الفصل الخامس والثمانون

الرجاء

وعاد بخيت بعد قليل يعود فدوى، فإذا بها على السرير كأنها نائمة، فجعل يلهي نفسه بتقليب أوراق كان نسيها سيده على المائدة، فوقع نظره على ورقة مكتوبة بيد شفيق، فإذا هي الورقة التي أرسلها من الأُبيِّض إلى والديه ينبئهم ببقائه حيًّا، فأخذ يرقص طربًا كأنه أصيب بجِنَّة، ولكنه خاف على سيدته من صدمة الفرح الشديد، فسكَّن عواطفه وتقدَّم نحوها، فأفاقت ونظرت إليه، فإذا في وجهه أمارات البِشر، فنهضت حالًا وسألته عن سبب انبساط وجهه، وكانت لا تستطيع التكلُّم من شدة الضعف، ولكن أمارات وجه بخيت جعلتها تنتعش، فألحت عليه أن يخبرها بما عنده.

فأخذ يمهد لها الخبر لئلا يضر بها بغتة، فقال: ليس عندي إلا الخير، وأما أنت يا سيدتي فاتكلي على الله وهو يمنحك كل ما تريدين.

قالت: قد اتكلت عليه وأنت تعلم ذلك، غير أني أرى مماتي أقل شقاءً لي من حياتي؛ ولذلك قد فضلت الممات.

قال: وهل تحققت يقينًا أن سيدي شفيق غير حي؟ قالت: إن ما علمناه يقرب من اليقين.

قال: كلا، يا سيدتي، بل الأرجح بقاؤه في قيد الحياة.

فانتفضت فدوى عند سماعها ذلك وقالت: ما تقول يا بخيت؟ هل سمعت شيئًا جديدًا بهذا الشأن؟

قال: هبي أني لم أسمع شيئًا، فإن قرائن الأحوال تدلك على ذلك.

قالت: وأي قرائن؟ فإني لا أرى قرينة واحدة.

قال: أول القرائن أنكما تحبان أحدكما الآخر محبة عظيمة، وقد وقعتما في ضيق وخطر مرارًا وأنقذكما الله، فذلك دليل على أنه سبحانه وتعالى يريد بقاءكما؛ لتتمتعا ببقية حياتكما بالرغد، والقرينة الثانية أننا لم نسمع خبرًا صريحًا بقتله أو موته، وكل ما لدينا من الأخبار سلبي، وأما القرينة الثالثة … وسكت والورقة في يده لم ترها فدوى.

فابتدرته بالسؤال عن القرينة الثالثة.

فقال: إن القرينة الثالثة هي هذا الكتاب الصغير، وفتح يده. فحالما شاهدت فدوى خط شفيق شهقت وارتدت إليها قوتها، وهمت إلى الورقة فاختطفتها وقلبها يخفق وفرائصها ترتعد، وأراد بخيت منعها فلم يستطع، فقرأت تلك الورقة وعيناها تكادان تطيران من اللهفة، ولم تتم القراءة حتى امتلأت عيناها بدموع الفرح والحزن، وصاحت ببخيت: ويلك! هل تظن أنه لا يزال حيًّا؟ قال: الأرجح، يا سيدتي، أنه حي، بإذن الله؛ لأن الذي أنقذه من مذبحة هيكس باشا لا يتخلى عنه في غيرها.

فظهر على وجهها علامات الارتياح، وطاب خاطرها، وبهتت مدة تتأمل بكتاب شفيق وتعيد قراءته ثانية وثالثة ورابعة وهي لا ترفع نظرها منه، فتجددت آمالها وقالت لبخيت: ما العمل الآن؟ وما الرأي؟

قال: الرأي أن ننتظر الفرج من عند الله؛ فإنه على كل شيء قدير.

قالت: وماذا نعمل بهذا الثقيل الذي قد سلَّطه الله على أفكار والدي حتى صمَّم على تبليغه مرامه، ولكن … فابتدرها بخيت قائلًا: قد قلت لك، يا مولاتي، إنه غير بالغ مسمارًا من نعلك، ولسوف ترين من بخيت ما يسرك.

قالت: افعل ما بدا لك، ولكنني لا أرى إلا أن والدي مائل إلى موافقته في قصده.

فضحك بخيت ضحكة اغتصابية كأنه تذكر أمرًا أغضبه وقال: بل قد صمم وتم اتفاقهما، ولكنه غير بالغ شيئًا طالما كنت حيًّا ولو أتى بمنوِّمي العالم. ثم انتبه وعض أنامله كأنه فرط منه لفظ في غير أوانه.

فقالت له فدوى: وما معنى هذا الكلام؟ ومَن هم المنوِّمون؟ فأحبَّ كتمان ذلك، فألحَّت عليه حتى خاف غضبها إذا لم يخبرها، فقال لها: إن في الأطباء اليوم فئة يستخدمون التنويم المغناطيسي.

قالت: نعم، أسمع بهم، وما بعد ذلك؟

قال: ومن خواص ذلك التنويم استهواء النائم في كل ما يريده المنوِّم، فإذا حببه أو بغضه بشخص في حال النوم يفيق وهو على ما أراد منوِّمه. وقد علمت من ثقة أن ذلك الخائن قد بعث إلى بلاد أوروبا يستقدم طبيبًا ينوِّمك ويستهويك حتى تحبيه.

فنهضت عن السرير إلى أرض الغرفة قائلة: حاشا لله! إن جميع منومي العالم لا يمكنهم أن يحببوني بهذا النذل الخائن، وإذا مت فإن ترابي لا يحبه، ولا يمكن أن يحبه.

فقال: إن فعل الاستهواء غريب يا سيدتي، ولكنني أعلمك أنك تستطيعين رفض النوم؛ لأن والدك سيدَّعي أن ذلك الطبيب إنما جاء لتطبيبك؛ فتظاهري أنك بخير لا تحتاجين إلى طبيب، وذلك كافٍ، والأفضل — على ما أرى — أن تطلبي السفر من هذه المدينة لترويح النفس، فإن الأطباء قد أشاروا بذلك في الشتاء، ولم تكن الطريق مفتوحة لكثرة الثلوج، وأما الآن فقد جاء الربيع، وإن الجولان في لبنان لما تتوق إليه النفس، وينشرح له الصدر، وأظنك إذا أظهرت السلوى والإذعان لا يعود ثَمَّ داعٍ لاستجلاب المنوِّم.

قالت: لقد نطقت بالصواب، فارجع هذا الكتاب إلى ما بين أوراق والدي لئلا يعلم باطِّلاعنا عليه، واخرج خارجًا وأنا أدبِّر أمر سفري.

فخرج وجلست هي في غرفتها باهتة تردد في ذاكرتها أمر ذلك الكتاب، ولمَّا تتصور شفيقًا حيًّا تكاد تطير من الفرح، وقد أحست بعد تجدد آمالها أنها أحسن صحة.

فلما كان وقت الغداء جاء والدها ليتناوله معها — وكان قد قضى نصف ذلك النهار مع عزيز — فلما رأى فدوى كذلك سُرَّ كثيرًا واستبشر برضاها، ولما جلسا إلى المائدة أخذا في أطراف الحديث، فقال الباشا: أراك اليوم — والحمد لله — في صحة جيدة.

قالت: نعم يا أبتاه، وإني أشكر الله على ذلك، ولكنني أشعر باحتياجي إلى الخروج من هذا الفندق ومن هذه المدينة.

قال: لقد صدقت، وأنا أرى كما رأيت، فإلى أين تريدين الذهاب؟ قالت: أسمع الناس يطنبون بجودة هواء لبنان، ولا سيما في أوائل الصيف؛ فالأفضل أن نسير إلى إحدى القرى؛ حيث يمكننا الإقامة في فندق أو منزل بضعة أشهر، فمتى انقضى الصيف نعود إلى بيروت، ولي شديد الأمل أن تكون صحتي جيدة جدًّا، بإذن الله.

فاستغرب الباشا ذلك منها، ولم يراجعها قط، وخيل له أن ذلك التحسن في صحتها ناتج عن سلواها شفيقًا، فازداد سروره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠