلمتُ أي شيء من مواجهتي مع محرري التحقيقات الخاصة فهو أن فرض سياسة صارمة فحسب قد لا يؤدي بنا إلى نتائج مرضية؛ فلكي تكون السياسة الخاصة بالهبات ذات جدوى، يجب أن تكون عمليةً وكذلك ساريةً؛ وهو مزيج مفعم على الأخص بالتحدي في الحياة اليومية لأقسام التحقيقات.22

(٤-١) الصحفيون المستقلون يواجهون مشكلات خاصة

الصحفيون المستقلون في المراحل الأولى هم بوجه خاص عرضة للضغوط من مانحي الهبات؛ فهم لا يستطيعون أن يتحملوا دفع تكلفة رحلة باهظة مقدمًا أملًا في بيع ما يكفي من المقالات للتربح من وراء ذلك؛ فالرحلة المجانية تجعل الأمور أيسر بكثير من الناحية المالية. تكمن المشكلة في أن عليهم أن يضمنوا استمرار تلقيهم للرحلات الترويجية.

يدرك بعض المروجين هذا الأمر، ويمارسون ضغطًا مباشرًا على وسائل الإعلام. فحسب مجلة «رايرسون ريفيو أوف جورناليزم»، قال ممثلٌ للهيئة القومية اليابانية للسياحة للكتاب السياحيين إنه لن يفرض مطالب محددة على الكُتَّاب عدا أنهم يجب عليهم أن يكتبوا أشياء طيبةً عن اليابان. وقال: «لا أريدهم أن يكتبوا عن الأسعار المرتفعة في اليابان.»23

في أغلب الأحيان، لا يرى المروجون ثمة حاجة لإخبار الكُتَّاب السياحيين بأنه يجب عليهم أن يكتبوا مقالات إيجابية؛ فهم ببساطة يطلبون أن يروا نسخًا من التحقيقات الصحفية. ويدرك الكُتَّاب السياحيون أنه إذا لم يكن المروجون مسرورين بعملهم، فإنهم سوف يتوقفون عن الحصول على رحلات مجانية، وعلى الأرجح سوف تصل حياتهم المهنية ككتَّاب مستقلين إلى نهايتها. صرح مدير سياحي سابق لصحيفة «ذا ميامي هيرالد» قائلًا: «لا يود أحدٌ أن تلتصق به سمعة كونه شخصًا يتناول الأمور السلبية؛ لأن تلك الكلمة تتناقلها الألسن.»

يقر كُتَّاب سياحيون كثيرون بأن تحقيقاتهم الصحفية نادرًا ما تحوي نقدًا. يقول الكُتَّاب الذين يحظَوْن بقبول واسع إنهم يحصلون على قدرٍ كافٍ من العروض حتى إنه يمكنهم أن ينتقوا فقط الوجهة التي هم متيقِّنون أنهم سوف يستمتعون بها. يزعم قلة أنهم ليسوا صحفيين جادين ولكنهم كُتَّاب مغامرات يروون حكايات لهواة القراءة عن الأسفار والمغامرات. الأكثر شيوعًا هو أن الكتاب السياحيين يزعمون أن تحقيقاتهم تتسم بالصدق؛ كل ما في الأمر أنهم يُسْقِطون التجارب غير السارة مثل الصراصير في غرف الفنادق أو الطعام السيئ في مطعم ما. فُوجئ أحد الكُتَّاب — وكان في رحلة مجانية ترويجية إلى العديد من مدن أمريكا الجنوبية — عندما قال له مدير أحد الفنادق إن الفندق سوف يؤمِّن له حارسًا مسلحًا حتى يتمكن من زيارة المواقع السياحية الأشهر في المنطقة بأمان. لم يود الكاتب أن يشجع قراءه على زيارة تلك المدينة الخطرة؛ لذا حذف أي إشارة إليها في تحقيقه الخاص الذي يصف عجائب الترحال في أمريكا الجنوبية.24
يُبدي الكُتَّاب السياحيون الذين يدفعون بأنفسهم تكلفة رحلاتهم قدرًا أكبر من الصراحة؛ فقد تعرض كاتب يعمل لحساب كتيبات وأدلة السفر «ليتس جو» للسرقة والتهديد بالسلاح أمام الفندق الذي كان يقيم فيه في مدينة كاراكاس؛ فحذر القراء في الدليل من الجريمة في المنطقة. يحظر ناشرو كتيبات السفر مثل «ليتس جو» و«لونلي بلانيت» الهبات عمومًا، وتفرض كتيبات وأدلة «فرومر» للسفر قيودًا على ما يستطيع كُتَّابها قبوله.25 ولدى صفوة مجلات السفر قواعد مماثلة. لن تشتري مجلة «ترافل بلس ليجر» ومجلة «بلاي بوي»، والمطبوعات الكبرى الأخرى مقالات من كُتَّاب يقبلون هبات. تعاني صحف كبرى كثيرة من انفصام في الشخصية فيما يتعلق برحلات السفر الترويجية المجانية؛ فهي لا تسمح لأعضاء فريق العمل بها أن يقبلوها، ولكنها لا تُلزِم من يعملون لحسابهم الخاص بنفس المعايير.

يوضع النقاد المستقلون في موقف مماثل يتعذر الدفاع عنه؛ إذ تريد الصحف والمجلات تقييمات نقدية يتزامن توقيتها مع افتتاح فيلم أو إطلاق منتج ما. وذلك يعني أنه يجب على الشخص الذي يعمل حرًّا أن يكون على قائمة الأشخاص الذين يُدْعَون إلى عروض الأفلام التي تسبق الافتتاح أو الذين يتلقَّوْن المنتجات قبل طرحها في الأسواق. وقد تعني التقييمات النقدية السلبية أن تُحذف أسماؤهم من القائمة. يمكن للكاتب الذي ينتمي إلى فريق العمل بالمطبوعة أن يوضح الموقف لمحرريه، الذين سوف يقدِّرون استقلاليته في أغلب الأحوال. أما في المقابل، فغالبًا ما يكتشف الأشخاص الذين يعملون مستقلين أن المجلات تُفَضِّل أن تشتري التقييمات من الأشخاص الذين يستطيعون تسليمها في الموعد المحدد.

(٥) الأعمال الخارجة عن نطاق المهنة

صار الجمع بين وظيفتين، أو بعبارة أخرى القيام بوظيفة ثانية بدوام كامل أو جزئي، أمرًا شائعًا في المجتمع المعاصر. وعلاوة على الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالصحة، يبدو أن الجمع بين وظيفتين يسبب بضع مشكلات لمعظم من يفعلون ذلك. ومع هذا، إذا ما كنت مراسلًا، فأنت بحاجة إلى توخِّي الحذر حينما تختار تلك الوظيفة الثانية. فتأليف كتابٍ هو على الأرجح أمر مقبول، بل إنه قد يكون، رهنًا بموضوع الكتاب، أمرًا يشجعك عليه محرروك؛ فقد يجني لك الأمر بعض المال ويجلب لك ولمؤسستك الإخبارية سمعةً طيبةً. قبل أن تكتب مقالًا لمجلة وطنية، من الأفضل لك أن تحصل على إذنٍ من رئيس التحرير الذي تعمل تحت إمرته. ولكن عليك أن تحاذر إن كنت تريد أن تكتب كتيبًا ترويجيًّا لأحد العاملين المحليين في مجال تطوير الأراضي؛ فقد يؤدي ذلك إلى فصلك. تبنت الكثير من المؤسسات الإخبارية نظرة سلبية تجاه الأعمال الخارجة عن نطاق المهنة والأنشطة التي قد تجعل الجمهور يَشْتَمُّ رائحة تضارب في المصالح.

ومن الصحف التي تطبق سياساتها العامة تطبيقًا نموذجيًّا، صحيفة «ذا بوسطن جلوب»؛ فقد رفضت صحيفة «ذا بوسطن جلوب» منح إذن لمصور فوتوغرافي أراد أن يكون المعاون للمصور الرسمي لفريق البيسبول «ريد سوكس». كان دوره سيصبح التقاط الصور للكتاب السنوي لفريق «ريد سوكس»، وبطاقات تسجيل النتائج، ومواد ترويجية.26 ضَرب مصور فوتوغرافي في صحيفة «ذا واشنطن بوست» عُرْض الحائط بقواعد مماثلة عندما وافق على استخدام سيارة كارافان (سيارة مجهزة للمعيشة) لالتقاط صور لموقع على شبكة الإنترنت يُدعى walmartingAcrossAmerica.com، ترعاه مجموعة تحاول تحسين صورة شركة «وول مارت». أظهرت الصور سيارة الكارافان رابضة أمام متاجر «وول مارت» بهدف الترويج لسياسة الشركة التي تقضي بالسماح للسيارات المجهزة بالتخييم بالمبيت. ألزمت صحيفة «ذا واشنطن بوست» المصور الفوتوغرافي بأن يحذف صوره من الموقع وأن يرد تكلفة الكارافان.27

عادةً يتجنب معظم الصحفيين العاملين في الصحف والمجلات الإخبارية أي شيء له علاقة بأقسام الإعلانات بالمؤسسات التي يعملون بها؛ مراعاة لقواعد مستقرة تتعلق بالفصل الدائم بين الأخبار والإعلانات. إلا أن إنتاج الصحفيين لأقسام خاصة وُضِعَت لأجل المعلنين أصبح أمرًا أكثر شيوعًا في الوقت الحالي. في الصحف الصغيرة، قد يصل الأمر بالمراسلين أن يُطْلَب منهم كتابة مقالات إطرائية لأقسام «التقدم» السنوي التي تسلط الضوء على الشركات المحلية، وقد تستخدم أقسام الإعلانات محرري الطباعة من أجل تهيئة الأقسام بالتحقيقات والصور التي يزودهم بها المعلنون. وغالبًا يطلب الصحفيون ألا تُستعمل أسماؤهم في هذا النوع من التحقيقات.

يواجه الصحفيون العاملون في الصحافة المسموعة والمرئية صعوبة أكبر في إخفاء هوياتهم. في بعض المحطات الإذاعية والتليفزيونية المحلية، يمثل القيام بالإعلانات التجارية، وحتى الشهادات التي تستهدف تزكية مُنْتَج ما، في بعض الأحيان جانبًا من وظيفة العاملين في الأخبار. وقد يزيد هذا من دخل مقدمي نشرات الأخبار ومحطاتهم، إلا أنه ينتقص لا محالة من مصداقيتهم كمراسلين ومقدمين للأخبار. يتفادى بعض القائمين على الأخبار التليفزيونية هذه المشكلة بأن يكون لهم شخصيات متعددة. إبان فترة الثمانينيات من القرن العشرين، كان جلين رينكر معروفًا في معظم أنحاء البلاد بشخصية المتسوق السعيد في إعلانات تليفزيونية لسلسلة متاجر لبيع الأثاث. ولكن ليس في مدينة أورلاندو، بولاية فلوريدا، حيث كان يعمل مذيع أخبار يتسم بالجدية لقناة تابعة لشبكة «سي بي إس». فقد وضع رينكر فقرة مكتوبة في عقده مع وكالة الإعلان منعتها من عرض إعلاناته في إقليم وسط فلوريدا.

بالطبع ثمة عدد هائل من الصحفيين العاملين في الصحافة المسموعة والمرئية الذين لن يقدموا إعلانات. رفضت كارول مارين، المذيعة السابقة في محطة «دبليو إم إيه كيو» — التي كانت في ذلك الوقت من المحطات التي تحتل الصدارة في مدينة شيكاجو — أن تخلط بين الأخبار والإعلان. وأُوقفت عن العمل لثلاثة أيام عندما رفضت أن تذكر اسمَيْ متجرَيْن من المتاجر الكبرى اللذين كانا يوزعان نشرات الوقاية من الحريق؛ قالت مارين: «لم أكن لأذكر اسْمَي هذين المتجرين؛ ومن ثم يمكن للناس التقاط واحدة من تلك النشرات، وربما شراء رغيف من الخبز أثناء تواجدهم هناك.»28 لاحقًا تركت مارين المحطة عندما عينت جيري سبرينجر، مضيف برنامج الفضائح الحواري التليفزيوني، معلقًا.

(٦) المسابقات والحكم على الخبر

يمكن للمسابقات أن تكون فكرة جيدة؛ فقد تُرَوِّج مؤسسة ما لمسابقة للتغطية الإخبارية والكتابة التحريرية، وتُعِد بعض المحررين وأساتذة الصحافة الموقرين كمحكِّمين. عادةً ما يُعاد طبع عمل الفائز، ويمكن أن يصبح بمنزلة نموذج يُحتذى به من جانب الصحفيين الآخرين؛ مما يؤدي — بناءً على ذلك — إلى رفع مستوى مهنة الصحافة. وقد حققت مسابقات كثيرة ذلك الهدف، ومن تلك المسابقات: جائزة بوليتزر، وجوائز التميز من جمعية الصحفيين المحترفين، وجوائز جمعية التصميم الصحفي، والكثير من المسابقات الإقليمية برعاية من المجموعات الصحفية.

ومع ذلك، فإن بعض المسابقات لا تصلح لأي غرض فيه منفعة للآخرين؛ فيسعى رعاة هذه المسابقات إلى جعل رسالتهم تُعْرَض مجانًا في أكبر عدد ممكن من الصحف، ويأملون أنهم بالإعلان عن مسابقة لأفضل تحقيق صحفي أن يروجوا لأيٍّ مما كانوا يريدون الترويج له، وأنه من خلال وعدهم بجائزة نقدية كبيرة، يمكنهم اجتذاب الصحفيين لكتابة تحقيقات من شأنها أن تخدم أغراضهم. على سبيل المثال، عرضت الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين جائزة مالية «للمقالات التي تتناول التطوير العقاري والإعفاءات الضريبية العقارية إلى غير ذلك.»29 بل إن ثمة مسابقات أخرى تُعَرِّف نفسها بطريقة أكثر مباشَرة؛ فقد رعت ولاية كارولاينا الجنوبية مسابقة «للمقالات التي تروج للسفر في ولاية كارولاينا الجنوبية»، وأراد المجلس السياحي الوطني المكسيكي مقالات «تُرَوِّج للسفر إلى المكسيك». ولكن حتى لو لم يكن غرض المسابقة سافرًا بهذا القدر؛ ففي الغالب لا يكون صعبًا تخمين أنواع المقالات التي يُرَجَّح فوزها. قال بول بورمان، رئيس التحرير السابق لصحيفة «أكرون بيكون جورنال»، إنه تشكك في إمكانية فوز مقال يفضح استخدام خرسانة معيبة في إنشاء طريق سريع بين الولايات بمسابقة ترعاها الرابطة الوطنية لمقاولي الطرق السريعة ومعهد الأسمنت.30
لدى الكثير من الصحف الكبرى في الوقت الحالي قواعد مكتوبة تقيد أنواع المسابقات التي يستطيع العاملون بها المشاركة فيها، ولدى جمعية الصحفيين المحترفين مبادئ توجيهية معتمدة لتحديد أي المسابقات يندرج تحت مدونة القواعد الأخلاقية الخاصة بالجمعية، واشتراطات الجمعية هي:
  • أي من المسابقات «لا ينبغي أن تصرح أو تلمح بمعاملة تفضيلية لغرض أو موضوع ما.»

  • المسابقات المعتمدة ينبغي أن تشتمل على لجان تحكيمية «يهيمن عليها صحفيون موقرون أو أساتذة صحافة جامعيون.»

  • لا ينبغي قبول الجوائز النقدية إلا إذا كانت المسابقات تحت رعاية كاملة من روابط للصحفيين المحترفين، أو مؤسسات صحفية، أو جامعات.31

(٧) رفع كفاءة المهنة

من بين كل الشواغل الأخلاقية التي عُرِضَت في هذا الكتاب، قد يبدو أن حظر الهبات هو أقلها إنصافًا. ففي كثير من المنافذ الإخبارية، لا يلتزم أرباب دور النشر ولا مديرو المحطات بهذه القاعدة. كما أن المحررين ومديري الأخبار ذوي المرتبة العليا غالبًا ما يجنون ما يكفي من المال حتى إن حظر الهبات لا يكاد يشكل مشكلة لهم.

لا يتبقى إلا فئتان هما الأكثر تعرضًا لإغراء الهبات؛ إحداهما: شيوخ المهنة المتطفلون. جميعنا يعرف هؤلاء الناس؛ فهم يسعون دومًا إلى الحصول على كل ما تطاله أيديهم، ولا يدفعون مطلقًا الحساب، ولا يطلبون أبدًا جولة من الشراب للجميع على حسابهم، وإذا كانوا يغطُّون حدثًا يقدِّم هبات فإنهم يحاولون الحصول على المزيد. وعلى الرغم من أننا قد نجد دناءتهم مسلية؛ فإنها شيمة لا نحترمها، ولا يحترمها الجمهور؛ فهم يرسمون صورة رخيصة مبتذلة لمهنة الصحافة.

الفئة الأخرى التي تفتتن بالهبات: تتألف من الصحفيين الشبان والصحفيين الذين يعملون في مؤسسات إخبارية تمنح أجورًا منخفضة على نحو يبعث على السخرية. يمكن أن تصبح بضع تذاكر إلى مدينة الملاهي — فما بالك بعطلة مجانية — شيئًا ذا قيمة عندما يكون راتبك عند خط الفقر أو تحته. إن أصحاب المؤسسات الإعلامية الذين يضعون المشتغلين في المجال الصحفي الإخباري في هذا المأزق إنما يتسببون في ضرر للمهنة.

مع هذا، يجب أن يدرك كل الصحفيين أن الهبات ليست هدايا؛ إنها محاولات للتأثير على القرارات الصحفية الإخبارية؛ فتنص مدونة القواعد الأخلاقية الخاصة بجمعية الصحفيين المحترفين على هذا الأمر صراحة: «يتعين على الصحفيين رفض الهدايا، والخدمات، والعمولات، ورحلات السفر المجانية، والتمييز في المعاملة، وعدم الاشتغال بأعمال إضافية غير مهمتهم الأساسية، وعدم الانخراط في العمل السياسي أو الوظائف العامة أو العمل في المنظمات المجتمعية المحلية إن كانت تؤدي إلى المساس بنزاهتهم الصحفية.» إن رفض الهبات هو ثمن زهيد يؤدى من أجل مساعدة المهنة على استرداد الاحترام الذي يليق بها.

(٨) سيناريوهات للمناقشة

هذه التصورات تعتمد على خبرات المراسلين والمحررين، ولقد عُدِّلَت من أجل المساحة والتأثير. في غالبية هذه المواقف، سيلتمس المراسل المشورة من محررٍ، وسيكون من شأن المحررين أن يتخذوا القرار النهائي. بَيْد أن المُدخَلات الرئيسية ستأتي من المراسل، والمحررون الجيدون سيستمعون مليًّا للمراسلين قبل اتخاذ قرار. في بعض الحالات، يمكنك أن تتحقق مما فعله المحررون الحقيقيون؛ ذلك لا يعني أنهم فعلوا الصواب، ولكن يمكنك مقارنة أفكارك بأفكارهم.

(٨-١) سيناريو تضارب المصالح الأول: الناقد المُعوز

هذه مهمتك الأولى؛ أنت مراسل صحفي متعدد المهام، تعمل في صحيفة يومية ريفية صغيرة. أنت تشعر بالسعادة لأن لديك وظيفة تقوم فيها بما تستمتع به، ورئيس تحريرك يدعك — بقدر كبير — تكتب ما تود كتابته، ما دمت تُنتج عدد التحقيقات الذي يريده. إن مضت حياتك المهنية كما تأمل، فأنت تريد أن تصبح كاتب تحقيقات خاصة تعمل لحساب صحيفة يومية كبيرة تغطي أخبار الفنون؛ كالمسرح والسينما والموسيقى. وهكذا بدأت في تغطية أخبار الفنون والمسرح للصحيفة التي تعمل لحسابها. ليس ثمة الكثير مما يمكن تناوله، وهذا ليس بالأمر الجيد، ولكنك تُؤثر فعل ذلك على تغطية أخبار اجتماعات مجلس المدينة.

يخبرك الأشخاص الذين كتبتَ عنهم بشأن سلسلة أعمال المسرح الصيفي في مدينة كبيرة تبعد نحو ٥٠ ميلًا عن مدينتك، والجميع متحمسون للغاية بشأن هذا الأمر. السلسلة هي مزيج من المسرحيات لمسارح محترفة وفرق محلية، وتستمر طوال الصيف. يذهب كثير من الناس من مدينتك جنوبًا إلى هناك، مع أن التذاكر باهظة الثمن (بمقاييس المناطق الريفية). ويقولون إنهم شاهدوا مسرحيات لبعض أفضل الكتاب والمخرجين الشباب قبل وقت طويل من بداية عرضها على مسارح نيويورك. ويقولون لك: «حقًّا لقد كان شيئًا كنت ستود أن تغطيه.»

تتحدث إلى رئيس التحرير عن فكرتك بشأن كتابة تقييمات نقدية للمسرحيات؛ فيقول لك إن الصحيفة تنشر جداول مواعيد المسرحيات، ويرى أن ذلك كافٍ. بالإضافة إلى ذلك، ميزانية الأخبار والموظفين محدودة، وهو يفضل أن تستهلك وقتك ومال الشركة في العمل على أخبار محلية. ومع ذلك، إن كنت تود أن تتولى تغطية أخبار المسرحيات في وقتك الخاص، فهو يقول إن الصحيفة سَتُسَرُّ بنشرها تلك الأخبار. ويقول لك: «في الواقع، أظن أنها فكرة رائعة؛ فسلسلة «المسرح الجديد» قد وضعت منفردةً الولاية على الخريطة الثقافية. إنني أقترح أمرًا: إن كنت سوف تذهب مهما يكن من أمر، فإنني أعتقد أننا يمكن أن ندفع لك مخصص الأميال الذي ندفعه في الأحوال العادية، لكن سوف يلزمنا منك بعض الاستمرارية، فأنا لا أتوقع منك أن تستعرض جميع المسرحيات، ولكننا لا يمكننا أن نقيِّم مجرد مسرحية أو مسرحيتين فحسب ثم نتجاهل بقية السلسلة.»

أنت تريد أن تقوم بالأمر؛ سوف يكون تجربة عظيمة، وسوف يتيح لك مقتطفات جيدة لسيرتك الذاتية المهنية عندما تفتش عن عمل ككاتب تحقيقات خاصة.

تكتشف أن السلسلة تديرها ثلاث وكالات مختلفة: إحداها تتولى الفرق المسرحية المتجولة التي تعرض مسرحيات برودواي الموسيقية، وهذه الفرق عادة ما يؤدي الأدوار الرئيسية فيها نجوم الصف الثاني في السينما والتليفزيون في مسرحيات موسيقية تكرر إنتاجها وتستهدف الولايات الوسطى الأمريكية. ووكالة ثانية تنتج مسرحيات شهيرة بالاستعانة بمواهب محلية، من كل من الهواة والمحترفين، ووُصِفَت بأنها «مسرح مجتمع محلي جيد جدًّا». الوكالة الثالثة هي وكالة ذائعة الصِّيت، وتنتج مسرحيات جديدة لشباب من كُتاب المسرح، وتعرض إنتاجات درامية جديدة لمسرحيات كلاسيكية. ويعتبرها النقاد ضمن الفرق المسرحية الخمسة أو الستة الأرفع مستوًى في البلاد من ناحية المسرحيات الجديدة.

تتصل بمسئولة العلاقات العامة عن سلسلة مسرحيات برودواي، وتخبرها بما تريد فعله. على الفور تخبرك بأنه ليس هناك مانع، وأنها سوف تحيطك علمًا بكل المؤتمرات الصحفية، وأنها ستحرص على توفير تذكرتين لك في كل ليلة افتتاح.

عندما تتصل بالمسئولة عن العلاقات العامة لمسرح المجتمع المحلي، تخبرك بأنها عادةً لا تتلقى طلبات من صحف صغيرة تبعد ٥٠ ميلًا. إلا إنها راغبة في أن ترى إذا ما كان الأمر يمكن أن يُحْدِث مزيدًا من الاهتمام بسلسلة المسرحيات. وتقول: «نحن على علم بأننا نبيع تذاكر لأشخاص في الشمال عندك.» وتقول إنها سوف تُخْطِرُك بموعد مؤتمر صحفي مع نجوم العروض، وسوف توفر لك تذكرتين لليلة افتتاح المسرحية الأولى. وتخبرك أيضًا قائلة: «أرسل لي نسخًا مما سوف تكتب. إذا ما حصلنا على مزيد من الاهتمام من تلك المنطقة في الشمال، فسوف ننظر في أمر التوصل إلى اتفاق معك بشأن المسرحية الثانية.»

يقول لك مسئول العلاقات العامة للفرقة المسرحية رفيعة المستوى إنه سيضعك بكل سرور في القائمة البريدية، وسوف يحرص على أن تُرسل إليك كل البيانات الصحفية عبر البريد الإلكتروني. ويقول إن سعر معظم تذاكر ليالي الافتتاح هو ٩٠ دولارًا، وبعضها أعلى من ذلك. ويقول: «إنني أعلم أن المراسلين المحليين جميعهم يدفعون ثمن تذاكرهم، وأنا متيقن من أنك سوف ترغب في أن تُعامل بنفس الطريقة. أخبرني بالموعد الذي تريد المجيء فيه، وسوف نسعى لأن نحتفظ لك بأفضل المقاعد المتاحة. إن شئت، يمكننا أن نرسل الفاتورة مباشرةً إلى صحيفتك.» فتشكره بلطفٍ. أنت تعرف أنه استنادًا إلى راتبك، من المستحيل أن تستطيع دفع ٩٠ دولارًا أو ما إلى ذلك كل شهر لقاء تذاكر.

تتساءل في نفسك عما يمكنك أن تفعل؟ هل تكتب تقييمات نقدية فقط لسلسلة مسرحيات برودواي التي سوف تسمح لك بالحضور مجانًا؟ هل تكتب تقييمًا نقديًّا للمسرحية الأولى لمسرح المجتمع المحلي وتنتقي كلماتك بعناية أملًا في الحصول على تذاكر مجانية إضافية. هل تعتبر الأمر استثمارًا في مستقبلك المهني، وتشتري التذاكر، وتعود إلى حميتك القاسية التي تستطيع بها أن تعيش في حدود راتبك؟

(٨-٢) سيناريو تضارب المصالح الثاني: عدد كبير من لفائف «البوريتو»

أنت تكتب عمودًا من نوعية تلك الأعمدة ذات الاهتمامات الإنسانية عن الأمور التي تجري في مدينتك. تقرر أنت وبضعة مراسلين آخرين أن تتناولوا الغداء في مطعم مكسيكي يشتمل افتتاحه الرئيسي على خصومات كثيرة في أسعار وجبات الغداء. المكان ممتلئ عن آخره؛ لذا فأنتم مضطرون للانتظار. وأحد وسائل الترويج في الغداء أثناء أسبوع الافتتاح هو إجراء سحب؛ فيكتب الزبائن أسماءهم على بطاقات التعريف الشخصية الخاصة بهم. وإذا سُحِبَت بطاقة التعريف الخاصة بهم، يحصل الفائز على غداء مجاني لعشرة من زملائه في العمل؛ فتقرر القيام بالأمر.

بعد وقت قصير من جلوسكم، يأتيك مالك المطعم وعلى وجهه ابتسامة كبيرة ويقول لك إنك قد فزت بالسحب! ويسلمك الجائزة، وهي قسيمة لعشر وجبات بوريتو للغداء لك ولزملائك في العمل. يا ليوم سعدك! ترجع إلى غرفة الأخبار، وتبعث برسائل إلى بعض الأصدقاء عن حظك الحسن، وتسألهم إن كانوا يودون الذهاب يوم الجمعة. هذا أمر طيب؛ فالطعام المجاني هو دومًا أمرٌ مستحسن؛ حتى إنك تتصور أن هذا الأمر يمكن أن يكون مادة لفقرة واحدة في عمودك.

ثم يبدد صديق يعمل في مكتب المراجعة التحريرية أوهامك: ألم يكن فوزك بهذه السرعة في مطعم مزدحم على هذا النحو أمرًا مستغربًا؟

تبدأ أنت أيضًا في التساؤل؛ فقبول الهبات بالطبع أمر محظور. لو كان مالك المطعم قد أعطاك عشر لفائف بوريتو فحسب، لكنت اعتذرت عن قبولها. أيًّا ما كان الأمر، فبطاقة التعريف الشخصية الخاصة بك تفصح عن هويتك ومكان عملك. هل تخير مالك المطعم بطاقة التعريف الخاصة بك تملقًا لك ولصحيفتك؟

هل تعتبر الأمر مسألة حظٍّ وتقضي وقتًا طيبًا مع أصدقائك؟ هل تذكر الأمر في عمودك؟ أم أنه من الأفضل ألا تقبل الجائزة؟ (قرارات الصحيفة في نهاية الكتاب.)

هوامش

(1) Douglas Hanks III, “Writers live it up; publicists get the tab,” The Miami Herald, July 2, 2006.
(2) C. T. Bowen, “We can’t be bribed—not even with doughnut holes,” St. Petersburg Times, August 18, 2002.
(3) Jessica Yadegaran, “College papers struggle with ethics and freebies,” Copley News Service, March 11, 2002 (www.copleynews.com).
(4) See Steven Hill, “Geeks have all the fun,” The Independent, February 28, 2005, and Justin Hall, “Ethics in video game journalism,” Online Journalism Review, April 10, 2003.
(5) “Freebies and the moral maze,” PR Week, February 17, 2006.
(6) Interview by Goodwin, October 14, 1981.
(7) Dave Dawson, “Exploring the world of newsroom ethics,” Herald and Review, October 20, 2006.
(8) Tamara Jones, “Reporters in Germany open wallets for stories,” Los Angeles Times, March 26, 1991.
(9) “Freebies and the moral maze,” op. cit.
(10) Ven-Hwei Lo, Joseph Man Chan, and Zhongdang Pan, “Ethical attitudes and perceived practice: A comparative study of journalists in China, Hong Kong and Taiwan,” Asian Journal of Communication, September 2005.
(11) Robert Bolton, “Newspaper journalists and free travel, and the journalism of George Orwell,” Australian Public Radio, July 29, 1999.
(12) Jeffrey Seglin, “Just say no to gifts from drug makers,” The New York Times, October 13, 2002.
(13) Hanks, op. cit.
(14) Rich McKay, “A race for freebies,” American Journalism Review, April 2003.
(15) David Weddle, “Swagland,” Los Angeles Times, January 16, 2005.
(16) Ian Gillespie, “The flip side of freebies,” Ryerson Review of Journalism, Spring 1988.
(17) Shawn Hubler, “Bottom Line: It’s Not Just About The Bottom Line,” Los Angeles Times, April 20, 2001.
(18) Trudy Lieberman, “Gimme!” and “Perceived neutrality,” Columbia Journalism Review, January/Februrary 1998, pp. 45–49.
(19) Anne Kadet, “Romancing the bloggers,” Smart Money, November 2006.
(20) Daniel Gilbert, “I’m O.K., you’re biased,” The New York Times, April 16, 2006.
(21) Marie Hardin, “Survey finds boosterism, freebies remain problem for newspaper sports departments,” Newspaper Research Journal, Winter 2005.
(22) Kelly McBride, “Help needed in freebie nation,” Poynteronline.com, posted September 26, 2003. Also see Andrew Guy Jr., “The great American freebie debate,” 2003 American Association of Sunday and Feature Editors Convention coverage on www.aasfe.org. Guy writes for the Houston Chronicle.
(23) Ian Gillespie, “Travel writers may get a free ride—but it’s often the readers who pay,” Ryerson Review of Journalism, Spring 1988.
(24) Interview by Smith, 2005.
(25) Warren St. John, “A job with travel but no vacation,” The New York Times, July 9, 2006.
(26) “Columnist resigns after paper learns of his outside PR work,” Editor & Publisher, November 9, 1985, p. 12.
(27) Joe Strupp, “‘Wash Post’ photog’s Wal-Mart trip violates paper’s policy,” Editor & Publisher, October 11, 2006.
(28) Bill Carter, “Chicago TV anchor quits after station hires talk-show host for commentary,” The New York Times, May 4, 1997, p. A16.
(29) “National and international journalism competitions,” Editor & Publisher, December 28, 1985, p. 10.
(30) Interview by Goodwin, April 8, 1981.
(31) “Contests: Which programs qualify under codes of ethics?” 1984-85 report of SPJ Ethics Committee.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤