الفصل الخامس

الأمة في التاريخ

كثيرًا ما تبدأ الدراسات عن الأمة في التاريخ بإنجلترا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أو بالولايات المتحدة وفرنسا في القرن الثامن عشر؛ ومن ثم تُعَدُّ الأمة حديثةً نسبيًّا، كذلك فإنها اتخذت شكلًا كناتجٍ لمفاهيم ديمقراطية تتعلق بالمشاركة السياسية، والحِراك الاجتماعي للرأسمالية الصناعية ومظاهر التقدم التقني في وسائل النقل والاتصال. وهناك الكثير مما يجعلنا نتوصل إلى هذا الاستنتاج.

بالتأكيد، إن المفهوم الديمقراطي للمواطَنة، والسوق الممتدة للسلع المصنَّعة والخدمات، وصور التقدم في وسائل الاتصال؛ كل ذلك يسهم في تشكيل الأماكن التي كانت متباينةً في السابق بمن فيها من سكان ضمن مجتمع قومي واحد. وتعزِّز الديمقراطية من الإيمان بفكرة المساواة بين أفراد الأمة؛ ومن ثم تسهم بقوة في إظهار الأمة ككيان مجتمعي. كما أن وجود سوق ممتدة للسلع المصنَّعة والخدمات، ومظاهر التقدم في وسائل النقل التي تتطلبها، كل ذلك له نفس الأثر من خلال تعزيز الحراك الاجتماعي للسكان، الضروري للتقسيم الحديث للعمل في الاقتصاد الحديث. ويترك الناس الريف باحثين عن الوظائف وعن التعليم، ويتجمَّعون في المدن الكبيرة في الأمة التي أُنشِئت فيها الجامعات والمدارس المهنية لتعليم وتدريب هؤلاء الأفراد؛ تعليمًا يتضمن تاريخ الأمة. ومن الواضح أن ما حدث من تقدُّم في أشكال الاتصالات على مدى القرون الأربعة الأخيرة (من كتب مطبوعة وصحف وإذاعة وتليفزيون وهاتف وأفلام) قد نتج عنه تشكيل سكَّانٍ مثقَّفين. فلقد عملت تلك التطورات على ترسيخ الثقافة التي كانت شفهية في السابق، ولغتِها من خلال الطباعة، كما نشرت بعد ذلك تلك اللغة خلال إقليم الأمة؛ ومن ثم عزَّزت من ثقافتها. وتتم تقوية المجتمع اللغوي المحدَّد إقليميًّا، حينما تصير اللغة «علامة» على الانتماء إلى الأمة، وجميع هذه العوامل تسهم في تعريف الذات ضمن الوعي الذاتي الجمعي للأمة.

ولكن هذه التحليلات تتواصل بانتقاء تلك الدلائل فقط، التي يبدو أنها تؤكِّد الرأي القائل إن الأمم حديثة تاريخيًّا. فإذا تقدَّمنا في هذا الاتجاه للوصول إلى هذا الاستنتاج، فإن ذلك يعني أن نتجاهل التطورات السابقة؛ مثل صدور قانونٍ قومي للبلاد في إنجلترا في العصور الوسطى، كما ناقشنا باختصار في الفصل الثالث. ولا مجال للمُضي قُدُمًا هنا؛ إذ يجب أن نُقِرَّ بذلك الدليل الذي تسبَّب في تعقيدات حيال فهم الأمة عبر التاريخ.

كثيرًا ما يُلاحَظ أن التعبير التاريخي عن الأمة يكون متفاوتًا بشكل غير عادي؛ وهو حقًّا كذلك؛ فهو يختلف بمرور الزمن بالنسبة إلى أي أمة معينة؛ على سبيل المثال: الآراء المختلَف عليها حول ماهية الأمة وما يجب أن تكون عليه (ومن ثم ما كانت عليه) في الحرب الأهلية الأمريكية. كذلك فإنها تختلف كثيرًا من أمة إلى أخرى؛ مثل سويسرا المتشعِّبة لُغويًّا، على العكس من إنجلترا. لا يُعتبر ظهور الأمة واستمرارها بمرور الزمن عمليةً موحَّدة تاريخيًّا بحيث يمكن أن نعزوها إلى سبب واحد؛ مثل متطلبات الرأسمالية الصناعية، ولا يمكن أن تقتصر على فترة واحدة من الزمن؛ مثل القرون القليلة الأخيرة. لنبدأ بدراسة مختصرة لبعضٍ من الدلائل التي تعقِّد فهم الأمة في التاريخ، مع ذكر أمثلةٍ من أربعة مجتمعات تنتمي لفترات مختلفة وحضارات مختلفة؛ وهي: سريلانكا من عصر الملك داثاجاماني، إلى بداية فترة أنورادابورا (من عام ١٦١ قبل الميلاد إلى عام ٧١٨ ميلاديًّا)؛ وإسرائيل القديمة قبل عام ٥٨٦ قبل الميلاد؛ واليابان من أواخر القرن السابع إلى القرن التاسع الميلادي بما يشمل فترة نارا (المدينة اليابانية التي كانت عاصمة الحضارة اليابانية)؛ وبولندا في العصور الوسطى، لا سيما في القرن الرابع عشر الميلادي.

الأمم قبل الحديثة

هناك مكوِّنٌ مهمٌّ في تشكيل العلاقة الإقليمية السنهالية؛ وهو الاعتقاد الذي وُجد في كتب التاريخ السنهالية للقرنين الرابع والخامس الميلاديَّيْن («ديبافامسا» ولا سيما «ماهافامسا») بأن بوذا، نتيجةً لما هو مفترض من أنه زار سريلانكا ثلاث مرات وحرَّرها من ساكنيها الأشرار من أصحاب القوى غير الطبيعية (الياكَّا)، قد طهَّر الجزيرة كلها؛ ومن ثم حوَّلها إلى إقليم بوذي. وهكذا كان هناك تأكيدٌ لعلاقة إقليمية بين كون المرء سنهاليًّا وبين البوذية التي يُعتقد بأنها بُنيت على النظام الكوني؛ أي حسب أفعال بوذا على حدِّ اعتقادهم. واليوم، كتأكيد لتواجد بوذا في سريلانكا؛ سواء في الماضي أو في الحاضر، توجد العديد من المزارات المقدَّسة في أنحاء الجزيرة؛ في ماهيان جانا؛ حيث تُحفظ عظْمة تُرْقُوَة بوذا، وعند جبل سمانتا كوتا حيث يمكن مشاهدة أثر قدم بوذا كحفرية قديمة، وأهمها المزار المقدس بمدينة كاندي الذي يحتوي على آثار لإحدى أسنان بوذا.

وفي المثال الثاني، يجد المرء بين اعتقادات بني إسرائيل القدماء، الاعتقاد بأنهم لم يتمكنوا من حيازة أرض كنعان — أرض اللبن والعسل — لأن أهلها كانوا مَن يُسمَّون بالعناقيين؛ وهم قومٌ عمالقةٌ من الطغاة (النفليم) (سِفْر العدد، الإصحاح ١٣: ٣٢-٣٣، سِفْر التكوين، الإصحاح ٦: ٤). ولكن موسى طَمْأن بني إسرائيل بأن الأرض كلها ستكون ملكًا لهم؛ لأن يَهْوه الإله سيكون إلى جوارهم ويرشدهم في المعركة (سِفْر التثنية، الإصحاح ١: ٢٨–٣٠، والإصحاح ٩: ٢-٣) مما يفي بوعد إلههم إلى جدِّ بني إسرائيل، النبي إبراهيم.

وفي المثال الثالث، يؤكد الكتابان التاريخيان اللذان ظهرا في بدايات القرن الثامن الميلادي («كوجيكي» و«نيهون شوكي») أن الإمبراطور الياباني كان سليلَ ما أسموها إلهة الشمس أماتيراسو، وأن اليابان بعد هذا كانت من صنيع آباء إلهة الشمس.

وأخيرًا، يروي كتاب التاريخ البولندي الذي ظهر في مستهلِّ القرن الثالث عشر الميلادي والذي ألَّفه المؤرخ البولندي فينسنتيه، قصة تذكُر كيف قُطعت أوصال جثمان الأسقف ستانيسواف، وبُعثرت في أنحاء ما كان يُنظر إليه على أنه إقليم بولندا، فتجمَّعت الأجزاء بشكل إعجازي؛ وكذلك الأمة، عند توحيد إقليمها، سيتم بعثُها من جديد.

وفي جميع هذه الأمثلة، يلاحظ المرء وجود أساطير تسهم في تشكيل صورة علاقة إقليمية محدَّدة لها مدة زمنية. وهذه الأساطير؛ أي المعتقدات التي لا تستند على أسس تجريبية، تُحقِّق هذا، بطرق مختلفة، بصياغةِ رابطةٍ بين المجتمعات الواقعية تاريخيًّا وبين نظام الكون المتصوَّر (أو ما يسمونه فعل الآلهة). وبفعل هذا يتم تبرير الطابع الفريد للمجتمع الإقليمي؛ مما يميزه عن العلاقات الإقليمية الأخرى، على سبيل المثال: إسرائيل القديمة عن مصر، أو بولندا عن ألمانيا. وكما سنرى فيما بعد، فإن هذه الأنواع من المعتقدات لا تقتصر مطلقًا على مجتمعات الماضي البعيد؛ وإنما توجد في تكوُّن الأمم الحديثة أيضًا؛ ومن ثم يلاحظ المرء في تكوُّن الأمم عبر التاريخ ما وصفه المؤرخ دلمر براون بأنه جَعْلُ الأساطير أكثرَ تاريخية، وجَعْل الأحداث الواقعية أكثر أسطورية.

إن من خلال التاريخ — الذي يُفهم بشكل واسع هنا أيضًا أنه يضم الأساطير التي تسبِّب على هذا النحو ضبابية للتفرقة بين الواقع والخيال ذي المعنى — تفهم الأمة نفسها؛ ومن ثم تُكَوِّن نفسها. غير أن هذا الفهم الذاتي لا يكون مطلقًا خاليًا من الغموض، لماذا؟ دائمًا ما تكون هناك مشاكل في الحاضر أثناء كتابة كتب التاريخ القومية تُعقِّد ذلك الفهم الذاتي، وكَرَدِّ فعل لتلك المشكلات عادةً ما تنقل تلك الكتب هدفًا للمستقبل عن طريق الاحتكام إلى بعض الفهم للماضي دعمًا لذلك الهدف. تنقل كتبُ تاريخ سريلانكا وإسرائيل القديمة واليابان وبولندا في العصور الوسطى بطرق متفاوتة مثلَ ذلك الهدف.

تروي كتب التاريخ السنهالي المبكرة كيف قاد الملك البوذي المقاتل داثاجاماني (في الفترة ما بين ١٦١–١٣٧ قبل الميلاد) الرهبانَ البوذيين نحو هزيمة التاميل الهندوس؛ مما أدَّى إلى بسط الحكم الإقليمي البوذي على أنحاء جزيرة سريلانكا. ومن ثم يتضح أن السَّرْد الأسطوري للياكا، الذين كانوا قد انهزموا قبل ذلك من بوذا، كان المقصود به إضفاء الشرعية على ما فعله بعدها داثاجاماني من قهرٍ تاريخيٍّ للتاميل؛ ومن ثم تبرير بسط سلطان الملك البوذي على أنحاء ما كانت تصفه تلك الكتب التاريخية المبكرة بالجزيرة الموحَّدة إقليميًّا ودينيًّا. ولكن الموقف بعد ٥٠٠ عام، حينما بدأت كتابة تلك الكتب كان أكثر تعقيدًا مما قد تفترضه هذه المجموعة من التقارير الأسطورية والتاريخية عن قرابةٍ إقليميَّةٍ تشرَّبت بالعقيدة لتخدم قوة موحدة. لقد شكَّلت فكرة الجزيرة الموحدة المثالية التي صوَّرتها الانتصارات العسكرية السابقة التي قادها الملك البوذي داثاجاماني هدفًا يُسعى إلى تحقيقه، في مقابل فترات طويلة من عدم الاستقرار والصراعات الإقليمية خلال جانب كبير من فترة أنورادابورا المبكرة من التاريخ السنهالي (من سنة ١٣٧ قبل الميلاد إلى ٧١٨ ميلاديًّا) بين الجزء الجنوبي من الجزيرة المسمى روهانا، ومملكة أنورادابورا. وقد تفاقم هذا الاضطراب بفعل تهديد الغزو الأجنبي من جنوب الهند كنتيجة لنهوض الهندوس.

وأما بخصوص إسرائيل القديمة، فقد تم تبرير صورة العلاقة الإقليمية الموحدة قانونيًّا ودينيًّا لإسرائيل الموحدة من خلال التماسٍ لأحداثٍ أسطورية وتاريخية ماضية، وهي على الترتيب: الخروج من مصر، والحرب مع الفلسطينيين. إلا أن هذه الصورة مثَّلت أيضًا هدفًا يُسعى إليه، في ظل أحداثٍ كُتِب أثناءها قدرٌ كبيرٌ من العهد القديم، وتحديدًا إخضاع الآشوريين لمملكة إسرائيل الشمالية (عام ٧٢٢ قبل الميلاد) وتدمير البابليين للقدس (عام ٥٨٦ قبل الميلاد). كما خدمت الرواية البولندية عن بعث جثمان ستانيسواف الممزق هدفًا كهذا؛ إذ كان تشتيت أجزاء جثمانه يُعَد رمزًا لتقسيم مملكة بياست خلال أواخر القرن الثاني عشر وبدايات القرن الثالث عشر، حينما كانت أجزاءٌ من البلاد تحت حكم الفرسان التيوتونيين والتشيك، ويعبِّر بعثُ الجثمان عن إعادة إحياء إقليم مملكة بياست كأمة بولندية.

وفي حين أن هذه الكتب التاريخية تُظهِر التجاءً انتقائيًّا إلى جوانب من الماضي فحسب؛ لتعزيز فهمٍ معيَّنٍ للحاضر ووضع هدفٍ للمستقبل، فإنها لا تزال تحمل تعقيدات لهذا الفهم. فعلى سبيل المثال، بقي شعب التاميل وإقليم التاميل — متضمنًا على مدى قرون عدة مملكة التاميل — موجودين دائمًا على مدار تاريخ جزيرة سريلانكا بطرق تشير إلى اختلاط التاميل بالسنهاليين، وكذلك التقاليد الدينية الخاصة بكلٍّ منهما. وتكشف لنا القراءة المتأنية للعهد القديم عن وجود تقليدَيْن اثنَيْن عن احتلال «أرض الميعاد»، فضلًا عن وجود أشكالٍ مختلفة لفهم حدودها. لقد كان ثمَّة تصويرٌ مثاليٌّ لبني إسرائيل تحت قيادة يوشع الذي كان يحتل الأرض بكاملها، التي تمتد حدودها الغامضة إقليميًّا من البحر المتوسط إلى نهر الفرات (سِفْر التثنية، الإصحاح ١١: ٢٤، وسِفْر يوشع، الإصحاح ١: ٢–٤). وهناك رواية يُفترض أنها أكثر دقة وواقعية (سِفر القضاة، ١) تشير إلى احتلال تدريجي للأرض (من قِبَل شعب ربما يتصف بأنه من أوائل الإسرائيليين: بنو كالِب، على سبيل المثال)، التي تحدِّد حدودُها الدقيقة إقليمًا أصغر مساحة أو أكثر تحديدًا (على سبيل المثال، في سِفر العدد، الإصحاح ٣٤: ١–١٠).

وليست احتياجات الحاضر وحدها هي التي تدفع إلى إعادة تأويل الفهم الذاتي للعلاقة الإقليمية، بل تفعل هذا أيضًا التوترات الناشبة بين أصحاب التقاليد المختلفة التي توجد داخل أي أمة. ففي مثال الملك البوذي المقاتل داثاجاماني فإن الرواية التي تخصُّ ذبحه للتاميل تخالف المبادئ البوذية عن اجتناب العنف؛ مما يعمل على تقويض المفهوم البوذي عن الخلاص. فهنا يتضح التوتر بين السياسة والدين، وكثيرًا ما تُبذل محاولات لتقليل تلك التضاربات بين المذهب الديني والسياسة؛ ومنها على سبيل المثال وصف كتاب «ماهافامسا» للتاميل على نحو غير أخلاقي بأنهم حيوانات دون مستوى البشر.

وفي تقاليد إسرائيل القديمة، كان هناك اعتقاد بأن إسرائيل كانت شعبًا اختاره يهوه الإله وميَّزه ليسكن أرضًا وَعَدَه إياها. وقد تجسَّد ذلك الاختيار في فكرة الميثاق، وظهر في خليطٍ من الأسطورة والتاريخ، في رواية سِفر الخروج. ومن الواضح أن التقليد المسمَّى «الشعب المختار» دعم الفهم الذاتي لأمة إسرائيل باعتبارها مميزة عن سائر الأمم. إلا أن الحاجة إلى تعديل ذلك الفهم الذاتي برزت حينما عانى هذا «الشعب المختار» من الهزيمة العسكرية والاحتلال الأجنبي على يد الآشوريين أولًا ثم البابليين؛ ومن ثم، ففي سِفر عاموس، هناك تأكيد بأن إسرائيل يجب أن تخضع للمحاسبة حسب المعايير الكونية (سِفر عاموس، الإصحاح ٣: ٢)، وهذا ما أوضح أن علاقتها التاريخية الفريدة بيهوه غير مطلقة: «ألستم لي كَبَنِي الكوشيين يا بني إسرائيل، يقول الرب؟ أَلَمْ أُصْعِدْ إسرائيلَ من أرض مصر، والفلسطينيين من كفتور، والآراميين من قير؟» (سِفر عاموس، الإصحاح ٩: ٧).

إن وجودَ توتراتٍ داخل تقليدٍ معين، وفيما بين التقاليد المختلفة التي تشكِّل أُمَّةً ما، وكيف تُستغل تلك التقاليد لفهم الحاضر، ليست متعلِّقة فقط بالأمم فيما قبل التاريخ الحديث؛ فهذه التوترات لا مفرَّ منها لسببَيْن؛ أَوَّلهما: أنها نابعة من مساعٍ بشرية مختلفة؛ مثل الدين والسياسة والاقتصاد، والانشغال بالحيوية التي تظهر في القرابة. وثانيهما: ظهور مشكلات واحتياجات جديدة. على سبيل المثال خلال اﻟ ٢٥ سنة الأخيرة تعرَّض الفهم الذاتي لشعب مقاطعة كيبيك المتحدث بالفرنسية لحالةٍ من التقلب، وهم يتساءلون إذا ما كانوا كنديين أم لا. وأثناء هذه الفترة يجري التركيز على مجموعة من التقاليد على حساب الأخرى، وتُكتب تواريخ مختلفة، ويركز البعض على الارتباطات مع فرنسا، بينما لا يفعل آخرون هذا. بالتأكيد يوجد توترٌ بين الدين والسياسة في الأمم الحديثة؛ على سبيل المثال، درجة اعتبار الأمة البولندية كاثوليكيَّةً رومانيَّةً بالضرورة أو الهند هندوسيَّةً بالضرورة.

تكمن المشكلة فيما إذا كانت مجتمعات سريلانكا المبكرة، وإسرائيل القديمة، واليابان في القرن الثامن الميلادي، وبولندا في العصور الوسطى خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، فضلًا عن آخرين؛ مثل كوريا بدءًا من عصر كوريو (من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الميلادي) يمكن أن تُعتبر أممًا. وسوف تقرِّر الإجابة عن هذا التساؤل كيفية فهم المرء لقضية توقيت ظهور الأمة في التاريخ. ففي كلٍّ من هذه المجتمعات قبل الحديثة، يلاحظ المرءُ مظاهرَ لمجتمع من القرابة الإقليمية، وهناك فهمٌ ذاتيٌّ، ووعيٌ ذاتيٌّ جمعيٌّ موجَّهٌ مكانيًّا ومحدَّدٌ إقليميًّا، وعميقٌ زمنيًّا، كما جرى نقله من خلال التاريخ المكتوب لكل واحدةٍ من تلك المجتمعات قبل الحديثة.

اعتراضات

بينما يعترف بعض الدارسين بهذه المظاهر التاريخية عن علاقةٍ إقليميَّةٍ من القرابة، كان هناك بصفة عامة من يمتنعون عن اعتبار تلك المجتمعات أممًا. والاعتراض الأساسي في هذا المجال هو الإصرار على أن الغالبية العظمى من شعوب هذه المجتمعات قبل الحديثة لا يمكن أن تكون قد تشاركت في ثقافة مشتركة، ويجادل المعترضون بأن ثقافة هذه المجتمعات قبل الحديثة كانت مفتَّتةً رأسيًّا وأفقيًّا على السواء؛ رأسيًّا بسبب التمييز الشاسع بين المتعلمين والأميين، وأفقيًّا لأن الارتباطات بين الأميين اختلفت بشكل ملحوظ من مكان لآخر. ومن ثم فإن هذه المجتمعات — امتدادًا لهذا الجدل — أظهرت تباينات ثقافية وسياسية حادة (بسبب غياب المفاهيم الحديثة عن المشاركة السياسية من خلال المواطنة الديمقراطية) بين المركز الحاكم وهذه المواقع المنعزلة ثقافيًّا عند الأطراف. وبسبب هذه التباينات، يُستنتَج أن هذه المجتمعات قبل الحديثة لم تكن مجتمعاتٍ قوميَّةً؛ ومن ثم، هناك إصرار على أن المجتمع الإقليمي للأمة يجب أن يكون مبنيًّا على إنشاء عوامل موحِّدة ثقافيًّا؛ مثل وسائل الاتصال الحديثة، والتعليم العام، والقانون الموحَّد والمنتشر إقليميًّا، والمواطنة الديمقراطية.

وكما لوحظ، فإن هناك درجةً من الفائدة في هذا الجدل. فمن المرجَّح أن تُظهر الأمة قدرًا أكبر من التماسك الثقافي والاستقرار في ظل هذه التطورات الحديثة. ويبدو أن استخدامنا للفظة «أُمَّة» يَفترض وجود هذا التماسك والاستقرار اللذين يميزان الأمم عن المجتمعات قبل الحديثة التي تبدو غير متبلورة مثل الآراميين في الشرق الأدنى القديم والوندال والآفاريين والباتافيين في العصور الوسطى المبكرة، الذين قد يُصنَّفون على أنهم «جماعات عِرقية».

إلا أن هناك صعوبتَيْن تُعقِّدان هذا الاستنتاج عن ظهور الأمة الذي يبدو حديثًا من الناحية التاريخية؛ وأولاهما هي أن هذه التطورات الحديثة تسهم أيضًا في تدعيم واستمرار تقاليد أخرى من العلاقات التي تُقوِّض المجتمع القومي. وتحدث هذه الصعوبةُ الأولى على مستويَيْن؛ أحدهما «تحت» الأمة، والآخر «فوق» الأمة. فوسائل الاتصال الحديثة والتعليم العام، اللذان يُعَدَّان بكل وضوح من عوامل التوحيد الثقافية لشعب متباين ليُكَوِّن بعدها أمة حديثة، قد أسهما أيضًا في تثبيت وتقوية الثقافات المحلية؛ لا سيما التي لها لغات خاصة، وهذه «المحلية» قد تؤدِّي إلى بروزِ أممٍ جديدةٍ. ويمكن ملاحظة هذا الاحتمال فيما حدث في مستهلِّ القرن الحادي والعشرين في أوروبا، على سبيل المثال، من استقلال سلوفاكيا عن جمهورية التشيك، وفي المطالبات الكثيرة والمختلفة بالحكم الذاتي الإقليمي؛ مثل مطالبات اسكتلندا لبريطانيا، ومنطقة إقليم الباسك ومنطقة كاتالونيا في إسبانيا، وعلاقة جزيرة كورسيكا بفرنسا. ولقد أدَّت هذه العوامل الحديثة الموحِّدة ثقافيًّا إلى تطورات «فوق» الأمة، التي قد تقوِّض وجودها؛ لأنها أعادت إنعاش تقليد الإمبراطورية؛ على سبيل المثال: الاتحاد الأوروبي الناشئ بما فيه من مؤسسات عابرة للقومية مثل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

تتضمَّن الصعوبة الثانية تقييمًا للمجتمعات قبل الحديثة به فارق دقيق؛ ومن ثم فهو أكثر دقَّةً. من المؤكد أن انتشار الديانات العالمية القديمة؛ لا سيما البوذية والمسيحية، ثم الإسلام، يثير تساؤلًا عن مدى العزلة الثقافية المُفترَضة للسكان الذين يُفترَض أنهم أُمِّيون إلى حدٍّ بعيد. وأقول «المفترَضة»؛ لأنه كانت هناك درجة ملحوظة من القدرة على القراءة والكتابة في عددٍ من المجتمعات القديمة؛ إذ كانت إسرائيل القديمة منذ القرن السابع قبل الميلاد مجتمعًا متعلِّمًا إلى حدٍّ بعيد. وفي الواقع اكتشف علماء الآثار قطعةً من الخزف من قريةٍ ريفيةٍ قديمةٍ يظهر منها أن شخصًا ما كان يتمرَّن على كتابةِ حروفِ أبجديَّةِ اللغة العبرية القديمة في فترةٍ مبكِّرة ترجع إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

fig8
شكل ٥-١: ثمانون حرفًا من أبجدية اللغة العبرية القديمة (حوالي عام ١١٠٠ قبل الميلاد) على قطعة من الخزف، اكتُشفت في عام ١٩٧٦ في عزبة سرطة.

ويدل انتشار الديانات العالمية في القِدَم على أن العلاقات الممتدة عبر مجموعة سكانية كبيرة ومساحات شاسعة يمكن حقًّا أن تتشكَّل في غياب الكتب والصحف المنتجَة على نطاق واسع، وكذلك خطوط السكك الحديدية، وأسواق السلع المصنعة. وعلاوة على هذا، ثمة نصوص قانونية عبر الأزمان العتيقة، وفي العصور الوسطى، فضلًا عن مفاهيم عن الأقاليم ذات الحدود الدقيقة. وبدلًا من التباين التاريخي الحاد بين العلاقات القديمة والحديثة، فهناك في كلتا الفترتين تشابكٌ من الارتباطات أكثر تعقيدًا، ويتسبَّب ذلك التباين التاريخي في التباس التقدير السليم لها. ويمكن أن نجد تطورًا، وإن كان غامضًا، في المظاهر الجوهرية للمجتمع القومي في عددٍ من المجتمعات قبل الحديثة، ولندرس تفاصيل إضافية من أمثلتنا الأربعة تشير إلى هذا التطور.

العوامل المشكِّلة للأمم قبل الحديثة

كما لاحظنا في الفصل الثالث، يُعَد القانون عاملًا مهمًّا في تشكيل إقليم ممتد وموحَّد نسبيًّا، وإذا كان سِفرَا أخبار الأيام الأول والثاني — كما يبدو محتملًا — يحتويان على درجةٍ من الدلائل المقبولة واقعيًّا، فقد كان في إسرائيل القديمة (لدى سبط اللاويين) موظَّفون حكوميون مُعَيَّنون في أنحاء البلاد لإقامة القانونَيْن: المدني والديني، ولجباية الضرائب (سِفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح ١٧: ٧–٩، والإصحاح ١٩: ٤–١١، ٢٤، وانظر أيضًا سِفر التثنية، الإصحاح ١٧: ٩). وعلاوة على هذا، فقد رسمتْ نصوصُ القانون الإسرائيلي، كما وجدناها، في سِفر اللاويين فاصلًا مميزًا بين المواطن الأصلي للأرض (من بني إسرائيل) الذي يُطبَّق عليه القانون، وبين الأجنبي. ومن المهم ملاحظة أن الأجنبي الذي أقام في الأرض بصفة دائمة يوصَف بأنه عرضة لتطبيق قانون البلاد عليه، كأنه وُلِد هناك. وفي النهاية، يبدو أن الإسرائيليين أنشَئُوا هيئة قضائيَّة متدرِّجة حتى يمكن توصيل المنازعات المحلية التي لم يُبَتَّ فيها إلى محكمة المركز الحاكم لإصدار حكم قضائي نهائي (سِفر التثنية، الإصحاح ١٧: ٨).

وفي اليابان، في أواخر القرن السابع وحتى القرن الثامن، كانت توجد بالتأكيد فوارق محلية معلَنَة بين العشائر الإقليمية. ومن دلائل ذلك ما حدث من حرب أهلية عام ٦٧٢ ميلاديًّا. وازدادت أهمية تلك الفوارق فيما بعد إلى أن تم تقويضها في النهاية. وإذا لم يكن هذا قد حدث على يد نظام توكوجاوا شوجونات المركزي (عام ١٦٠٣ ميلاديًّا)، فقد تم من خلال ثورة ميجي (عام ١٨٦٨ ميلاديًّا). ورغم هذه الفروق المحلية، فقد بقي الإمبراطور كرمز مادي للتبجيل لا خلاف عليه، يتجاوز تلك الولاءات الإقليمية، رغم أن السلطة السياسية ابتداءً من القرن الثاني عشر لم تكن في يد الإمبراطور، ولكنها استقرَّت في يد الحاكم العسكري «مُخضِع الهمجيين»، أو ما يُعرف بالشوجن، وهو رئيس الحكومة التي تُسمَّى باكوفو. ومما يدل على وجود وعي ذاتي جمعي قومي أنه أثناء عصر توكوجاوا كان هناك مزجٌ لشعارَي الساموراي «وَقِّرِ الإمبراطور»، و«اطرُدِ الهمجي». وقد وُضع أساسُ هذا المزج خلال القرنَيْن السابع والثامن الميلاديَّيْن حينما ضعف نفوذ العشائر لصالح السلطة المركزية للإمبراطور من خلال جمع مجموعة كبيرة من نصوص القوانين وكتابتها لتُطبَّق في أنحاء البلاد كافة، وتمخَّض عنها ما أسماه المؤرخون «النظام القانوني» بشقَّيْه الجنائي والإداري. وقد قسَّمت هذه القوانين البلد إلى مقاطعات، وأسست جهازًا وزاريًّا متخصصًا مسئولًا عن تسجيل الأُسر، والضرائب، وتخصيص حقول الأرز للمزارعين (بما فيهم النساء)، والتجنيد العسكري الإلزامي والدين. وعلاوة على هذا، كانت هناك قابلية للحراك الاجتماعي على أساس الإنجاز وليس على أساس الميلاد، وكثيرًا ما كان ذلك يتبع النمط الصيني، أو ما يسمى نظام «القبعات والمراتب». وكانت هناك مجموعاتٌ وظيفيَّةٌ تُخالف التمييز وفقًا للعشيرة؛ على سبيل المثال: العاملون بالحدادة والكَتَبَة ومتخصِّصو الري.

وكان الدين عاملًا مهمًّا في نشوء ثقافة مميزة في كلٍّ من هذه المجتمعات قبل الحديثة. كان رب إسرائيل، الإله الواحد، هو يهوه، أما تلك البلدان التي كانت تَحُد إسرائيل فكانت تعبد آلهة مختلفة: ففي آرام في الشمال كانوا يعبدون الإله «حدد»، وفي مملكة عمون في الشمال الشرقي يعبدون الإله «مولوخ»، وفي مؤاب في الشرق مباشرة يعبدون الإله «كيموش»، وفي مصر في الجنوب كانوا يعبدون «حورس-ست» (أو آمون-رع). سعت سياسات المركز الحاكم الإسرائيلي أثناء حكم الملك يوشيا (من ٦٤٠ إلى ٦٠٩ قبل الميلاد) إلى دعم عبادة يهوه في أنحاء إسرائيل كافةً مع عدم السماح بالاحتفال بعيد الفصح اليهودي وتقديم الأضاحي إلا عند المعبد في القدس. وفي اليابان، في أواخر القرن السابع الميلادي اتخذت الأسرة الإمبراطورية إلهةً للشمس أسموها «أماتيراسو»، واعتبروها أصلًا مقدَّسًا لهم وفوق جميع الآلهة العشائرية المحلية التي تُدعى «كامي». وعلاوة على هذا، كان يحكم المركز الحاكم الياباني من خلال إدارة مجلس شئون آلهة الكامي عبادةَ مجموعةِ الآلهة «كامي» في ديانة الشنتو، سواء في القصر الإمبراطوري (بما فيه الكائن بمنطقة إيشي: موقع مزار أماتيراسو المقدس) أو على المستويات المحلية. كما أنشأ في أنحاء اليابان مزاراتٍ مقدَّسةً لديانة الشنتو ومعابد بوذية؛ إذ كانت البوذية أيضًا تحت السيطرة الإمبراطورية أثناء هذه الفترة.

وفي سريلانكا، بدءًا من الملك داثاجاماني واستمرارًا في بداية عصر أنورادابورا، بنى المركز الحاكم مزارات بوذية مقدَّسة، لا سيما «الستوبات» بشكلها المؤثر، في أنحاء الجزيرة.

وتتضح أهمية الكاثوليكية الرومانية في دعم العلاقة الإقليمية لبولندا، بمجرد أن يدرك المرء أن ألمانيا إلى الغرب منها كانت لوثرية (بروتستانتية) وروسيا إلى الشرق منها كانت أرثوذكسية، وإن كانت هناك أقليات دينية مهمة، بروتستانتية ويهودية خلال تاريخ بولندا في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث.

بالإضافة إلى هذه التطورات القانونية والدينية، والموحَّدة إقليميًّا، كانت الحرب في كلٍّ من هذه المجتمعات الأربعة عاملًا آخر في تشكيل ثقافة متميزة. ففي التاريخ السنهالي المبكر، لم يكن هناك صراع مع التاميل فحسب، بل أيضًا مع القوات الهندوسية من جنوبَي الهند. وأما عن إسرائيل القديمة، فقد كانت هناك الحرب مع الفلسطينيين والعمونيين وآخرين. وفي عام ٦٦٣ ميلاديًّا انخرطت اليابان في صراع عسكري مع عائلة تانج الصينية (وإن كان قد وقع في شبه الجزيرة الكورية حسب السجلات الصينية والكورية واليابانية) وانتهى بهزيمة اليابانيين. وكَرَدِّ فعلٍ حيال الانتصار الصيني وخوفًا من حدوث غزوٍ وشيكٍ من قوات صينية، اتخذ اليابانيون خطةً محمومة وشاملة لإنشاء دفاعات عسكرية. وبالنسبة إلى بولندا، خلال القرن الرابع عشر، فقد تطلَّب استرداد ما كان يُنظر إليه باعتباره إقليمًا بولنديًّا تحت حكم الملك فواديسواف الأول وابنه كازيمير شنَّ حملات عسكرية متعاقبة ضد كلٍّ من الفرسان التيوتونيين والتشيك. وقد تطلَّبت هذه الحروب كلها تعبئةً شاملةً للشعب؛ ومن ثم ألزمت النصوص القانونية البولندية بأن تتشكَّل الوحدات العسكرية التي نظمتها المقاطعات من رجل واحد من كل بيتٍ بولنديٍّ. تحت حكم كازيمير، وبعد ذلك، حينما صارت الخدمة العسكرية إجبارية بمقتضى القانون على كل مالكي الأراضي، كانت هناك مشاركة جوهرية من الفلاحين، كما حدث في المعركة الأخيرة مع الفرسان التيوتونيين في عام ١٤٣١. وتُذكِّرنا هذه التعبئة الشاملة بقانون هنري الثاني بفرض امتلاك الأسلحة (عام ١١٨١) الذي ناقشناه في الفصل الثالث، فماذا كان تأثير هذه التعبئات في الدفاع والحرب على الفهم الذاتي عند غالبية الشعب؟

نظرًا لقلة الدلائل أو انعدامها حول طريقة تعامُل الفلاحين مع هذه الحروب وكيفية فهمهم لها، يفترض بعضُ الدارسين أن الفلاحين لم ينظروا إلى هذه الصراعات باعتبارها حروبًا بين الأمم. وإذا وضعنا في اعتبارنا ما ناقشناه توًّا، فما مدى احتمال هذا الافتراض؟ من الصعب تجنُّب الاشتباه في أنه — في ظل تطورات مثل الدِّين الموحَّد إقليميًّا والقانون الذي يعمل على نشره المركز الحاكم، والموجود بدرجات متفاوتة في جميع هذه المجتمعات — لا بد أنْ كانت ثمَّةَ درجةٌ ما من الإدراك من جانب الفلاحين بأن هناك مركزًا حاكمًا محددًا لمجتمعهم؛ ومن ثم يستحق احترامهم حتى وإن كان هذا المركز مصدرَ معاناةٍ لهم، كما يحدث كثيرًا في الأمم الحديثة (بفرض الضرائب المرهقة على سبيل المثال). وفي كلٍّ من هذه الأمثلة الأربعة، كان هناك مركزٌ سلطويٌّ رسميٌّ: أنورادابورا في سريلانكا، والقدس في إسرائيل، ونارا في اليابان، وكراكوف في بولندا. وعلى العكس من هذه الأمثلة، فقد كان هناك سببٌ جعل اليونان القديمة لم تتطوَّر مطلقًا إلى أُمَّة؛ هو أنه رغم الدلائل المتعددة على وجود وعي ذاتي يوناني شامل أثناء الحروب مع بلاد فارس، فإنه لم يتكوَّن مركزٌ سلطوي قادر على نقل هذا الوعي الذاتي ودعمه من خلال وجود مؤسسات يونانية شاملة، على حساب الولاء للدول المدن في الأساس. ويبدو على الأرجح أنه في أوقات الحروب كانت الغالبية العظمى من الشعوب في المجتمعات قبل الحديثة في أمثلتنا الأربعة تنظر إلى صراعاتهم على أنها بين «وطني» و«أجنبي». وبالتأكيد أن ما تلا هذا في تاريخ إسرائيل القديم، من الحروب التي نشبت ضد روما القديمة من عام ٦٦ إلى ٧٢ ميلاديًّا، ومن ١٣٢ إلى ١٣٥ ميلاديًّا، والتي شملت الشعب كله؛ يبرِّر هذا الاحتمال.

وعلاوة على الدِّين والقانون، فقد كانت اللغة أيضًا عاملًا أسهم في تشكيل هذه المجتمعات القومية قبل الحديثة؛ ففي التراث الإسرائيلي ثمة أدلةٌ توحي بأن الاختلافات في اللغة ربما كانت تُعَد إشارةً إلى التمييز بين الإسرائيليين الأصليين والأجانب (سِفر الملوك الثاني، الإصحاح ١٨: ٢٦، وانظر أيضًا سفر القضاة، الإصحاح ١٢: ٦، وسفر التكوين، الإصحاح ١٠: ٤، ٢٠). ويمكننا أن نكون أكثر ثقةً فيما يتعلق بالاختلافات في اللغة التي تُفهَم على أنها تمثِّل فروقًا قومية في تاريخ بولندا في العصور الوسطى، حينما نشأت مشاعر عداء قوية تجاه الألمان. فبعد إحباط انتفاضة كراكوف التي افترض أنها بقيادة ألمانيا ضد الملك فواديسواف الأول في عام ١٣١٢، كان الحكم على من حرَّضوا عليها بالإدانة على أساس ما إذا كانوا يستطيعون نطق كلمات بولندية نطقًا صحيحًا أم لا؛ مثل: soczewica (بمعنى عدس) وkoło (بمعنى عجلة) وmłyn (بمعنى طاحونة). وكان يُحكَم على الشخص الذي لا يتمكن من فعل هذا بأنه إما ألماني أو تشيكي؛ ومن ثم يُعتبر مذنبًا.

التعقيدات

ومع ذلك، ففي أمثلتنا السابقة، كانت العلاقة بين الوطني والأجنبي غامضةً ومشوَّشةً في بعض الأوقات. فإننا نعرف على سبيل المثال أنه خلال القرن السابع الميلادي في أعقاب الانتصارات العسكرية الصينية ضد الممالك الكورية، هرب كثيرٌ من الكوريين إلى اليابان. ورغم ذلك يبدو أنه في القرن التالي اندمج أولئك المهاجرون — الذين كان كثيرٌ منهم بوذيين — في إطار القرابة الأسطورية مع اليابانيين من خلال السجل الإمبراطوري للعائلات. ويمكن ملاحظة تعقيدات مشابهة في تقاليد إسرائيل القديمة. فرغم صورة القرابة الإسرائيلية المحدودة الموجودة في سِفرَي عزرا ونحميا اللذين ذهبا بعيدًا حتى تحريم الزواج البيني (بين الإسرائيليين وغيرهم)، صار الإدوميُّون جزءًا من الأمة اليهودية بعد أن غزا الزعيم اليهودي هيركانوس الأول (١٢٥ قبل الميلاد) إدوميا (إدوم).

لقد قهر هيركانوس جميع الإدوميين، وسمح لهم بالبقاء في هذا البلد والإفادة من قوانين اليهود، لو كانوا على استعداد لختان أعضائهم التناسلية. لقد كانوا راغبين بشدة في الحياة في بلد أجدادهم لدرجة أنهم امتثلوا للختان، ولبقية طرق الحياة اليهودية. ومنذ ذلك الحين، الذي حدث فيه هذا لهم، لم يكونوا سوى يهود.

جوزيفوس، «تاريخ اليهود»

وفي كلتا هاتين الحالتين، يلاحظ المرء كيف يمكن أن تكون الحرب عاملًا في تشكيل قرابة إقليمية، وبالتأكيد، فإنه حيث لا تكون الأقاليم معزولة جغرافيًّا، كما في حالة «الأمم الجُزُر» مثل اليابان وسريلانكا، يكون تقرير حالة الإقليم القومي، ومن ثم قرابة الأمة، مسألةً معقَّدة على نحو خاص، لا سيما عند مناطق الحدود؛ مثلما هو الحال في بولندا، في منطقة سيليسيا؛ حيث السكان يتحدثون الألمانية.

ورغم هذه التعقيدات، فلدى كلِّ هذه المجتمعات قبل الحديثة الخصائص التالية بدرجة أو بأخرى، التي تبرر اعتبارها أممًا:
  • (١)

    اسم قومي.

  • (٢)

    تاريخ مكتوب.

  • (٣)

    درجة من الوحدة الثقافية، وكثيرًا ما يكون هذا نتيجة للدِّين وبدعمٍ منه.

  • (٤)

    نصوص قانونية.

  • (٥)

    مركز سلطوي.

  • (٦)

    مفهوم واضح لإقليم له حدود.

ومع ذلك، تشير الدراسات التي أُجريت لكل هذه المجتمعات إلى حدوث تطورات غير متساوية لكلٍّ من هذه الخصائص التي تشكِّل الأمة. فحتى أكثر الخصائص أولية لوجود وعي ذاتي جمعي لأمة ما، وهو اسمها القومي، يمكن أن تكون مبهمة، كما كان الحال في أكثر الأمثلة وضوحًا على الأمم قبل الحديثة، وهي إسرائيل القديمة. ففي بعض الأوقات كان لفظ إسرائيل المعيَّن يُقصد به: مملكة داود وسليمان؛ وهي المملكة الشمالية من «إسرائيل»؛ لتمييزها عن المملكة الجنوبية التي كان اسمها «يهودا». وكثيرًا ما يُعتبر هذا الاسم هدفًا يجب إدراكه.

وعلاوة على هذا، فخلال فترة كبيرة من عصر المعبد الثاني (من سنة ٥٣٨ قبل الميلاد إلى ٧٠ ميلاديًّا) نشأت فكرة إسرائيل من قِبَل المجتمع المسمَّى «يهودا». إن غموض الاسم القومي للأمة يدل في كثير من الأحيان على وجود رؤًى متنافسةٍ بشدة لهُوية الأمة وما يجب أن تكون عليه، وهو ما يمكن أن نجده مثلًا في مسمَّى «الهند الأم»، والذي قد يُفهَم أو لا يُفهم على أنه يشمل المسيحيين والمسلمين والسيخ. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الهند اليوم — المتشعِّبة قانونيًّا ودينيًّا ولغويًّا — ليست أمة. فإذا ما وضعنا هذه التعبيرات وغيرها في الاعتبار، فإن تلك الخصائص التي توحي بوجود مجتمع إقليمي محدَّد من القرابة في عصور سابقة؛ يجب عدم إنكارها.

معيار المواطنة

أحيانًا ما يقال إن معيار وجود مجتمع قومي يجب أن يكون هو المواطنة. ولنفكرْ في هذا الاحتمال بأن نعود بالذاكرة إلى تاريخ بولندا في العصور الوسطى. فإذا أصرَّ المرء على أن المواطنة التي تمتد لتشمل الغالبية العظمى من السكان يجب أن تكون هي المعيار الحاسم لوجود أمة ما، فإن بولندا في العصور الوسطى تلك لم تكن أُمَّة، بل كانت على الأكثر «أُمَّة من النبلاء»؛ إذ كانت طبقة النبلاء هي التي تحدِّد الشئون السياسية لبولندا في تلك العصور بدءًا من القرن الخامس عشر من خلال البرلمان. إلا أن معيار المواطنة هذا يسبِّب عددًا من التعقيدات للمؤرخ لكي يفهم أوضاع أُمَمٍ حديثة؛ مثل إنجلترا وفرنسا في القرن التاسع عشر.

فإذا كان ثمة تردُّدٌ في توصيف بولندا خلال العصور الوسطى باعتبارها أمة؛ لأن المشاركة المدنية والسياسية الكاملة كانت مقصورة على النبلاء، أفلا يكون من المنطقي تطبيق نفس التحفُّظات على إنجلترا وفرنسا؟ بحلول عام ١٨٣٢ كانت نسبة من يحق لهم التصويت للبرلمان ٣٫٢٪ فقط من السكان في إنجلترا، ونسبة ١٫٥٪ في فرنسا لهم حق الاقتراع. وفضلًا عن هذا، إذا أصرَّ شخص ما على أن الأمة توجد فقط حيث تكون هناك حقوق وواجبات قانونية معترف بها يشارك فيها غالبية السكان، فإن المرء يقع في حيرة فيما يتعلق بتحديد صفة بولندا التي لم تكن قد اتخذت صفة الدولة أثناء القرن التاسع عشر، حينما كان إقليمها مقسَّمًا بين بروسيا والنمسا وروسيا. ففي خلال ذلك العصر استمر بالتأكيد وجود وعي ذاتي جمعي في بولندا.

لا شك أن الديمقراطية، باعتبارها شكلًا للحكم وصناعة القرارات، تسهِّل استقرار الأمة كمجتمع إقليمي؛ وهذا لأنها تحديدًا تعترف بالحقوق الشرعية وبالمشاركة السياسية لغالبية السكان. ولكن أن ترفع مستوى المفاهيم الحديثة للمواطنة كمعيار لوجود أمة ما؛ فهذا يختزل الأمة كعلاقة إقليمية من القرابة لتصبح شكلًا من أشكال صناعة القرارات السياسية. ومن ثم فإن المؤرخ الذي يصرُّ على ضرورة معيار المواطنة لوجود أمة ما، والذي يؤكد بالتالي على التمييز بين المجتمعات قبل الحديثة والأمم الحديثة؛ يكون هكذا مضطرًّا إلى:
  • (١)

    أن يقلل من أهمية المظاهر الجوهرية والمستمرة عن العلاقات الإقليمية للقرابة في المجتمعات قبل الحديثة.

  • (٢)

    أن يزيد من تقدير الوحدة الثقافية للأمة الحديثة.

  • (٣)

    أن يقع في حيرة تحليلية في ضوء تطورات؛ مثل وجود أمم بلا دولة، أو وجود نزعة إقليمية محلية.

وبالتأكيد، فإن الاستنتاج بأنه كانت توجد أممٌ قبلُ حديثةٍ يتطلَّب أن يتقبَّل المحلِّل العديد من أوجه الغموض، وتطورات جزئية مختلفة. ولكن في الحقيقة، إن الأمة كعلاقة اجتماعية تكون دائمًا مزيجًا سلسًا من العلاقات المتعددة المتشابكة والمتطورة. وهذا هو الحال أيضًا بالنسبة إلى الدولة القومية الحديثة؛ حيث يكون مجرد تقرير الانتماء للدولة عُرضةً لعملية مستمرة من إعادة التفسير، كما يمكن أن نرى في القوانين المتغيرة للهجرة والمواطنة (على سبيل المثال: قوانين الجنسية في المملكة المتحدة لعامَي ١٩٧١، ١٩٨١، وقانون الهجرة للولايات المتحدة لعام ١٩٩٠).

ومع ذلك، هناك فروق تجب ملاحظتها بين تراكيب علاقات القرابة الإقليمية قبل الحديثة والحديثة. وقد أكَّد عالِما الاجتماع إدوارد شيلز وإس إن أيزنشتات على نحوٍ سليم أن المجتمعات الحديثة تتميَّز بمشاركة أكبر من جانب القطاعات الطرفية من المجتمع في أنشطة المركز؛ مما يشير إلى الْتِحامٍ ثقافيٍّ أكبرَ للعلاقة الإقليمية. ومن أمثلة هذه المشاركة نجد الديمقراطية — حيث تكون السيادة في نهاية الأمر لغالبية السكان — والتعليم العام، وزيادة الحراك الاجتماعي كنتيجة للإنجازات الشخصية، لا الطبقية الاجتماعية المتصلِّبة المبنية على أساس المكانة النابعة من ظروف الميلاد. إلا أن الفروق التاريخية في العلاقة بين أطراف المجتمع ومركزه فيما بين الأمم الحديثة وأمثلتنا الأربعة يفضَّل أن نفهمها كمسألةِ منزلةٍ أو مكانةٍ بسبب وجود نصوص مكتوبة من القانون في تلك الأخيرة، ومفاهيم تدل على أن الملك كان مسئولًا عن المجتمع (بالحفاظ على أنظمة الري والحفاظ على القانون وحفظ السلام) والتزامات كثيرة من جانب المركز تجاه الديانة القومية؛ مثل إنشاء المزارات المقدَّسة والمعابد والكنائس.

ومن الواضح أن الفرق بين رئيس وزراء أو رئيس جمهورية منتخب من الشعب وبين الملك؛ شيء مهم. ومع ذلك، فقد كان الملك أيضًا موضع احترام؛ ومن ثم كان نقطةً مرجعيَّةً فيما يختص بالوعي الذاتي الجمعي، لعلاقة القرابة الإقليمية؛ ومثال ذلك: الإمبراطور الياباني أو الملك الفرنسي كما وصفه المؤرخ مارك بلوك بأنه صاحب المعجزات في شفاء المرضى. وبلا شك، إن من الأرجح أن صلابة وبروز العلاقة الإقليمية، كما تعبِّر عنها عاطفة الوطنية، يكونان أكبر حينما لا يكون التمييز بين أطراف المجتمع ومركزه حادًّا. ولكن هذا لا يعني أن الوعي المتعلِّق بالدفاع عن الوطن لم يمتدَّ إلى ما وراء بيت العائلة ليشمل أرض الوطن في المجتمع قبل الحديث، فهذا الامتداد والمجتمع الإقليمي الذي يفترضه أصبح ممكنًا عبر الاعتراف بالمركز الحاكم (الملك على سبيل المثال) كمدافع عن سلام البلاد، والعادات المشتركة (بما فيها الديانة واللغة) والكتب التاريخية التي احتوت عناصر أسطورية.

ونختتم هذا الفصل بالعودة لتسليط الضوء على دور العناصر الأسطورية في تشكيل الأمة. فقد يكون من الممكن تشكيل مجتمع محدَّد على أساسٍ تعاقدي محض، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن. وليس هذا إنكارًا لأهمية التقليد الدستوري الأوروبي للاتفاق بين الحاكم والمحكوم، وخاصة أن كليهما يخضع للقانون. ومع ذلك، ففي تشكيل العلاقات الإقليمية الحديثة، قد نجد لجوءًا يتكرَّر بصفة دائمة إلى ماضٍ بعيد، كثيرًا ما يكون أسطوريًّا، أو حالة ما مؤكدة وغير قابلة للتحقُّق منها تجريبيًّا لتبرير الطبيعة الفريدة لهذه العلاقات.

مثل هذا اللجوء قد يكون وسيلةً لاستغلال توترات مجتمعية؛ ففي الهند، على سبيل المثال، شنَّت إحدى المنظمات الهندوسية القومية، تُدعى راشتريا سوايامسيفاك سانج، وحزب بهاراتيا جاناتا، حملةً دامت ثمانيَ سنوات لهدم مسجد للمسلمين عمره ٤٧٥ عامًا بمدينة أيوديا؛ مما أدَّى إلى تدميره في ٦ ديسمبر ١٩٩٢؛ لأنهم ادَّعَوا أنه مكانُ ميلادِ رام، الذي هو تجسيد لإله الهندوس فيشنو، المذكور في ملحمة «رامايانا»، التي كُتِب كثير منها على الأرجح منذ أكثر من ٢٠٠٠ عام. وقد يتخذ اللجوء إلى الماضي صورة اختلاقٍ أكثر من أن تكون استعادةً للماضي؛ على سبيل المثال: إعادة إحياء ديانة الشنتو في اليابان بدءًا من القرن الثامن عشر، والتي تُوِّجت باعتبارها الديانة الرسمية القومية لليابان في ظل ثورة ميجي (عام ١٨٦٨). وفي كلتا هاتين الحالتين تم استغلال الخرافات في خدمة بثِّ رؤية قومية في العلاقة الإقليمية؛ ففي الهند تمثَّلت في فكرة الهندوتفا (القومية الهندوسية)، وفي اليابان تمثَّلت في فكرة الكوكوتاي (بمعنى الهوية القومية). وَسَعَت كلتاهما إلى إنكار التعقيدات الواقعية في التاريخ في عملية تشكيل الأمة، التي يمكن أن تتحمَّلها فكرةٌ مدنية للعلاقة الإقليمية: بالنسبة إلى الهند هناك طائفة السيخ في البنجاب، والمسيحيين في كيرالا، والمسلمين في كشمير، وهم يعارضون رؤية الهند بأنها هندوسية بالضرورة؛ وبالنسبة إلى اليابان: هناك تاريخ يزيد على ١٤٠٠ عام من البوذية التي تُعارض رؤية اليابان خالية من التأثير الأجنبي.

وقد يكون الاحتكام إلى الماضي أمرًا غامضًا بعض الشيء؛ فعلى سبيل المثال، هناك نُصُب تذكاري أثري يسمَّى «هيرمانسدنكمال»، شُيِّد في عام ١٨٧٥ في غابة تويتوبرجر قرب دتمولد في مقاطعة شمال الراين-وستفاليا في ألمانيا؛ تخليدًا لذكرى انتصار حدث في عام ٩ ميلاديًّا لأرمينيوس (أو هيرمان) القائد الحربي للشيروسكيون على الجيوش الرومانية، الذي كان تحت قيادة كوينكتيليوس فاروس. وقُصد بهذا التمثال أن يمثِّل استقلال الأمة الألمانية؛ تأكيدًا للقرابة المشكوك فيها إلى حدٍّ بعيد بين قبائل الشيروسكي القدماء والألمان في العصر الحديث.

fig9
شكل ٥-٢: تمثال هيرمانسدنكمال.

وقد يختلف الاحتكام إلى نفس الماضي اعتمادًا على الظروف الحاضرة؛ ففي عام ١٩٨٩، مع تزايد التوترات بين الصرب والكروات، التي ستتحول سريعًا إلى حرب إبادة عِرقية، احتفل الصرب بالذكرى اﻟ ٦٠٠ لمعركة كوسوفو التي وقعت عام ١٣٨٩ تحت قيادة الأمير لازار؛ إذ هزمتهم الإمبراطورية العثمانية، ولكن في عام ١٩٣٩، في مواجهة احتمال الغزو الألماني النازي، كانت ثمة محاولات لتصوير المعركة كرمز لاستقلال يوغوسلافيا لا صربيا.

fig10
شكل ٥-٣: أراضي إقليم أوريجون قبل عام ١٨٤٦، تشير إلى عدم التأكد من الحدود الشمالية الغربية للولايات المتحدة الأمريكية.
كذلك يمكن ملاحظة وجود عناصر للأساطير في تقاليد الولايات المتحدة الأمريكية، وليس فقط ضمن افتراضات إعلان الاستقلال فيما يخص «الحقائق التي لا تحتاج إلى براهين» بأن «كل البشر خُلقوا متساوين» و«متمتعين من خالقهم بحقوق معينة غير قابلة للتصرف فيها»، وهي مشتقة من التراث اليهودي-المسيحي. فمع نشوء التقاليد الأمريكية، نشأت أسطورة عن الآباء المؤسسين للأمة، تعمل على محو أي اختلافات بينهم بشأن الآثار المترتبة عن مثل هذه العبارات التي تتعلَّق بالمساواة والحقوق؛ على سبيل المثال، شكل الحكم الذاتي أيكون فيدراليًّا أم قوميًّا؟ وقد تمَّت تسوية بعض أوجه الخلاف على نحو مضطرب، تلك التي نشأت عن هذا الغموض الملتبس بعد نشوب الحرب الأهلية الأمريكية لصالح المزيد من الوحدة القومية، وهو الأمر الذي كثيرًا ما يترتب على نشوب الحروب. إلا أنه برزت أساطير جديدة؛ مثل الاعتقاد في «المصير الجليِّ» للشعب الأمريكي بأن يؤسسوا حدود الأمة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ. ولقد قيل إن هذه الحدود حدَّدها الرب، رغم وجود حالة من عدم التأكد لديهم من هذا الأمر، كما حدث في إسرائيل القديمة؛ وتحديدًا ما إذا كانت الحدود الشمالية الغربية يجب أن تكون عند دائرة عرض ٤٩ أم إلى الشمال أكثر عند دائرة عرض ٥٤٫ ٤٠ .

وليست هذه الحالات الأخيرة عن الهند واليابان وألمانيا وصربيا والولايات المتحدة سوى أمثلة قليلة من عدة أمثلة يمكن أن نطرحها، تشير إلى أن عملية تشكيل واستمرار جميع الأمم، بما فيها تلك الموجودة في العالم الحديث، تَحدُث فيها حالاتُ احتكامٍ للأفكار؛ مثل القرابة الإقليمية عبر الأجيال أو «الحقيقة»، أو «الحقوق غير القابلة للتصرف فيها». ورغم أن مثل هذه الأفكار قد تكون غير قابلة للتحقُّق منها على نحوٍ تجريبي، فإنها تقدِّم تبريرًا للنظام الاجتماعي ذي الحدود. وأوضح الأمثلة على الأفكار التي لا يمكن التحقُّق من صحَّتها الديانات. وفي جميع علاقات القرابة الإقليمية، سواء قبل الحديثة أو الحديثة، التي سبق مناقشتها في هذا الفصل، كانت الديانة عاملًا في تشكيلها ووجودها المستمر؛ ومن ثم سنضطلع الآن بدراسةٍ للعلاقة بين الأمة والدين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠