الفصل الثالث

الأمة كعلاقة اجتماعية

الأمم ابتكارات إنسانية، غير أن الفهم الصحيح للأُمَّة يتطلَّب تمييزها عن غيرها من أشكال الابتكارات الإنسانية. تتخذ الأمة شكلَ «علاقة اجتماعية». وحتى يتسنَّى توضيح طبيعة العلاقة الاجتماعية، ومن ثَم نحقق فهمًا أفضل للأمة، سيكون من المفيد أن نقارن العلاقة الاجتماعية بشكل آخر من أشكال الابتكار الإنساني: ألا وهو الأداة.

الأداة — المطرقة مثلًا — هي شيءٌ ماديٌّ الغرض منه، باعتباره امتدادًا لليد، هو جعل العمل البشري أكثر كفاءةً في تشكيل العالم الخارجي. يمكن للمرء فهمُ الأمة على أنها أداةٌ لتنظيم الحياة؛ فعلى سبيل المثال، يزعم بعض علماء الأحياء التطورية أن القرابة هي آلية لإيجاد وسيلة فعالة لتبادل المنافع؛ لأن هذا التبادل يحدث بين أفرادٍ يثق بعضهم ببعض؛ وذلك بوصفهم أقرباء. غير أن وصف الأمة بالأداة — أيًّا كانت مميزاته — يحجب اختلافاتٍ مهمة بين هذين الشكلين. لنأخذ علاقةً اجتماعيةً أخرى، وهي عادةُ تبادُلِ التحيَّة بين فردين، بغرض مزيد من التمييز بين هذين الشكلين: الأداة والعلاقة الاجتماعية؛ ومن ثم توضيح طابع الأمة كمثال على العلاقة الاجتماعية.

العلاقة الاجتماعية

اثنان من الناس، يسعى كلٌّ منهما وراء مصالحه الشخصية، يلتقيان مصادفةً. ما يحدث بين هذين الشخصين هو مجرد «تفاعل»؛ لأنهما تقابلا مصادفةً؛ فما من علاقة اجتماعية بينهما. ولكن عندما يمد أحدهما يده إلى الآخر، لا يعود ما بينهما مجرد تفاعل فحسب؛ فهما الآن «يتشاركان» في عادة التحية المعروفة باسم المصافحة. ثمة علاقةٌ اجتماعيةٌ الآن بين هذين الشخصين؛ وهي عادةُ التحية وأدائهما لها. ما مكونات هذه العلاقة الاجتماعية؟ أولًا: هناك معنًى لعادة التحية تلك. وهذان الشخصان بطريقةٍ ما يجدان معنى تلك العادة. فأين يمكن إيجاد هذا المعنى؟ إنه موجودٌ داخل وعي كلِّ فردٍ من العديد من الأفراد الذين يدركون ويقبلون معنى المصافحة بوصفه تقليدًا يعني التقدير المتبادَل بين شخصين. ثانيًا: ما المادة التي تتكوَّن منها العلاقة الاجتماعية لعادة المصافحة؟ إنها تتكوَّن من بشر أحياء يجعلون العادة واقعًا عن طريق أدائهم لها.

يجب مقارنة مادة شكل العلاقة الاجتماعية تلك، وهي البشر الأحياء، بمادة الأداة. والمادة التي تتكون منها الأداة هي مادةٌ غير حية. فإذا كانت لديك مطرقة لا تستخدمها، فهي تظل أداة؛ لأنها صُنعت ماديًّا من الحديد والخشب. فالأداة تظل كما هي كعنصر منفصل عن البشر الذين يستخدمونها. وعلى عكس الأداة، فإن وجود العلاقة الاجتماعية لعادة المصافحة يتوقف على أداء البشر لها، وهو ما يقتضي بدوره الإقرار بمعنى المصافحة والقبول به. كما أن هذه العادة ليس لها وجودٌ ماديٌّ منفصلٌ عن الأفراد الذين يمارسون العلاقة الاجتماعية؛ ومن ثم يشكِّلونها. وهكذا فإن للعلاقة الاجتماعية سمةً مزدوجةً؛ فهي تُمارَس بين الأفراد — وهما الشخصان اللذان يؤديان المصافحة ويجعلانها واقعًا — وفي نفس الوقت هي عادةٌ تتخطى الأفراد؛ أي معنى عادة المصافحة التي يؤديها شخصان يُقران بهذا المعنى.

وكما هو الحال مع جميع العلاقات الاجتماعية، فإن المادة التي تتكوَّن منها الأمة هي البشر الأحياء. فعلى عكس الأداة، فإن الأمة ليست شيئًا منفصلًا عن البشر الذين يُشكِّلونها. ومثل عادة المصافحة؛ حيث يجد الأفراد معنى تلك العادة ويُبقونه حيًّا من خلال أداء تلك العادة، فإن الأمة تتكوَّن من أفراد يُبقونها ويحافظون عليها، ويتشاركون في تقاليد ذات حدود جغرافية، وهم بفعلهم هذا يؤكِّدون تلك التقاليد. وتوجد تلك التقاليد في الأساس داخل إدراك كل فردٍ من الأفراد العديدين الذين يشكِّلون الأمة، لذاته؛ مثل إدراكهم أنهم وُلِدوا في إقليم معين. ولهذا السبب تُعتبر الأمة شكلًا من أشكال الوعي الذاتي المشترك؛ أو الوعي الذاتي الجمعي، كما أوضحنا في الفصل السابق. بالطبع توجد أيضًا مؤسسات قومية من أنواع عديدة؛ مثل الكنائس والمحاكم، التي تُجسِّد تلك التقاليد وتحافظ عليها وتنشرها. غير أن تلك المؤسسات تقوم أيضًا على القبول المستمر والممارسة المستمرة لهذه التقاليد. فالأمة لها هيكلٌ بين الأفراد وهيكلٌ يتخطى الأفراد في الوقت نفسه.

عندما يُولد الفرد، يجب عليه أن يكيِّف نفسه داخل الأمة الموجودة بالفعل، التي يستمر وجودها بعد موت ذلك الفرد. هذا الطابع الزمني للأمة «الموجودة بالفعل» و«المستمرة في الوجود» يشير إلى أن التقاليد التي تقوم عليها العلاقة الاجتماعية للأمة؛ مثل اللغة القومية، تتخطَّى الأفراد؛ أي إن وجودها لا يعتمد على أي فرد؛ وبهذا المعنى، فهي «ذات وجود حقيقي». واستخدام مصطلح «الوجود الحقيقي» لا يعني بالضرورة أشياءَ مادية، مع أن التقاليد المتخطية للأفراد للعلاقة الاجتماعية للأمة قد تكون متجسِّدةً في عناصر مادية؛ مثل الكتب، والرموز التاريخية، والآثار، والأعلام.

غير أنه إذا لم تَعُد هذه التقاليد مقبولةً، ومن ثَم لا تعيد الأجيال المتعاقبة التأكيدَ عليها، فإن كتب التاريخ القومي أو الآثار أو الشعارات تقتصر قيمتها على مجرد وجودها لا أكثر. على سبيل المثال، حوليات الملك تجلات بلاسر الثالث، ملك آشور (٧٤٤–٧٢٧ قبل الميلاد)، أو حوليات الملك الحيثي هاتوشيلي الأول (١٦٥٠–١٦٢٠ قبل الميلاد)، ليست سوى مجرد بقايا تثير اهتمام مؤرخي الشرق الأدنى القديم؛ لأنه لا توجد اليوم أمة آشورية أو حيثية. والشعار الروماني القديم SPQR — وهو اختصار يشير إلى مجلس الشيوخ والشعب والجمهورية — لا يثير اهتمام أحدٍ سوى المؤرخين المهتمين بتاريخ روما القديمة، أو زوَّار المتحف الذين يَعُدُّون الشعارَ شيئًا من صُنع مجتمعٍ لم يَعُدْ له وجود. وبالمثل، فإن اللغات الآشورية والحيثية واللاتينية هي لغات غير حيَّة؛ لأنه لم يَعُد هناك من يتحدث بها.

وعلى نقيض هذه الأمثلة، فإن وثائق مثل إعلان الاستقلال الأمريكي، أو آثارًا مثل نُصب لينكولن التذكاري في واشنطن العاصمة، أو قوس النصر في باريس، أو قصر باكينجهام في لندن، ليست مجرد أشياء صُنعت من قِبَل مجتمعات من الماضي.

إنها آثارٌ «حيَّة» على نحوٍ ما؛ لأن التقاليد التي تمثِّلها محفوظةٌ عن طريق استمرار الاعتراف بها. ولأن هذه التقاليد تنقلها حالةٌ من الوعي الذاتي، فلا بد من إعادة التأكيد عليها بواسطة الأجيال المتعاقبة لكي يستمر وجود الأمة. هذا الاعتماد على التأكيد المتجدد — برغم كونه عابرًا وجزئيًّا — من أفراد الأمة أو بعضهم يشير إلى أن شكل التقاليد القومية ومضمونها معرَّضان للتغيير. فعلى نقيض المطرقة، فإن شكل تلك التقاليد ومضمونها ليسا مستقرَّيْنِ أو ثابتَيْن تمامًا؛ لذا فإنها حقيقية الوجود نسبيًّا فحسب.

تعديل وابتكار التقاليد

العادات تتغيَّر بالتأكيد؛ فقد تتلاشى ويطويها النسيان إذا لم يستمر الناس في مراعاتها وأدائها، أو قد ينبذونها عمدًا. وبالمثل فإن تقاليد الأمة التي تتخطَّى الأفراد والمؤسسات التي تجسِّد تلك التقاليد، تتعرض للتغيير. فقد تُغيِّر الأمةُ تقاليدَ التمثيل السياسي بها من نظام الملكية إلى الملكية الدستورية، كما فعل الإنجليز. بل إنها قد ترفض تمامًا مثل هذه التقاليد، كما فعل الفرنسيون في نهاية القرن الثامن عشر. وفي هذه الحالة الأخيرة، لمَّا لم تعد تقاليد الملكية والمؤسسات التي تحافظ عليها معترفًا بها، فقد فقدت شرعيتها. في النظرية السياسية، يُعرف فقدان الشرعية هذا باسم «سحب الثقة». وإذا حدث هذا، فإن الأمة تصبح عُرضةً لخطر الانقسام، ليس لأن مادة العلاقة الاجتماعية للأمة — ونقصد بها الأشخاص — لم تَعُد موجودة، بل لأن إرادة كل فرد من أفراد الأمة في الاستمرار في اعتبار نفسه فردًا في الأمة لم تَعُد موجودة.

fig5
شكل ٣-١: قوس النصر في باريس.

إن إعادة التأكيد على التقليد ليست أبدًا مسألةَ تَكرارٍ ثابتٍ يخلو من التفكير والتغيير، على الرغم من أن تلك العادات التي تحمل تقاليد وطنية، مثل نوعية الملابس التي يرتديها المرء أو الأغاني التي يغنيها، قد تؤدَّى أحيانًا على نحوٍ يبدو وكأنه يحدث بلا تفكير. إن إعادةَ التأكيدِ على التقاليدِ وانتقالِها من جيل إلى جيل تتضمَّن بالضرورة تعديلَ تلك التقاليد. وتخضع التقاليد للتعديل؛ لأن الوضع الذي يجد الجيلُ الحاليُّ نفسه فيه دائمًا ما يكون مختلفًا عن الوضع الذي كان فيه الجيل السابق؛ إذ تظهر مشكلات جديدة تستدعي اهتمامات جديدة مصاحِبة لها. وكثيرًا ما يكون هذا التعديل الذي لا مفرَّ منه غير محسوس، كما هو الحال مع التطور التدريجي للُّغة؛ وأحيانًا يكون التحول جذريًّا، كما يحدث عندما تندلع الثورات. وفي كلتا الحالتين، فإنه يشير إلى أنه ما من أُمَّةٍ يمكن أن تكون مستقرة تمامًا كما لو كانت، مثل الأداة، تتشكَّل من مادة هامدة لا حياة فيها.

إن بعض الدارسين للأمم وللقومية يُقدِّرون كثيرًا حقيقةَ أن التقاليد تخضع للتعديل، لافتين الأنظار إلى أمثلةٍ من تحولات مختلفة، كثيرًا ما تكون جذرية تتعلَّق بكيفية ما حدث من تعديلٍ للماضي اختياريًّا، إلى حدِّ أنهم يتحدثون عن «ابتكار» التقليد. وكمثال لابتكارٍ كهذا نجد التنُّورة الاسكتلندية القصيرة المصنوعة من قماشٍ بنقشة الترتان (المربعات الاسكتلندية)؛ فبالرغم من أنها كانت مسبوقةً باستخدام قماش المربعات الطويل، الذي حين يُشَدُّ عليه الحزام يكشف عن الساقَيْن، فقد ابتُكرت تلك التنورة في القرن الثامن عشر. وبالرغم من مظهرها الحديث نسبيًّا، فإنها صُوِّرت كرمز لاستمرار الثقافة القديمة لهضاب اسكتلندا إلى الوقت الحاضر. وبالمثل، فإن قماش نقشة الترتان الذي يميِّز كلَّ قبيلة من قبائل هضاب اسكتلندا — رغم أنه كثيرًا ما يُفترض أنه شديد القِدَم — قد ظهر خلال بدايات القرن التاسع عشر. وهذه الحقائق تفيدنا من حيث إنها توضح أن الأمم (وتقاليدها) ليست كيانات وَحْدَوية كانت موجودة دائمًا؛ ومن ثم فإن محاولات ادعاء وجود أمة إنجليزية متحدة، أو ما يُسمَّى بريطانيا العظمى في أزمنة قديمة تعود إلى عصر الملك آرثر الكيلتي (في بدايات القرن السادس الميلادي)، من الواضح أنها غير مقبولة.

ومع ذلك، فإن تركيز المرء اهتمامَه فيما يُسمَّى «ابتكار» التقليد معناه تجاهل المشكلات التي فرضها وجود الأمم أثناء محاولة فهم السلوك الإنساني على نحو أفضل. ورغم وجود كلٍّ من الابتكار الذي يحدث من وقت لآخر، وبالطبع التخصيص الانتقائي للماضي ليخدم اهتمامات الحاضر (على سبيل المثال: استغلال هولنديين في القرن السابع عشر لما رواه المؤرخ الروماني تاسيتوس من تمرد القبائل الباتافية (فيما يُعرف الآن بهولندا) ضد روما في محاولة لترسيخ أسس التراث القديم واستمرارية الوعي الذاتي الجمعي الهولندي)، فإننا ما زلنا نواجه مجهودات لمحاولة فهم الأسباب التي تدعو البشر إلى السعي وراء التقاليد، أو محاولة تغييرها جذريًّا لتبرير أوضاع الحاضر، ولماذا تُقدَّم تلك التقاليد باعتبارها أداةَ تأكيدٍ، أو استغلالها لخدمة تأسيس العديد من أشكال القرابة التي تميِّز مجموعةً بشريَّةً عن الأخرى.

المفهومان العرقي والمدني للأمة

كما لاحظنا في الفصل السابق، فإن حالة التقلُّب التي تميِّز جميع العلاقات الاجتماعية تؤكِّد صعوبةَ تقديم معايير محدَّدة لتعريف الأمة، وحتى معايير الانتماء لأمة ما أو نقله من أمة لأخرى، تخضع بمرور الزمن لدرجات من التعديل؛ مثل تغيير قوانين الهجرة والمواطنة. وأحيانًا ما يكون الانتماء إلى الدولة القومية نتيجةً للميلاد لأبوين يُعتبران من أبناء تلك الأمة، وإن كان هذا الانتماء في العادة يكون نتيجةً للميلاد في إقليم يُنظر إليه باعتباره أرضَ الأمة. كثيرًا ما يُطلَق على الحالة الأولى اسم المفهوم «العِرقي» للأمة، بينما يطلَق على الحالة الثانية المفهوم «المدني» للأمة، وقد تكون لهذه التفرقة تبعاتٌ سياسيَّة مهمة.

ومن الأرجح أن يؤدِّي المعيارُ «المدني» للميلاد في الإقليم إلى تسهيل تحقيق المساواة أمام القانون؛ ومن ثم تسهيل الحرية؛ لأن جميع من يُولدون في إقليم الدولة القومية يكونون منتمين للأمة، ومن هذا المنطلق ينالون صفة المواطنة بغضِّ النظر عن أصولهم أو لغاتهم أو معتقدات آبائهم الدينية. غير أننا يجب ألا نبالغ كثيرًا في هذا التباين بين المفهومَيْن «العرقي» و«المدني» للأمة؛ لأن التطور التاريخي لجميع الأمم يتضمَّن خليطًا من كِلا المعيارين. وفي الحقيقة إن معايير تحديد انتماء الشخص إلى الأمة قد تحوَّلت تبعًا لكونِ الأمة مصدِّرةً للمهاجرين أو مستقبِلةً لهم في مرحلة زمنية معينة. والنقطة المهمة هنا هي إدراك أن جميع الأمم تخضع، بدرجة ما أو بأخرى، للتغيير.

إن خاصيَّة الثبات النسبي هذه — أي الاستمرار على مرِّ الزمان — التي تميِّز العلاقة الاجتماعية للأمة لا تقتصر على كونها نتيجةَ مواجهةِ الجيل الحالي لمهام تختلف عما كانت تواجهه الأجيال السابقة. وتلك التقاليد التي تشكِّل الجوهر المفهومي — أي المعنى الذي يتخطَّى الأفراد، والذي يكون ذا وجودٍ حقيقيٍّ نسبيًّا — الذي تتشكَّل حوله العلاقة الاجتماعية للأمة، ليست موحَّدةً؛ ففضلًا عن وجود الانشغال بالحيوية والقرابة يوجد أيضًا التبادل الاقتصادي والمعتقدات الدينية اللذان قد يُوجَدان في إطارٍ من التناحر مع ذلك الانشغال بالحيوية والتجارة. فعلى سبيل المثال، مرَّت أوقاتٌ في الماضي، حين كان من المعتقد أن رفاهية الأمة تتطلَّب فرضَ قيودٍ على التجارة الحرة من خلال تعريفات جمركية على السلع المستوردة، كما حدث في النظام الاقتصادي المسمى ﺑ «المركنتلية» في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتطبيق مذهب الحماية الاقتصادية فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد تحوَّلت المعتقداتُ الدينية في بعض الأوقات إلى عوائقَ دون النشاط الاقتصادي، كما حدث حينما حرَّمتِ المسيحيةُ تقاضي فوائد ربوية عن الأموال المقترضة. وأقول إن هذه التقاليد المختلفة باهتماماتها المختلفة تتجمَّع معًا بشكلٍ غير منتظم لتشكِّل جوهرَ الأمة المليءَ بالتوتر، الذي لا يستقر إلا بشكل نسبي. كذلك فإن العلاقة بين هذه التقاليد المختلفة داخل مركز الأمة تتعرَّض أيضًا للتغيير؛ حيث يحدث أن يصبح أحدُ تلك التقاليد في وقتٍ بعينه أكثرَ أهميةً من التقاليد الأخرى؛ فعلى سبيل المثال، أثناء حربٍ ما، قد يتسبَّب تفجُّر روح الوطنية في تهديد معتقدات الديانات التوحيدية في الأخوة في الإنسانية.

ولعلك لاحظتَ في الفصل السابق أن هناك ازدواجية في الأمة؛ بمعنى وجود تقاليد للقرابة ذات أثرٍ مقيِّد، وتُحَوَّل هذه التقاليد بحيث تصبح معمَّمةً في خدمةِ خَلْقِ ثقافةٍ أكثر اتساعًا. وقد تسهم عوامل متعددة؛ مثل الحرب، والدين، والتبادل الاقتصادي، في تقويض الروابط — التي كانت محليةً في السابق — بالقرية أو المنطقة لصالح الروابط بالأمة الأكبر إقليميًّا. وثمة عاملٌ آخر هو القانون، الذي ينشره مركزٌ سلطوي رسمي؛ بحيث ينبثق «قانونٌ للبلاد» يشمل هذه الأماكن، ومهمتنا هنا أن نفحص كيف يكون القانون عاملًا في تشكيل أُمَّةٍ ممتدة إقليميًّا.

القانون والأمة

يجب أن نقرَّ أوَّلًا بأن تطوُّر القوانين المكتوبة لم ينتج عنه في جميع الأحوال قانونٌ قوميٌّ للبلاد، ممتدٌّ إقليميًّا. فلم تَستحدث منطقةُ الشرق الأوسط الإسلامي قانونًا كهذا لفترة كبيرة من تاريخها، ولكن كانت توجد طوال حكم «الأُمَّة» الإسلامية الإمبريالية سياسيًّا أربعةُ نظمٍ أو مذاهب من القانون — الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي — وكلها مشتقةٌ من تأويلٍ محدَّد للقانون الإسلامي، أو ما يُسمَّى بالشريعة الإسلامية. وبينما قد يكون أحدُ المذاهب أكثر انتشارًا في إحدى المناطق من المذاهب الثلاثة الأخرى، فإن المسلم لا يزال بوسعه الاختيار بينها. وهذا الوجود المتزامن لهذه النظم القانونية المختلفة قد يكون عائقًا دون تشكيل إقليمٍ موحَّد في الأمة، التي يوحِّدها الالتزام بقانونٍ ما للبلاد يتصف بالسيطرة. ومن ثم، في جزء كبير من تاريخ الشرق الأوسط الإسلامي حدث اجتذابٌ للولاءات بصفة عامة ما بين القرية التي يُولد فيها المرء تارة، والأمة بمختلف مؤسساتها تارةً أخرى، وظهرت الطرق الدينية؛ مثل الصوفية، في موقع وسط بين هذين الكيانين الجاذبين.

إلا أنه حدثت عمليةُ ابتكارٍ قانوني في الشرق الأوسط الإسلامي للتعامل مع العلاقات بين هذين القطبين؛ القرية والأمة الإسلامية. فعلى سبيل المثال، استُحدِثت حيلٌ (أي وسائل قانونية) لتكوين شركات للأعمال وللدخول في مجال التجارة بين الأماكن والمناطق المختلفة، وهي وسائل لم تَرِدْ مباشرةً في الشريعة الإسلامية. وعلاوة على هذا، برزت في منطقة الشرق الأوسط الإسلامي في بعض الأحيان كياناتٌ ممتدة إقليميًّا تتسم بالتضامن، وكمثالين لهما، أذكر الكيان الإيراني وكيان المغرب العربي الذي يسوده البربر، لا سيما مراكش. ولعل الصراعات العسكرية التي نشبت بين الأتراك العثمانيين والمماليك المصريين (١٢٥٠–١٥١٧ ميلاديًّا) تشير أيضًا إلى وجود درجةٍ من التنافس بين الكيانات الإقليمية المتضامنة داخل الأمة الإسلامية. ومع ذلك، فإن القوانين المختلفة التي تخلَّلت الحضارة الإسلامية والمبدأ القانوني المتحفِّظ القائم على التقليد (أو الانصياع للتقاليد الإسلامية) كانت تمثِّل عقبةً أمام تضامن الأمم واندماجها؛ فكلُّ أُمَّةٍ لها «قانون البلاد» الخاص بها.

وبطبيعة الحال، تجب ملاحظة الأنماط الأخرى للعلاقة القانونية. فعلى النقيض من الانطباع الذي يحصل عليه المرء من التحليلات الكثيرة التي تُصِرُّ على وجود فاصل تاريخي حادٍّ بين المجتمعات قبل الحديثة والمجتمعات الحديثة، فقد كانت توجد عدة قواعد قانونية مكتوبة على مدى العصور القديمة والعصور الوسطى. وحقيقةً كما أشار المؤرخ القانوني آر سي فان كانيجم عن القانون في عالم العصور الوسطى، فلعله كان يوجد الكثير منها، وكانت تَلقَى العناية والاهتمام. كما أنتجت أوروبا في العصور الوسطى العديد من النصوص القانونية المكتوبة، ومن بينها «أطروحة عن قوانين إنجلترا وعاداتها» (١١٨٧) لرافولف جلانفيل و«الأطروحة» (١٢٦٠) لهنري من براتون (براكتون). وتبدو أهمية التقاليد التي تتجسَّد ماديًّا — وفي حالتنا هذه جاء التجسيد في صورة تدوين القانون في الكتب — في أنها تزيد من احتمال ترسيخ تلك التقاليد؛ ومن ثم استمرارها عبر الزمن. ويمكن أن يتخذ التعبير المادي عن التقليد صورًا مختلفة؛ فمثلًا، تصبح اللغات مستقرة من خلال أبجديات مكتوبة، كما حدث في الشرق الأدنى القديم، ومن خلال ترجمة الكتاب المقدس إلى لغات مختلفة؛ مثل القبطية (في القرن الرابع الميلادي) والأرمينية (في القرن الخامس الميلادي)، والسلافية القديمة (في القرن التاسع الميلادي)، والفرنسية (في القرن الثاني عشر الميلادي). كذلك يمكن أن تتخذ التقاليدُ صورةً مادية في شكل الأبنية؛ مثل معبد القدس في إسرائيل القديمة، وكاتدرائية كانتربري في إنجلترا في القرون الوسطى. وحينما يحدث هذا، يكون هناك احتمال أكبر أن تحقِّق العلاقةُ الاجتماعية التي تكوَّنت حول ذلك التقليد المتجسِّد ماديًّا الثباتَ الضروري اللازم لنشأة ثقافة قومية.

ويمكن ملاحظة وجود طيف متنوِّع، وإن كان مقتضبًا، من العلاقات القانونية التي أسهمت في تشكيل البنى الإقليمية في أوروبا خلال العصور الوسطى.

وأولها، نجد القانون الكَنَسي الذي يتجاوز حدود هذا الطيف؛ إذ إن اختصاصه كقانون للمؤمنين بيسوع باعتباره الرب والمخلص، يتجاوز الانقسامات الإقليمية. ولا ننكر الانخراط الذي كان محتَّمًا للكنيسة في تلك العصور باعتبارها مؤسسةً دينية في شئون الدنيا، كما يتضح جليًّا على سبيل المثال في صراع المناصب في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، الذي نشأ بين البابا والملك فيما يخص أحقيَّة تعيين الأساقفة والمطارنة. ومع ذلك، فإنني أُنَحِّي جانبًا دراسة موضوع القانون الكنسي، فيما عدا الإشادة بإسهامه في تقاليد أوروبا الإمبريالية.

وعند إحدى نهايات ذلك الطيف يجد المرء إمارات مدنية مميزة إقليميًّا في شمال إيطاليا، وولايات إقليمية مستقلة في ألمانيا. وفي حين أن ثمة قوانين محلية متطورة كانت موجودة، لم يكن هناك مركزٌ موحَّد بمؤسساته القانونية الخاصة (مثل محكمة عليا رسمية أو هيئة تشريعية) بإمكانه تحقيق التوحيد القانوني لهذه الإمارات والولايات المتميزة في أمة واحدة. ولكن من الناحية الأخرى، نجد أنه كان هناك في فرنسا — بعد عودة ظهور مَلَكِية قوية في القرن الثالث عشر — مركزٌ يشتمل بالفعل على محكمة مَلَكِية وبرلمان في باريس. وكان لهذه التطورات — فضلًا عن التطورات الأخرى؛ مثل نشوء كنيسة كاثوليكية فرنسية تُعرف باسم «الجاليكانية» — تأثيرات مهمة في تشكيل الأمة الفرنسية الممتدة إقليميًّا. ويمكننا ملاحظةُ عمليةِ نشوء أمة فرنسا قرب نهاية القرن الثالث عشر عند مقارنتها بالإمارات المدنية في شمال إيطاليا وبالولايات الألمانية المستقلة، إلا أن المملكة الفرنسية بقيت متنوعةً قانونيًّا، وهي حالةٌ ساعد عليها الإنعاش، الذي بدأ في القرن الثاني عشر، للقانون الروماني الإمبريالي في جنوب فرنسا مقارنةً بما حدث في الشمال. ومع ذلك ظهر نمطٌ مختلفٌ من العلاقة القانونية مبكرًا في إنجلترا مع نهاية القرن الثاني عشر، لدرجة أن المرء يلاحظ بزوغَ قانونٍ قومي للبلاد فيها.

وعلى العكس من العلاقة الشخصية بين الملك وأقاربه أو حاشيته، أو العلاقة الشخصية والقانونية بين اللورد المحلي وتابعه، التي تتسم بالإقطاعية، فإن تلك العلاقات تقوَّضت في إنجلترا في العصور الوسطى؛ بفعل علاقةٍ إقليميَّةٍ أكثر اتساعًا تأسَّست من خلال قانون للبلاد. ويدعم هذه الملاحظة بعضٌ من التطورات القانونية أثناء عصر الملك هنري الثاني (١١٣٣–١١٨٩) وخلال الفترة اللاحقة له؛ حيث نشأت محكمةٌ دائمة للقضاة الكبار في المركز (المحكمة الملكية)، وبُتَّ في النزاعات المحلية في المحاكم المحلية بشكل متزايد وفقًا لقانون البلاد عن طريق الزيارات المتكررة للقضاة المتنقِّلين. وكذلك على المستوى المحلي في جميع أنحاء إنجلترا، في عهد هنري الثاني، ظهرت هيئة المُحَلِّفين، وصارت شيئًا طبيعيًّا (وكانت في البداية تتشكَّل في عددٍ من الجيران يتم دعوتهم من جانب بعض الموظفين الرسميين العموميين لحلف اليمين، ثم الإجابة بصدق عن بعض الأسئلة التي يوجِّهها القاضي، ولكن في بدايات القرن الثالث عشر صارت هي الوسيلة التي يتم عن طريقها الحكم على الشخص من خلال أقرانه)؛ ومن ثم شملت عامة الشعب في الإجراءات القضائية. ونتيجة لهذه التطورات وبعض التطورات الأخرى، كان الملك بوصفه ممثِّلًا للأمة وقوانينها، ووكلاؤه (من القضاة المتنقِّلين) يُعَدُّون حُماةً للممتلكات ولحقوق الفرد وللنظام العام، أو ما يسمى «حماية الملك»، في جميع أرجاء أراضي الدولة.

وتشمل التطورات القانونية الأخرى التي تدعم تأسيسَ علاقةٍ إقليميَّةٍ للأمة تشكيلَ جيشٍ قومي، كما ظهر فيما أصدره الملك هنري الثاني عام ١١٨١ من مرسوم سُمِّي «قانون فرض امتلاك الأسلحة»، الذي شمل الرجال الأثرياء الذين كان عليهم أن يمتلكوا الخيول والدروع للدفاع عن الملك والأمة، وكذلك الفقراء «الذين كانت تكفيهم الأقواس والسهام». وقد مثَّل استدعاء الفقراء إلى الجيش إقحامًا قانونيًّا آخر للأمة في العلاقة بين اللورد المحلِّي والمستأجر، ونتج عن هذا التطور القانوني والعسكري الأخير توسيع الشعور بالمسئولية عن الدفاع عن البلد، ونتج عن الخدمة العامة في الحرب الوعيُ بأن الجميع، من الفقراء والأغنياء، ليسوا جزءًا من مجتمعاتهم المحلية فحسب، بل من أمتهم أيضًا، ولعبت التطورات التقنية أيضًا دورًا في زيادة ارتباط جنود المشاة الفقراء بالأمة. في نهاية القرن الثالث عشر تم إدخال الأقواس الطويلة القوية المخترقة للدروع، التي وفَّرت الوسيلة لجندي المشاة الفقير لكي يتفوَّق عسكريًّا على الفارس.

fig6
شكل ٣-٢: القوس الطويل المخترق للدروع.

وفي عام ١٢١٥ صدر الميثاق الأعظم (الماجنا كارتا) بمادته الرابعة عشرة، التي بلغت ذروتها عام ١٢٩٥ بتأسيس برلمانٍ تشريعيٍّ، يتكوَّن من ممثلين عن المقاطعات والمدن في جميع أنحاء إنجلترا (على العكس من البرلمان الفرنسي في باريس الذي كان بالأساس مقرًّا للرقابة القضائية، ومجلس طبقات الأمة العام، الذي لم يجتمع فيما بين عامَي ١٦١٤ و١٧٨٩).

وكانت نتيجة هذه التطورات القانونية نشوء علاقة إقليمية للمجتمع القومي في إنجلترا؛ حيث كان الملك ملتزمًا بالقانون. ومن المؤكد أن ثمة إرهاصات بحدوث مثل هذا التطور في مجتمعات أخرى في أوقات أخرى. وكما قال المؤرخ فريتز كيرن، فقد كان في القانون الألماني في العصور الوسطى ما يُعطي الحقَّ في معارضةِ الملك، كما كان في التاريخ القديم ما يبدو كأنه خضوعٌ للملك الإسرائيلي القديم للقانون بمقتضى سِفْر التثنية، الإصحاح ١٧. ومع ذلك، كانت هذه التطورات أكثر وضوحًا في إنجلترا في العصور الوسطى.

وكان هناك بالطبع عددٌ من التعقيدات التي سبَّبت غموضًا إقليميًّا في أقاليم ويلز واسكتلندا وأيرلندا، ومطالبةَ هنري الثاني بأحقيَّته في ضم أنجو ونورماندي في فرنسا. كما كانت توجد تعقيدات أخرى في خلق مجتمع قومي؛ على سبيل المثال: الخلافات على الدين التي أدَّت إلى تنفيذ أحكام الإعدام طبقًا لأوامر الملك على كلٍّ من توماس بيكيت (عام ١١٧٠) وتوماس كرانمر (عام ١٥٥٦)، وكلٌّ منهما رئيس لأساقفة كانتربري، والصراعات السياسية التي أدَّت إلى إعدام رئيس مجلس اللوردات في إنجلترا السير توماس مور (عام ١٥٣٥) والثورة التي تزعَّمها كرومويل. ومرة أخرى نجد أن طبيعة العلاقة الاجتماعية للأمة هي وحدها التي تكون ثابتةً نسبيًّا، وما يهم هنا هو أنه كان هناك ترسيخ لتقليدٍ بقانون عام وموحَّد إقليميًّا (قانون للبلاد) في الوعي الذاتي الجمعي للإنجليز، ومؤسسات عملت على دعم ذلك التقليد واستمراره، وإن كانت قد تعرَّضت للمضايقات في بعض الأحيان.

وتمثِّل هذه التطورات القانونية في تاريخ إنجلترا في العصور الوسطى نشأةَ قانونٍ طُبِّق بانتظام على مدار العلاقة الإقليمية للأمة التي نشأت نتيجةً لذلك. ومن الواضح أن العوامل السياسية التي يصعب التنبؤ بها (مثل الملوك الطموحين الأقوياء، الذين رغبوا في مدِّ سلطانهم) أثَّرت في تكوين الكيان القومي المتمثِّل في القانون الإقليمي. وعلاوة على هذا، فإن التطورات القانونية أحيانًا ما كانت تتبع مسارات خاصة بها، كثيرًا ما كانت تبدو متطابقةً بعضها مع بعض. فعلى سبيل المثال كان تقليد ما يسمى ﺑ «القانون القديم الصالح» في إنجلترا، الذي نقله القانون العام الإنجليزي (وهو «عام» بمعنى أنه كان مطبَّقًا في أنحاء إنجلترا عامة) قد أقرَّه وأكَّده الميثاق الأعظم. ويمكن للمرء أن يتكهَّن فقط كيف كان التطور القانوني والقومي في إنجلترا في العصور الوسطى سيصبح مختلفًا لو كانت عملية إعادة إحياء القانون الروماني الإمبريالي في القارة الأوروبية قد أحكمت سيطرتها في إنجلترا قبل التأكيد على ذلك التقليد المسمَّى «القانون العام» ووضعه في نسق قانوني. والمهم في إطلاق العِنان لهذا التكهُّن هو الإشارة إلى أن هناك الكثير من العوامل التي قد تبدو كمصادفة، ولكنها قد تسهم في مثل هذا التطور؛ ومن ثم التأكيد على أنه من الخطأ أن يصر المرء على وجود سبب أساسي واحد فقط لتطور الأمة.

ويعمل القانون القومي للبلاد على مدِّ العلاقة الاجتماعية؛ من حيث إن تطبيقه المنتظم في جميع أنحاء البلاد ينتج عنه التحامُ المجتمعات السكانية — التي كانت متباينة ثقافيًّا في السابق — ضمن أمة واحدة. إلا أن هذا المد يَحُدُّ منه الجانب الآخر من الازدواجية التي تميِّز الأمة؛ وهي القرابة، على الرغم من أنها علاقةٌ ممتدَّةٌ مكانيًّا ولكنها محدَّدةٌ إقليميًّا. وأحد أسباب إعاقة التطبيق المنتظم للقانون هو وضع الفرد؛ ولا يعني ذلك إذا ما كان المرء من النبلاء أو فلاحًا تابعًا لإقطاعي، بل إذا ما كان المرء إنجليزيًّا أم لا. وبدايةً من القرن الثالث عشر وحتى عام ١٨٧٠، لم يكن بوسع أي أجنبي امتلاك عقار في إنجلترا، ولم يكن يحق لأجنبي أن يلجأ إلى المحاكم المحلية في البلاد؛ إذ كان من المعتقَد أن الأرض التي تُعتبر إنجليزية، هي للإنجليز فقط.

لقد تم تعريف الأمة باعتبارها علاقة إقليمية، ممتدة نسبيًّا من الانتماء بالميلاد، ولقد قدَّمنا أيضًا صياغةً للغرض من الأمة، باعتبارها علاقة اجتماعية ممتدة إقليميًّا، ولكنها محددة من أجل التوالد، والانتقال والحفاظ على الحياة. وحينما تكون الأمة دولةً قومية فهي أيضًا بنيةٌ وهيكلٌ للحفاظ على الحياة. وبلا شك، فإن القليل جدًّا من العلاقات الاجتماعية — حتى تلك التي يكون الغرض الأساسي منها هو وجود الحياة ذاتها — يمكن فهمه أساسًا في إطار هذا الغرض. لكنَّ الأمر صحيحٌ بالنسبة إلى الأمة وينطبق عليها، بل ينطبق كذلك أيضًا بالنسبة إلى تلك العلاقة الجوهرية ذات الحيوية؛ وهي الأسرة، التي كثيرًا ما تكون هي الوسيلة لانتقال الثروات والديانات بين الأجيال، وأقول هذا للتأكيد مرة أخرى على أن مساعِي البشر تتنوَّع في الحياة، وتعتبر المشكلات التي تواجه حياة البشر (مثل كيفية مواجهة الموت، وكيفية تحقيق الاستقرار للخلافات التي تنشب بين الرجال والنساء، وما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الفرد ومجتمعه، وكيفية فهم الوجود البشري فيما يتعلق بالكون الذي يعيش فيه) متعددةَ الأوجه كذلك. وهذه المشكلات، ومشكلات أخرى في الحياة، مع ما يصاحبها من تشعُّبٍ للتقاليد؛ تتقارب معًا بشكل مضطرب في مركز متنوع فكريًّا، تتشكَّل حوله مجتمعاتٌ قومية مختلفة بشكل خاص؛ حيث تُظهر كلُّ أمة على حدةٍ ردَّ فعلها الخاص حيال هذه المشكلات المعقدة.

كثيرًا ما توصف الأمة بصيغة مجازية وكأنها مجموعةٌ من العلاقات الأسرية، ولقد اعتُبرت حقًّا في بعض الأحيان كنوع من العائلة الممتدة، وهو ما يمكن تفهمه؛ لأن كلًّا من الأمة والعائلة علاقات اجتماعية من القرابة. إلا أن هناك فارقًا مهمًّا، ولفهم هذا الفارق سيتطلَّب الأمر فحصًا أكثر تفصيلًا للعلاقة بين الإقليم والقرابة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠