الفصل الرابع

الوطن الأم ووطن الآباء وأرض الوطن

إن الذين يهتمون بفهم الأمم والقومية يجب أن يضعوا نُصب أعينهم أهميةَ بعض المصطلحات المستخدمة على نطاق واسع في حديثنا اليومي، وبالتحديد: الوطن الأم، ووطن الآباء، وأرض الوطن. وكلٌّ من هذه المصطلحات الثلاثة هو مزيج من لفظين، ويضم المصطلحان الأول والثاني، على التوالي، لفظَي «الأم» و«الآباء»، وكلاهما يشير إلى الانحدار الارتباطي للطفل من الشخصَيْن المسئولَيْن مباشرةً عن تولُّده البيولوجي، وصفًا أو مضافًا إلى لفظ «وطن» الذي ينقل صورة إقليم محدَّد ولكنه ممتد المساحة، وأما المصطلح الثالث: وهو «أرض الوطن»، فيجمع بين الإشارة إلى السكن العائلي ومنطقة هذا السكن التي تم فيها استقبال الطفل وتربيته ووصوله إلى مرحلة النضج، مع تلك الصورة التي تُظهِر إقليمًا أكثر اتساعًا. وهذه المجموعة من المصطلحات تشير إلى وجود فئةٍ محدَّدة من القرابة، ولكنه شكلٌ من القرابة يدور حول صورة إقليم ذي حدود.

والفكرة التي تشترك فيها هذه المصطلحات الثلاثة معًا هي مفهوم «الوطن» الذي ينتمي إليه المرء، ويوجد هذا المفهوم في جميع فترات التاريخ وعلى مدار جميع الحضارات؛ بدءًا من اللفظ العبري التوراتي ezrach ha’arets (أي المواطن)، وحتى اللفظ الإغريقي القديم patrís، واللفظ اللاتيني patria (أي وطن الآباء). وقد يدل ظهور هذه المصطلحات الثلاثة في أي فترة من الزمن، أو لا يدل، على وجود أمةٍ ما، ولكنها جميعًا تشير إلى الأرض التي يُولد فيها المرء؛ بدءًا من القرية ثم الإقليم القبلي، وانتهاءً بالأمة. ويدل الاستخدام المستمر لهذه المصطلحات الثلاثة على أن صورة منطقة محدَّدة ما من الأرض يمكن أن تكون جزءًا من فهم الفرد لذاته، الذي يدرك بدوره أنه مرتبط بالآخرين الذين يعتبرون ذلك الإقليم وطنًا لهم أيضًا. وهكذا، فإن نوع القرابة يجب أن يمتد ليشمل تصنيف الذات وتقييمها كنتيجة لإدراك الانتساب الأُسري، وكذلك الانتساب داخل إقليم محدد.

وحتى القبائل البدوية المتنقلة في الشرق الأدنى القديم ربما كانت إقليمية، وكثيرًا ما يُسمِّي أولئك الرعاة قبائلهم تبعًا لاسم بلدة أو منطقة معينة. ومن بين الأمثلة الأخرى للقرابة الإقليمية من أقدم الحضارات مجتمعاتٌ تُسمَّى «بيت الأجداد»؛ حيث كانت تُحدِّد مملكةٌ مدينةً باعتبارها «بيتَ» مَن أسسها؛ والقبيلة الجغرافية-العِرقية المسماة «جايوم» التي ينتسب إليها شعب الماري القديم (في القرن الثامن عشر قبل الميلاد). وثمة أمثلةٌ من حضارات وفترات تاريخية أخرى منها الدول المدن الإغريقية القديمة، والبلدات الإنجليزية في العصور الوسطى والأمة الحديثة.

المقابل الإنجليزي لكلمة أمة — وهو nation — مشتقٌّ من الاسم اللاتيني natio، المشتق بدوره من الفعل اللاتيني nasci، ومعناه «يولد في» (والمشتق منه أيضًا الاسم اللاتيني nativus بمعنى مواطن). وهكذا فإن كلمتَي natio وnativus اللاتينيَّتَيْن، فضلًا عن كلمة ezrach العبرية (بمعنى مواطن)، تشير جميعها إلى الأصول التي ينتمي إليها المرء، ولكنْ هناك شيء من الغموض فيما يخص ما تعنيه هذه الأصول. وهذا الغموض ناجم عن حقيقةِ أنه رغم أن النَّسَب العائلي الذي يتم اقتفاؤه إما من الأم أو من الأب، يختلف عن النسب الإقليمي، فإن هذين الشكلين من القرابة لا ينفي أحدهما الآخر، وليس لهما إطار تاريخي يحددهما، بل كانا خطَّين من النَّسَب متداخلَيْن على مدار التاريخ. فكيف يكون الإقليم إذن عاملًا في تشكيل القرابة؟

يكمن الكثير مما يشير إليه هذا الارتباط بين النَّسَب العائلي والنَّسَب الإقليمي في مصطلحات الوطن الأم، ووطن الآباء، وأرض الوطن، في عملية انتقالٍ للتراث الثقافي من أحد الأجيال إلى الجيل الذي يليه؛ الذي يحدث كنتيجة للنسب في إطار إقليم ما. إلا أن هناك أساسًا آخر واقعيًّا، بل وبيولوجيًّا لهذا الارتباط المجازي بين الأمومة أو الأبوة وبين إقليم ما؛ إذ إن القدرة الأبوية على توليد الحياة ونقلها تعتمد على مقدار الإعالة وتوفير القوت الذي تقدِّمه الأرض في شكل ثمار ومنتجات زراعية وما إلى ذلك. ويدخل ضمن هذا الارتباط إدراكُ أن الأرضَ نفسها هي مصدر الحياة، كما أشار أفلاطون في كتابه «محاورة مِنِكْسينوس» عندما سرد خطبة أسبازيا عن «أمومة البلد»؛ فهي بمثابة الأم التي تُعيل أبناءها إعالة مادية.

إنهم أبناء التراب، يسكنون ويعيشون في أرضهم … ومن الحق أننا يجب أن نبدأ بإطراء الأرض التي هي أمهم … فكما تُثبت المرأة أمومتها بإرضاع صغارها، فكذلك أثبتت أرضنا أنها كانت أمَّ الرجال؛ لأنها في تلك الأيام كانت هي وحدها، بادئ ذي بدء، تنتج القمح والشعير لطعام البشر.

أفلاطون، «محاورة مِنِكْسينوس»

إن وصف الأرض بأنها أمٌّ، أو إضافتها للأب، هو اعترافٌ بقدرتها الإنتاجية، ومن المؤكَّد أن التعبير عن هذا الاعتراف قد تفاوت تاريخيًّا وحضاريًّا؛ ففي الزمن القديم اتخذ شكل توقير ما أسموه بإله (أو آلهة) الأرض. ولكن الحضارة الإسلامية — من الناحية الأخرى — كانت تاريخيًّا، ولا تزال، ترفض نسبيًّا تطوير صورٍ للوطن الأم أو لوطن الآباء؛ وخاصة عند المقارنة مع الحضارة اليهودية المسيحية؛ حيث يقوِّي من هذا الاعتراف صورةُ أرض إسرائيل القديمة باعتبارها أرض اللبن والعسل. وحتى في يومنا هذا نجد إدراكًا ضمنيًّا لهذه القدرة يتم التعبير عنه في استخدام كلمتَي الوطن الأم ووطن الآباء على نطاق واسع.

البيت والوطن

يمكننا أن نجد ظاهرةَ عزوِ صفاتِ الأبوة أو الأمومة إلى شيءٍ لا روح فيه (وهو الوطن) في مثال آخر نستقيه من أحاديثنا اليومية التي تتصل بفهمنا للأمة؛ وهو التمييز بين كلمتَي «منزل» و«بيت». فكلمة «منزل» نعني بها، بصفة عامة، ذلك البناءَ المادي المكاني الذي لا يُعتبر بيتًا، ولكن في الإمكان أن يُصبح واحدًا. وأما لفظ «بيت» فإننا نعني به عادةً أن ذلك البناء المادي للمنزل قد دبَّت فيه الخصائص والقوى الروحية أو حتى المعنوية الأخلاقية لساكنيه، وكأن المنزل حينما يصير بيتًا يكون قد صار جزءًا من العائلة.

وينظر أبناء الأمة الحديثة إليها باعتبارها أكثر من مجرد محيط مكاني (أي منزل) للتفاعل العشوائي بين الأفراد؛ إذ يَعُدُّونها بيتًا ملأت أرجاءه «روحُ» الأجيال الماضية والحالية؛ مما يجعله وطنًا، أو إقليمًا. وتُعتبر روح الأجيال الماضية والحالية هذه هي تلك التقاليد التي تسهم في تشكيل منطقة مكانية ما لتتحوَّل إلى إقليم، وهي بهذا تقدِّم المعنى الذي تتشكَّل حوله العلاقة الإقليمية. وهذه التقاليد الخاصة بالأقاليم تعمل على تشكيل سلوك المشاركين في تلك الثقافة وإضفاء المعنى على ذلك السلوك. إذا ما نظرنا على سبيل المثال إلى السنهاليين فسنجد أنهم ينظرون إلى إقليمهم كأرض مقدسة يسمونها سريلانكا. وإذا ما أخذنا مثالًا آخر، فسنلاحظ كيف وصف الرئيس الأمريكي السابق ليندن بي جونسون أرض الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها شريكةً في عهدٍ أو ميثاقٍ، وكأنها شخصٌ له آمال معنوية.

لقد جاء البيوريتانيون إلى هنا، المنفيُّ منهم والغريب، وكانوا شجعانًا، ولكنهم مفزوعون، كانوا يلتمسون مكانًا يشعر فيه الإنسان بأنه إنسان. ولقد عقدوا ميثاقًا مع هذه الأرض؛ مركَّزًا على قيم العدالة، ومكتوبًا بالحرية، وملتزمًا بالوحدة، وكان المقصود منه أن يكون في يوم ما مصدرَ إلهامٍ للبشرية كافة. وهو الذي لا يزال يجمعنا معًا. فإذا حافظنا على بنوده، فسوف يعمُّنا الرخاء.

ليندن بي جونسون، «وقت العمل»

إن حدود أي إقليم لا يمكن أبدًا أن تكون مجرد حدودٍ جغرافية، بل إنها تشير إلى الحدود المكانية لكثير من تلك التقاليد التي انتقلت من جيل إلى جيل. فكان من الشائع على سبيل المثال تحديدُ الحدود الإقليمية للدول المدن في اليونان القديمة على أساس معاقل الآلهة التي كانوا يعبدونها. وهكذا، فإن الأفراد الذين يسكنون في إقليمٍ ما لا يتفاعل بعضهم مع بعضٍ فحسب، بل إنهم يتشاركون في تقاليد مرتبطة بالأقاليم، وهذه بدورها تؤثِّر في سلوكهم؛ ما يعبدون من إله أو آلهة، أو ما يتحدثون من لغة، أو ما يتَّبعون من قوانين.

وتظهر هذه التقاليد المرتبطة بالأقاليم على مرِّ الزمان؛ إذ تكون قد تدعَّمت من خلال أنواع مختلفة من المؤسسات الاجتماعية والممارسات التي تتفاوت من نوادي الوطنية إلى تحديد أيامٍ للاحتفال أو إحياء الذكرى لأحداثٍ يُفهَم منها أنها علامةٌ على وجود علاقة إقليمية بالأمة؛ على سبيل المثال، يوم الاستقلال في الولايات المتحدة، ويوم الباستيل في فرنسا، واحتفال التتويج في إنجلترا، ويوم ذكرى الهولوكوست في إسرائيل. ويجب ألا يُنظَر إلى هذا التراث الثقافي على أنه شيءٌ خارجيٌّ بالنسبة إلى الفرد؛ مثل معطف يرتديه ثم يخلعه، بل إنه يشكِّل جزءًا من الصورة التي لا يُكوِّنها المرء لنفسه فحسب، بل أيضًا للأفراد الآخرين الذين يتصل المرء بهم بعلاقة؛ بسبب تلك التقاليد المرتبطة بالأقاليم.

وفيما يختص بالفصل السابق، تصبح صورةُ إقليمٍ ما نقطةً مرجعيَّةً مفاهيميَّةً لمعنى العلاقة الاجتماعية الذي يتخطَّى الأفراد، والذي تتشكَّل حوله الأنشطة بين الأفراد. وهذه الصورة ليست امتدادية من الناحية المكانية فحسب، بل إنها أيضًا عميقة من الناحية الزمنية. إن الفرد المشارك في العلاقة الاجتماعية يدرك أنه ثمة علاقةٌ ما مع من يمارسون هذه التقاليد ويتشاركون فيها، ليس فقط من يعيش منهم في الحاضر، ولكن أيضًا من كان منهم يعيش في الماضي، ويمارسون أنشطةً في ذلك الإقليم. ولنضرب مثالًا لهذا بالملكة إليزابيث الأولى، التي يَعُدُّها الجميع إنجليزيَّةً رغم أنها عاشت منذ ٤٠٠ سنة؛ ومن ثم يُنظر إلى الإقليم وماضيه باعتباره شيئًا يخص الفرد وينتمي إليه، وينتمي كذلك لمن لهم صلة بالفرد لتشارُكِهم في الإقليم الذي يعيشون فيه.

fig7
شكل ٤-١: النصب التذكاري في ياد فاشيم بالقدس لتخليد ذكرى الملايين من اليهود الذين أُحرقوا في معسكرات الموت النازية.

يُعتبر امتلاكُ المرء لماضٍ، وأيضًا لمساحة ممتدة من الأرض، وإن كانت محدَّدة بحدود، هو مفتاحَ تشكيلِ الأمةِ كمجتمع ينتسب لإقليم ما. ومن الواضح أنه ليست كل أنشطة الماضي تُعَدُّ شديدةَ الأهمية لدرجةِ أن تتحوَّل إلى تقاليد يُعمل بها باستمرار؛ ومن ثَم تسهم في تشكيل معنى العلاقة الاجتماعية في الحاضر، إلا أن تلك التقاليد والمؤسسات التي تدعمها، والتي يُفهم عنها أنها أسهمت في تقرير وجود المرء؛ تبقى «حيَّةً» على يد كلِّ جيلٍ يستمر في الاحتفاء بها باعتبارها ذات أهمية. وإذا ضربنا أمثلةً لهذا، نذكر أن انتصار إنجلترا على إسبانيا أثناء حكم الملكة إليزابيث الأولى يبقى مهمًّا بسبب إدراكِ أن إنجلترا تُوجَد اليوم كنتيجة لهذا النصر، كما يُحتفى بذكرى الهولوكوست سنويًّا في إسرائيل من خلال يومٍ لإحياء الذكرى؛ لأنهم يدركون أن إسرائيل موجودة اليوم كوطن لليهود. وكثيرًا ما تُجسِّد الأعمال الأثرية أو النُّصُب التذكارية أحداث الماضي المهمة بوصفها نقاطًا مرجعية ذات مغزًى في الحاضر؛ ومثال ذلك النُّصُبُ التذكاري في ياد فاشيم في القدس في إسرائيل.

ولأن المرء يدرك أن حياته — بوصفه ساكن الإقليم، وعضوًا في الأمة — تعتمد على تلك الأنشطة الماضية التي جعلت من ذلك الإقليم (الذي هو وطنه) مُمكنًا، تتشكَّل قرابةٌ تتخطى الأجيال وتخص ذلك الإقليم، لها مرجعيات للماضي الذي يحيط بمن يعيشون في الحاضر.

الانتماء بالدم إلى الإقليم

هذه القرابة العميقة زمنيًّا يمكن رؤيتها عند اللجوء إلى العبارة الاصطلاحية «الآباء المؤسسون للأمة»؛ ومن ثم ينشأ «ارتباط بالدم للإقليم»؛ بمعنى إدراك للقرابة التي ترجع لعلاقة إقليمية، ذلك الانتماء بالدم هو ما تتضمنه ألفاظ «الوطن الأم» و«وطن الآباء» و«أرض الوطن»، وفكرة أرض الموطن في حد ذاتها. وهذا الغرس المجازي للنَّسَب البيولوجي في قلب الموقع المكاني يكون مدعومًا؛ لأن تلك التقاليد المتوارثة المرتبطة بالأقاليم يتم فهمها باعتبارها جزءًا مميزًا من كيانك. وفيما يخص وجودك باعتبارك عضوًا ينتسب لأمة ما (ومن ثم عناصر فهمك لنفسك)، والذي يعتمد في واقع الأمر على تلك الأنشطة التي مارسَتْها الأجيال الماضية، والتي حافظت على سلامة الأرض الضرورية للحياة، فإن ما يدخل في هذا المجاز ليس مجرد أمر مجازي!

إن ميل البشر إلى تشكيل ارتباطات بصورة أرض الموطن، التي تحتوي على إدراك القدرة الإنتاجية للأرض (وإن كانت بصفة ضمنية)، يوحي بشيء أساسي عن السلوك البشري. ولا أعني بالسلوك البشري أن أشير إلى أن جميع سلوكيات البشر يمكن فهمها كتعبير عن هذا الميل؛ إذ تفيد العلوم والتجارة الدولية والديانات العالمية أن هناك مساعيَ غير مهتمة نسبيًّا بالارتباط بأرض الموطن. ولا أعني أيضًا أن أفترض أن العلاقة الاجتماعية للأمة الممتدة إقليميًّا ليست ابتكارًا بشريًّا أصبح ممكنًا بفضل التطورات التاريخية المعقدة التي لا حصر لها، وسوف نوضح بعضها في الفصل التالي. ولكني أعني أن أشير إلى استمرار واحدٍ من بين عددٍ من الانشغالات المختلفة للعقل البشري، الذي يختلف التعبير عنها عبر الأزمنة والحضارات.

ومن المرجَّح أن هناك مكوناتٍ سلوكيةً في هذا الانشغال بأرض الموطن تستلزم استراتيجيات مختلفة من التأقلم لتأمين الاستخدام والتخصيص الفعالَيْنِ للموارد المحدودة في نشر الحياة ونقلها وحمايتها، وهي أمور تعتمد بدورها على السيطرة على مساحة من الأرض بما فيها من موارد. ومن المحتمل أن الأهمية التي تُعزَى إلى الارتباط بالموقع المكاني للبيت لها أيضًا مكونٌ سلوكي؛ إذ توفر الحدود المكانية للبيت البنية المحددة التي تبدو ضرورية لتكوين الشعور بالألفة لهذا البيت.

يلتمس البشر الشعور بالألفة؛ لأن ما هو مألوفٌ يكون معتادًا كذلك، وهكذا فإن الألفة البنيوية للبيت توفر الشعور بالارتياح؛ إذ تَحُدُّ من ظهور قدرٍ كبير مسبِّب للقلق من احتمالات الأفعال التي تُطِل برءوسها إلى البشر ليدرسوها. وفي هذا الصدد، يمكن رسم خطٍّ متوازٍ بين المكوِّن السلوكي في تشكيل البيئة المكانية لحيوان ما وبين الألفة البنيوية للبيت، ولكنْ ثمة فارق مهم بين البيت البشري والبيئة الحيوانية؛ فالبيت البشري لا يتقرَّر بالغريزة مثل قفير النحل، ولا يكون محدودًا ببيئة معينة مثل المناطق القطبية بالنسبة إلى الدببة القطبية، بل يعيش البشر في بيئات كثيرة مختلفة؛ حيث يُنشئون بيوتهم. ومن ثم، فحتى إذا كانت هناك مكوِّنات سلوكية في ميل البشر إلى تشكيل بنيات محدَّدة مكانيًّا من الألفة، فإن مجرد تفاوت تلك البنيات ومواقعها يشير إلى تدخُّل الخيال البشري في تشكيلها، ويكون دور الخيال في الارتباطات المكانية التي يشكِّلها البشر واضحًا حينما تمتد تلك الارتباطات إلى مناطق لم يعهدها الفردُ على نحوٍ ماديٍّ من قبل، ولكنها مع ذلك تُعتبر جزءًا من وطنه.

وهذا بالتأكيد هو الحال بالنسبة إلى أرض الوطن الممتدة إقليميًّا والخاصة بالأمة؛ إذ يُنظر إليها أيضًا كبيت، وهي أيضًا بنية من الألفة المخفِّفة للقلق. فحينما تعود إلى أرض وطنك القومي من بلد أجنبي، فقد تشعر بالارتياح، وتغمس نفسك مجددًا في أُلفتك بلغتك وعاداتك، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل تلك الأنماط المألوفة من النشاط — أي التقاليد الموروثة — التي تبني سلوكنا والتي نسميها «الثقافة» بالغةَ الأهمية للفرد.

الامتلاك

إن المشكلة التي ظهرت بفعل وجود الأمم لا تتعلق فقط بسبب تنظيم البشر لأنفسهم بطرقٍ تقسيمية، ولكنها أيضًا تتعلَّق بالكيفية التي تجعل فردًا ما يَعتبر الأمَّةَ الممتدة إقليميًّا مِلكًا له. فما هو الشيء الذي يدخل في نطاق ظاهرة الامتلاك ويجعل الفردَ يَعتبر منطقةً ممتدة من الأرض وماضيًا بعيدًا مِلكًا خاصًّا به، وهو بوصفه كذلك، يُعد عاملًا في القرابة؟ تُعتبر وراثةُ ثقافة محددة إقليميًّا جزءًا من الإجابة عن هذا السؤال، ولكن هناك المزيد في هذا الشأن. ربما كان الأمر كما دفع جون لوك في كتابه «الأطروحة الثانية عن الحكومة» (١٦٩٠) أنه حينما يستحدث المرء شيئًا ماديًّا أو يقتنيه، فإن ذلك الشيء يُعتبر ملكًا له؛ لأنه من خلال هذه الأفعال وضع المرء جزءًا من ذاته في هذا الشيء. بالنسبة إلى لوك فإن هذا الفعل من تخصيص المرء لجزءٍ من جهده وعمله في شيءٍ ما؛ يُبرِّر له حقًّا فيه بالتبعية، وهو الذي يجعل لوك يعتقد أنه يجعله ملكًا له. إلا أن اهتمامنا بهذه الظاهرة — ظاهرة الامتلاك — يكمن في اتجاهٍ لم يتبعه لوك؛ ألا وهو ما يستتبع فكرة أن ما يستحدثه المرء من شيء مادي يُعتبر جزءًا من ذاته؛ ومن ثم يُعَدُّ عاملًا في تشكيل القرابة.

حينما يضع المرء جزءًا من ذاته في شيء مادي بحيث يجعل ذلك الشيء ملكًا له، بل وأكثر من ذلك يُعَدُّ بطريقةٍ ما جزءًا من ذاته، فإن خبرات المرء تمتد نحو ذلك الشيء المادي، وهذا الامتداد للذات إلى شيء مادي يحدث على مستويَيْن؛ أولهما: هو التشكيل الواقعي للشيء المادي؛ ومثال ذلك بناء بيت أو إعداد قطعة أرض واستصلاحها للزراعة. وثانيهما: هو التفكير في هذا الشيء، بما في ذلك الأهمية التي تُعزَى إليه بحيث تحتوي ذكرياتك على مرجعيات عنه، إلى درجة أن تمتد الصورة التي تراها عن ذاتك لتشمل ذلك الشيء المادي.

ومن الواضح أنه ليست كل الأشياء التي يتم تشكيلها من خلال مجهودات شخص ما — ومنها على سبيل المثال صنع أداة ما — تُصبح عواملَ في تشكيل القرابة، ولكن تلك الأشياء التي تكمل الحياة ويُنظَر إليها على أنها كذلك، قد تصير من هذه العوامل. وأوضح مثال على هذه العملية العلاقةُ بين الأبوين وطفلهما؛ فهذا الطفل إذ يحتوي على جزء من أبويه يعتبره الأبوان امتدادًا لذاتيهما، وعلى هذا الأساس يكون ملكًا لهما. وهذا المثال لعلاقة من القرابة، وهي العائلة، يُعتبر مباشرًا نسبيًّا؛ لأنه يتعامل مع نقل الحياة ذاتها لخلق حياة أخرى. وتلك الأشكال المختلفة من هذا الامتداد البيولوجي للذات التي تتراوح، على سبيل المثال، من النَّسَب الأمومي إلى النسب الأبوي، هي التي تُفهم غالبًا من نوع القرابة. ولا حاجة للقول بأن التعقيدات تدخل فورًا في هذا الامتداد؛ لأن الأبوين لا يُكسبان طفلهما ميراثًا بيولوجيًّا فحسب، بل إن الطفل أيضًا كلما كبر ونضج اكتسب ميراثًا ثقافيًّا يتمثَّل في تقاليد الأبوين. ويتيح إدخالُ هذه التقاليد إلى الصورة الذاتية للطفل حدوثَ امتداد للقرابة؛ إذ يدرك المرءُ علاقةً له بأولئك البشر الآخرين الذين يشاركونه أو شاركوه في تلك التقاليد. وهذا أساسًا هو الحال حينما تشمل تلك التقاليد الثقافية ادِّعاءً بوجود نسب بيولوجي، كما هو الحال في التقاليد اليابانية والإسرائيلية والأرمينية.

ويُعتبر وجهُ التعقيد في فهمنا للقرابة التي تفرضها الأمة أن الشيء الذي وضع فيه المرءُ جزءًا من ذاته، والذي يعتبره بالتبعية ملكًا له، ليس بشرًا آخر على قيد الحياة، ولكنه أرضٌ جمادية. إلا أن الأرض هي أيضًا يُنظَر إليها باعتبارها مُكمِّلة للحياة؛ لحياة الفرد ولحياة أسرته؛ حيث يوجد لهم بيت، ومُكمِّلة للمجتمع الأكبر الذي يُعتبر الفرد عضوًا فيه. حينما يبني المرء منزلًا، فإنه يضع جهده وعمله في شيء مادي؛ مما يجعله ملكًا له، وحينما يُعِدُّ المرءُ أرضًا للزراعة بحيث تصبح قادرة على إنتاج المحاصيل، فإنه يجعل تلك الأرض ملكًا له. وفي كلتا هاتين الحالتين، ومن خلال أنشطة المرء يحدث امتدادٌ للذات إلى هذه الأشياء المادية، ولكنها ليست كأي أشياء مادية، إنها أشياء تعتمد عليها حياة المرء وحياة أسرته؛ إذ يُعَدُّ البيت هو المكان الذي يحدث فيه التوالد ونقل حياة الأسرة، كما يُعَدُّ بنيةً لحماية تلك الحياة، والأرض المزروعة تدعم الحياة. وهذا بالتأكيد جزءٌ من الأهمية التي يعزوها البشر إلى بيوتهم وإلى أرضهم المباشرة، وتلك هي البنى التي تعتمد عليها حياتك وحياة مَن يَمُتُّون بصلةٍ إليك؛ حيث أضفيتَ جوانب من ذاتك على هذه البنى بطرقٍ لم يتمَّ إضفاؤها على بِنًى أخرى؛ حيث ينتج عن ذلك إدراكُ وجودِ مفاضلةٍ مكانية، أو ما يُسمَّى «الحدود المكانية للأهمية».

هناك عامل واضح محدَّد للأهمية في النشاط البشري، هو إدراك خطوط النسب من الأم أو الأب إلى طفلهما، وهذا العامل ينشأ من الانشغال بحيوية الذات وامتدادها أو نقلها. والحقيقة المُرَّة هي أن المرءَ يفضِّل نسلَهُ هو شخصيًّا على نسل الآخرين، ولكن قد تكون الارتباطات المكانية أيضًا عاملًا محددًا للأهمية في النشاط البشري. وقد تشير تلك الارتباطات بالتأكيد إلى مدًى من الألفة، وبهذا قد تُميز خبرة منطقة محددة ما عن الأخرى؛ مما يكشف عن اختلافات مكانية فيما نعزوه إليها من أهمية. ومع ذلك، ليست كل مناطق الألفة يَعُدُّها المرء ملكًا له بحيث تصبح عوامل في تشكيل القرابة، ولكن تلك المناطق التي أضفى عليها المرءُ جزءًا من نفسه بحيث يفهم أنها تنتمي إليه وأنها مُكمِّلة لحياته ولامتدادها — على سبيل المثال، بيت المرء أو وطنه — تمثل أيضًا انشغالًا بالحيوية، وإن كان التعبير عنها قد جاء هنا بشكل مكاني.

هذه الاعتبارات التي تخص الارتباطات المكانية ببيت العائلة قُصِد بها الإسهام في فهمٍ أفضلَ للطرق التي بمقتضاها تكون الأمة، بما فيها إقليمها الممتد، وطنًا أو أرضَ المولد. ومن الواضح تمامًا أن الإقليم القومي؛ مثله مثل بيت العائلة وما حوله مباشرةً، يُعَدُّ بنيةً من الألفة، وأن كثيرًا من هذه الأُلفة الإقليمية يتم غرسه في الفرد — كعضو في العائلة وكعضو في الأمة — أثناء تطوره من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ. وتشمل عناصر هذه الألفة عاداتٍ مختلفةً، تتراوح من نوع الطعام الذي يأكله المرءُ إلى نوع الملابس التي يرتديها، واللغة التي يتحدث بها، وقانون البلاد الذي يتبعه، والذي يحوِّل الأرض إلى إقليم متجانس قانونًا. ويمكن توضيح أثر القانون على ارتباط المرء بالأرض باعتبارها أرضه بما حدث من تغيير في القانون في بداية العصور الوسطى في أوروبا، الذي أتاح لعائلة الفلاح التابع للإقطاعي أو المستأجِر أن يرث الإقطاعة (أي قطعة الأرض التي يعمل بها)؛ مما يوفر مستقبلًا أكثر أمانًا لذرياته. وأكثر من هذا، فإن الارتباط بالإقطاعة الموروثة باعتبارها ملكًا شخصيًّا، والارتباط بأرض الوطن القومي باعتبارها ملكًا شخصيًّا يمكن أن يختلطا معًا حينما يكون هناك قانون للبلاد يفرضه المركز الحاكم القومي (المحاكم الملكية) الذي يحمي الميراث؛ ومن ثم يشجع الولاء والانتماء — أي روح الوطنية — للدولة القومية.

هناك أوجه شبه واختلافات يجب ملاحظتها بين ارتباطات المرء ببيته العائلي وارتباطاته بوطنه القومي؛ ففي حين أنه في كلتا الحالتين يكون جزءٌ من ذات المرء قد وُضع في هاتين البِنيَتَيْن المكانيَّتَيْن الخاصتَيْن اللتين تُعتبران بنيتَيْن موضعيتَيْن للتوالد ونقل الحياة، فإنه بالنسبة إلى العائلة يكون الأبوان هما المركز الأساسي، ولكن بالنسبة إلى الأُمَّة يكون الإقليم هو ذلك المركز. وبالنسبة إلى العائلة؛ فهناك بالفعل ارتباطات مكانية مهمة، كما يُرى في أهمية البيت للعائلة، وحقًّا إن جدران البيت تُؤوِي أفراد العائلة وتحمي أرواحهم من الأخطار الخارجية. وفي فترات تاريخية معينة وبين شرائح معينة من الناس، يمكن أن نبيِّن الارتباطات المكانية بالبيت العائلي بوضوح، كما يحدث على سبيل المثال حينما تكون عائلةٌ ما قد عاشت في نفس المنزل أو البلدة على مدى أجيال، وحينما يكون والدا المرء قد ماتا ودُفنا في نفس أرض البيت. وفي الحالة الأخيرة، يكون جزءٌ من ذات المرء — أي الجانبان اللذان قد أكسباك الحياة — قد انتقل إلى الأرض الجامدة؛ ومع ذلك، فمهما وصلت أهمية الارتباطات المكانية بالنسبة إلى العائلة، فإنها أهمية ثانوية إذا ما قُورِنت بتقدير الأبوين كمصدر للحياة في بنية العائلة كشكل للقرابة.

وبالنسبة إلى الأمة، ففي حين أن هناك أيضًا ارتباطات بالأسلاف، فإنها ارتباطات بمَن هم سابقون لك زمنيًّا، لأجيال مضت في الغالب، وعاشوا في إقليم الأمة، وهم مَن يمكن أن نَعُدَّهم سببًا في وجود الإقليم كأرض للوطن يدعم حياة الجيل الحاضر. إنهم مَن طهَّروا الأرض وزرعوها، ومن شيَّدوا البلدان والمدن، وأدخلوا وسائل النقل التي تربط الواحدة منها بالأخرى، وهم مَن دافعوا عن هذه الأرض في الماضي. وفي عملية تشكيل أرض الوطن القومي، فإن الذين وضعوا جزءًا من ذواتهم في الأرض، جاعلين منها إقليمًا؛ مرتبطون بك للدرجة التي تجعلك تنحدر منهم بفضل سَكَنك في الإقليم الذي تطوَّرَ تاريخيًّا، والذي أنشأه أولئك السلف ودافعوا عنه. وفي هذه الحالة فإن ذلك الجزء من الذات الذي وضعه مَن سبقوك منذ زمن بعيد ينتقل عن طريق التقاليد الموروثة التي تَعُدُّها جزئيًّا معبرةً عنك. ومما يميز الأمة بروزُ هذه القرابة المعتبرة والمحدَّدة إقليميًّا على حساب نظرة شاملة، ممتدة إقليميًّا لحياة متحضرة، تنشأ مع نشأة الإمبراطوريات، كما حدث مع نشأة الإمبراطورية الرومانية بعد صدور مرسوم من الإمبراطور كاراكالا (عام ٢١٣ ميلاديًّا)، بمنح حق المواطنة لكثيرين ممن أقاموا في الإمبراطورية.

إن عنصر العمق الزمني في العلاقة الإقليمية لأرض الوطن القومي، الذي من خلاله وَضع مَن تَعُدُّهم أسلافك الإقليميين جزءًا من ذاتك إلى أرض الوطن، تعبِّر عنه الأهمية التي تعزوها إلى تلك الأحداث السابقة ومن كانوا مسئولين عنها أثناء نشأة الإقليم الذي عاشوا وتعيش أنت فيه، والذي أبقى على حياتهم وحياتك. ومن ثم، فهناك استمراريةٌ زمنية وإقليمية مؤكَّدة بين مجتمعك وتلك المجتمعات السابقة، وقرابةٌ معتبرة بين الأعضاء الحاليين للأمة وأعضاء المجتمعات السابقة. وقد يكون حقيقيًّا بالفعل أن أولئك الأسلاف الإقليميين ومجتمعاتهم كانوا مختلفين في العديد من النواحي المهمة عن الجيل الحالي ومجتمعه، وربما كان الكثير من العادات والقوانين التي اتبعها أولئك الأسلاف الإقليميون مختلفًا، وربما كانت ديانتهم مختلفة، وبالتأكيد، كان النطاق الإقليمي لمجتمعاتهم مختلفًا كذلك، بل ربما لم يكن أولئك الأسلاف يعتبرون أنفسهم أعضاءً في الأمة التي تَعتبر أنت نفسك عضوًا فيها. وهناك عاملٌ ضروري في تشكيل السلف الإقليمي؛ هو، كما قال إرنست رينان منذ أكثر من مائة عام: «أن يفهم المرءُ تاريخه على نحوٍ خاطئ.» فماذا تعني هذه المقولة عن فهم المرء لتاريخه على نحو خاطئ بالنسبة إلى فهم المواطَنة؟ وما العلاقة بين الأمة والتاريخ؟ وكيف يقيِّم المرءُ شكل تلك العلاقة في التاريخ؟ تلك هي المواضيع التي سنناقشها في الفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠