الفصل السادس عشر

الزِّرُّ والدَّبُّوس

أما العربتان فلما لبثتا قليلًا حتى عاد بخيت متهللًا، فسألته فدوى عن الخبر، فقال: ليس في القصر أحد من الخفراء والخدم يا سيدتي، فقالت: وكيف ذلك؟ قال: إنهم خرجوا في جملة من خرج من الجند إلى نظارة المالية لطلب المتأخر من رواتبهم، وتبعهم من بقي من الخدم لاستطلاع النتيجة.

فقالت فدوى: ومتى كان هذا؟ وتهيَّأت للنزول فأخذ بخيت بيدها وأنزلها.

ونزل شفيق من عربته قائلًا وهما متوجهان إلى الحديقة: أما سمعت ما جرى اليوم من هذا القبيل.

قالت: لا.

فقال: إن الجنود المصريين قد اتحدوا وبعثوا مَن ينوب عنهم إلى سراي المالية يطلبون رواتبهم، فأمسكوا برئيس النظار. وكانت فدوى مقبلة إليه بنظرها، فقاطعته قائلة: كيف آل الأمر؟ فقال: آل إلى تفرقهم حالما شاهدوا أفندينا إسماعيل باشا مُطلًّا من إحدى نوافذ السراي، وهو لم يكلِّمهم إلَّا كلمات قليلة، فذهب كلٌّ إلى مكانه.

فقالت فدوى: إني لم أسمع عمري حدوث مثل هذا في زمن إسماعيل باشا.

فقال: إن هذا لم يحدث إلَّا بعد صيرورة الحكومة المصريَّة شوروية.

وكانا يتحدثان وهما ماشيان الهويناء نحو الحديقة وبخيت يتقدمهما حتى دخلا، فإذا هما في حديقة غنَّاء، ملتفة الأشجار، زاهية الأزهار، يانعة الأثمار، قد جمعت بين عذوبة التنسيم واعتلال النسيم، يتخللها ممارٌّ مفروشة بالرمال والحصباء، والماء موزَّع في جنباتها، وفيها مرتفع اصطناعي يزيد تلك الحديقة بهجة وإتقانًا، فسارا إليه ولم يدهشهما شيء من تلك المناظر الآخذة بمجامع النفوس لاشتغال فؤاديهما بما هو أسمى من ذلك.

فنظر شفيق إلى فدوى، فإذا هي على أجمل ما يكون، وقد زادها خجل الحب بهاء، فأبرقت عيناها، وندي وجهها، ولازمتها رجفة الحب فأطرقت في الأرض ولم تقو على رفع نظرها إليه. أما هو فلم يكن أقلَّ منها اضطرابًا. وبقيا على ذلك برهة والحياء يمنع فدوى من النظر إلى وجهه أو مفاتحته بالكلام، فأخذت تشغل نفسها بتلك المناظر؛ لعلها تُسكِّن شيئًا من هياج عواطفها واضطرابها؛ لأنها لم تعتد مجالسة الشبان ولا مخاطبتهم، ولا سيما على انفراد؛ إذ قد عاشت عيشة التحجُّب المتبعة عند عائلات الأتراك، مع أن والدها لم يكن منهم، ولكنه تخلَّق بأخلاقهم، وسار على عوائدهم، فشبت فدوى على ذلك. وما زالا على هذا الاضطراب حتى وصلا المرتفع وقد كساه الزهر، وظلله الشجر، فجلس كلٌّ منهما على مقعد متقابلين يفصلهما ممر الحديقة الضيق، وكلاهما يتناظران بألحاظ ناطقة، ولا يقوى أحدهما على إطالة النظر إلى الآخر، ولبثا زمنًا لا يجسر أحدهما على افتتاح الحديث، ثم رفعت فدوى بصرها تفاتحه بالكلام، فارتج عليها، لكنها تجلدت جهدها وقالت: لقد سرَّنا ما قرأناه في الصحف عن سبقك أقرانك ونيلك إنعام الخديوي.

فأطرق شفيق خجلًا ولم يجب بكلمة، فقالت: ولكن بعض الناس ساءهم الأمر لما يترتب على ذلك الإنعام من الأسفار في أنحاء الممالك الأوروبية بضع سنين. قالت هذا وخنقتها العبرات، ولكنها تجلَّدت وأحبتْ إتمام الحديث فلم تستطع.

أما شفيق، فكان ينكت الأرض بشيء كان في يده إخفاءً لعواطفه حتى سمع منها ذلك، ولحظ ما أرادت، فقال لها: وايْمُ الحق، يا حبيبتي، إني لم أُسرَّ بهذا الإنعام تمام السرور؛ لابتعادي به عن كل الناس، وليس بعضهم؛ فأنت عندي كل الناس، ولكن قد تكرهون شيئًا وهو خير لكم، فعسى أن أُصيب بسفري هذا ما يجعلني أقرب إلى استحقاقك مما أنا الآن؛ فإني لا أجهل منزلتي منك.

فقاطعته قائلة: حاشا لله يا مُنَى فؤادي. إنك في الحقيقة فوق ما أستحقُّ، وأكثر مما أتمنى؛ فنحن لا نُقدِّر الناس بأموالهم، وإنما بصفاء جوهرهم، وصحة أدبهم وشهامتهم، وأنت قد زينك الله بصفات شريفة لو تفرقت في جماعة لكفتهم؛ فإنك غنِيٌّ غنًى لا يستحصل بالقوة ولا بالحيلة، وإنما هي مواهب يخص الله بها من يشاء من عباده.

فالتفت إليها شفيق وقد كاد يتلعثم لسانه وقال: إنك غنية عن الوصف، وقد خصك الله بكمال الصفات، فلا يفي الكلام ولا يحيط بوصفك. أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟! فصفاء عنصرك يجعلك تصفينني بصفاتٍ أنتِ الحقيقةُ بها؛ لسمو أدبك، وتفرُّد صفاتك.

أما هي، فظهر اضطرابها جليًّا مع محاولتها إخفاءه، وكانت تسعى إلى تخفيفه فتنظر إلى جمال الحديقة وتتلاهى بمنظرها اللطيف فلم تقدر، ثم أطرقت في الأرض إخفاءً لاضطرابها، ثم رفعت بصرها إلى شفيق وقالت: إني ممتنة من عواطفك الشريفة التي لا أستحقها، وأسألك أيها الحبيب أن تقول لي: هل أنت حقيقة مسافر إلى أوروبا؟

قال: إن شاء الله.

قالت: ولأي مملكة من ممالكها؟ قال: غالبًا إلى باريس في فرنسا، أو لندرا في إنكلترا.

قالت: هل رضيت والدتك بذلك؟

قال: إذا لم يكن رضاؤها طوعًا، فإذعانًا لحكم الضرورة.

فتنهَّدت وهي مطرقة — وكانت تنثر وردة بأناملها اللطيفة — ثم قالت: إني لأعجب كيف يمكنها البقاء لحظة بعيدة عنك، ولكن … وسكتت كأنَّها تريد كتمان شيء، فبادرها شفيق مستفهمًا عما أرادت السكوت عنه، فقالت … ولكن قد يمكنها الصبر على بعدك لأنها والدتك وأنت ولدها.

فقال مندهشًا: ماذا تعنين بذلك يا فدوى؟

قالت: لا أعني شيئًا، وإنما … وسكتت.

فقال: قولي يا حبيبتي ولا تكتمي عني شيئًا.

فهمت أن تجيبه فخنقتها العبرات وكأنها المقصودة بقول الشاعر:

ترنو إليه بعين الظبي مُجْهِشةً
وتمسح الطل فوق الخدِّ بالعَنمِ

فأخذت شفيقًا الدهشة وخفق فؤاده، فرشقها بنظرٍ مملوءٍ من الحب، وطيَّب خاطرها، وخفف عنها حتى سكنت عواطفها قليلًا، فمسحت دموعها ورَمتْه بسهمٍ من لحظها كاد يقضي عليه، فقرب شفيق مقعده منها وخاطبها بألطف عبارة قائلًا: أتريدين يا حبيبتي أن تخبريني بما عنيتِه بقولك؟

قالت: لم أعنِ غير المفهوم من كلامي.

فقال: لم أفهم منه ما يوجب هذا التأثر.

فأجابته: قلتُ إن والدتك تستطيع الاصطبار على بعدك لأنها والدتك وأنت ابنها؛ أي إنها لا تخاف أن تتخذ لك والدة سواها، أو بدلًا منها. وكانت تخاطبه وهي تكاد تذوب خجلًا حتى لم تقدر أن ترفع نظرها إليه.

فأدرك شفيق مقصودها وقال: لقد فهمت فحوى مقالك، ولكن ذلك كان يجب أن يكون محل اضطرابي لإمكان حصوله إن أخذت بك مطامع الدنيا؛ إذ قد يتهيأ لك من هو أفضل كثيرًا مني، وأما أنا فبخلاف ذلك، ولا أقول إني أعظم ثقة فيك مما أنت فيَّ، وإنما ذلك شأن الجنس اللطيف.

فقالت: إذا كان جنسنا ضعيف الثقة بكم؛ فذلك لما علمهنَّ إيَّاه الاختبار. والآن ما لنا وللجنسين؟ (وظهرت على وجهها أمارات البشر والانبساط) فقد قلت لك إننا لا نقدِّر الناس إلَّا بما فيهم من الصفات الأدبية والشهامة، فإذا كنت مسافرًا إلى أوروبا، أفلا تترك لنا تذكارًا منك؟!

قال: أترك لك قلبي؛ أما يكفيك؟

قالت: ذلك أكثر مما أستحق، وإنما أريد منك عهدًا حسيًّا يبقى لديَّ تذكارًا لك، وشاهدًا لما دار بيننا.

فقال وقد بلغ منه الهيام مبلغًا عظيمًا: ماذا أعطيك وقد وهبتُك قلبي وكل عواطفي؟! ثم أمسك بيدها وقال: أعاهدك، يا فدوى، بالشرف والمحبة الطاهرة التي بيننا، أني أحافظ على حبك حتى الموت، وأقف لك نفسي، ولا أرضى بدلًا منك قط، فأجابته ولسانها يتلعثم قائلة: وما تذكارك عندي؟ ففتش جيوبه فلم يجد ما يليق بالتذكار فقال: ليس لديَّ ما يليق بك يا حبيبتي، فقالت: ما القيمة عندنا للذهب والفضة، فأخرج لها زرَّ ذهبٍ من أزرار زنديه منقوشًا عليه الحرف الأول من اسمه وأعطاها إياه، فتأملته، ولما رأت فيه ذلك الحرف أعجبها كثيرًا، فمدت يدها إلى دبوس ذهبي مرصع كان في صدرها ونزعته وقدمته له قائلة: خذ هذا الدبوس؛ فكلما نظرت إليه تذكرني.

فأخذه شفيق وتأمله، فإذا هو على شكل المرساة في غاية ما يكون من الإتقان، لطيف الهيئة، دقيق الصنعة، فتبسم ونظر إليها نظرًا مملوءًا من الحب قائلًا: لو علمت قبل الآن طلبك لكنتُ أولى منك بتقديم مثل هذه المرساة؛ لأنها رمز عن الأمل، وأؤكد لك أن أَمَلَك في محله.

دار بينهما كل ذلك الحديث وكلٌّ منهما يحاذر أن يمس ثوب الآخر إجلالًا للطهارة والعفة، فما أتما المعاهدة إلَّا وقد ذهب بياض النهار أو كاد، فنهضا يتمشيان في الحديقة والشمس ترمقهما مودعة من خلال الأشجار والأزهار، وهما مشتغلان عنها بتصوراتهما الحبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠