الفصل السادس والستون

بطل سنكات

وفيما أن أجول في البلدة جاءني جندي يدعوني إلى مقابلة توفيق بك؛ محافظها، فذهبت إليه وإذا هو جالس على مقعد في ديوانه مقطب الوجه.

فلما دخلت حييت فأذن لي في الجلوس وأخذ يسألني عما سمعته عن حملة باكر باشا، فقلت: إني لم أسمع إلا أنها جاءت لإنقاذكم من هذا الحصار.

فتنهد توفيق بك وهز رأسه وجعل يخاطب نفسه قائلًا: أجاءوا إلينا بنساء أم برجال؟ ثم نهض عن المقعد وجعل يتمشى في أرض الديوان فتعجبت لذلك، ولكني لم أجسر على سؤاله عن السبب حتى عاد إلى المقعد وأشعل سيكارته، وأعطاني سيكارة فتناولتها، وقد راعني منظره ووددت الخروج من الغرفة، فقال يخاطب ضابطًا بجانبه: قد جاء باكر باشا بجنوده لإنقاذنا، ثم علمت أنهم أمروا بالإسراع إلى إنقاذ حامية طوكر، فلما وصلوا آبار التيب نزل عليهم العصاة وأمعنوا فيهم قتلًا ونهبًا. وقد سمعت أن الجنود والضباط لم يحسنوا الدفاع، وليس ذلك فقط، بل إنهم تربعوا على الصعيد وأخذوا يصيحون ويولولون كأنهم نساء، والعرب تعمل السيف فيهم. ولقد ساء ذلك باكر باشا كثيرًا، وكانت النتيجة انكسار النجدة وعودها، وازدياد الحصار علينا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فأخذ ذلك الضابط يخفف عنه ويهون عليه، فقال له: إني لا أخاف الموت من أجل نفسي، ولكني أخشى العار الذي يلحق بحكومتي لإهمالها إنقاذ حامية هذه البلدة التي دافع أهلها دفاعًا حسنًا، وكم من كتاب جاءنا من عثمان دقنا يعدنا مواعيد حسنة إذا سلمنا ولم نُجبه إلا بالتهديد والوعيد!

قال ذلك وجعل يدخن سيكارته كأنه يلتهمها التهامًا وقد اتقد غيظًا، ثم نهض عن المقعد وعاد إلى التمشي. أما أنا فازددتُ رهبة من غضبه حتى لم أعد أستطيع النهوض للانصراف، فلبثت صامتًا.

فقال له الضابط: تمهل يا سيدي، إن الفرج قريب، والحكومة لا تهمل أمرنا؛ لأننا أولادها.

فرفس الأرض برجله قائلًا: كيف نصبر وعن قريب يحل بنا ما حل بهيكس، ولكن ذلك معذور لبعده عن مراكز الحكومة، ولأنهم لم يكونوا يعرفون مقره. أما نحن فمكاننا معلوم، وقد أصبحنا في حال لا تطاق من الضيق الجوع، فإن أهل البلد يأكلون الجلود ولحم الكلاب والخيل والجمال لقلَّة المئونة. وماذا تريد منهم أكثر من هذا الصبر على عهود الحكومة ومصلحتها؟ أما بخيت فخفَّ قلقه على معرفة حال الدبوس لاشتغاله بهذه الحكاية الغريبة، وكان قد سمع عن مقتل توفيق بك قريبًا.

فقال عبود: فعجبت يا أخي لإخلاص هذا الرجل للحكومة، وعظم شهامته، وصرت أقول في نفسي: إنه إذا انحاز إلى العصاة، فلا يلام لأنه اضطر اضطرارًا، ثم خرج البيك من الغرفة فخرجت وقد تحقق عندي تفاقم الخطب، واستفحال أمر العصاة. وفي اليوم التالي، جمع توفيق بك ضباط مجلسه في جلسة حافلة حضرتها.

فقام فيهم قائلًا: ها إن العصاة قد أحاطوا بنا من كل ناحية، والحكومة بعثت إلى نجدتنا حملة لم تصلنا، والبلد في جوع مدقع، ولا أزيدكم علمًا بماذا يأكلون وبماذا يشربون، فالآن إما أن نلبث في الحصار فنموت جوعًا، وإما أن نخرج مستقتلين وندافع عن أنفسنا وحكومتنا حتى يقضي الله بما يشاء، وهو خير الحاكمين، فإذا قُتلنا عن آخرنا؛ فذلك خير لنا من التسليم لقوم طغامٍ يكذبون على الله ورسوله، ويدَّعون المهدوية زورًا، على أننا لو هان علينا التسليم ما أفادنا شيئًا؛ إذ إن عثمان دقنا لا يبقينا في قيد الحياة، فما رأيكم؟

فبهت الجميع وكأنهم قد سحروا بكلام محافظهم المملوء شهامة وحزمًا، فقالوا: الرأي لك.

قال: الرأي عندي أن نفتح أبواب البلدة غدًا بعد أن نخربها، ونخرج بسلاحنا مستقتلين، فإذا لاقانا العدو قاتلناهم إلى آخر نسمة من حياتنا باسم خديوينا توفيق باشا، حتى يقضي الله بيننا وبينهم، ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.

أما أنا فوقعت يا أخي في حيرة، وليس لي إرب في القتال؛ لأني لست جنديًّا، ولا أعرف الدفاع، فندمت على دخولي سنكات، وكذلك رفيقي محمود، فاجتمعت به وتعاهدنا على أن نفرَّ من المدينة تلك الليلة إلى معسكر العدو كما كنا قبلًا، ثم نذهب من هناك إلى سواكن.

فلما كان منتصف الليل لبسنا المرقعيات وخرجنا نريد معسكر عثمان دقنا، فدخلنا مولولين مستنجدين وقلنا: إننا تُهنا عن الطريق فمررنا بجانب سنكات فأطلقوا علينا الرصاص، ولم ننج إلا بعد الجهد والعناء، فطيبوا خاطرنا، وبتنا تلك الليلة. وفي الصباح التالي، تركنا المعسكر وسرنا حتى أتينا سواكن، ولم نبلغها حتى بلغنا خروج توفيق ورجاله قانطين، فهجم العصاة عليهم ولم يبقوا مخبرًا منهم، فأسفت على ذلك البطل أسفي على ذلك الضابط، وركبت البحر من سواكن إلى السويس. وبالاختصار، وصلت إلى هنا منذ برهة يسيرة جدًّا وأنا لا أنسى ذلك الرجل ولطفه وفضله. قبَّح الله العصاة وأعمالهم. وتراني قد علقت الخمرة من ذلك الحين تسلية لي عن فقد ذلك الرجل الشريف.

أما بخيت فكان أثناء تلك الحكاية كأنه أذان صاغية، وقد توسَّم فيها خيرًا، فلما أتم صاحبه الحديث قال له: والله إن حكايتك لفي غاية الغرابة، ولكنا كنا في سياق حكاية الهدايا والحلوانات فقلت: إنك جئت من بلاد السودان بأشياء لم تذكرها.

قال: لقد جئت من هناك بما معي من ثياب الضابط المتقدم ذكره، وفي جملتها دبوس مرصع، فبعته لصاحب هذا المنزل بمبلغ قليل؛ إذ إنه لا ينفعني.

فأخذ قلب بخيت في الخفقان، ولكنه ابتدر عبودًا بالسؤال عن اسم معلمه المشار إليه، فقال: ومن الغريب أنه ضابط إنكليزي، ولكنه كان يعرف العربية كواحد من المصريين، واسمه كابتن شفيق (أي يوزباشي شفيق)، فازداد خفقان قلب بخيت وكاد يطير من الفرح لاكتشافه سر الدبوس، ولكنه أسف لتذكره ضياع ذلك الشاب، فبهت برهة وعبود ينزع الخرقة (الوزرة) عن وسطه لانتهائه من الشغل، ثم قال له بخيت: وهل سمعت شيئًا عن ذلك الضابط؟

قال: لو كنت سمعت عنه شيئًا ما برحت السودان قبل أن ألتقي به.

قال بخيت: ولكنك تقول إنه لم يَسرْ برفقة الحملة، فمن الممكن أن يكون حيًّا بعد؟

قال عبود: آه! لو أعلم أنه حي فأذهب للتفتيش عنه؛ لأني لا أنسى فضله ولطفه؛ فقد كان يحبني ويعدني بمستقبل حسن عنده.

ولم يزد بخيت على هذا الحديث فنهض وودع عبودًا، وفي يده قطع من النقود جعلها في يده قائلًا: إن الباشا مسرور منك، وقد أوصاني أن أكرمك، فتناول عبود الدراهم وقبَّلها قائلًا: ليحي رأس الباشا، وليُطل اللهُ عمره.

ثم خرج بخيت وهو في بحار من الهواجس، وود لو استطاع أن يسير توًّا إلى سيدته يطلعها على ما سمعه، ولكنه سمع الساعة تدقُّ عشر دقات، فعلم أنها تكون في الفراش على أنها إن لم تكن فيه فلا بد من أن يكون والدها عندها، فلا يستطيع إطلاعها على شيء، فسار إلى حجرته على أن يغتنم فرصة في اليوم التالي ويقص عليها القصة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠