الحبشة والمسألة الحبشية

الحبشة يُطلَق عليها اسم سويسرة أفريقيا، وهي من وادي النيل العلوي إلى الجزء الجنوبي الغربي من البحر الأحمر، ممتدة جهة المحيط الهندي، وتقع بوجه أصح بين السودان المصري والشاطئ الإيطالي أريتريا، وقد تكوَّنت مناظرها الجبلية الخلابة نتيجة ثوران بركاني شديد، وتنقسم إلى الأقسام الأساسية الآتية: نياجرا في الشمال، وأمهارا في الوسط، وشوا في الجنوب.

وتقع أرض منخفضة جرداء بين الأراضي المرتفعة والبحر الأحمر، تقطنه قبائل مميزة عن الأحباش تَمُتُّ للمصريين. ومساحتها تبلغ ٣٥٠ ألف ميل مربع، بما في ذلك أرض الصومال الحبشي؛ وهي عبارة عن هضبة عظيمة يبلغ ارتفاعها سبعة آلاف قدم، ويكون الانحدار نحو ساحل البحر الأحمر شديدًا ونحو حوض النيل تدريجيًّا.

وتنقسم الأرض إلى ما يشبه الجزائر بواسطة مجاري المياه التي نحتت لنفسها في الصخر إلى عمق كبير يصل إلى أربعة آلاف قدم، وقد تصل قمم الجبال إلى علو ١٥ ألف قدم، وتبلغ درجة حرارة السهول المتوسطة الارتفاع التي تزدحم بالسكان علو ٥٠٠٠–٨٨٠٠ قدم من ٧٧–٩٥ وتنمو فيها النباتات الاستوائية.

وفي أثناء فصل الأمطار الذي يقع من أبريل إلى سبتمبر يغطي الثلج قمم الجبال العالية، ولا يذوب هذا الثلج على علو ١٣ ألف قدم، وفي وديان الأنهار وفي الأراضي الغدقة تكون الحرارة والرطوبة مميتة وخانقة، وفي الجهات المنخفضة تجاه البحر الأحمر يصبح الجو حارًّا جافًّا، ويُزرَع محصولان أو ثلاثة في بعض الجهات سنويًّا.

ومن المحاصيل المهمة: الموز، النحيل، القصب، العنب، البرتقال، الليمون، القطن، النيلة البرية، والبن. وتزرع الهضاب العليا القرطم والشعير، ويبلغ سكانها ما بين أربعة وخمسة ملايين بين عناصر مختلفة، وبعضهم يقدر عدد السكان بعشرة ملايين، وليس هناك إحصاء صحيح؛ نظرًا لاتساع المساحة وكثرة القبائل، ويُقال إن مسلمي الحبشة هو ثلث سكانها.

(١) أصول السكان

الأحباش من حيث الدم سلالتان؛ إحداهما: زنجية، لأفرادها كل ملامح الزنوج من الشعر المفلفل إلى الأنف الأفطس، وهؤلاء يسكنون الأقاليم الغربية، وهم متأخرون يمارسون ضروبًا من القسوة التي تبلغ التوحش ويزيِّنون أكواخهم بغنائم القتال، والسلالة الثانية: سامية، لها شعر سبط وملامح تقرب جدًّا من الملامح العربية في الأقاليم الجنوبية من الجزيرة العربية، وهم متمدنون قد ثقفوا شيئًا غير قليل من الحضارة، وهم يدينون بالإسلام والمسيحية. أما في الأقاليم الغربية فالمسيحية منتشرة بعض الشيء، ولكن معظم السكان لا يزالون في الوثنية أو هم يؤمنون بالمسيحية مع خلطها بالشعائر الوثنية.

والكنائس كثيرة في الحبشة وكذلك القسوس، ومع أن الكنيسة الحبشية هي إلى الآن تحت رياسة الكنيسة القبطية فإنها تختلف عنها من حيث إنها تُبنَى مستديرة، والقسيس وقت الصلاة لا يختلط بجمهور المصلين كما هي الحال في الكنائس القبطية في مصر، ولا بد أن هذه التقاليد قد ورثها الأحباش عن اليهود؛ لأن المسيحية دخلت الحبشة حوالي سنة ٣٣٠ من اليمن في وقت كانت تلبست فيه بالتقاليد اليهودية التي كانت سائدة في اليمن قبل المسيحية، ولقد دارت معارك دموية بين اليهود والمسيحيين يذكرها التاريخ قبل ظهور الإسلام.

والمنازل تُبنَى مستديرة أيضًا في الحبشة، وهي أشبه بأكواخ الزنوج منها بالمعنى الذي نفهمه من المنازل، والمنزل يُبنَى من القصب أو البوص ويُطيَّن من الخارج ومن الداخل، وتُزرَع حوله الأشجار ويتسلق على جدرانه الفرع فيكسوه ورقه وترقد ثماره على سطحه، وأحيانًا تُبنَى مصطبة داخل المنزل يقعد عليها السكان الذين يعيشون مع الدواجن والماشية في مكان واحد! أما الأغنياء فلا تختلف منازلهم إلا من حيث الملابس؛ فإنهم يشترون الحرير الزاهي ويقتنون السجاد الإيراني ويطرحونه على الأرض في أي مكان للجلوس، ويزينون جدرانهم من الداخل بجلود الأسود والنمور والسيوف وقرون الوعل.

والأحباش لا يعرفون القُرى كما نفهمها في مصر؛ فإن الحبشي يعيش وحده في حقله مع زوجته وأولاده لا يجاوره آخر، وقد تتكاثر أسرته فتتألف قرية صغيرة بها عشرة منازل مثلًا هم أولاده وأحفاده وزوجاتهم، والزراعة الفاشية عندهم هي زراعة أسلافنا قبل نحو ٣٠٠٠ سنة؛ فإنهم يزرعون الثوم والبصل ويأكلونهما كثيرًا، وقد تفشت بينهم زراعة البطاطا والبطاطس هذه الأيام، أما الفواكه فكثيرة وأشجارها تُبسَق وتشتبك حول المنازل.١

وقد أخذ الأحباش بكثير من تقاليد الفراعنة، ولا يزال الإمبراطور هيلا سيلاسي يكتب اسمه بالهيروغليفية في خرطوش على نحو ما كان يفعل رمسيس أو توتنخ آمون.

(٢) الأرض والطقس

وقد نشرت جريدة التيمس بحثًا تحت هذا العنوان بقلم الكولونيل س. ل. كراست الذي زار الحبشة لأول مرة وبسط أحوال أراضيها في حالتي الدفاع والهجوم عند القيام بحملة عسكرية في بلاد الحبشة. وقد آثرنا نقل هذا البحث فيما يلي:

في عصر قديم جدًّا من العصور الجيولوجية اعترى القشرة الأرضية ضعف بين خطي طول ٣٠ و٤٠ شرقًا، ولدينا الآن دليل على التشقق الذي حدث إذ ذاك في بعض المظاهر الطبيعية، أهمها الانخفاضات العميقة في البر والبحر، وهي وادي الأردن، الذي يشمل: بحيرة لوط، والبحر الميت، وخليج العقبة، وخليج السويس، والبحر الأحمر، ووادي النيل، الممتد جنوبًا إلى البحيرات الكبرى من بحيرة ألبرت في الشمال إلى نياسا في خط عرض ١٤ درجة جنوبًا.

ومثل هذا الاضطراب الواسع المدى في القشرة الخارجية للأرض يؤثر على الأجزاء المجاورة في كثير أو قليل من العنف، ويُحتمَل أن يكون هبوط الأرض مسئولًا عن بروز الهضبة الحبشية.

والمساحة التي تأثرت أكثر من غيرها مباشرة بهذا التشقق تبلغ حوالي ٧٠٠ ميل من الشمال للجنوب و٥٠٠ ميل من الشرق للغرب داخل الحدود الحبشية، وهي مساحة تزيد على أربعة أمثال مساحة إنجلترا. وفي الشرق والجنوب الشرقي توجد وديان شاسعة واسعة مفتوحة تتدرج في الارتفاع، محرومة من الماء، مغطاة بالحشائش الغليظة التي يبلغ ارتفاعها حوالي خمسة أقدام، وهي تنخفض بالتدريج إلى الشرق والجنوب الشرقي إلى المحيط الهندي من رأس جاردفوي إلى قمايا على مصب نهر بوبا في الصومال الإيطالي، وهذه الأراضي يخترقها ثلاثة أنهر — نذكرها من الجنوب إلى الشمال — وهي: التوبا، والويبي شبيلي، وتج فافان. ومقطع ويبي معناه المجرى الذي يستمر الماء فيه طول العام، أما «تج» فمعناه المجرى الذي ينحط إلى نُهَيْر أثناء فترة الجفاف. ومن هذه الأنهر الثلاثة يرتفع الأولان في جوار بحيرة «شالا» على مستوى تسعة آلاف قدم، بينما ينبع الأخير من جبل مقدس «كوندبودو» وعلوه عشرة آلاف قدم على ثلاثين ميلًا شمالي شرق هرز.

تربة هذه السهول التي تُعرَف محليًّا باسم مود صلصالية، لونها شديد الحمرة، تختلف كثافتها من مائة قدم بقرب هارجية في الصومال البريطاني إلى قدم واحد أو قدمين على طول ساحل الصومال الإيطالي أو بنادير. هذه حقيقة يجب أن تظل في الذهن؛ وذلك أن الإيطاليين إن كانوا يرمون إلى الحصول على أراضٍ غنية ليقطنوها فإن وديان الحبشة قد تجذبهم؛ لأن هذه الأراضي صالحة لزراعة القطن.

بين خط ١٠ شمالًا وخط طول ٤٠ شرقًا وساحل البحر الأحمر، يوجد منخفض صغير يُعرَف باسم دناكل أو دناجل الشمالية والجنوبية، وعند النهاية الشمالية لهذا الإقليم يقع وادي الملح الكبير أو منخفض دناكل الشمالي الذي ارتاده ورسم خريطته في سنة ١٩٢٨ المستر نسبت مع اثنين من الرفاق الإيطاليين، وامتحان مسطحات هذا المنخفض قد أظهر مساحة طولها ١٠٠ ميل من الشمال للجنوب وخمسين ميلًا من الشرق للغرب أقصى عمقها في النهاية الشمالية ٤٠٠ قدم تحت سطح البحر الأحمر، وهذه هي المساحة الواقعة عند كولولي حيث توجد مناجم البوتاس الإيطالية.

أما مسألة الطقس فإنها جديرة بالنظر فيها باختصار، فمرتفعات الحبشة تقوم إلى علو ١٢ قدمًا أو أكثر؛ وتبعًا لهذا فإن الإثيوبي الحقيقي الذي يكره الحر يرفض أن يعيش في مكان آخر غيرها أي على علو يزيد على ثلاثة آلاف قدم، وطقس الهضبة والمرتفعات يُقارَن بطقس إنجلترا في سبتمبر إلا في الفترة بين أبريل وسبتمبر حين يكون موسم الأمطار على أشده وتهب رياح جنوبية غربية شديدة. وفي زمن الصيف تكون البقاع الحبشية التي على علو ٣٠٠٠ قدم في بعض الأحيان حارة ورطبة حتى تأتي زوبعة عنيفة تخفف عن الناس الحر، أما الأراضي الواطئة فإنها على العكس من ذلك حارة لا ترتاح إليها النفس، وبالرغم من أن الهواء قد يترطب وقتًا ما بعد المطر فإن هذا يكون على حين أن نتيجة مطر المناطق الحارة تجعل التربة السطحية موحلة والسير فيها متعبًا، على أنه مهما يكن من رداءة الطقس في الأراضي الواطئة في الشرق والجنوب الشرقي فإن الطقس في منخفض دناكل أردأ بكثير فإن الرحالة قد سجلت هناك درجات حرارة فوق ١٥٥ فرنهيت يومًا بعد يوم، ولا يسع الإنسان إلا أن يبدي إعجابه بالإقدام والمثابرة اللذين تحلى بهما هؤلاء الرجال الذين شقوا طريقهم إلى الشمال بقدر يسير من الماء، في هواء مملوء بالغبار ودخان الكبريت، يحيط بهم من كل الجهات بسكان رُحَّل أهم ما يحترفونه الحرب والقتل.

(٣) اللغات الحبشية

أشهر اللغات الحبشية ثلاث:
  • (١)

    اللغة الإثيوبية القديمة: وهي لا تُستعمَل الآن إلا في الكتابة الأدبية.

  • (٢)

    اللغة التجرانية: وهي لغة الأريتريا وشمال الحبشة، وهي المستعملة الآن.

  • (٣)

    اللغة الأمهرية: وهي اللغة الرسمية؛ نسبة إلى أمهرا.

وحروف الهجاء الحبشية مأخوذة من لهجات العرب القديمة؛ مثل: الصابئية، والحميرية.

(٤) العادات في الحبشة

يجري ختان الطفل الذَّكَر في يومه السابع أيام الأربعاء والجمعة، والأنثى يجري ختانها بعد ذلك، وإذا كانت الأم مريضة ينبغي أن يبقى طفلها دون ختان حتى شفائها.

ويُنصَّر الطفل الذَّكَر في اليوم الأربعين وتُنصَّر الطفلة في اليوم الثمانين.

ولا تُدفَن المرأة في أماكن الرجال، ولا يجوز للرجل أن يشرب البيرة قبل زوجته إذا كانت حاملًا؛ لأنها تتألم باشتياقها للشراب.

وعندما يغيب أحد الآباء عن بلده يختار صديقًا له لحراسة بيته والإشراف على أولاده.

ويوسِّط الخطيب أصدقاءه لدى والد الفتاة ليقبل الزواج، ومعظم الآباء يقاسمون بناتهم نصف مهورهم، وتُقام أعراس بها مزامير وتُنحَر الذبائح.

(٥) المرأة الحبشية

المرأة الحبشية مشهورة بالجمال — وخاصة جمال العينين — وبالجاذبية، ولها أنف دقيق وشفتان غليظتان مستديرتان، وقامة هيفاء.

وطالما كانت بيوت أمراء المصريين الحجازيين والأتراك والأعيان مزدانة بالجواري الحبشيات، وطالما تزوجوا منهن.

والمرأة الحبشية مثال الشجاعة والإقدام والتضحية، وهي تشترك في الحرب مع الرجال، وهي وافرة الذكاء بسيطة الهندام والأثاث.

وفي أديس أبابا جمعية اسمها جمعية نساء إثيوبيا الوطنية، وقد قامت بمظاهرة وحملت لوحة جاء فيها باللغة الأمهرية: «أيها الشبان، انهضوا ولا تخافوا، ودافعوا عن وطنكم، دافعوا إننا سنموت معكم.»

لا تتزوج المرأة الحبشية إلا بإذن أبيها وإلا كانت ملعونة، وهي تشجع بجاذبيتها الشبان على خطوبتها وأحيانًا تهرب مع عشيقها.

والمرأة الحبشية تشرب البيرة، وقد يتخذ الرجل الحبشي عشيقة له لمدة سنة — وهي زوجية مؤقتة — وعلى المرأة الحبشية أن تطيع زوجها.

وينتشر البغاء في الحبشة بالرغم من موانع الدين المسيحي، والطلاق كثير، وأكثر بغايا السودان من الحبشيات المهاجرات، وتكثر بينهن الأمراض التناسلية بصورة مخيفة محزنة.

(٦) ممالك الحبشة وإمبراطورها

الحبشة منقسمة إلى ولايات وممالك صغيرة وقبائل متنازعة، وقلما تهدأ الحالة الداخلية في الحبشة فهناك حروب بين ملوك الحبشة أو بين بعضهم أو بين إمبراطورها.

وقد نادى «ساهالا سيلاسي» ملك شواه وإيفات والجالا سنة ١٨١٣ بنفسه ملكًا على ملوك الحبشة، وجعل الملك بطريق التوارث في أسرته.

و«ساهالا سيلاسي» الذي وُلِد سنة ١٧٩٥ وعُيِّن ملكًا سنة ١٨١٣ ومات سنة ١٨٤٧ وُلِد له ستة أولاد، كان منهم «هيلا ملاكوت» الذي وُلِد سنة ١٨٢٥ ومات سنة ١٨٨٥، وخلفه ابنه منليك الثاني الذي وُلِد سنة ١٨٤٤، وصار ملكًا لشوا سنة ١٨٦٦، وإمبراطورًا سنة ١٨٨٩، ومات سنة ١٩١٣، وتزوج الإمبراطورة كاتو سنة ١٨٨٣، ولم يُرزَق منها ذكورًا. وقد كان من بناته ثواراجا التي تزوجت الرأس ميكاييل ورُزِقت بولد اسمه ليج ياسو سنة ١٨٩٦، وعُيِّن إمبراطورًا سنة ١٩١٣ خلفًا للامبراطور منليك إلى سنة ١٩١٦، ثم قامت ضده فتنة لأن الأحباش المسيحيين قد اتهموه بأنه يمالئ مسلمي الحبشة ويقربهم، ويؤثرهم وبأنه اعترف بخلافة سلطان تركيا وحالفه وحالف الألمان وأغضب الحلفاء. وقد أعلن مطران الحبشة حرمانه، وهرب ياسو ولكنه لم يذعن لقرار المطران وجمع جيشًا وآزره الرأس ميكاييل حاكم ولاية جايا، وقد خلفته الإمبراطورة زوديتو ابنة منليك الثاني التي وُلِدت سنة ١٨٧٦ وتُوِّجت سنة ١٩١٦، وقد قامت بينها وبين أتباع ياسو والرأس ميكاييل مذبحة عنيفة في ساجال في أكتوبر سنة ١٩١٩، وأسرت الرأس ميكاييل وهرب ياسو، وتُوِّجت زوديتو رسميًّا سنة ١٩١٧.

(٧) الرأس تفري والإمبراطور هيلا سيلاسي

وُلِد الرأس تفري سنة ١٨٨١، وهو ابن الرأس ما كونن بن وازبروتانا أحد أبناء الملك ساهالا سيلاسي.

وعُيِّن الرأس تفري وصيًّا للعرش مع الإمبراطورة زوديتو التي ماتت سنة ١٩٣٠، حيث تُوِّج الرأس تفري إمبراطورًا سنة ١٩٣٠ باسم الإمبراطور هيلا سيلاسي، وقد تزوج سنة ١٩١٢ من الأميرة وازيرو منن، وولدت له سنة ١٩١٢ ماميتي التي ماتت طفلة، ثم أصفاوصين سنة ١٩١٦ وهو ولي العهد الرسمي ولكن أباه الإمبراطور غاضب عليه، وزينب ورك وُلِدت سنة ١٩١٨، ويشي أمابت وُلِدت سنة ١٩٢٠، وما كونن وُلِد سنة ١٩٢٣ وهو محبوب من أبيه ويُقال أنه هو المرشح الحقيقي لولاية العهد، وقد أسماه والده «دوق هرر». ومن الإشاعات التي لم نقف على صحتها أن «زوديتو» ماتت مسمومة ليخلو الجو للإمبراطور هيلا سيلاسي.

(٨) حول إسلام النجاشي

وقد ذُكِرت روايات عن إسلام نجاشي الحبشة في عهد النبي الذي أرسل كتابًا إلى النجاشي أصحمة، وهذا رده على النبي :

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا الله الذي هداني للإسلام، أما بعد، فقد وصلني كتابك يا رسول الله فما ذكرت فيه من أمر عيسى ابن مريم، فورب السماء والأرض إن عيسى ابن مريم لا يزيد على ما ذكرت، ولا علاقة ما بين النواة والقمع، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وشهدنا بأنك رسول الله صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك بواسطة ابن عمك جعفر وأسلمت على يديه لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

ولما قرأ النبي هذا الكتاب قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم.» فمن أجل هذا الأمر هيمن العرب على آسيا وبعض أوروبا، وبلغت طلائع جيشهم أقاصي النيجر وبلاد السنغال والهند وغيرها، ولم يخطر ببال أمراء الإسلام احتلال الحبشة وبسط نفوذهم عليها، بل كانت دول الإسلام وإماراته في سلام ووئام مع الإمبراطورية الحبشية إلى ما بعد القرون الوسطى.

وقد أفتى بعض علماء الصومال الإيطالي ومفتيه بعدم جواز محاربة المسلم للحبشة.

(٩) الحبشة والجندية

الأمة الحبشية هي أمة جندية، جميع أفرادها على استعداد للقتال، وهو حرفتهم وسجيتهم.

وقد أنشأ الإمبراطور هيلا سيلاسي جيشًا باسم الحرس الإمبراطوري قام بتدريبه ضباط سويسريون وبلجيكيون وسويديون، وعدده ستة آلاف، وبه وحدات من البيادة والسواري والطبجية، وله بنادق عصرية ومجهز بمدافع كبيرة وصائدات للطائرات.

ولكل رأس من رءوس الحبشة «حكامها» حرس أو جيش لا يقل عدده عن ربع مليون وجيش غير نظامي لا يقل عن نصف مليون، ولدى إمبراطور الحبشة طائرات وذخائر.

ويقول الأديب محمد عبد الرحيم: ليس للإمبراطورية الحبشية نظام مخصوص للجندية كنظام القرعة العسكرية المصرية أو كنظام التطوع لدى الدول الغربية، بل تطلب الجنود من الولايات، كل بحسب سعة الولاية وضيقها، والجيش العامل في حفظ الأمن في وقت السلم ٢٠٠ ألف جندي، أما في وقت الحرب فتصبح الجندية فرض عين على كل رجل يستطيع حمل السلاح. والأحباش أكثر العالم شغفًا بالحروب وأسرعهم قبولًا لويلاتها، وقد دلت التجارب على أن الشعب الحبشي إن هو إلا بركان ثائر يحركه الإمبراطور بسبابته متى شاء، هكذا كان في غارته على مملكة سنار وفي حربه للحملة المصرية التي كان يقودها السردار محمد راتب باشا في سنة ١٢٩٢، وكذا في واقعة القلابات سنة ١٣٠٦ وواقعة عدوة في سنة ١٨٩٥، أما القيادة العامة فللإمبراطور نفسه. والذي يراجع تاريخ الحبشة قل أن يرى إمبراطورًا مات حتف أنفه كما حدث للإمبراطور ياهنس الرابع أي «يوحنا» الذي قتله أنصار المهدية وخلافه من أسلافه؛ إذن فليس بغريب عزم جلالة الإمبراطور هيلا سيلاسي على تولي زمام القيادة في الحرب المزمع نشوبها، فما أجود الجندي بروحه عندما يرى مليكه يسير تحت قساطل الجيوش للذود عن الأمة! ولا غرو أن هذه أعظم محرك لحماس الأحباش في حروبهم المتواصلة التي كانت تُكلَّل بالنجاح.

وقد قرر الإمبراطور إلباس ٢٠٠٠٠٠ جندي الملابس العسكرية، وتناول ١٥٠٠٠ منهم طعام الغذاء مع الإمبراطور في قصره في شهر أغسطس سنة ١٩٣٥، وأكثر الجنود حفاة، وأكثر أسلحتهم بنادق قديمة، ولكنهم يجيدون الرماية.

(١٠) ولايات الحبشة

تتألف بلاد الحبشة من ثلاث عشرة ولاية لكل منها ملك يُلقَّب بالرأس، وهو حاكم الولاية القائم بشئونها الإدارية والسياسية تحت إشراف الإمبراطور أو النجاشي، وهناك ألقاب أخرى وهي: دجاج ودجاز وداز جماح دفيتواري وقيفا زماج … وغير ذلك من الألقاب. وتتألف من تلك الممالك الصغيرة إمبراطورية ذات شأن عظيم، ويُلقَّب الإمبراطور هناك بالنجاشي وهو لقب كلقب بطليموس عند دولة البطالسة، وقيصر عند الروس، وشاه عند العجم، وباي تونس عند التونسيين، وخديوي عند ولاة مصر سابقًا. وللحبشة لقب ثانٍ هو منليك إلا أنه يُقصَر على الملوك من سلالة نبي الله سليمان عليه السلام؛ لأنه تزوج بلقيس ملكة سبأ ولما رُزِق منها بولد قال لها: «مني إليك.» فمُزِجت الجملتان فصارت «منليك». وجاء في رحلة الدكتور محمد نيازي الذي كان طبيبًا لأحد الآلايات المصرية في سنة ١٢٨٢ﻫ بالسودان، قال: سمعت من أحد الأطباء الإفرنج يقول إنه قرأ في بعض المؤلفات القديمة أن ذلك المولود الذي هو منليك الأول بن سليمان، كانت بلقيس تخاف عليه من قومها، فبعثته إلى مدينة سوبا ليُربَّى بها وسُمِّيت المدينة سبأ، ثم حُرِّف الاسم إلى سوبا لتقادم الزمان، وقد تبوأ عرش الحبشة كثير من الملوك فلا حاجة إلى بيان أسمائهم وزمن ولاية كل منهم تجنبًا للتطويل.

(١١) القضاء في الحبشة

ويقول الأديب محمد عبد الرحيم: «إنه بالرغم عن كساد الثقافة الحبشية وبوار سوق العلوم العقلية والنقلية، فإن القضاء سائر بطريقة كافلة للحقوق المدنية والاجتماعية، والقائمون به يؤدُّونه بأمانة ونزاهة جديرتين بالإعجاب، حتى كان كلٌّ آمنًا على حقه وكلٌّ بما فعلت يداه رهينًا، وما كان للحبشة نواميس شرعية ولا قوانين وضعية فيما يختص بالمعاملات القضائية، بل كان القضاء يسير مع العرف إلى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وهناك قام أحد رجال الدين المسيحي المدعو أسعد عسال القبطي ووضع للحبشة قانونًا نسقه تنسيقًا بديعًا، قسَّمه على قسمين؛ الأول منهما يختص بالكنيسة وتعاليمها الدينية، وقد لخص ذلك من تعاليم المذهب الأرثوذكسي والديانة الإسرائيلية، والثاني في المعاملات وكان مرجعه فيه كتاب «التنبيه» لأبي إسحق الشيرازي في فقه السادة الشافعية، وقد أُطلِق على هذا القانون اسم «فتانفوس»، وقد صدَّق جلالة الإمبراطور على المعاملة به في جميع أنحاء الأقاليم الحبشية، أما المسئولون عن تنفيذه في القرى فهم أكبر سكانها سنًّا وأكثرهم حنكة، وفي العواصم الرءوس ما عدا «أديس أبابا» التي يباشر القضاء فيها جلالة الإمبراطور بنفسه، وهو يجلس في ساحة مكشوفة، ثم تُرفَع على رأسه مظلة كبرى «شمسية» كملوك الفور وواداي، ويجلس عن يمين الإمبراطور ١٢ رجلًا وعن شماله ١٢ رجلًا من أعيان المملكة الذين يُشترَط أن يكون فيهم رئيس الكهنة بردائه الكهنوتي، ويحمل القانون المسمَّى «فتانفوس» كاهنٌ آخر، ثم يُؤتَى بالمتقاضين فيقفون صفًّا أمام الإمبراطور على بعد ٣٠ مترًا منه، ثم يُؤذَن لهم في عرض ظلامتهم على هيئة القضاء، فينادي المظلوم بأعلى صوته قائلًا: «جاتهوه جاتهوه.» أي: يا حضرة الإمبراطور. يكررها سبع مرات، وذلك بين دائرة من جنود الحرس المدججين بالسلاح، والناس في سكون شامل لهيبته.»

ومن المألوف في الحبشة نظام التحكيم، وكثيرًا ما يلجأ المتخاصمان إلى رجل محترم في الطريق يحتكمان إليه وينزلان عند حكمه.

(١٢) إيطاليا والحبشة: الجيش الإيطالي

منذ بعيد تستعد إيطاليا لغزو الحبشة، وقد بلغ ما أرسلته من الجنود إلى أريتريا حتى آخر سبتمبر سنة ١٩٣٥ ربع مليون جندي إيطالي، مرت من قناة السويس على سفن حربية إيطالية ومعها ستمائة طائرة ومدافع كثيرة رشاشة وسيارات مدرعة، هذا عدا الجيش الإيطالي الذي في شمال إيطاليا وعدده ٥٠٠ ألف، وعدا الجنود الوطنيين.

بدأت إيطاليا استعمارها الأفريقي بإنشاء شركة إيطالية اشترت ثغرًا صغيرًا يُدعَى «عصب» سنة ١٨٦٩ من شيخها، وكانت من أملاك الباب العالي التركي، فاحتج على هذا البيع وعدَّه باطلًا لصدوره من غير مالك، ولكن الشركة الإيطالية «شركة روباتينو» نزلت عن «عصب» إلى الحكومة الإيطالية التي أرسلت بعض التجار الإيطاليين للإقامة بها وعلى رأسهم «الكونت أنتونيللي» الذي عقد مع إمبراطور الحبشة منليك الثاني معاهدة صداقة، واحتلت إيطاليا ثغر مصوع وجزرًا غيرها وتألفت مستعمرة أريتريا، منتهزة فرصة الثورة المهدية في السودان وضعف مصر وسعي كل من إنجلترا وفرنسا لتقسيم أفريقيا الوسطى والشرقية، وواصلت إيطاليا احتلال بلاد الحبشة، وطلب الإمبراطور منليك إلى الجنرال جيته الإيطالي إخلاء البلاد وضم منليك «هرر» إلى أملاكه، ووقعت حرب بين الرأس ألولا وهزم الجيش الإيطالي في يناير سنة ١٨٨٧ على مقربة من دوجالي، فأرسلت الحكومة الإيطالية في أواخر سنة ١٨٨٧ جيشًا عدده ٢٥ ألفًا نصفه من الإيطاليين ونصفه من الأهلين واحتل الجيش «صاتي».

وقد حدث في أثناء ذلك أن الملك يوحنا انتفض على الإمبراطور منليك وحارب جنود المهدي عند «القلابات» وقُتِل في مارس سنة ١٨٨٨، وانهزمت جنوده بعد انتصارها في حياته.

وقد عقدت إيطاليا مع «منليك» معاهدة أوتشيالي، وبناء عليها قبل الإمبراطور أن تكون حكومة إيطاليا وسيطًا بين الحبشة والدول الأجنبية في جميع المسائل.

وقد كُتِبت هذه المعاهدة من نسختين: نسخة باللغة الحبشية، ونسخة باللغة الإيطالية. والنسخة الحبشية تقول:

يجوز لجلالة الإمبراطور أن يتخذ وساطة حكومة جلالة ملك إيطاليا سبيلًا إلى تسوية جميع المسائل المتعلقة بالدول الأجنبية.

فأما النسخة الحبشية فتقول «يجوز»، والنسخة الإيطالية تقول: «يوافق إمبراطور الحبشة … إلخ.» وقد وقع منليك النسخة الحبشية ولم يوقع على النسخة الإيطالية، وفي ١٢ فبراير سنة ١٨٩٣ أبلغ منليك الثاني الدول بأنه غير مرتبط بالمعاهدة الإيطالية التي نشرتها إيطاليا، وفسرتها على أنها جعلت الحبشة تحت حمايتها.

غضبت إيطاليا من الحبشة وزحفت جنودها بقيادة الجنرال باراتيري فاحتلت كلًّا من بلاد السودان سنة ١٨٩٤، ثم تقدمت إلى الحدود الحبشية، فانتصرت الجنود الإيطالية على جيش الرأس مانجاشا سنة ١٨٩٥ واحتلت أديجرات وميكالي وأمبا ألاجي، ولكن منليك تقدم بجيشه ومعه الرأس ما كونن فهزم الجيش الإيطالي شر هزيمة وقتل منه الألوف وغنم ذخائره، وانتحر القائد الإيطالي الماجور توسلي وانسحب الإيطاليون.

وطلب منليك أن تدفع إيطاليا له فورًا ٢٥ مليون ريال حبشي حتى يقبل وقف الحرب وعقد الصلح الذي عرضه القائد العام للجيوش الإيطالية في أفريقيا؛ وهو الجنرال باراتيري.

ولكن إيطاليا رفضت الصلح على هذه الشروط؛ فاستعد الجيش الإيطالي للحرب، وقسَّم نفسه إلى أربعة أقسام أحدقت بها الجيوش الحبشية وهزمتها.

وأعاد براتيري تنظيم الجيش الإيطالي وهجم على «عدوة» التي وقعت فيها الموقعة المشهورة، وقُتِل الجنرال أريمندي والجنرال دامبراميدا، وأُسِر الجنرال البريتوني، وأُصِيب الجنرال أنلينا بجرح خطير، وغنمت الحبشة ٧٢ مدفعًا وذخائر وأعلامًا إيطالية و٧٠٠٠ أسير، وقُتِل وجُرِح ١٠٠٠٠ إيطالي.

وهرب باراتيري وواصل منليك زحفه ودخل أريتريا، واستولى على حصن «أدي أوجري» وحاصر الجنرال برستناري وحمله على التسليم في مايو سنة ١٨٩٦.

وعينت الحكومة الإيطالية الجنرال بالديسيرا، وأراد أن يتقدم بجيش عدده ٣٠٠٠٠ ألف جندي، ولكنه وجد الهزيمة محققة، وأشار على حكومته بالصلح؛ فذهب وفد إيطاليا في ٢٦ أكتوبر سنة ١٨٩٦ إلى أديس أبابا، حيث عُقِدت معاهدة بين إيطاليا والحبشة اعترفت فيها إيطاليا باستقلال الحبشة استقلالًا تامًّا.

على أن الإيطاليين لن ينسوا موقعة عدوة وهزيمتهم الهائلة، ومن أسباب استعدادهم الحربي الحاضر الرغبة في غسل الإهانة التي لحقتهم بهزيمتهم في عدوة.

وقد تسلم منليك غرامة قدرها ٧٠٠٠٠٠ جنيه إنجليزي وأطلق سراح الأسرى الإيطاليين، وكان عقد المعاهدة في أديس أبابا في ٢٦ أكتوبر سنة ١٨٩٦، وعُقِدت بعدها معاهدات واتفاقات أخرى في صدد تحديد التخوم بين الحبشة وأريتريا.

(١٣) موسوليني والحرب

وقد صرَّح السنيور موسوليني علنًا بأنه يريد الاستيلاء على الحبشة كلها، وأنه لا بد من محاربتها، وأنه لن يمسك عن الحرب أمام أي قرار من عصبة الأمم أو سواها، وأنه لا يمنع الحربَ إلا شيء واحد؛ هو أن تسلم الحبشة نفسها لإيطاليا بغير قتال.

(١٤) الاتحاد بين الحبشان

جمعت الحرب الحبشية القادمة بين القلوب المتنافرة وبين رءوس الحبشة المتنافسين وقد تحمسوا للدفاع عن الوطن، وقد عُنِي الإمبراطور بكسب رضاء المسلمين من رعاياه، وقد أصبحوا يدًا واحدة مع إخوانهم.

(١٥) الجاليات الأجنبية

بالحبشة جاليات أجنبية من جميع الجنسيات، ومنها جاليات عربية ولبنانية وسوريا ويونانية وأرمنية، وأكثر أفرادها تجار، ومنهم من جمع ثروة كبيرة وأنشأوا المدارس.

(١٦) البعثات في الحبشة

في الحبشة بعثات تبشيرية لمختلف الأديان — ولا سيما البروتستانتية الأمريكية — وبعثات تجارية لمختلف الدول، وقد عقدت البعثة الإنجليزية، التي كان يرؤسها السير رنل رود، معاهدة صداقة مع الحبشة في ١٥ مايو سنة ١٨٩٧، وللبعثات مدارس ومستشفيات وملاجئ.

ورأس الدجاز «تاساما» بعثة أوروبية في عضويتها مسيو فايفز ومسيو بوتو السويسري ومسيو أرتومونوف الروسي، واجتازت الحبشة إلى نهر النيل عند مصب نهر السوباط في يونية سنة ١٨٩٨، وبعد أيام وصل إليه الماجور مارشان الذي صار جنرالًا فرنسيًّا وهو صاحب مسألة فاشودة.

عينت الدول ممثلين لها في العاصمة الحبشية، فكان السير هارنجتن قنصلًا جنرالًا لإنجلترا فوزيرًا مفوضًا.

وعقدت بعثة أمريكية سنة ١٩٠٣ معاهدة تجارية بين الولايات المتحدة والحبشة.

وعقدت بعثة ألمانية سنة ١٩٠٥ معاهدة تجارية مع الحبشة، وعُيِّن وزير مفوض ألماني لدى إمبراطور الحبشة.

وقد وضعت إنجلترا وفرنسا وإيطاليا اتفاقًا في ديسمبر سنة ١٩٠٦، جاء فيه: «إن مصالح هذه الدول الثلاث تقضي بالمحافظة على سلامة أملاك إثيوبيا.» وقضت المادة الأولى من الاتفاق على التعاون بينهم في المحافظة على كيان إثيوبيا من الوجهة السياسية وسلامة أراضيها، ونصت على أنه إذا وقعت طوارئ تخل بالكيان السياسي للحبشة فإن هذه الدول تتفق على صيانة مصالحها الخاصة، وقد تم الاتفاق في شهر يوليو في سنة ١٩٠٦ وأُبلِغ في الحال إلى النجاشي، وقد رد الإمبراطور منليك على تبليغ الدول بأنه يشكر لها نياتها الطيبة ويشترط أنه لا يكون من شأن هذه الاتفاقية الحد من حقوق سيادته، ثم عيَّن من شهر يونية سنة ١٩٠٨ حفيده ليج ياسو وليًّا لعهده.

(١٧) السكة الحديدية ودوليتها

وقد تقرر في الاتفاقية المذكورة أن تكون السكك الحديدية في الحبشة دولية — وليس في الحبشة سوى سكة حديدية واحدة بين أديس أبابا وميناء جيبوتي الواقع في الصومال الفرنسي — ولا تسير القطارات إلا نهارًا، وتقف عند إحدى المحطات ليلًا، ويستغرق مسيرها بين جيبوتي وأديس أبابا ستة أيام.

ويقف القطار لأقل سبب كان، ولو كان السائق يريد شرب الماء أو تحية صديق أو الوضوء والصلاة!

وأنشأت هذا الخط شركة فرنسية سنة ١٨٩٤ منحها النجاشي منليك امتيازًا، وساعدتها الحكومة الفرنسية وأتمت الخط الحديدي من جيبوتي إلى ويرة داوي التي تبعد عن هرر بمسافة ٢٨ ميلًا سنة ١٩٠٢، ثم وقف العمل. وتقرر في معاهدة ١٣ ديسمبر سنة ١٩٠٦ التي عُقِدت في لندن بين إنجلترا وفرنسا وإيطاليا أن تقوم السلطات البريطانية بإنشاء الخط الحديدي، وأنه إذا أُرِيد وصل أريتريا بالصومال الإيطالي بسكة حديدية، فإن إيطاليا هي التي تقوم بإنشاء هذا الخط. وتقرر في المعاهدة تعيين مندوب بريطاني وثانٍ إيطالي وثالث حبشي في مجلس إدارة الشركة الفرنسية، ومدير فرنسي لمجلس إدارة أية شركة إيطالية أو إنجليزية تنشأ فيما بعد، كما ضمنت المساواة التجارية العامة للدول جميعًا سواء في ميناء جيبوتي أم على الخط الحديدي الفرنسي الذي تم.

(١٨) الصعوبات التي ستلقاها إيطاليا

الطرق في الحبشة كثيرة الانعراج والانخفاض والارتفاع والوديان العميقة؛ مما يجعل المسافر قد يفكر في نتيجة الهجوم الإيطالي، والطريق إلى أديس أبابا لا يُعَدُّ شيئًا لصعوبة سلوكه أمام الجبهة الشمالية الإثيوبية، خصوصًا عند هطول الأمطار الغزيرة التي تحجز طرق السيارات لمدة يومين أو ثلاثة من شدة تراكم الأوحال، وهكذا قد يتراءى للمسافر أنه من الصعب أن تتغلب إيطاليا على الحبشة؛ نظرًا لأسباب عديدة، أهمها:
  • (١)

    عدم ملائمة الطقس الإثيوبي للإيطالي.

  • (٢)

    وجود كثير من نبات الأحراش غير المعروفة للأجنبي.

  • (٣)

    وجود كثير من الأراضي الصخرية القاحلة الحارة.

  • (٤)

    كثرة المنخفضات والمرتفعات والوديان.

  • (٥)

    قلة الأمواه «المياه».

  • (٦)

    قلة طرق المواصلات.

ففي الحالة الأولى: يمرض العسكري ويصبح غير صالح للعمل في ميدان القتال، وقد بدأت بوادر عدم ملائمة الطقس للطليان تظهر بموت بعض مئات ومرض بعض آلاف الذين أُودِعوا بالمستشفيات أو الذين عادوا إلى الوطن.

وفي الحالة الثانية: لو تجرأ الجيش الإيطالي وتقدم، فمن الصعب أن يجد منفذًا، فضلًا عن ذلك أن تلك الغابات تسهل للإثيوبيين عملية «الكاموفلاج»، فلا يلبثون أن ينقضوا على أعدائهم.

وفي الحالة الثالثة: يظن بعضهم أن الجيش الإيطالي لا يخاطر بنفسه في مركز حرج مثل هذا يقضي على أبنائه حرًّا.

وفي الحالة الرابعة: يصعب على البيادة السير تحت حماية الطوبجية، كما أنه يصعب على هذه ضبط المسافات وإصابة مواقع العدو؛ لأنها ليست سهلًا منبسطًا يسهل فيه استعمال المدافع، كما أنه يصعب أيضًا سير الدبابات؛ لأن التلال ذات الارتفاع الشاهق يُقدَّر ميله من ٦٠ في المائة إلى ٨٠ في المائة، وبذلك لا تُرجَى أية فائدة من المدفعية أو الدبابات فهي لا تقدم ولا تؤخر، وهناك عامل مهم وهو أن الإيطالي لا يمكنه مجاراة الإثيوبي في تسلق التلال والجبال والنزول منها، وخذ مثلًا من الأعرابي المصري الذي يتسلق الهرم وينزل منه في ثماني دقائق، وانظر إلى الأجنبي الذي يحتاج لمدة ساعة أو أكثر لهذه العملية.

وفي الحالة الخامسة: لا يمكن لأي جيش أن يسير بعساكر ظمآنين، انظر إلى ما يصيب الجندي الآن في مدينة مصوع أو أسمرة وهو في حالة سلام وينام على سرير وتحت سقف؛ لترى أن المياه لا تكفيه لسد كل احتياجاته من غسيل جسم وملابس وشرب، وتصوَّر حالته عند الزحف وتركه المدينة حيث يسير في أجواء وأراضٍ ذات تيبوغرافية مختلفة بعيدًا عن الراحة، ويكون فراشه الخنادق وغطاؤه السماء ووساده بندقيته، وربما لا يتسنى له الحصول على نصف لتر!

وفي الحالة السادسة: قد تتوقف سيارات اللوري — أقصد الحملة — وهي التي تحمل المؤن والذخائر وأدوات التلغراف والتلفون التي لا يمكن للجيش الإيطالي أن يتقدم خطوة بدونها، هذه حالة المناطق التي تقدم إيطاليا على المغامرة فيها، على أن هناك كثيرًا من المناطق المعتدلة الصحية الصالحة للعمليات العسكرية، ولكني أقصد بما ذكرت وصف أعظم بلاد إثيوبيا، ومنها المناطق المتاخمة لحدود الصومال الإيطالي والإثيوبي، والتي لا بد لإيطاليا من الهجوم من أحد نواحيها. وعلى ذلك فلا يمكننا أن نبني ونقيس ما هو منتظر من النتائج.

(١٩) العلم الحبشي

أنشأه منليك، وهو كثير النقوش، في وسطه أَسَد يهوذا وفي قبضته الصولجان وعلى رأسه تاج الملك.

وهناك أعلام محلية لملوك الحبشة ورءوسها.

(٢٠) أديس أبابا

أنشأها الإمبراطور منليك سنة ١٨٩٦ على سفح جبال أونتوتو، وترتفع عن سطح البحر بمقدار ٢٥٠٠ متر تقريبًا، ومعنى «أديس أبابا» «الزهرة الجديدة»، وسقوف منازلها من الزنك، وتحيط بها أشجار اللبخ والكافور، وترويها فروع من نهر هواش، ومساحتها كبيرة، وقد خُطِّطت تخطيطًا عصريًّا، وفي وسطها القصر الملكي «الجبي»، وعدد سكانها حوالي مائة ألف نسمة بينهم أربعة آلاف أوروبي، عدا المهاجرين من البلاد المجاورة واليمن، وقد اندمجوا في السكان الأصليين.

وقد أنشأ الإمبراطور الحالي برلمانًا للحبشة.

(٢١) النقود الحبشية والبنك الحبشي

أساس العملة الحبشية هي «التالير» وهو الريال النمسوي المضروب باسم ماري تريزي، ووزنه ٢٨ جرامًا وقيمته عشرة قروش مصرية تقريبًا، وللحبشة عملة اسمها الريال الإثيوبي وعليه صورة منليك الثاني، ولكنه غير متداول ويشبه في شكله الريال النمسوي، وأجزاء الريال هي نصف الريال وربعه والقرش، على أن أكثر الأهالي يتعاملون بالمبادلة بين السلع.

وفي سنة ١٩٠٥ أصدر النجاشي أمرًا ملكيًّا بإنشاء بنك إثيوبيا، وجعل من اختصاصه حق سك النقود وإصدار أوراق البنكنوت والقيام بأعمال البنوك على اختلاف أنواعها، وهذا البنك يعاني اضطرابًا بسبب الأزمة الحالية.

(٢٢) المستر وليم فرانك ريكيت وامتيازه

حصل مستر ريكيت من إمبراطور الحبشة في أغسطس سنة ١٩٣٥ على امتياز الزيت في نحو نصف البلاد الحبشية، وقد أثار هذا الامتياز ضجة، وقيل إنه مندوب عن شركة إنجليزية أمريكية. وقد تخلت شركة استاندارد فاكوم الأمريكية عن الامتياز بتأثير الحكومة الأمريكية، وأعلنت الحكومة البريطانية بأنه لا علاقة لها بهذا الامتياز، الذي وضع صيغته سعادة توفيق دوس باشا، ومن شروطه أن يشترك في الشركة ومجلس إدارتها إثيوبيون وأمريكيون، وفي العمل عمال مصريون، ويُقال إن قيمة الامتياز بين ١٥ و٢٠ مليونًا من الجنيهات، وإن الإمبراطور قبض مبلغًا مقدمًا، وإن شركات أخرى نالت امتيازات.

ولكن مستر ريكيت يقول بأن الامتياز باقٍ وسيُستغَل وأن رأس المال سيوجد، وقد وصل إلى السويس مساء ٩ سبتمبر سنة ١٩٣٥، وقد سافر إلى بودابست وجنيف ولندن وهو صديق لسعادة توفيق دوس باشا الذي أُقحِم اسمه في هذا المشروع وفي هذه الضجة، ودوس باشا هو الذي أوصى إمبراطور الحبشة لكي يعطي الامتياز لمستر ريكيت.

ومستر ريكيت في الثانية والأربعين من عمره، وقيل إنه من أصل سوري، وهو معروف في مصر وفي فنادقها كشبرد، وكان جنديًّا متطوعًا في الجيش البريطاني، ثم موظفًا في شركة بترول ونجح في أخذ امتياز بترول الموصل ونزل عنه للشركة البريطانية، وهو كثير الصمت والعمل.

(٢٣) بين مصر والحبشة في عهد سعيد باشا

في أثناء حكم سعيد باشا أغارت الحبشة على بعض بلاد السودان، وزحفت جيوش نجاشي الحبشة وملك ملوكها تيودوروس، وكان في عزم سعيد باشا إعداد جيش مصري كبير للرد على عدوان الحبشة.

على أن سعيد باشا رأى أن يحل الخلاف بطريقة ودية، فاستعان بصديق حميم للنجاشي وهو المطران كيرلس المرشح بابا الكرازة المرقسية، فأرسله سعيد على رياسة وفد في باخرة، ووصل كيرلس إلى مجدلة التي كانت عاصمة للحبشة يومئذ، وتقدم النجاشي تيودوروس وقبَّل يد المطران كيرلس وقبَّله المطران في جبينه، وقد رغب تيودوروس أن «يمسحه» المطران ملكًا على ملوك الحبشة، فنفذ الرغبة وأُقِيمت حفلة ودُقَّت النواقيس، ومسح كيرلس تيودوروس ملكًا على ملوك إثيوبيا.

وبعد ذلك فاوض كيرلس الإمبراطور في إعادة الأراضي التي اغتصبها من مصر، فقبل الإمبراطور وانتهى النزاع.

الحبشة وزعامة مصر الدينية عليها

كثرة سكان الحبشة أو ثلثاهم من المسيحيين الأرثوذكس الذين يدينون بالولاء والطاعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، ولهذه الكنيسة مندوب في الحبشة هو القمص سيداروس الأنطوني من بلدة النغاميش بمركز البلينا، وقد رسمه غبطة الأنبا يؤنس مطرانًا باسم الأنبا كيرلس وعيَّنه مطرانًا للحبشة سنة ١٩٢٩، ومن اختصاص المطران أنه لا يجوز لغيره تتويج إمبراطور الحبشة، وبعد مسحه تجوز مبايعته والمناداة به ملكًا على ملوك الحبشة، ومن واجبات المطران أنه في حالة الحرب يخرج في مقدمة الجيش، يبارك الجنود قبل الهجوم ويصلي من أجلهم في أثناء حربهم.

بين الحبشة والسودان

بعد استعادة الخرطوم صعدت الجنود المصرية في النيل الأزرق إلى «فامكا» ومنها إلى «القلابات»، والتقت بجنود حبشية كان الرأس ما كونن قد أرسلها إلى بني شنغول لإخضاع شيخها.

ولكن لم يحصل تصادم بين الجنود المصرية والحبشية.

وقد عُقِدت بين إنجلترا والحبشة في ١٥ مايو سنة ١٩٠٢ معاهدة حُدِّدت بها التخوم بين الحبشة والسودان، وتعهد منليك بأن لا يقوم بأي عمل يترتب عليه حجز ماء بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو نهر السوباط أو منع وصول الماء إلى النيل، ووافق على إعطاء امتياز بإنشاء سكة حديدية بريطانية تصل بلاد السودان بإقليم أوغندا مجتازة بلاد الحبشة إذا ما دعت الضرورة ذلك.

الأزهر والحبشة

ندب الأزهر بعثة من علمائه إلى الحبشة، وهما صاحبا الفضيلة الشيخان محمود النشوي ويوسف علي يوسف، وقد وصفا مهمتهما كما يلي:

لما كان الجامع الأزهر الشريف مبعث الهداية الإسلامية ومشرق نورها في جميع أنحاء الدنيا، اتجه إليه المسلمون من جميع الأقطار يطلبون منه في إلحاح أن يبعث إليهم من صفوة خريجيه من يرشدهم ويفقههم في أمور دينهم، وينشر بينهم الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وكان من بين البلدان التي تقدمت إليه بهذا المطلب: جنوب أفريقيا وأمريكا واليابان وبلاد الحبشة، وقد سارعت مشيخة الأزهر الجليلة إلى دعوة خريجي قسم التخصص واختبرتهم اختبارًا عامًّا بعد أن أُلِّفت لجنة عليا لهذا الغرض، وكان من حسن حظنا أن ندبتنا مشيخة الأزهر للذهاب إلى بلاد الحبشة لنشر الثقافة الإسلامية فيها.

وقد سافرنا من بورسعيد في يوم ٣١ يناير سنة ١٩٣٥، وقد وصلنا إلى أديس أبابا عاصمة إثيوبيا يوم ٦ فبراير، وكانت رحلتنا إليها جميلة وسارة، وقد فرح المسلمون بقدومنا وأقبلوا علينا مرحبين مهنئين شاكرين لمصر وللجامع الأزهر فضله عليهم وتلبيته طلبهم، وقد وجدنا في العرب ومسلمي الحبشة أهلًا بأهل وإخوانًا بإخوان، ولا يفوتنا شكر رجال القنصلية المصرية وفي مقدمتهم حضرة القنصل الكريم؛ فهم ما فتئوا يساعدوننا بمعلوماتهم واختباراتهم.

وبعد أسبوع من وصولنا، أعني بعد أن خفت الزيارات وقلت وفود المرحبين بدأنا عملنا في مدرسة نادي الاتفاق الإسلامي، واتخذنا من المسجد ميدانًا لإلقاء العظات التي رأينا أنها تنفع مسلمي هذه البلاد.

أما المدرسة فإن العمل فيها شاق إلى أقصى حد؛ نظرًا لاختلاف أسنان الطلبة فيها وتباين بيئاتهم وتعدد لغاتهم؛ ففيها أحباش وعرب يمنيون وحضرميون وهنود وأتراك وصومال، والطلبة الأحباش أنفسهم من مقاطعات مختلفة مما يجعل الدرس الواحد يعادل خمسة دروس في مصر على الأقل، ولكنا في الوقت نفسه نجد سرورًا في العمل بها للتقدم الحسن الذي نشاهده في طلبتها، وقد أصبح سهلًا عليهم وخصوصًا طلبة الفرق المتقدمة أن يفهموا العربية الصحيحة.

ونحن نقوم الآن بتدريس أهم المواد وأشقها؛ كالتوحيد وفقه الشافعي والتاريخ والأخلاق الدينية وتحفيظ القرآن الكريم بطريقة تجعلهم يدركون المعنى الإجمالي لكتاب الله، وقد وجدنا في استعداد أبناء المدرسة الفطري وذكائهم الطبيعي خير معوان لنا على أن نتقدم بالأولاد في هذه المدة الوجيزة التي قضيناها بينهم في المقررات الموضوعة رغم أنها في حاجة إلى تهذيب؛ فهي بوجه عام فوق مستوى الأولاد، ونرجو في المستقبل أن نُوفَّق لإقناع القائمين بإدارة المدرسة بذلك حتى نعمل على تعديلها بما يناسب مدارك الطلبة وتحقيق الأمل المنشود في هؤلاء التلاميذ الذين لا شك في أنهم ستتغير بهم حالة مسلمي الحبشة متى صاروا رجالًا.

وأما الوعظ فإننا نرى أن الحبشي مفطور على حب الدين وإجلال رجاله، والعقل الحبشي من أخصب العقول لتلقي العظات والانتفاع بها، فهم قوم قلوبهم طاهرة نقية، فحينما يلقي أحدنا العظة يترامى الناس — وخصوصًا الأحباش — على يديه وكتفيه بل رجليه لثمًا وتقبيلًا، ومما يدل على أن احترام الأحباش لرجال الدين عام أن المسيحيين منهم حينما يقابلوننا يحيوننا بالانحناء الشديد وبرفع قبعاتهم إجلالًا، وتلك هي التحية الحبشية ونحن نرجو أن نصل بالمسلمين منهم إلى الاكتفاء بالتحايا التي يجيزها الإسلام فحسب.

وقد تخيرنا من موضوعات الوعظ التعليم والحث عليه، ومما لاحظناه أنه يندر أن تجد مسلمًا لا يعلِّق التمائم والأحجبة المتعددة الكثيرة على صدره، وهذا يدل على أنهم يعتقدون في الدجالين والمشعوذين ويقدمون إليهم نفسهم ونفيسهم على فقرهم وحاجتهم، وكذلك وعظناهم في البغاء وضرورة الابتعاد عنه وخاصة لما يترتب عليه من الأمراض الخبيثة المنتشرة فعلًا بينهم والتي لا يهتمون بعلاجها، كما نهيناهم عن كثير مما يفعلونه في أعراسهم ومآتمهم والإسلام لا يجيزه، وإنه ليسرنا أن نجد نصائحنا وعظاتنا تنفذ إلى قلوبهم ويعملون بها.

وإنا لجادون الآن في دراسة عادات البلاد وأحوالها الاجتماعية دراسة جدية، مع النظر فيها من الوجهة الإسلامية حتى تكون عظاتنا مبنية على أساس متين، ولا يفوتنا أن نذكر أن من طرق الوعظ والتعليم في هذه البلاد افتتاح المنازل وإلقاء دروس بها وإفتاء من يحضر للاستفتاء بها، ونحن مجاراة للعرف نستقبل الناس يوميًّا بعد أداء أعمالنا الأخرى.

وقد عُرِض علينا كثير من الفتاوى فأجبنا بما كان موضع الثقة والقبول، ومما تحسن الإشارة إليه أن الفتيا والقضاء في هذه البلاد على مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه، وهو المذهب الذي يعتنقه معظم مسلمي الحبشة، والذي يقوم بالقضاء بينهم قاضٍ واحد «بأديس أبابا»، وحكمه نافذ إلا إذا استُؤنِف أمام هيئة أخرى من العلماء، وكثيرًا ما قمنا نحن بمهمة النظر في القضايا المستأنفة وهو ما يستلزم منا مراجعة وبحثًا طويلين.

ومما استُفتِينا فيه أخيرًا أن شابًّا تزوج بفتاة بكر، وفي اليوم التالي لزواجه بها طلب استرداد المهر مدعيًا أنه وجدها ثيبًا؛ فرفع والد الفتاة دعوى أمام القاضي طالبًا حد المتهم حد القذف … وأشباه ذلك مما يُعرَض علينا كثير.

وفي البلاد هيئات متعددة، منها: نادي الاتفاق الإسلامي، والجمعية الوطنية، وجمعية التعاون. وصلتنا بنادي الاتفاق الإسلامي وثيقة بحكم عملنا الرسمي، وهو أهم هذه الهيئات وأغناها وأنفعها وأوسعها نفوذًا، ونحن نرجو أن توجد في المستقبل القريب في هذه البلاد شبيبة حبشية مسلمة تقوم على أكتافها نهضة تتقدم بها هذه الأمة النبيلة. ا.ﻫ.

(٢٤) تجارة الرقيق في الحبشة

مما يأخذه السنيور موسوليني على الحبشة أنها لا تزال تبيح الرقيق، وقد وضعت اللادي سيمون عقيلة السير جون سيمون الوزير الإنجليزي المشهور كتابًا عن «تجارة الرقيق في العالم»٢ جاء فيه:

إذ كانت لجنة جامعة الأمم ماضية في بحثها، تلقى السراريك درموند سكرتير الجامعة مذكرة في الرقيق من الحكومة الفرنسوية تكشف فيها عن نواحٍ مختلفة من حالة الرقيق والنخاسة في الحبشة.

وقد ختمت الحكومة الفرنسوية مذكرتها بقولها: في ٩ نوفمبر سنة ١٩١٨ صدر مرسوم إمبراطوري يوجه النظر خاصة إلى مراسيم منليك عن منع بيع الأرقاء وشرائهم، وفي يوليو سنة ١٩٢٢ قُبِض على نخَّاسَيْن متلبسَيْن بالنخاسة وشُنِقا في أديس أبابا، ولكن ما زال بعض كبار الرؤساء يشتركون في غزوات الرقيق لكي يخضدوا الفتن على ما يدعون أو يعاقبوا من يرفض دفع الضرائب، وما زال غيرهم في أديس أبابا نفسها يقبلون هدايا من الأرقاء، وما زال مقدمو الأحباش أنفسهم يرفضون أن يعتقوا مستر فيهم في خلال حياتهم، ضاربين بذلك المثل لغيرهم. ما زال كل ذلك قائمًا، وقد يخف هذا الويل ولكنه لن يزول.

•••

ومن المعلوم أن في حيازة الحكومة الإيطالية معلومات كثيرة عن أحوال النخاسة في بلاد الحبشة وما يجاورها، وقد ورد على جامعة الأمم تقارير بأن القناصل الإيطاليين يبذلون الجهد لعتق الأرِقَّاء الذين يجتازون الأراضي الداخلة في نطاق نفوذ الحكومة الإيطالية، وفي خلال نظر الجامعة في موضوع الرقيق وجَّهت الحكومة الإيطالية نظر السراريك درموند إلى غزوة رقيق وقعت واتصل حبرها برجال الحكومة الإيطالية، وأن هذه الغزوة مثال لغيرها وتدل على القساوة والعنف في معاملة المسترقِّين في البيع والشراء. وقد بعثت الحكومة الإيطالية إلى سكرتير الجامعة برسالة وصفت فيها جمعية مؤلفة من ١٥٠ من الأرِقَّاء كانوا يُساقون كالحيوانات إلى المرافئ على الساحل، وإذ كانوا في طريقهم هاجمهم فريق من النخَّاسين المعادِين لأصحابهم، فدارت معركة دموية مثل فيها نحو ثلاثين من هؤلاء المساكين وهم عاجزون كل العجز عن الدفاع عن أنفسهم.

ثم قالت اللادي سيمون: نكتفي بما تقدم من المصادر الأجنبية التي يصح الاعتماد عليها في دراسة هذا الموضوع، ثم عمدت إلى ما نشرته الحكومة البريطانية من الوثائق الرسمية في كتب بيضاء، فاستخلصت منها أهم ما جاء فيها كما يلي:

في سنة ١٩٢٠ ظهر أول كتاب أبيض في هذا الموضوع، وكل كتاب أبيض تصدره وزارة الخارجية البريطانية جدير بالعناية والتدبر، ويغلب أن لا تنشر الحكومة البريطانية كلامًا فيه نقد لاذع لأحوال بلاد أجنبية من دون أن ترى السبب كافيًا للنشر.

فإذا طالعت الكتاب الأبيض البريطاني ووجدت كلمة «جهنم» قد استُعمِلت فيه لوصف الحالة داخل بلاد الحبشة لكان ذلك كافيًا لإقناعنا بأن الحالة — من هذه الناحية — على أسوأ ما تكون.

وإليك الحادثة التالية:

وجد الكابتن كوكراين — وهو الضابط البريطاني المسئول في موبال — نفسه أمام طائفة من الأرقاء الفارِّين من الحبشة واللاجئين إلى موبال، وليس من الصعب أن يتصور المرء حالة هذا الضابط البريطاني المقيم في موقع من أبعد المواقع الأفريقية عن العمران وليس لديه إلا مئونة محدودة له ولموظفيه، عندما وجد أنه عاجز عن العناية بجماعة كبيرة من هؤلاء اللاجئين المذعورين؛ فعزم على أن يتوسل إلى أحد حكام الحبشة المشهورين بأنه أقل عسفًا من غيرهم في هذا الصدد، فأعاد الكابتن كوكراين هؤلاء الأرقاء اللاجئين إلى حاكمهم متوسلًا إليه أن يُعنَى بهم ويحسن معاملتهم، وكان هو يشك بعض الشك في إمكان استجابة طلبه، كما يبدو من قوله في كتابه إلى آتوجابرو؛ إذ قال فيه: «… وأنتم تعلمون أن حكومتي ما كانت لترضى بإعادة اللاجئين لو كانت تظن أنها تعيدهم إلى «جهنم» التي فروا منها.» وقصده واضح وهو أن يستثير نخوته.

وفي عبارة أخرى من هذه الرسالة يقول الكابتن كوكراين، وكأنه يصف جهنم الأرقاء:

ولكن إذا ثبت أن هؤلاء اللاجئين نالوا عقابًا أشد من العقاب العادل لفرارهم، أو إذا شُوِّهوا، أو حُرِموا حريتهم … فأؤكد لكم أن حكومتي في المستقبل لن تفكر في إعادة اللاجئين إلينا من بلادكم.

أما الوزير البريطاني في أديس أبابا فيعلق على الحادثة بقوله في رسالة رسمية إلى وزارة الخارجية:

… أخشى أن تكون تأكيدات آتو جابرو لا قيمة لها، وإنني ليحزنني أن أتصور العقاب الذي سوف يناله هؤلاء المساكين عند وقوعهم ثانية في قبضة أسيادهم السابقين.

وتلاحظون جنابكم أن بعض نساء القبيلة نبذت عائلاتها وفرت ثانية إلى المنطقة البريطانية مفضلة ذلك على مواجهة ما يعلمن أنه مصيرهن بلا شك.

وقد حاولت وزارة الخارجية البريطانية أن تتحقق من عدد الأرقاء في تلك المنطقة، فرد الكابتن كوكراين على سؤالها بقوله أنه يظن أن كل حبشي على الحدود تقريبًا يملك عبدًا أو أكثر.

وقد كتب كاتبان إنجليزيان — هما الدكتور ريس شارب والماجور دارلي — سلسلة مقالات في جريدة وستمنستر غازيت، وصفا فيها ما صادفاه في بلاد الحبشة.

ثم كتب الماجور دارلي كتابًا مستقلًّا في هذا الموضوع، وقد اطلع الكابتن كوكراين على ما كتبا؛ فوافق على معظم ما جاء فيه وخالفهما في بعض الأمور.

وقد أشارت الحكومة الفرنسوية إلى ما كتباه، فذكرت مواضع خطأ أو مبالغة فيها، ولكنها قالت إن ما جاء في هذه المقالات هو «صحيح بوجه عام».

ومن أقوالهما أن الأرقاء في أديس أبابا أكثر من الأحرار، وأن الحالة ساءت جدًّا بعد وفاة منليك الثاني سنة ١٩١٣؛ فكانت النخاسة وعنف أصحابها سببًا في خراب بقع من البلاد كانت عامرة، فأصبحت مناطق تنعق فيها البُوم وتسرح فيها الذئاب والضباع.

وقد شبَّه الماجور دارلي الخراب الذي حل بمنطقة عرفها عامرة قبل عشر سنوات بقوله أنه أتم من تخريب الجراد وأفظع.

ثم أشار الكاتبان٣ إلى الغزوات التي يقوم بها النخاسون إلى السودان وكنيا وغيرها من البلدان المجاورة، وقد نشرت الحكومة البريطانية من عهد قريب جدولًا ذكرت فيه جميع هذه الغزوات التي حدثت في كنيا والسودان بين سنة ١٩١٣ وسنة ١٩٢٧، ويقول السرجون مافي في أحد تقاريره أن: «الراجح أن جميع الغزوات لم تُذكَر.»

ويُؤخَذ من هذه الجداول أن الغزوات كانت في بعض الأحيان بالاتفاق مع الحكام والرءوس أو مع ممثليهم.

وقد كتب كاتب أمريكي يُدعَى جيمس بوم كتابًا عن الحبشة بعد سفره في لجنة للبحث العلمي هناك، ومما قاله في كتابه على ما روته اللادي سيمون في كتابها أنه قابل الرأس تفري مرارًا، وقال له في إحداها أنه إذا لم يخطُ خطوة حاسمة لإلغاء الرقيق سريعًا، فقد تفوز دولة أوروبية بموافقة العالم المتمدن وتأييده على خطة غرضها إدارة بلاده.

وقد أشارت اللادي سيمون في آخر فصلها هذا إلى نية الإمبراطور الحسنة وأنه ينتظر عونًا في سبيل هذا الغرض العالي من جامعة الأمم والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن البحث في هذا الموضوع لا يتسع له المقام اليوم.

(٢٥) المعاهدات الدولية بشأن الحبشة

نشرت مجلة الإيكونومست الإنجليزية مقالًا عن الحبشة ضمنته بيانًا للاتفاقات٤ الدولية التي تمت بشأنها: «حُدِّدت العلاقات بين إيطاليا والحبشة لأول مرة بمعاهدة «أوتشيالي» سنة ١٨٨٩ التي وافق بمقتضاها منليك صاحب شوا — الذي صار فيما بعد الإمبراطور منليك — على الاستعانة بالحكومة الإيطالية في أية مفاوضات محتملة مع الدول والحكومات الأخرى، وذلك مقابل تعضيد إيطاليا في مطالبته بالعرش.

وفي سنة ١٨٩٣ نقض منليك من جهته هذا الاتفاق بسبب العدوان الإيطالي، وبعد هزيمة إيطاليا في عدوة سنة ١٨٩٦ ألغت معاهدة الصلح المبرمة في أديس أبابا في السنة نفسها معاهدة «أوتشيالي».

وفي أثناء ذلك، في سنتي ١٨٩١ و١٨٩٤، عُقِدت ثلاث اتفاقيات بين إيطاليا وبريطانيا العظمى اعترف فيها بدخول الحبشة بأكلمها تقريبًا في منطقة النفوذ الإيطالي، وفي سنة ١٩٠٢ خوَّلت معاهدة الحدود الإنجليزية الحبشية بريطانيا العظمى حقوقًا في داخل منطقة النفوذ الإيطالي المعترف بها، وتعهدت الحكومة الحبشية بأن لا تسمح بأية إجراءات تكون نتيجتها تحويل مياه السوباط أو النيل الأزرق أو بحيرة «تانا» عن مصبها الأصلي في النيل.»

الاتفاق الثلاثي سنة ١٩٠٦

وفي سنة ١٩٠٦ قبل الإمبراطور منليك معاهدة ثلاثية عُقِدت بين بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا تقضي بضمان النظام القائم في الحبشة؛ طبقًا للمقرر في المعاهدات الموجودة.

وتنص المادة الثالثة من هذه المعاهدة على أن لا تتدخل أية حكومة من الحكومات في أية حالة من الحالات أو بأية طريقة من الطرق «في شئون الحبشة» إلا بالاتفاق مع الحكومتين الأخريين، وإذا ما حدث ما يهدد النظام القائم فإن الحكومات الثلاث «تبذل غاية جهدها للمحافظة على سلامة الحبشة» وهي على أية حال تعمل معًا على أساس الاتفاقات المفصلة في المادة السابقة الذكر — وهي المحددة للنظام القائم — لتحافظ على ما يأتي:
  • (١)

    مصالح بريطانيا العظمى ومصر في حوض النيل، وخاصة فيما يتعلق بضبط مياه هذا النهر وفروعه … وذلك دون المساس بالمصالح الإيطالية المشار إليها بالفقرة الثانية.

  • (٢)

    مصالح إيطاليا في الحبشة فيما يتعلق بأريتريا والصومال — بما فيها بينادير — وخاصة مؤخر ممتلكات إيطاليا والأراضي اللازمة للمواصلات بينها بالقرب من أديس أبابا.

  • (٣)

    مصالح فرنسا في الحبشة فيما يتعلق بالحماية الفرنسية المفروضة على ساحل الصومال ومؤخر هذه الحماية والمنطقة اللازمة لإنشاء سكة جيبوتي – أديس أبابا الحديدية، وتشغيلها.

ولا يزال هذا الاتفاق الثلاثي المعقود سنة ١٩٠٦ قائمًا.

(٢٦) تأثير الحرب العظمى

تعهدت كل من بريطانيا العظمى وفرنسا بمقتضى معاهدة لندن السرية في سنة ١٩١٥، التي سببت دخول إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء بما يلي:

إذا ما وسَّعت فرنسا وبريطانيا العظمى مساحة ممتلكاتهما الأفريقية على حساب ألمانيا، توافق الدولتان مبدئيًّا على أن تطلب إيطاليا بعض التعويض العادل، خصوصًا فيما يتعلق بتسوية المسائل المتعلقة بحدود المستعمرات الإيطالية في أريتريا، والصومال، وليبيا، والمستعمرات المجاورة التابعة لفرنسا وبريطانيا العظمى، على أن تكون التسوية في مصلحة إيطاليا.

وفي نوفمبر سنة ١٩١٩ اقترحت إيطاليا على بريطانيا العظمى «كجزء من مفاوضات واسعة النطاق ذات صبغة استعمارية» ما يأتي:
  • (١)

    تعزِّز إيطاليا طلب بريطانيا العظمى الخاص بامتياز إنشاء خزان على بحيرة تانا، «داخل منطقة النفوذ الإيطالي» المحدَّدة بالاتفاقية الثلاثية المبرمة في سنة ١٩٠٦.

  • (٢)

    تعزز إيطاليا طلب بريطانيا العظمى الخاص بإنشاء طريق للسيارات من بحيرة تانا للسودان.

  • (٣)

    وفي مقابل ذلك تعزز بريطانيا العظمى مطالب إيطاليا فيما يختص بالحصول على امتياز لإنشاء سكة حديدية تربط أريتريا بالصومال الإيطالي وتمر غربي أديس أبابا.

  • (٤)

    تحتفظ إيطاليا بكافة حقوقها في المنطقة الإيطالية.

على أن هذا الاقتراح كما يُؤخَذ من المذكرة البريطانية المؤرَّخة ١٤ ديسمبر سنة ١٩٢٥ — التي سيرد ذكرها بعدُ — والموجَّهة إلى إيطاليا، لم يلقَ قبولًا حين عرضه وقتذاك ١٩١٩؛ «نظرًا للمعارضة القوية التي قامت ضد فكرة الترخيص لدولة أجنبية بفرض أي نوع من الرقابة على منابع الأنهار اللازمة لرخاء مصر والسودان، بل حياتهما.»

والدول التي حلت محل ألمانيا في مستعمراتها الأفريقية هي: بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، أما إيطاليا فلم تتمكن من تسوية طلباتها إلا متفرقة؛ فالخلاف الذي شجر مع فرنسا على الحدود بين ليبيا وأفريقيا الشمالية الغربية الفرنسية سُوِّي سريعًا، كما سُوِّي الخلاف مع بريطانيا على الحدود بين كنيا والصومال الإيطالي بتنازل بريطانيا لإيطاليا عن جوبالاند في ١٥ يوليو سنة ١٩٢٤، وأخيرًا سُوِّي الخلاف القائم على الحدود بين ليبيا ومصر — التي كانت وقت معاهدة لندن سنة ١٩١٥ تحت الحماية البريطانية — بالاتفاقية الإيطالية المصرية التي عُقِدت في ديسمبر سنة ١٩٢٥.

(٢٧) انضمام الحبشة إلى جامعة الأمم

غير أن التغييرات التي طرأت على خريطة أفريقيا بعد الحرب بعثت الخوف إلى نفس الإمبراطورة الحبشية جوديت ابنة منليك والرأس تفري الوصي على الملك ووارث العرش؛ فقد خشيا الاعتداء على الحبشة بحجة منع تجارة الرقيق والوسائل المؤدية لهذه التجارة وهي تجارة السلاح، وبذلك قدمت حكومة الحبشة في سنة ١٩٢٣ طلبًا للانضمام إلى جامعة الأمم.

وقد انقسمت الآراء في اللجنة السادسة التي فحصت هذا الطلب، فالنمسا وبريطانيا العظمى وسويسرا كانت تميل أولًا إلى بحث أهلية الحبشة للقيام بتعهداتها إذا تم قبولها عضوًا بالجامعة، أما فرنسا وإيطاليا فكان من رأيهما أن قبول الحبشة في العصبة سيمهد الطريق إلى إلغاء الرق ويقوي من شأن الحكومة المركزية في أديس أبابا. وأيَّد المندوب الإيطالي طلب الحبشة بكل قوة وهوَّن من شأن الرِّق فيها، وأعلن أن للحبشة الحق في استيراد السلاح حسب حاجتها للدفاع عن نفسها ككل دولة مستقلة.

ثم أُلِّفت لجنة من سبعة أعضاء: الإمبراطورية البريطانية، وفنلاندا، وفرنسا، وإيطاليا، ولاتفيا، وإيران، ورومانيا. وقدَّمت تقريرًا يتضمن أن الحبشة دولة ذات سيادة، لها حكومة ثابتة وحدود معروفة تمامًا، ولكن لمعاونتها في التغلب على الصعوبات التي ربما سبَّبت في الماضي قُصورَها عن القيام بتعهداتها، يجب أن يتوقف قبولها في الجامعة على إمضاء تعهد يتكون من مواد ثلاث؛ تقضي المادتان الأولى والثانية منها بأن تتعهد الحبشة بالقيام بما فرضه اتفاق سان جرمان سنة ١٩١٩ الخاص بالسلاح. وقد عُدِّل هذا الاتفاق من نصوص عهد برلين سنة ١٨٨٥ وعهد بروكسل سنة ١٨٩٠ الخاصَّيْن بتجارة الرقيق الأفريقية، ولا سيما بالحصول على السلاح خصيصًا لاستعماله في هذه التجارة في أفريقيا الوسطى.

على أن اتفاق سنة ١٩١٩ واتفاق جنيف الذي تلاه في سنة ١٩٢٥ بشأن الإشراف على تجارة السلاح لم يُصادَق عليهما البتة. وهذا ما دعا بريطانيا وفرنسا وإيطاليا في سنة ١٩٣٠ إلى تسوية مركز الحبشة باعتبارها دولة ذات سيادة وعضوًا في جامعة الأمم فيما يختص بالحصول على السلاح.

أما المادة الثالثة، فتُعلِن الحبشة بها أنها مستعدَّة في الحاضر والمستقبل لأن تقدِّم إلى المجلس أية معلومات يطلبها، وأن تحل محل الاعتبار ما قد يُقضَى به في شأن القيام بهذه التعهدات التي تعترف باختصاص جامعة الأمم بها.

فلما وقَّعت الحبشة هذا التعهد أقرت جامعة الأمم بالإجماع طلب انضمامها بخمسة وأربعين صوتًا، وكان ذلك في ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٢٣، ومن ثم أخذت على عاتقها كافة الالتزامات المبينة في عهد الجامعة وأصبحت عضوًا في مكتب العمل الدولي.

(٢٨) الاتفاق الإيطالي الإنجليزي سنة ١٩٠٥

وفي سنة ١٩٢٤ دخلت حكومة العمال في بريطانيا في مفاوضات مع الحبشة بشأن بحيرة تانا، ولكن هذه المفاوضات لم تؤدِّ إلى نتيجة غير أن الحكومة البريطانية التي تلتها «حكومة المحافظين» أبرمت مع الحكومة الإيطالية اتفاقًا في ديسمبر سنة ١٩٢٥ تقرر فيه — طبقًا للمذكرة البريطانية المؤرخة في ١٤ ديسمبر سنة ١٩٢٥ — أن تقوم الحكومة البريطانية بمساعدة الحكومة الإيطالية في طلبها الخاص بإنشاء السكة الحديد المرغوب إنشاؤها من أريتريا إلى الصومال الإيطالي عن طريق غربي أديس أبابا، مقابل تعضيد الحكومة الإيطالية لها في طلبها الخاص بالحصول على امتياز من الحبشة لبناء خزَّان على بحيرة تانا وطريق للسيارات منها إلى السودان. وفضلًا عن ذلك إذا حصلت بريطانيا العظمى على امتياز بحيرة تانا، وإذا تعهدت إيطاليا بعدم التعرض لجريان الماء إلى مجرى النيل الرئيسي تَعِد الحكومة البريطانية بأن: «تعترف بتفرد النفوذ الاقتصادي الإيطالي في غربي الحبشة وفي جميع المنطقة التي ستمر فيها السكة الحديد المشار إليها فيما تقدم، وتَعِد أيضًا بتعضيد جميع المطالب الإيطالية قبل الحكومة الحبشية لنيل امتيازات اقتصادية في هذه المنطقة.»

وهذا الاتفاق الإنجليزي الإيطالي يتعارض في ظاهره مع نصوص الاتفاقية الثلاثية لسنة ١٩٠٦، ولكن حدث في ٢ أغسطس سنة ١٩٢٦ أن أخبر سير أوستن تشامبرلن مجلسَ النواب بأنه يعتقد أن «الفرنسيين قد اقتنعوا تمامًا بما تلقوه من تفسيرات»، على أن الحكومة الحبشية في أثناء ذلك — فضلًا عن التخوف من وجهة النظر الفرنسية — عارضت في الاتفاق الإنجليزي الإيطالي وفي نصوصه، وأبلغت ذلك إلى كُلٍّ من الحكومة البريطانية والحكومة الإيطالية، وانتهت إلى إبلاغ اعتراضها هذا إلى جامعة الأمم.

ولكن المسألة لم تُعرَض قط على المجلس؛ لأن بريطانيا وإيطاليا نشرا تفسيرات متواضعة لاتفاقهما هذا، فحواها: «أن الاتفاق كفل مركز بريطانيا ضد المنافسة الإيطالية للحصول على امتياز بحيرة تانا، وضمن مركز إيطاليا ضد المنافسة البريطانية التجارية في المنطقة التي تنفرد فيها إيطاليا بالنفوذ الاقتصادي.»

(٢٩) المعاهدة الإيطالية الحبشية في سنة ١٩٢٨

وفي ٢ أغسطس سنة ١٩٢٨ وقَّع الرأس تفري معاهدة صداقة وتحكيم مع إيطاليا تمتد أحكامها لعشرين عامًا، وتنص المادة الثانية منها على أن كلًّا من الحكومتين تتعهد بعدم اتخاذ أي إجراء ضار باستقلال الأخرى، وتنص المادة الخامسة على: «أن الحكومتين توافقان على الالتجاء إلى التسامح والتحكيم في أية مسألة قد تُثَار فيما بينهما ولا يمكن تسويتها بالوسائل الدبلوماسية المعتادة، وذلك بدون التجاء إلى القوة المسلحة، ويُختَار المحكمون بتبادل المذكرات.»

(٣٠) الحبشة وتجارة السلاح

وأبرم الرأس تفري في أغسطس سنة ١٩٣٠ معاهدة — لا تزال قائمة — مع بريطانيا وفرنسا وإيطاليا بشأن الإتجار بالسلاح، فإن اتفاق سان جرمان واتفاق جنيف سنة ١٩٢٥ لم ينالا من مصادقة الدول ما يكفي لتنفيذهما؛ ولذلك سوَّت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والحبشة ما بينها لغرضين:

  • الأول: تمكين إمبراطور الحبشة من الحصول على السلاح والذخيرة اللازمة للدفاع عن حياضه من تعدي الأجنبي، وللمحافظة على النظام في داخل بلاده.
  • الثاني: منع الأشخاص غير المرخص لهم من الحصول على الأسلحة. وسُلِّم للحبشة طبقًا لمعاهدة سنة ١٩٣٠ بحق شراء السلاح من الخارج، ولكن بشرط ألا يُرخَّص بدخول الواردات إلى الحبشة إلا بأوامر موقعة ومختومة من «الإمبراطور أو ممن يرخص له بالنيابة عنه».

(٣١) الاتفاق الحبشي الفرنسي في سنة ١٩٣٥

وفي ٧ يناير سنة ١٩٣٥ اتفق مسيو لافال وسنيور موسوليني في روما على تسوية المنازعات الناشئة عن مناطق نفوذ كل منهما في أفريقيا الشمالية، فنزلت فرنسا عن ٢٥٠٠ سهم من ٣٤٠٠٠ في سكة حديد جيبوتي – أديس أبابا، وقطعة من الأرض مجاورة لليبيا الجنوبية. وكان هذا الاتفاق في مصلحة فرنسا لدرجة كبيرة إذا عرفنا سياستها الأوروبية، وقد أُشِيع بلهجة التأكيد أن فرنسا تفاهمت تفاهمًا تامًّا مع إيطاليا على الأغراض الأخيرة في الحبشة، ولكن مسيو لافال نفى نفيًا باتًّا في ١٩ يونية سنة ١٩٣٥ أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب أن الحكومة الفرنسية وافقت على إطلاق يد إيطاليا إطلاقًا تامًّا في الحبشة.

(٣٢) حقائق مستخلصة من المقال

وهنا ينتهي مقال الإيكونومست أما الحقائق التي تُستخلَص منه فهي:
  • اتفاقية جغبوب: يتضح لنا أن اتفاقية جغبوب بين مصر وإيطاليا — وقد تمت على يد الوزارة الزيورية سنة ١٩٢٥ وكنا فيها الخاسرين — لم تُراعَ فيها مصلحة مصر، وإنما تمت تنفيذًا لرغبات الإنجليز الذين تعهدوا بتسوية هذه المسألة وغيرها في عام ١٩١٥ لمصلحة إيطاليا.٥
  • خزان تانا: لست أدري أخزان تانا في مصلحة مصر أم أن مصلحتها فيه تنشأ بعد نصف قرن، ولكن ما أدريه هو أن الحكومة المصرية تهتم اهتمامًا جليًّا بإنشاء هذا الخزان، وكان إنشاؤه رغبة إنجليزية ذُكِرت صراحة في المعاهدة الإيطالية الإنجليزية المعقودة في عام ١٩٢٥ من جهة أخرى.
  • موقف إنجلترا: يتبين لنا أيضًا أن موقف بريطانيا تجاه إيطاليا الآن هو كما يلي: إن حجة إنجلترا الآن في معارضة إيطاليا في مطامعها في الحبشة هي المحافظة على السلام وعلى كيان جامعة الأمم والتعهدات المرتبطة بها.

وقد حدث عام ١٩٢٥ حينما كانت جامعة الأمم قائمة بخير والحبشة وإيطاليا وبريطانيا أعضاء متساوين فيها، في ذاك العام عاهدت بريطانيا إيطاليا على تعضيدها للحصول على امتياز بمد سكة حديدية تمر بمنتصف الأراضي الحبشية مع الاعتراف بتفرد النفوذ الاقتصادي الإيطالي في تلك المنطقة. والوعد بتعضيد كل طلب لنيل امتيازات اقتصادية يؤدي إلى استعباد الحبشة، والنزول بها من مصاف الدول المستقلة ذات السيادة — وهي الصفة التي انضمت بمقتضاها الحبشة إلى عصبة الأمم — إلى مستوى المناطق المفتوحة للاستعمار الأوروبي.

ولا أفهم هذا التناقض إلا على أساس واحد هو أن إنجلترا كانت مستهينة بقوة إيطاليا سنة ١٩٢٥ أو مخطئة في تقديرها، فلما اتضح لها بعد عشرة أعوام أن إيطاليا تصير جارة لا يُؤمَن جانبها غيرت سياستها.

(٣٣) حكومة السودان وكيف تكافح النخاسة

جاء في كتاب اللادي سيمون: «لموضوع الرقيق في السودان صلة وثيقة بمشكلته في الحبشة؛ لأن طوائف الأرقاء الفارين كثيرًا ما تلجأ إلى السودان؛ فإعادتهم من حيث أتوا إلى القيود التي فروا منها ظُلْمٌ واشتراك في النخاسة، والاحتفاظ بهم يقتضي تدبير أمور معيشتهم علاوة على ما قد يجر إليه من جدال مع حكام بعض الولايات الحبشية المجاورة أو تعقيدات دولية.

•••

أما في السودان نفسه فحيازة الرقيق قد زالت تمامًا أو كادت من المنطقة التي إلى شمال الخرطوم، ولكن في بحر الغزال ومنجلة ومناطق أعالي النيل وهي المناطق الجنوبية توجد جماعات قليلة تملك أرقاء.

بقيت المناطق المتوسطة، وهي: كردفان، وكسلة. والحالة فيهما تحتاج إلى سهر الحكومة وعنياتها، وإنه ليسرني أن أقول أن الحكومة باذلة جهدها في هذه الناحية.

•••

في هذه المنطقة المتوسطة التي تبلغ مساحتها ١٢٠ ألف ميل مربع عدد الموظفين الإنجليز يسيرٌ جدًّا، وصعوبة معالجة الحال فيما يتعلق بالرقيق ناشئة في الغالب عن أن أغلب السكان من قبائل الرحل.

وليس في الإمكان معرفة عدد الأرقاء في هذه المنطقة معرفة مضبوطة، ولكن المأمول أنه إذا جرت الحكومة على غرار حكومة بورما يمكن الحصول قريبًا على تقدير مضبوط لعدد الأرقاء؛ فيكون هذا التقدير خطوة أولى نحو الإلغاء التام.

•••

والقبيلة الرئيسية في كسلة التي تملك أرقاء هي قبيلة اللحوبين، ومصدر أرقائهم في الغالب من الحبشة، ولكن من المتعذر معرفة عدد الأرقاء الذين تملكهم هذه القبيلة والقبائل التي تجاورها.

ومما يقوي الأمل بإبادة الرقيق من السودان زيادة سهر الحكومة على الموضوع وقيام حركة اقتصادية نشيطة تغري بالعمل، وبها بدأ السوداني يفهم أنه متى حصل على عمل يعمله أصبح حرًّا حقيقة، وهذه الأنباء والآراء بدأت تتسرب إلى حدود الحبشة، وقد يكون لها تأثير كبير في موضوع الرقيق في الولايات الحبشية المحاذية للسودان.»

والظاهر مما كتبته اللايدي سيمون مؤيَّدًا بالأدلة من الوثائق الرسمية أن هذا الاتجاه في حركة الأرقاء من الحبشة إلى السودان؛ ليعملوا فيها ويصيبوا الانعتاق من رق، قد أصبح ظاهرًا وأنه آخذ في الازدياد.

وقد أوردت اللادي سيمون عدة رسائل من شيوخ وضباط حبشيين إلى مأموري بعض المراكز السودانية تدل دلالة واضحة على ما تقدم.

وعلى سبيل المثال، ننقل جانبًا من الكتاب التالي وهو مرسل إلى مأمور القضارف:

المسألة هي أن جميع الأرقاء في منطقة قبطية فروا إلى القضارف؛ ولذلك أصبحنا نحن المساكين المظلومين لأنه يصعب علينا أن نمضي في شئوننا من دونهم؛ ولذلك بعثت إليك الآن بابني لتساعدنا في الموضوع المتقدم.

وقد عالج السير أوستن تشمبرلين لما كان وزيرًا للخارجية البريطانية هذا٦ الموضوع من الناحية الدولية في رسالة بعث بها إلى جمعية مقاومة الرقيق وحماية الأهلين الأصليين، قال فيها إن هذا الاتجاه من الحبشة إلى السودان قد بدأ قبل عشر سنوات، وإنه يزداد ويتسع من حيث عدد الأرقاء الفارين وعدد النقط التي يجتازون عندها الحدود بين الحبشة والسودان.

ومما قاله أن مستندات مديرية كسلة تدل على أن ١٧٣ عبدًا اجتازوا الحدود بين الحبشة والقضارف في السنوات العشر السابقة على رسالته. وهذا الرقم يشير إلى الذين دُوِّنت أسماؤهم فقط، والراجح أن هناك أرقاء لجأوا إلى السودان ولم يُعرَفوا أو لم تُدوَّن أسماؤهم.

•••

فماذا تفعل حكومة السودان بالأرقاء اللاجئين إليها؟

لقد أشار السير أوستن تشمبرلين إلى ذلك في رسالته التي تقدم ذكرها، فقال إنهم يُرسَلون إلى محطة خاصة بذلك أُنشِئت في غرب القاش على مقربة من كسلة، فيُعطَى الرجال عملًا ويبحث النساء عن أزواج. ويقال إن هذه المحطة ناجحة ومواليدها جميعهم أحرار.

هؤلاء اللاجئون يُخيَّرون بين النزول في منطقة الروصيرص، وهي على نحو ستين ميلًا من الحدود الحبشية السودانية؛ حيث أُنشِئت محطات خاصة للاجئين، أو الذهاب إلى الشمال إلى مديرية الفونج، فيزداد بُعدهم عن حدود البلاد التي فروا منها — وهم يختارون الأول في الغالب — ومعظم الأعمال التي يُعهَد إليهم بها هي الزراعة والبناء. وقد حدث أن أكثر من جماعة واحدة منهم دخلت السودان وهي في حالة تُرثَى لها من البؤس، فعُقِد لها قَرض على أن يُوفَّى بعد الحصاد وبعد أن تسدد ضرائب السنة السابقة.

•••

وتختم اللايدي سيمون فصلها الموجز عن السودان بقولها أن العبارة في رسالة السير أوستن تشمبرلين التي يصح أن تُعَد أساسًا لخطة حكومة السودان في الموضوع ويجب أن تثلج فؤاد كل خصم «للرقيق» ومظالمه هي هذه العبارة: «… ونحن لم نرغم عبدًا واحدًا فارًّا على العودة إلى الحبشة …»

١  راجع البلاغ.
٢  راجع ص١٦٦ من كتابنا «السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية»، جزء أول.
٣  المقطم.
٤  عرَّب المقال الأديب عبد الخالق ثروت الغمراوي.
٥  البلاغ، عبد الخالق ثروت.
٦  المقطم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١