الفصل الثاني

ما الأُمَّة؟

«الأُمَّة هي مجتمعٌ إقليميٌّ يرتبط بمحل الميلاد»؛ فالمرءُ يُولد جزءًا من أُمَّة. والأهمية التي تُعزَى إلى تلك الحقيقة البيولوجية المتعلِّقة بالميلاد في هذا البناء الإقليمي المتطوِّر تاريخيًّا لمجتمع الأمة الثقافي، هي التي تجعل الأمة أحد الأشكال المتعدِّدة من أشكال القرابة. وهي تختلف عن أشكال القرابة الأخرى، مثل الأسرة، بسبب المركزية الإقليمية. وتختلف عن المجتمعات الإقليمية الأخرى، مثل القبائل أو الدول المدن أو الجماعات العرقية المختلفة، ليس فقط في الاتساع الأكبر لأراضيها، ولكن أيضًا في ثقافتها الموحَّدة نسبيًّا التي توفر لها الاستقرار؛ مما يعني الاستمرار على مرِّ العصور الطويلة.

هناك عددٌ من التعقيدات في هذا التعريف للأمة يتطلَّب دراسةً متأنِّيةً.

الزمن والذكريات والإقليم

تظهر الأمم بمرور الزمن نتيجةً للعديد من العمليات التاريخية؛ لذا سيكون من غير المُجْدي أن نحاول تعيين لحظةٍ محدَّدةٍ لظهور أيِّ أُمَّة إلى الوجود كما لو كانت سلعة مصنَّعة من تصميم أحد المهندسين. دعونا نبحث أسباب هذا. الأمم كافةً لها أسلافٌ تاريخية؛ سواء أكانت قبائلَ أو دولَ مدنٍ أو ممالكَ. وتلك المجتمعات الأسبق تاريخيًّا هي عناصر مهمة في تشكيل الأمم. على سبيل المثال، نشأت الأمة الإنجليزية من مجتمعات الساكسون والأنجل والنورمان السابقة لها تاريخيًّا، غير أن هذه الأسلاف التاريخية ليست قطُّ حقائق مجردة؛ لأن أساس وجود الأمة هو الذكريات التي يتشاركها جميع أفراد الأمة عن ماضي أمتهم، وعن تلك المجتمعات السابقة.

على سبيل المثال، ما كانت أمة بني إسرائيل القدامى لِتُوجَد ما لم تكن هناك ذكريات عن الماضي؛ مثل ذكريات الخروج من مصر، والنبي موسى وثعبانه البرونزي (الذي حُفِظ في معبد القدس حتى عهد الملك حزقيا (٧١٤–٦٨٦ قبل الميلاد))، وذكريات حُكم النبي داود والنبي سليمان. وما كانت الأمة الإنجليزية لتُوجَد لو لم تكن هناك ذكريات عن الملك ألفريد الساكسوني (٨٤٩–٨٩٩ ميلاديًّا) و«القانون القديم الصالح». وبالمثل، كانت الذكريات عن أسرة البياست ومملكتهم (من القرن العاشر حتى القرن الثاني عشر الميلادي) من المكوِّنات الأساسية وراء ظهور الأمة البولندية، وكذلك كانت الذكريات عن مملكة ياماتو (من القرن الرابع حتى السابع الميلادي) وعبادتهم لإلهة الشمس «أماتيراسو» في مدينة إيسه، من مكوِّنات الأمة اليابانية.

قد لا تكون الأحداثُ التي تصفها هذه الذكريات دقيقةً في الواقع؛ ومثال على ذلك اللعناتُ العَشْر الواردة في رواية بني إسرائيل عن خروجهم من مصر، أو أن الإمبراطور الياباني هو سليل أماتيراسو. ولكلِّ أمة فَهْمُها الخاص لماضيها المميز، وهو فَهْمٌ يُنقل من خلال الحكايات والخرافات والتاريخ. وسواء أكانت تلك الذكريات صحيحةً من الناحية التاريخية أم لم تكن كذلك، فإنها تُسهم في فهم الحاضر الذي يميز أمة عن أخرى. هذا العنصر الزمني — عندما يشكِّل فهم الماضي جزءًا من الحاضر — هو طابع يميِّز الأمم ويسمَّى «العمق الزمني».

fig1
شكل ٢-١: الضريح الرئيسي لإلهة الشمس اليابانية أماتيراسو في مدينة إيسه.

هذه الذكريات تشكِّل أيضًا جزءًا من مفهوم المرء عن نفسه. فمع تطوُّر عقل الفرد في إطار سياقات عديدة، مثل الأسرة أو المؤسسات التعليمية المختلفة، فإنه يبحث عن تلك العادات والتقاليد العديدة المتقلِّبة «المتاحة» أمامه. فمثلًا، يتعلَّم الطفل أن يتكلَّم لغةَ أُمَّتِهِ ويتعلَّم ما يعنيه انتماؤه لهذه الأمة وفقًا لما تمليه عاداتها وقوانينها. تندمج هذه العادات في فهم الفرد لذاته، وعندما تصبح تلك العادات التي تشكِّل جزءًا من مفهوم المرء عن ذاته مشتركةً بين أفراد آخرين باعتبارها جزءًا من مفهومهم عن ذاتهم، يصبح الفرد مرتبِطًا بهؤلاء الآخرين، ومدرِكًا لذلك الارتباط، وتصبح العلاقة نفسها — مثل العيش في نفس المنطقة الجغرافية أو التحدُّث بنفس اللغة — هي المقصودة بمصطلح «الوعي الجمعي». وهذا المصطلح لا يعني بأي حالٍ وجودَ عقلٍ جماعي أو مزيجٍ من الغرائز البيولوجية، وكأن البشر عبارةٌ عن مستعمرةٍ من النمل، وإنما هو يشير إلى علاقةٍ اجتماعيَّةٍ لكلِّ فردٍ من مجموعةٍ من الأفراد نتجتْ عن اشتراك هؤلاء الأفراد في نفس التقاليد.

عندما يشترك هؤلاء الأفراد في نفس التقاليد، ويعتبرون أنفسهم أيضًا مختلفين عمَّن لا يشتركون معهم فيها، يصبح هناك معتقَدٌ مشترك محدد ذاتيًّا، وهو ما يُسمَّى «وعيًا ذاتيًّا جمعيًّا»؛ أي ثقافة مميزة. يتم تحديد الخصائص أو الصفات التي تُميِّز منظومة التقاليد عن أي منظومة أخرى؛ وتلك الخصائص هي حدود العلاقة الاجتماعية التي تسمح لنا بأن نُميِّز «نحن» عن «هم». وبالعودة إلى أمثلتنا، فإن أولئك الذين يقبلون تقليد خروج بني إسرائيل من مصر — وبقبولهم هذا يشتركون فيه — يميزون أنفسهم عن غيرهم ممن لا يفعلون هذا. وأولئك الذين يعبدون إلهة الشمس اليابانية أماتيراسو يميزون أنفسهم عمَّن لا يفعلون ذلك. وأولئك الذين يتكلَّمون لغةً معيَّنة يعتبرون أنفسهم مختلفين عمن يتكلَّمون لغةً مختلفةً. «الأمة إذن هي علاقة اجتماعية لها وعيٌ ذاتيٌّ جمعيٌّ.»

هذا الوعي الذاتي المشترك المميز يتم التعبير عنه بواسطة السلوكيات اليومية للأفراد الذين يشكِّلون العلاقات الاجتماعية للأمة، كما أنه يتأثر بهذه السلوكيات؛ ومن أمثلة هذا الملابسُ التي يرتديها المرء، أو الأغاني التي يُغنِّيها، أو اللغة التي يتحدَّث بها، أو الدِّين الذي يدين به. وتدعم هذا الوعيَ مؤسساتٌ عديدة؛ مثل معبد القدس بالنسبة إلى إسرائيل، أو ضريح إلهة الشمس بالنسبة إلى اليابان، أو البرلمان بالنسبة إلى إنجلترا. وهذه المؤسسات تحمل تلك التقاليد التي تتشكَّل حولها العلاقة الاجتماعية للأمة، وتوفِّر تلك المؤسسات هيكلًا للأمة. وهكذا، تتشكَّل الأمة بناءً على معتقدات مشتركة محدَّدة ذاتيًّا، لها هيكلٌ كهذا.

غير أن الأمة تقوم على تقاليد مشتركة لا تتعلَّق فقط بماضٍ مميز، بل بماضي الموقع المكاني. فحيثما كان هناك تركيزٌ مكاني في العلاقة بين الأفراد، يصبح المكانُ أساسَ التمييز بين شخص وآخر. فقاطنو مكانٍ ما يعتبرون أنفسهم مرتبطين بالأفراد الذين يرَوْن في فهمهم لذاتهم مرجعيةً لذلك المكان. هكذا لا يصبح المكان مجرد مساحة في الفضاء، بل يصبح ذا معنًى؛ يصبح إقليمًا. عادة ما يدور هذا الفهم للذات حول الميلاد في إقليمٍ ما، وبهذا يعتبر المرءُ نفسَهُ مرتبطًا بأولئك الذين وُلِدوا أيضًا على نفس الأرض، حتى ولو كانوا وُلدوا قبل زمنه. وفي حالة كهذه، توجد شعوب تشكَّلت بواسطة الأقاليم التي تعيش فيها ويُعتقد أنها وُجِدتْ بمرور الزمن؛ وهذا هو المقصود بمصطلح «الأُمَّة». يتم نقل هذه العلاقة بواسطة نوعٍ من التغيير لمصطلحٍ يشير إلى كلٍّ من الإقليم وسكانه في الوقت نفسه؛ مثل إنجلترا: إنجليزي، فرنسا: فرنسي، ألمانيا: ألماني، كندا: كندي، كردستان (التي تعني حرفيًّا «أرض الأكراد»): كردي، وهكذا. وهذا التغيير يشير إلى المفهوم التالي: شعبٌ له أرضُهُ، وأرضٌ لها شعبُهَا. والأُمَّة هي علاقة اجتماعية لها عمقٌ زمني، وأرضٌ ذات حدود.

وفعل البحث عن الماضي وادِّعاء حق ملكيته هو ومكانه، هو ما يؤسِّس للاستمرارية بين الماضي وموقعه من جانب، والحاضر وموقعه من جانب آخر. وهذه الاستمرارية تُعتبر تبريرًا للنظام الحالي؛ لأنها تُرى باعتبارها تحتوي بالضرورة على ذلك الماضي. فعلى سبيل المثال، خلال بواكير القرن العشرين، كان الكثير من اليهود يعتقدون أن دولة إسرائيل الحديثة لا يمكن أن يكون لها وجودٌ إلا في منطقة شرق البحر المتوسط؛ لأن تلك المنطقة هي التي وُجِد فيها ماضيهم؛ أي دولة إسرائيل القديمة. والاعتقاد بوجود مثل هذه الاستمرارية يقدِّم فهمًا للذات وموقعها في العالم. فعندما يقول المرء: «أنا إنجليزي»، فإنه يُقِرُّ، ربما ضمنيًّا في أغلب الأحوال، بامتلاك العديد من السمات التي تجعل المرء إنجليزيًّا؛ مثل أنه وُلِد في إقليم إنجلترا.

غير أن السمات — والتقاليد التي تحملها — التي تُسهِم في خلق صورة الفرد عن ذاته كثيرةٌ ومتنوعة. فبالطبع ليست كل جوانب الذات، والعديد من العلاقات الاجتماعية التي يشكِّلها المرء، تتعلَّق بكونه فردًا في أمة؛ فإذا كان المرءُ عالِمًا، فإنه يرى نفسه على أنه يشارك في مجتمع عالمي للعلماء يسعى وراء فهم الحقائق الفيزيائية أو البيولوجية أو الرياضية، وإذا كان يؤمن بديانة توحيدية عالمية مثل المسيحية أو الإسلام، فإنه قد يرى نفسه فردًا في أخوة عالمية. غير أنه من الأشياء الجوهرية لوجود الأمة، نزعةُ البشرِ إلى تشكيل مجتمعات متمايزة إقليميًّا، وكل واحدٍ من هذه المجتمعات يقوم على أساس تقاليده الثقافية الخاصة للصلة بين الماضي والحاضر؛ «فالأُمَّة هي علاقة إقليمية لوعيٍ ذاتيٍّ جمعيٍّ لفترة زمنية فعلية وتخيُّلية.»

الأمة والقرابة والمجتمع

عادةً ما تكون هناك أشكالٌ أُخرى لفهمِ مصطلحٍ الأُمَّة تدعم الاعتقادَ في استمراريتها؛ فمن الممكن فهمُ الأمة على أنها تتعلَّق بنظام الكون الأبدي، والمستمر بالتالي، باعتبار ذلك عادةً من فعل الآلهة؛ مثل الاعتقاد السنهالي بأن سريلانكا هي أرضٌ مقدَّسة على نحوٍ متفرِّدٍ باعتبارها أرضًا بوذية؛ وذلك بسبب أفعال بوذا على الجزيرة، أو أن الولايات المتحدة الأمريكية تجسِّد نظام الطبيعة الإلهية كما هو معلَنٌ في إعلان الاستقلال الأمريكي. كثيرًا ما يُعتقد أن استمرارية الأمة هي نتيجة لانحدارٍ مفترَضٍ من سَلَفٍ مشترك؛ ومن أمثلة ذلك اعتقاد بني إسرائيل أنهم ينحدرون من نسل النبي إبراهيم، والاعتقاد بأن اليابانيين من نسل الإمبراطور الأول، واعتقاد الرومانيين أنهم من نسل شعبِ داقيةَ القدماء، وبالنسبة إلى الصين، الاعتقاد بأن هناك جنسَ هان. مثل هذه المعتقدات بوجود أصل مشترك مفترض تفتقر في كثير من الأحيان لأي أساس واقعي، غير أنها تتكرَّر كثيرًا جدًّا على مرِّ التاريخ. فما الذي يفسِّر بقاءها؟ وكيف تساعدنا مثل هذه المعتقدات على فهم كُنْهِ الأمة؟

البشرُ مهتمُّون بالحيوية؛ أي مهتمُّون بالتوالد والانتقال والإعاشة وحماية الحياة ذاتها. والعلاقة الاجتماعية الواضحة التي تتشكَّل بناءً على هذا الاهتمام هي ما يُسمَّى الأُسْرَة. غير أن الأُسر المنفردة العديدة التي تُشَكِّل الأمة تنظر لنفسها على أنها مجرد أسر منفردة؛ ومن ثم فإن استمرار الأمة في المستقبل يستلزم استمرار الأُسَر في المستقبل. ومن واقع كلِّ ما نعرفه من الناحية التاريخية والأنثروبولوجية عن البشر، فإنهم دائمًا ما يشكِّلون جماعاتٍ كبيرةً كانت الأُسَر جزءًا منها، ولم يقتصروا فقط على تشكيل الأسر؛ فالآباء لا ينقلون إلى ذُرِّيتهم «الصفات الجسدية والجينية» فحسب، وإنما ينقلون إليهم أيضًا ميراثهم الثقافي؛ لغتهم وعاداتهم وما إلى ذلك مما ورثوه عن الجماعة الأكبر؛ أي الأمة. وهذا الإرث الثقافي عادةً ما يَنظر إليه الآباءُ على أنه ميراثٌ غاية في الأهمية لوجودهم. وهذا الانتقال لثقافة الفرد عبر الأجيال قد يكون واحدًا من الأسباب وراء الميل لاعتبار الأُمَّة شكلًا من أشكال القرابة؛ لأن ما ينقله الفرد لنسله يشكِّل جزءًا من ذات هذا الفرد. غير أن هناك سببًا آخر لتلك النزعة.

كما ذكرنا من قبل، فإن الميلاد داخلَ الإقليم أيضًا يُعتبر معيارًا من معايير الانتماء للأمة، وهكذا يكون هناك إقرارٌ مختلِط بخطَّيْن من خطوط النسب؛ الانتساب لإقليم الأمة، والانتساب لأبوين ينتميان لتلك الأمة. معيار الميلاد هذا، والعلاقات التي يمكن تعقُّب أصلها والمتشكِّلة نتيجةً لذلك، هما السبب وراء اعتبار الأمة شكلًا من أشكال القرابة.

تشير القرابة إلى خطوط انتساب معروفة يمكن تعقُّبها، أو علاقات انتساب بيولوجي؛ فعلى سبيل المثال، يرتبط الطفل بوالدَيْه؛ لأنه ينتسب إليهما بالميلاد. ويمكن أيضًا رؤية علاقات انتساب أوسع؛ مما يؤدي، على سبيل المثال، إلى الاعتراف بالعمَّات والأعمام وأبناء العمومة.

هذه الحقيقة لا تُضفي المصداقية بالضرورة على معتقداتٍ مثل أن الألمان ينحدرون من قبائل الجرمان القديمة، أو أن اليابانيين ينحدرون من الإمبراطور الأول، أو أن جنس الهان موجود بالفعل. فجميع الأمم تتشكَّل على مرِّ الزمن من مزيج من سكان مختلفين، وجميع الأمم لديها مهاجرون؛ على الرغم من أنه لكي يصبح هؤلاء المهاجرون أفرادًا ينتمون للأمة، يجب عليهم عادةً الخضوع لعملية تجنيس قانونية؛ أي يجب تحويلهم ليصبحوا كما لو أنهم قد وُلدوا في الإقليم القومي للأمة.

هذا التركيز على الميلاد داخل الإقليم هو ما يضع الأمة في إطار سلسلةٍ من جماعاتٍ تربطها صلةُ القرابة. وعنصر القرابة هذا هو الذي سعى الباحث أنتوني سميث، الغزير الإنتاج في مجال الأبحاث الخاصة بالأمم والقومية، محقًّا، للتعبير عنه في ادعائه حول وجود ما وصفه بالعنصر «العِرقي» في الأمة.

على نحوٍ مشابهٍ للأمة، يُولد المرءُ ضمن جماعة عرقية، وبسبب سمة الميلاد هذه، كثيرًا ما يُنظَر لكلٍّ من الجماعة العرقية والأمة على أنهما يمثِّلان علاقات «طبيعية». وبالرغم من هذا المنظور، فإن هذين الشكلين من أشكال القرابة يشتملان على تقاليد ثقافية أخرى — مثل اللغة والدين — باعتبارها حدودًا للعلاقة الاجتماعية. وعلى الرغم من أنه يصعب أحيانًا التمييز بوضوحٍ بين الجماعة العِرقية وبين الأمة، فإن العِرقية تميل إلى التأكيد على معتقدات خاصة بالانحدار من سَلَفٍ أو أسلاف مشتركين مفترَضين، كما لو كانت الجماعة العرقية أسرة كبيرة ممتدة، في حين يكون تركيز الأمة منصبًّا على الأصل الإقليمي؛ أي الأرض. ومن المهم أن ندرك أن القرابة هي علاقة غامضة؛ لأنها تأتي نتيجةً لإدراك المرء بأنه يرتبط بصلةٍ مع آخرين. وعادةً ما تحتوي أيُّ أمة في داخلها على العديد من الجماعات العرقية.

«الأمة هي مجتمع تربطه صلةُ قرابةٍ، وتحديدًا هي مجتمعٌ أفرادُهُ مولودون في إقليمٍ ما له حدودٌ، ممتدٍّ جغرافيًّا، وله عمقٌ زمنيٌّ عميقٌ.» ويشير مصطلحُ «مجتمع» إلى مستوًى من الوعي الذاتي للفرد، بحيث يَعتبر المرء نفسه مرتبطًا بالضرورة وباستمرار بالآخرين، كما يحدث من خلال الميلاد مثلًا. والمثال الواضح على المجتمع هو الأُسْرة؛ حيث يرتبط المرء دائمًا بباقي أفراد الأسرة، بِغَضِّ النظر عن الخلافات بين هؤلاء الأفراد. ومن المهم لفهم الأمة أن ندرك أن العلاقات التي يُنظر إليها على أنها تربط الأفراد بعضهم ببعض على نحو دائم؛ ممكنةٌ ليس فقط في إطار الأسرة الواحدة، ولكن أيضًا في إطار الأمة الحديثة الممتدة على نطاق إقليمي واسع.

كان هناك أناسٌ ظنُّوا — بسبب علاقات الارتباط القوية الدائمة تلك — أن الأمة تشير إلى حالة مثالية من الوحدة الخالية من الصراعات. مثل هذه النظرة الرومانسية للأمة يمكن العثور عليها في أعمال يوهان جوتفريد فون هيردر في القرن الثامن عشر، ويوهان جوتليب فيشته في القرن التاسع عشر. غير أنه ما من مجتمعٍ يخلو من الصراعات، بل إنه أيضًا داخل الأسرة الواحدة، توجد مشاعر الغَيْرة والسُّخط. ففي القرية — التي كثيرًا ما يشار إليها كمثال رومانسي للمجتمع — ثمة أنواعٌ عديدةٌ من الارتباطات المختلفة التي تُسبِّب الصراعات. توجد صداقات وعداوات، وتجمُّعات تتميَّز بالأنشطة الاقتصادية والمصالح المصاحِبة لها؛ مثل المزارعين والتجار، والأسر المتنافسة في أغلب الأحيان.

على نقيض النظرة الرومانسية للأمة، تتضمَّن أفعالُ أفرادِ الأمة العديدَ من المساعي المختلفة، بل والمتضاربة. في كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية» (١٧٥٩)، عبَّر آدم سميث جيدًا عن تلك المساعي المتضاربة عندما علَّق قائلًا:

هناك العديدُ من الرجال الإنجليز المخلصين الذين يمكن أن ينزعجوا بشدة — في عزلتهم — إذا ما خسروا شخصيًّا جنيهًا واحدًا، ولكنهم مع ذلك مستعدون للتضحية بأرواحهم ألف مرة، لو كان بمقدورهم الدفاع عن حصن مينوركا؛ لكي لا يقع في أيدي الأعداء بسبب بعض أخطائهم.

والمشكلة هي كيفية تفسير مزيج المشاعر المتضاربة بين المصلحة الذاتية والتضحية بالنفس.

يبدو أن هناك عددًا من الأهداف الفريدة للسلوك الإنساني، أو حتى مجالات فهمٍ لا ينطبق عليها مفهوم المنفعة؛ مثل «الجمال». غير أنه ما زال بوسعنا الاتفاق مع أرسطو في أن «كلَّ شراكةٍ تقوم من أجل تحقيق مصلحة ما»؛ ومن ثم نحدِّد الهدف المميِّز للأمة. غير أن تحديد هذا الهدف المميز هو تجريدٌ يُخفي الوجود الحتمي للعديد من العوامل المختلفة الداخلة في تكوين أي علاقة اجتماعية، والمساعدة على استمرار وجودها؛ مثل السعي للتسلُّط على الآخرين. أمَا وقد أشرنا إلى هذه الصفة، فإن شخصية الأمة تتمحور حول التمييز التصنيفي ﻟ «نحن» في مقابل «هم»، والنابع من الأهمية التي تُعزَى إلى ظروف الميلاد؛ العلاقات التي تكوَّنت كنتيجة للميلاد في أراضي الأمة. وهكذا فإن كلمة «نحن» قد أضفت على ذلك علاقةَ قرابةٍ تشير إلى اهتمامٍ مكانيٍّ مشترك بالتوالد والحفاظ على الحياة، وانتقال هذا الاهتمام عبر الزمن.

الوطنية

يشتمل اهتمامُ البشر بالحيوية على إقامة أنواعٍ مختلفةٍ من القيود أو الحدود لأنواع مختلفة من علاقات الحيوية على التوالي. فالبشر يضعون حدودًا تميِّز أبناءهم عن أبناء الآخرين؛ فالمرء عادةً لا يُحب أبناء شخص آخر كما يحب أبناءه؛ وكذلك فإنه لا يحب عادةً أمَّةً أخرى كما لو كانت أمته. ومثل هذا القيد على الشعور بالتقدير والحب لما يعتبره المرء مِلكًا له هو نتيجة للاهتمام باستمرارية الذات؛ بمكوِّناتها البيولوجية والثقافية. والحب الذي يُكِنُّه المرءُ لأمته يُعبَّر عنه بمصطلح «الوطنية».

مصطلح «الحب» المستخدَم على نطاق واسع تعبيرًا عن ارتباط الفرد بأمته ليس كافيًا تمامًا؛ لأننا نستخدم نفس المصطلح أيضًا في وصف ارتباط المرء بمحبوبه، وأطفاله، وأصدقائه، وبإلهه الذي يعبده. وفي الواقع فإن بعض الأفراد أحبوا بصدقٍ البشريةَ جمعاء. وما يشير إليه هذا الاستخدام الواسع للمصطلح هو أن الفرد — في كلٍّ من هذه الحالات — يُنَحِّي جانبًا، أو «يسمو فوق» مصلحته الشخصية من أجل الآخرين. غير أن الفهم الصحيح لسمة هذه الارتباطات ينبغي ألَّا يأخذ في الاعتبار فقط فعلَ السمو الذاتي المشترك في جميع هذه الارتباطات، بل أيضًا الغاياتِ المختلفة من تلك الارتباطات. وهكذا، قد يكون مفيدًا أكثر أن نميِّز بين حب المرء لمعشوقه أو لأبنائه وحبِّه لأمته بأن نفهم الوطنية باعتبار أنها تشير إلى ارتباطات الولاء لمجتمع إقليمي. وكثيرًا ما تكون هناك جوانبُ مختلفةٌ لارتباطات الوطنية التي يشكِّلها المرء لأمته، كنتيجة للعوامل المختلفة المشارِكة في التشكيل التاريخي لأمة معينة. قد يكون المرء مخلصًا لأمته بسبب قوانينها مثلًا، أو بسبب تقاليدها وأعرافها، أو بسبب دينها. وعادة ما يكون هناك العديد من الرؤى المختلفة، بل والمتضاربة، للأمة، وهي رؤًى تتوافق مع تلك العوامل المختلفة. غير أنه لا مفرَّ من حقيقةِ أن الفرد غالبًا ما يُظهر تفضيلًا لإخوانه من أبناء وطنه.

هذا التفضيل ليس بالضرورة أن يأخذ شكلَ تحيُّزٍ ضد أولئك الذين لا ينتمون لأمة المرء، أو شكلَ كراهيةٍ لهم، وليس بالضرورة أن تُنكِر الوطنيةُ على أفراد الأمة اختلافَ وتنوُّعَ مساعيهم وأهدافهم، ولا بالضرورة أن ترفض المفاهيمَ المختلفةَ للأمة التي يعتنقها أفرادُ الأمة الآخرون، كما هو الحال مع القومية في معظم الأحيان. وفي الواقع، بقدر ما تتضمَّنه الوطنية من التزام بصالح البلاد، فإنها توفِّر الأساس اللازم لتسوية الخلافات، بما في ذلك حلول وسط معقولة بين أفراد الأمة ومفاهيمهم المختلفة حول ما ينبغي أن تكون عليه الأمة بدافع الاهتمام بتعزيز صالح البلاد. والعملية التي تتم بها تسوية الخلافات من خلال الحلول الوسط هي السياسة. والحرص على صالح الأمة الذي يشتمل على الاستعداد للتنازل والتوصل لحل وسط، أمرٌ ضروريٌّ ولا غنَى عنه؛ من أجل العلاقات الطيبة بين أفراد الأمة؛ مما يجعل ممارسة السياسة أمرًا ممكنًا.

عندما يقسِّم المرءُ العالمَ إلى معسكرَيْن متحارِبَيْن لا سبيل إلى التوفيق بينهما؛ أُمَّته في مواجهة كل الأمم الأخرى؛ حيث تكون تلك الأمم هي الأعداء الألدَّاء له، تظهر هنا، على نقيض الوطنية، أيديولوجية «القومية». والقومية تنكر العلاقات الودية واحتمال الاختلاف من خلال محاولة القضاء على جميع وجهات النظر والمصالح المختلفة لحساب رؤية واحدة لما عليه الأمة وما ينبغي أن تكون عليه. فمثلًا، قد تشتمل القومية الفرنسية على اعتقاد بأنه لكي يكون المرء فردًا صالحًا في الأمة الفرنسية، عليه أن يكره كل ما هو إنجليزي وألماني، وأي شخص لا يفعل هذا لا يكون فرنسيًّا مخلصًا «بحق».

القومية لا تعرف تنازلًا أو حلولًا وسطًا؛ فهي تسعى إلى اكتساح التعقيدات العديدة التي هي جزءٌ من الحياة الواقعية. ظهرت أيديولوجية القومية — باعتبارها وجهةَ نظرٍ منهجيَّةً متعنِّتةً وغيرَ واقعية للعالم — حديثًا نسبيًّا؛ حيث ظهرت مثلًا في عمل الفيلسوف الألماني يوهان جوتليب فيشته «خطابات إلى الأمة الألمانية» (١٨٠٨)، وظهرت لاحقًا في كتابات مؤلِّفين مثل المؤرخ الألماني هاينريش فون ترايتشكه (١٨٣٤–١٨٩٦) والصحفي الفرنسي شارل مورس (١٨٦٨–١٩٥٢). ويمكن للمرء أن يرى إرهاصات لها في فترات سابقة على هذا بوقت طويل، كما في كراهية الروماني كيتو الكبير (٢٣٤–١٤٩ قبل الميلاد) لكلِّ ما هو يوناني.

تشكيل الأمة

يشير الامتداد الإقليمي الأكبر نسبيًّا للأمة إلى البحث عن حالةٍ وسَطٍ وتأسيسها بين العزلة المتقلقلة غير المستقرة للقبيلة أو الدولة المدينة من ناحية، التي يمكن أن يهيمن عليها مجتمعٌ أكبر، والحكم الإمبريالي للإمبراطوريات، الذي ينطوي حتمًا فيما يبدو على طغيان استبدادي بيروقراطي من ناحية أخرى. فالمجتمع الإقليمي للأمة يشير إلى مساحةِ أُلفةٍ ثقافية وولاء يسمح بالحكم الذاتي بين هذين البديلين. ويشير وجود الأمة — كما ذكر إرنست رينان في مقال له بعنوان «ما الأمة؟» — إلى تجمُّعٍ يحدث على مرِّ الزمن لسكانٍ كانوا منفصلين بعضهم عن بعضٍ من قبل، ولديهم الكثير من الأمور المشتركة؛ إنه يشير إلى مجتمعٍ إقليميٍّ له حدودٌ جغرافية وعادات وقوانين.

وهكذا، فإن الأمة تتسم بشكل من أشكال الازدواجية، كما ذكرتْ عالِمةُ الاجتماع الفرنسية دومينيك شنابر. فمن ناحية، هناك التجاءٌ إلى الاستمرارية الزمنية للإقليم وأهميةٌ تُعزَى إلى العلاقات الإقليمية نتيجة الميلاد، وكلاهما يفسِّر شخصيةَ الأمة باعتبارها مجتمعَ قرابةٍ إقليميًّا. ويمكننا أن نصيغ هذا الجزء من الازدواجية على أنه القَبول بتقليدٍ مُقيَّدٍ يُميِّز أمَّةً عن أخرى. ومن ناحية أخرى، هناك التجمُّع المتفاوت لمناطق محلية كانت منفصلة ومتمايزة سابقًا لتشكِّل إقليمًا قوميًّا، وما يترتب على ذلك من تكوين سكان تلك المناطق لأُمَّةٍ تدعمها وتشجِّعها عواملُ عديدة؛ مثل: فَهْم ذاتي متطوِّر منقول عبر التاريخ، قانون للبلاد، دين مشترك، ولغة مشتركة عادة، ومركز سُلطوي مسيطر يشتمل على مؤسسات قادرة على الحفاظ على الأمة على مرِّ الزمن (مثل لندن، باعتبارها مركزًا لإنجلترا باحتوائها على البرلمان). هذا الجزء من الازدواجية يمثِّل نزعات مبتكرة وتوسُّعية للسلوك الإنساني؛ حيث يحدث نسخٌ للعادات والأعراف المحلية السابقة — على نحوٍ نادرًا ما يكون كاملًا — بواسطة قانونٍ للبلاد، وثقافةٍ مشتركة، وشعورٍ بالولاء — الوطنية — للأمة بإقليمها القومي. تمثِّل الأمة توازنًا غير مستقرٍّ بين التقاليد والابتكار.

تشتمل الأُمَّةُ إقليميًّا على عددٍ من المناطق المحلية المختلفة؛ فعلى الرغم من استمرار وجود أصغر القرى والمدن والمناطق من حيث المساحة، فإن سكانها يُدرِكون أنها تشكِّل أجزاءً من الأمة. وهكذا تكون الثقافة المشتركة للأمة «نسبيَّةً» فحسب؛ فهي نادرًا ما تكون كاملةً؛ بحيث يتوقف سكان القرية والمدينة والمنطقة داخل الأمة عن اعتبار أنفسهم سكانًا لهذه المناطق المحلية. غير أنه خلال فترات الحماسة الوطنية الشديدة — كما هو الحال أثناء الحروب — يصبح ارتباطُ سكانِ القرية والمدينة والمنطقة بالأمة مهيمنًا تمامًا، لكن هذه الحالات تكون عارضةً فحسب.

ولأن الأمة تُبدي قَدْرًا من الوحدة الثقافية النسبية فحسب، فكثيرًا ما يكون من الصعب تمييزها عن مجتمعات إقليمية أخرى. ومن المغري تجنُّب هذه الصعوبة بصياغة فئاتٍ يمكن التفريق بينها بواسطة درجات من الوحدة الثقافية، وبذلك يمكن التمييز بين أشكال العلاقات الإقليمية المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، «الجماعات العِرْقية» التي تبدو غير منتظمةٍ إلى حدٍّ ما، وتفتقر إلى مركز سلطوي أو مؤسساتِ توحيدٍ ثقافية؛ مثل الآراميين في الشرق الأدنى القديم، أو الوندال، والآفار، والبيكتس في أوائل العصور الوسطى، وحتى المجتمعات الأكثر تماسكًا ثقافيًّا؛ مثل اليونانيين القدماء أو السومريين؛ ينبغي تمييزها عن الأمة الموحَّدة ثقافيًّا نسبيًّا. وعلى الرغم من أن هناك ميزةً لهذه الفوارق، فعلى المرء أن يحاول مقاومةَ السعي وراءها أكثر مما ينبغي؛ لأن العمليات التي تدخل في تشكيل الأمم دائمًا ما تكون معقَّدةً تاريخيًّا؛ مما يجعل تمييز مثل هذه الفوارق في أي حالة محدَّدةٍ أمرًا صعبًا. فمثلًا، ما الذي يفهمه المرءُ من بريطانيا العظمى، التي تضم كلًّا من إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية؟ وهل ينبغي اعتبار كردستان أو كشمير أو كيبيك منطقة أو جماعة عِرْقية، أو أُمَّة أوَّلية أو أمَّة؟

التعقيدات التي تطرحها مثلُ هذه الأسئلة تشير إلى أننا نتعامل مع عمليات متفاوتة غير منتظمة لفهم الذات التي تدخل في عمليةٍ دائمةِ التعقيد تاريخيًّا لتشكيل فهم ذاتي مشترك؛ أي وعي ذاتي جمعي.

ومع ذلك فإن استخدامنا لمصطلح الأمة يعني ضمنيًّا الاستمرار الزمني لثقافة إقليمية موحَّدة نسبيًّا. وهكذا يمكن التأكيد على عددٍ من التطورات التي تسمح بوجود مثل هذا الاستمرار ومثل هذه الثقافة. إن وجود الأمة يتطلَّب إقليمًا ممتدًّا نسبيًّا وله حدود، أو صورةً لمثل هذا الإقليم، الأمر الذي عادةً ما يتطلَّب ما يلي: اسمًا قوميًّا، مركزًا سلطويًّا (له مؤسسات)، تاريخًا يؤكِّد ويعبِّر عن الاستمرارية الزمنية، وثقافة موحَّدة نسبيًّا تقوم في أغلب الأحيان على لغةٍ مشتركة ودينٍ مشترك وقانونٍ. غير أنه من الإنصاف للأدلة التاريخية أن ندرك أن كلًّا من هذه السمات نادرًا ما تكون مطلقةً أو كاملةً؛ وإنما هي بالأحرى عملياتٌ في تطوُّر المصالح والممارسات والمؤسسات، وجميعها يكتنفه الغموض والتوترات.

الأمة والدولة والإمبراطورية

إن إقرار الفرد بأنه ينتمي لأمةٍ هو مجرد جزءٍ من بين عددٍ من أجزاء صورةِ المرء عن ذاته. وإذا عبَّرنا عن هذا بيانيًّا، فيمكننا القول إنه مجرد طبقة واحدة من وعي ذاتي متعدد الطبقات. والطبقة التي تمثِّل إقرارًا بالانتماء لعلاقة قرابة إقليمية قد تتوافق أو لا تتوافق مع إقرار المرء بأنه مواطنٌ من مواطني العلاقة السياسية والقانونية للدولة.

يمكن تعريف الدولة بشكل عام بأنها كيان يمارس — من خلال المؤسسات — سلطته على إقليم ما بواسطة قوانين تربط بين الأفراد داخل ذلك الإقليم باعتبارهم أفرادًا ينتمون للدولة.

fig2
شكل ٢-٢: كردستان، محدَّدة بالمناطق التي تضم أغلبية كردية، لكنها تمتد عبر أجزاء من إيران والعراق وتركيا.

تختلف العلاقة القانونية والسياسية للدولة تحليليًّا عن المجتمع الثقافي لعلاقة القرابة الإقليمية؛ أي الأُمَّة. على سبيل المثال، ضمَّت الدول الإمبريالية للإمبراطورية النمساوية المجرية والاتحاد السوفييتي العديدَ من الأمم المختلفة. وعلاوة على ذلك، وُجِدت الأمم في غياب الدولة، كما هو حال بولندا في القرن التاسع عشر، وكما هو حال كردستان اليوم.

إن ضرورة التمييز بين الأمة والدولة لا تعني أنه لا يوجد رابطٌ معقَّدٌ بين هذين الشكلين من أشكال العلاقة الاجتماعية؛ فمن ناحيةٍ، كانت الأمم تَقْوَى من خلال ممارسة الدولة سيادتها وبسط تلك السيادة على مرِّ الزمن؛ فمثلًا، التوسع الذي حدث فيما كان يُعرف بالأمة الفرنسية خلال الفترة الممتدة من القرن الثاني عشر وحتى القرن السادس عشر، والتي كانت تتمثَّل فقط في منطقة إيل دي فرانس الكابتية لتشمل اليوم أراضي فرنسا الممتدة من المحيط الأطلسي عند الحدود الغربية، إلى جبال البرانس على الحدود الجنوبية، مع تذبذب الحدود الشمالية والشرقية على مرِّ السنين حسب نتائج الحروب، مع كون هذه الحروب عاملًا مهمًّا في كثير من الأحيان في تشكيل كلٍّ من الأمة والدولة.

ولا يطغى ترسيخُ قواعد الأمة — وهي في هذه الحالة الأمة الفرنسية — على الارتباطات الإقليمية المتنوعة، والواضحة في بعض الأحيان. وفي الواقع، فإنه من النادر تاريخيًّا أن تكون للأمَّة دولةٌ وتكون للدولة أمَّةٌ؛ فالعديد من دول العالم منقسمة بشدة إلى مناطق تبدو أحيانًا كأمم أولية؛ مثل مقاطعة كيبيك في كندا، أو منطقة إقليم الباسك في إسبانيا.

fig3
شكل ٢-٣: مناطق فرنسا.

ومع ذلك فإن ممارسة الدولة السيادة تتطلَّب إعلان القوانين في جميع أنحاء المنطقة التي تحكمها؛ ومن ثم ضم مناطق مختلفة داخل التنظيم القانوني للدولة. علاوة على ذلك، تعتمد فاعلية الحكم على توحيد التواصل، واللغة والكتابة، في جميع أنحاء المنطقة الواقعة تحت هيمنة الدولة. وهكذا، على سبيل المثال، يكون من المؤكد أن أحد العوامل المهمة في بسط الهيمنة الصينية على دولة الصين الممتدة إقليميًّا — بمناطقها المختلفة — كان هو توحيد اللغة الصينية المكتوبة في جميع أنحاء المناطق الصينية في وقت مبكر جدًّا، نحو عام ٢٢١ قبل الميلاد، تحت إشراف المستشار لي سي. وبالمثل، ابتُكرت اللغة الأرمينية المكتوبة نحو عام ٤٠٥ ميلاديًّا.

fig4
شكل ٢-٤: الحروف اﻟ ٣٦ للأبجدية الأرمينية، التي ابتكرها ميسروب ماشتوتس نحو عام ٤٠٥ ميلاديًّا.

وقد أسهمت بقوة أيضًا سياساتٌ ثقافيَّةٌ أخرى لمركز الدولة الحاكم؛ مثل اعتناق دين معين ونشره في جميع أنحاء المنطقة الخاضعة للحكم، في الوحدة الثقافية النسبية لإقليم ما. ويتضح هذا في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية؛ حيث نجد تقليدَ أن يكون لكلِّ أمةٍ قديسٌ وكنيسةٌ؛ مثل القديس سافا للكنيسة الأرثوذكسية الصربية.

غير أن ترسيخ قواعد إقليم وثقافة مجتمع قومي موحَّدَيْن نسبيًا نادرًا ما يكون هو النتيجة الوحيدة لسياسة معينة أو مجموعة من السياسات يتبناها ويروِّجها المركز الحاكم للدولة بين مجموعة من السكان لم تتخذ شكلًا محددًا، بل على العكس، فإن قبول مثل هذه السياسات غالبًا ما يتطلَّب لجوءَ المركز الحاكم إلى تقاليد وأعراف موجودة من قبل، سواء تمثلت هذه التقاليد في اللغة أو الدين أو القوانين والأعراف. وهكذا فإن السياسة المحددة التي يختار المركز الحاكم ترويجها نادرًا ما تكون مختارة على نحو أهوج وكأنما ابتُكرت من العدم، حتى ولو كانت تلك السياسة تمثِّل تحوُّلًا جريئًا عن تقليدٍ موجودٍ من قبل. على سبيل المثال، في عام ١٥٠١ ميلاديًّا لجأ إسماعيل الصفوي إلى المذهب الشيعي الذي كان موجودًا بالفعل من قبل ذلك؛ لتمييز بلاد فارس عن الإمبراطورية العثمانية التي كانت تعتنق المذهبَ السُّنِّيَّ. ويكشف تاريخُ كلِّ دولة من التوطيد والوجود المستقر عبر الزمن عن هذا الالتجاء إلى التقاليد السابقة وتحويلها في الممارسة الفعالة للسيادة على إقليم ما. وبعبارة أخرى: فإن الدولة، على الرغم من اختلافها عن الأمة، تخلق مجتمعَ قرابةٍ إقليميًّا بحيث يكون ما ينبثق عنه على مرِّ الزمن هو الدولة القومية.

والاستثناء لظاهرة التقارب هذه بين شكلَيْن من أشكال العلاقات الإنسانية — وأقصد بهما الدولة والأمة — هو الإمبراطورية، التي تضم العديد من الأمم. وربما نشهد اليوم بزوغ إمبراطورية الاتحاد الأوروبي.

لا توجد قيودٌ واضحةٌ من الناحية الثقافية على توسُّع إمبراطورية ما؛ فحدود الإمبراطورية تنشأ غالبًا عن مخاوف عسكرية، كما في حالة بناء سور الصين العظيم مثلًا، الذي بدأ تحت توجيه الجنرال مينج تيان عام ٢٢١ قبل الميلاد؛ وجدار هادريان باعتباره ترسيمًا للحدود الشمالية الغربية للإمبراطورية الرومانية في بريطانيا، أو هزيمة القوات المسلمة بقيادة الأمير عبد الرحمن على يد شارل مارتل عام ٧٣٢ ميلاديًّا بالقرب من تور، وهي الهزيمة التي أوقفت التوسع الإسلامي. والاعتراض على هذا المد الذي لا حدود له تقريبًا لهيمنة إمبراطورية ما هو التأكيد على التمايز الثقافي والاستقلال السياسي من قِبَل مجتمعاتٍ قومية عديدة ذات قرابات إقليمية تضمها، أو تهددها، تلك الإمبراطورية؛ مثل تمرد سكان مقاطعة يهودا، من عام ٦٦ إلى عام ٧٢ ميلاديًّا، ومرة أخرى من عام ١٣٢ إلى عام ١٣٥ ميلاديًّا ضد حكم الإمبراطورية الرومانية، وفي القرن العشرين، اعتراض الهند على حكم بريطانيا العظمى. وقد كان الاعتراض السياسي الصريح على حكم الإمبراطوريات يتمثَّل في أنها تَحْرِم الأمم حرية التصرف في شئونها، كما يعبِّر عنها حق تقرير المصير الذاتي. غير أن طبيعة «الذات» التي تسعى للاستقلال قد لا تكون واضحةً بالضبط على نحو دائم؛ لأن هذه الذات تكون في طور التشكيل، كما يحدث اليوم في أيرلندا الشمالية، وكشمير، ومقدونيا، وتركستان الشرقية.

إن تطوُّر التمايز الثقافي من خلال السيادة السياسية يقودنا إلى النظر تاريخيًّا في العلاقة بين الدولة والأمة من الاتجاه المعاكس؛ أي عندما تسعى الأمة لأن تكون دولة. كيف يمكن فهم هذا التحول من أمة إلى دولة قومية؟ والأهم، لماذا يحدث هذا عادةً؟

تسعى الأمة لأن تكون دولةً بدافع حماية أرواح أفرادها والحفاظ عليهم؛ أي حتى يتسنَّى للأمة — من خلال ممثليها ومؤسساتها — العمل على ضمان حماية نفسها والحفاظ على وجودها في العالم. وإذا فشلت الدولة القومية في تحقيق هذا الغرض (بسبب هزيمة عسكرية أو وسيلة أخرى)، فإنها تخاطر باحتمال التفكك؛ لأن ارتباطات أفراد الأمة بتلك الأمة قد تنهار؛ ومن ثم قد تظهر ولاءات جديدة؛ مما يقوِّض وجود الأمة. وسواء أكانت الأمة هي التي تشكِّل الدولة أو كانت الدولة هي التي تشكِّل الأمة، فتلك مسألة لا علاقة لها بالقضية؛ لأن كلتا العمليتَيْن المعقَّدتَيْن تَحدثان، بدرجات متفاوتة، حسب طبيعة الأمة المَعْنِية.

إن تشكُّل دولةٍ قومية، سواء أكان هذا التشكُّل تاريخيًّا عبارة عن تطور الدولة إلى أمة أو تطور الأمة إلى دولة، لَهُو أمرٌ يحمل في طياته تعقيدات ارتباطات وعمليات مختلفة لا حصر لها. وكما ذكرنا من قبل، فإن إحدى نتائج تلك التعقيدات هي أن العديد من الدول القومية يتضمَّن ارتباطات إقليمية واضحة، أو حتى أممًا أخرى. ومرة أخرى نقول إن العلاقة الإقليمية للأمة هي علاقة موحَّدة ثقافيًّا على نحو نسبي فحسب. وتوضيح أسباب هذا يتطلَّب مناقشةً لطبيعة العلاقة الاجتماعية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠