الفصل الحادي والخمسون

البيعة

أما من بقي حيًّا من رجال هيكس فصاحوا يستغيثون الدراويش لكي يكفوا عن قتلهم، فصدر أمر محمد أحمد بالقبض عليهم أحياء، فقُبض على أكثرهم وقيدوا موثقين إلى معسكر المتمهدي.

وكان المتمهدي وقواده في فرح لا مزيد عليه من النصر، وكان الدراويش مشتغلين بالغنائم. أما شفيق فكان يطوف بين القتلى، فإذا بالجثث متراكمة أتلالًا، والدماء جارية نهرًا، فمر بجثة هيكس ملقًى صريعًا بحربة أصابته في صدره، وشاهد علاء الدين باشا في مثل ذلك، وشاهد كثيرين غير هؤلاء عرفهم مذ كان برفقة تلك الحملة، فكاد قلبه ينفطر لتلك المناظر حتى كاد يبكي، ولكنه تجلد خوف الفضيحة. وفيما هو في ذلك رأى الناس يهرولون إلى مكان المتمهدي، فسار في أثرهم، وإذا بالأسرى الذين قبض عليهم قد أوقفوهم في بقعة من الأرض موثقين، وعلى وجوههم علامات الشقاء والتعب والجوع والعطش، فسأل عما دعاهم إلى ذلك، فقيل له إنهم سلموا أنفسهم، وأحبوا مبايعة المهدي، فوقف شفيق ليسمع المبايعة، فإذا بمحمد أحمد قد انتصب بثيابه المعلومة، فجيء له بالفرو ليسجد عليه، فصلى صلاة النصر، وصلى كل من معه، ثم وقف أحد الخلفاء يلقن الأسرى سورة المبايعة، وهم يرددونها بعده حانين رءوسهم إجلالًا لها؛ وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم. بايعنا الله ورسوله ومهديه. بعنا أرواحنا وأموالنا وعيالنا في سبيل الله، فلا نهرب من الجهاد، ولا نزني، ولا نسرق، ولا نشرب الخمر، ولا نعصيه في معروف.

وبعد قليل، أخذ الأمراء والمقدمون يهتمون بجمع الغنائم إلى ما بين أيدي المتمهدي، فأمر خلفاءه أن يأخذوا خمسها له، ويفرقوا ما بقي على الأمراء والمقدمين حسب المعتاد، وكان في تلك الحملة من الغنائم ما لا يحصى عدده من الثياب والدراهم والأسلحة والمدافع. أما الأسلحة والمدافع فسيقت على حدة لبيت المال.

وبعد الاستراحة، عاد الجميع غانمين فائزين قاصدين الأُبيِّض، وقد غادروا جثث هؤلاء المنكودي الحظ ملقاة على الرمال وبين الأشجار تتخاطفها الغربان. فسبحان من جعل لكل نفس أجلًا، ولكل أجل سببًا!

فلما وصلت الحملة إلى الأُبيِّض، ضربت لهم المدافع مائة ضربة وضربة احتفالًا بالنصر، ودخلوا الأُبيِّض باحتفال عظيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠