الفصل الحادي والستون

الدبوس

وسارت مع زوجها حتى دخل على الباشا، فاستقبلها الباشا مطرقًا ولم يرفع إليها نظرًا؛ جريًا على عادة بلاده، وأمر ببخيت فحضر حالًا، فقال له: اذهب يا بخيت بحضرة السيدة إلى سيدتك فدوى، وعرفها بها؛ لعلها تستأنس بمعاشرتها في وحدتها. فلبى بخيت طائعًا وقال: حاضر يا سيدي. وسار بالمرأة حتى أتى باب غرفة سيدته، فأوقفها خارجًا ودخل وحده ليستأذنها، فرآها متكئة مبهوتة لا تبدي حراكًا، فخاف عليها من تلك الحالة، فأخذ يلاطفها ويستعطفها أن تترك الهواجس من بالها إلى أن قال: وقد جاءت امرأة صاحب الفندق لتسلِّم عليك وتسليك، وها هي خارج الحجرة، فهل أدعوها إليك؟ قالت: دعنى يا بخيت وشأني؛ فإني لا آنس ببَشَرٍ، ولم يعد لي أنيس إلا الخلوة؛ لعل خياله يمر بمخيلتي؛ فذلك هو أنيسي. قالت ذلك وبكت، فقال: ما لنا وللبكاء يا سيدتي، فلا تجعلي هذا دأبك؛ إذ لا فائدة منه، واتركي الأقدار تجري في أعِنَّتها؛ فربما تنالين بغيتك ولو بعد حين.

فقالت: دعني يا بخيت. إنك تحبني، ولكنك لم تفعل معي فعلًا تستوجب لأجله محبتي، فإنك لم تقل أمامي إلا أقوالًا تدل على شهامة وغيرة، ولكنها لم تأتني بفائدة تذكر … وسكتت هنيهة ثم قالت: ولكن ما الذي في يدك؟ ألعلك قادر على مقاومة الأقدار؟

فقال بخيت: إنك، يا مولاتي، توقدين في قلبي نارًا تحرق حشاشتي بهذا الكلام، ولا أقول لك شيئًا الآن سوى أني مستعد أن أبذل حياتي في سبيل مرضاتك، وليس لي مجال لأقول أكثر من ذلك؛ لأن سيدة في انتظار إذنك خارجًا، فانهضي غير مأمورة، وأذني لها في الدخول، فإنها تسليك، فإذا لم تؤانسي منها تعزية، فلا تعودي على مجالستها مرة أخرى، وإنما يظهر لي أنها أنيسة لطيفة الذات؛ لأن أهل هذه المدينة يتخرجون في أساليب المحادثة وأنواع الإيناس؛ لكثرة نزول الغرباء بين ظهرانيهم.

فقالت: دعْها تدخل. ونهضت ترتِّب ثوبها وتنظم غرفتها، فلما دخلت المرأة قابلتها بوجه بشوش، وأذنت لها بالجلوس، فبادأتها المرأة بالحديث قائلة: أهلًا وسهلًا بك يا حبيبتي. إنك لقد شرفتنا بقدومك.

فأجابتها فدوى بما عهد بأبناء مصر من اللطف والدعة وحلو الحديث حتى سحرتها.

فدارت بينهما المحادثة على شئون مختلفة، وتخلصتا بها من حالة الهواء إلى عوائد البلاد حتى وصلتا إلى الملابس والحلي — وكانت فدوى قد ألبست زندها سوارًا من ذهب مرصعًا بالياقوت والألماس — فقالت لها المرأة: لا شك أن هذا السوار من صنع أوروبا؛ إذ يظهر أنه في غاية الإتقان، فقالت فدوى: نعم، وهل تريدين مشاهدته؟ قالت ذلك وأخرجته من يدها وناولتها إياه قائلة: وهل يستطيع الصاغة عندكم أن يصطنعوا على مثاله.

قالت: إن الصاغة عندنا ماهرون كثيرًا، وجميع مصاغنا إنما هو من صنعهم، فانظري إلى هذا السوار (وأشارت إلى سوار في يدها)، فإنه من صنع صاغتنا. فتأملته فإذا هو مصنوع من الذهب المعروف بكسر جفت، ومرصع ترصيعًا جميلًا.

ثم أعادت إليها سوارها قائلة: نعم، إن صاغتنا ماهرون، ولكن لا يتأتى لهم مباراة صاغة الإفرنج، فانظري إلى هذا الدبوس (ومدت يدها إلى شعرها واستخرجت دبوسًا مرصعًا بالماس وناولتها إياه)، فإنه من صنع أوروبا — على ما أظن — ولا يمكن صاغتنا أن يأتوا بمثله.

فتناولت فدوى الدبوس، ولما نظرته خفق قلبها ورجفت ركبتاها؛ لأنه يشبه الدبوس الذي أعطته عربون العهد لشفيق، ثم تأملته فإذا هو بعينه، فازداد خفقان قلبها، واصفرَّ وجهها، وازداد ارتجافها حتى صارت تنتفض انتفاضًا، وتلعثم لسانها عن الكلام، وبردت أطرافها، فأدركت المرأة ذلك، فتعجبت منه كثيرًا ولم تفهم له معنى؛ لأنها لم تعلم له سببًا.

أما فدوى فإنها حاولت إخفاء عواطفها فلم تستطع؛ لأن الدموع سبقتها، وأرادت أن تسألها عن كيفية وصول هذا الدبوس إليها فلم يمكنها، وخافت الفضيحة، فأسندت رأسها إلى وسادة المقعد متظاهرة باضطراب في صحتها، فوقع الدبوس من يدها، فتناولته المرأة وشكته في شعرها قائلة: لا أراك الله سوءًا يا ابنتي. ما هذا الاضطراب الذي قد اعتراك؟ هل تأمرين باستدعاء الطبيب؟

قالت فدوى: لا حاجة إلى الطبيب الآن، ولا أعلم إذا كنت أحتاج إليه غير مرة. قالت ذلك وهي ترتجف، فنهضت المرأة تريد إطلاع زوجها على ذلك؛ لعله يخاطب والد الفتاة بشأنها فيأتيها بالطبيب، فاستأذنت وخرجت.

فدخل بخيت فرأى سيدته على تلك الحال، فسألها عن شأنها، فأخبرته عن أمر الدبوس وقالت: أريد منك أن تستطلع أمر هذا الدبوس، وكيف وصل إلى هذه المرأة، فقال: سمعًا وطاعة. وخرج وهو ليس أقل منها انذهالًا في أمر ذلك الدبوس.

أما المرأة فسارت توًّا إلى زوجها، وأحكت له الحكاية إلى أن قالت: يظهر أن هذه الفتاة مصابة بمرض من الأمراض العصبية، وقد علمتُ ذلك من شدة ضعفها وسرعة تأثرها، فهل لك أن تخبر والدها بذلك، وتشير عليه باستدعاء الطبيب؛ لأني أضنُّ بهذه الفتاة لما شاهدت من لطفها وجمالها الذي يغشاه الضعف والنحول.

فاستصوب الرجل رأيها وقال: سأغتنم فرصة مناسبة وأذكر ذلك أمامه.

فلما كان وقت العشاء طلبوا الطعام إلى الغرفة بدعوى أن السيدة لا تجالس النزلاء الغرباء على المائدة العمومية، وتغير الجو تلك الليلة، وتساقطت الأمطار غزيرة، ففضل الباشا الرقاد باكرًا استدفاءً بالفراش.

أما فدوى فقضت كل ذلك الليل وهي في بلبال من أمر ذلك الدبوس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠