الفصل الخامس عشر

عاقبة الخيانة الفشل

وفي مساء ذلك اليوم، خرج شفيق من بيته قاصدًا العباسية لترويح النفس، وكان مطرقًا في الأرض كمن يفكر بأمر ذي بالٍ لا يحول بصره إلى شيءٍ من البنايات المزخرفة، والحدائق الغناء التي على جانبي الشارع، فكأنَّه منشغل بتصوراته الغرامية عن النظر إلى تلك المناظر اللطيفة، وبينما هو على هذه الحال اعترضه بخيت بالسلام، فرفع بصره إليه، ولما عرفه خفق قلبه شوقًا وهيامًا إلى ساكنة فؤاده، فرد عليه التحية وسأله: ما وراءك؟ قال: جئتك بأمر من سيدتي، وكنت ذاهبًا إلى محلك فأسعدتني الصُّدف بلقياك هنا.

قال شفيق: هات ما عندك.

قال: إن سيدتي قرأت في جريدة الأهرام عما أنعمتْ به عليك الحضرة الخديوية، فسُرَّت لفوزك، وتكدرتْ لما علمتْ من عزمك على السفر إلى أوروبا قريبًا.

قال شفيق: للضرورة أحكام، وقد قيل: «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.» فما العمل إذن؟

قال: إنها تودُّ مواجهتك قبل سفرك، فهل لديك مانع؟

فظهرت علائم الدهشة والاستبشار على وجه شفيق، فقال: لا مانع لديَّ، فهل عينت المكان والزمان؟

قال: أما الزمان فهو أصيل يوم العاشر من هذا، وأما المكان فهو قصر النزهة بسكة شبرا.

فقال شفيق: سأكون هناك في الوقت المعين، فبلِّغ السيدة فدوى احترامي. ثم ودَّعه بخيت وذهب فأخبر سيدته بما كان.

أما شفيق فعاد إلى بيته ولبث ينتظر الميعاد المضروب وهو في هاجس عظيم إلى أن كان اليوم العاشر، فركب عربة وأمر السائق فسار إلى شارع شبرا. والشارع يومئذ من أجمل متنزهات القاهرة؛ يشرف على أرض قليلة السكن تتخللها مروج خضراء، وحدائق غنَّاء، وعلى جانبي الشارع أشجار باسقة كثيفة، ملتفة الأغصان، تكاد لا تخرقها أشعة الشمس. وكان الخديوي يخرج إلى هذا الشارع بموكبه أيام الجمعة والناس حواليه جماعات من العظماء والأمراء بمركباتهم؛ احتفاءً به، وتيمنًا بطلعته. أما في الأيام الأخرى فالذاهبون إليه قليلون، كما كانت الحال في ذلك اليوم.

فلما وصلت العربة بشفيق إلى قصر النزهة لم يحاول الدخول إليه؛ لعلمه بامتناع ذلك إلَّا على بعض الناس، فنظر إلى الساعة فإذا هي في الثالثة ونصف، وميعاد الاجتماع في الرابعة، فأمر السائق أن يسير به ذهابًا وإيابًا لقضاء نصف الساعة ريثما تصل حبيبته، فلما صارت الرابعة ولم تأت اضطرب باله، فقال للسائق أن يعود به الهويناء؛ لعله يلتقي بعربتها في أثناء الطريق، فعاد حتى اقترب من منتصف الشارع، فلم يشاهدها، فأوجس من تأخُّرها خيفة، وأمر السائق فوقف. أما هو فبهت مفكرًا بسبب تأخُّرها، وقد اشتدت هواجسه حتى نسي موقفه إلى أن نبهه صوت المجري، فالتفت فإذا بها عربة فدوى، فخفق قلبه، وأخذته رجفة الحب، وعلا وجهه احمرار الخجل، ثم عقبه اصفرار الوجل؛ لهول ذاك الملتقى وهو يفكر كيف يقابلها. وقد زاغ بصره لتحديقه بعربتها، فرأى فارسًا متلثمًا قد اعترض السائق وأمره أن يعرج إلى سواء السبيل في مضيق هناك. فلما رأى شفيق جسارته ظن أنه يريد بحبيبته سوءًا، فارتعدت فرائصه من الغيظ، واشتعل قلبه غيرة على فدوى، فقال للسائق: أسرع إلى حيث هذا اللئيم. وأشار بيده إلى ذلك الفارس الملثَّم، فلما وصل أو كاد نادى به: يا لئيم، ما قدرُك لتعترض السيدات على قارعة الطرق؟ اخسأ يا أخسَّ الرجال.

أما الفارس فحوَّل عنان جواده ولم يفُه ببنت شفة، وعاد شفيق إلى عربته بعد أن أومأ إلى فدوى إيماء التحية، وسارت العربتان توًّا إلى القصر فوقفتا، ونزل بخيت ينظر في وسيلة للاستئذان بالدخول، ولبث كلاهما يتسارقان اللحظ وهما في انتظار عود بخيت على مثل الجمر؛ ليدخلا الحديقة ويتفاوضا بما تتحدث به القلوب. وكان كلاهما خائفًا من عيون الرقباء، وقد فعل بهما الحب فظهر تأثيره، وأخذت بهما رجفته، وقوي عليهما الخجل حتى لم يقدرا أن يديما النظر بعضهما إلى بعض، وفيما هما على تلك الحالة سمعا صوت مسير عربة فحولا بصرهما إليها، فعرف شفيق أنها عربة عزيز، فأوجس خيفة من مجيئه وقال: هذا عزيز. فتشاءمت فدوى منه، وأنزلت ستارة النافذة وهي ترتجف من الغيظ.

أما هو فأوقف عربته بإزاء عربة شفيق وحيَّاه تحية المشتاق، فرد عليه التحية وقد ثقلت عليه مقابلته، فتجلَّد وخفض من اضطرابه وقابله ببشاشة ولطف.

فاقترب عزيز منه وهمس في أذنه قائلًا: إنني سررتُ جدًّا لائتلاف قلبيكما؛ فلا أحب أن أثقل عليكما؛ فاسمحْ لي بالذهاب وهمَّ بوداعه، فشكره شفيق ثم سأله عما جاءَ به إلى هناك.

قال: خرجت للنزهة فأسعدني الحظ بلقياكما، فاسمحْ لي بالذهاب، وليوطِّد الله بينكما دعائم المحبة، ثم ودَّعه وعاد إلى عربته، وأمر السائق فعاد. أما سبب مجيئه فهو أنه ما انفك من ليلة الأوبرا يراقب حركات فدوى بمساعدة دليلته العجوز، فعرف أنها خرجت للنزهة ذلك النهار، فتواطأ هو ورجل استأجره بدراهم على أن يتنكر ويعترض لها في الشارع منفردة، فيأتي هو لنصرتها وإنقاذها؛ ظنًّا منه أنها تحبه محبتها لشفيق لأنه فعل ذلك، وهو لا يعلم بتواطُئِها على هذا الاجتماع، فلما اعترض الفارس لعربة فدوى كان عزيز مختبئًا، فلما رأى شفيقًا وما أبداه تنحَّى ولم يره أحد، ثم رأى المركبتين سائرتين معًا نحو قصر النزهة، فأحب استطلاع الحقيقة، فأتى على أثرهما حتى اجتمع بهما، كما تقدم، وعاد وقد علم أن مكيدته انقلبت عليه، ومحبة فدوى لشفيق تمكنت عراها، فازداد غيرة حتى صوَّرت له نفسه أن يفتك بشفيق ولو كلَّفه ذلك بذل الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠