مسرحيات لطفي جمعة بين الواقع والتاريخ

هرماكيس

بناء على ما بين أيدينا من وثائق — وما كُتِب عن لطفي جمعة، وما كتبه لطفي جمعة عن نفسه — نستطيع القول إن بداية لطفي جمعة في الكتابة المسرحية كانت عام ١٩٠٩، عندما ألَّف مسرحية «هرماكيس». وفي مذكراته المنشورة، قال عن هذه البداية: «هرماكيس المصري، اسم لرواية تمثيلية في فصل واحد، وضعتُها خلال شهر نوفمبر سنة ١٩٠٩، وخلصتُ منها في يومين، وهي من حوادث التاريخ المصري القديم، وبطلُها نبيٌّ جاءَ قبلَ موسى، ولكنها لا تزال في حاجة إلى بعض التنقيح والتصحيح.»١

ومن خلال قراءتنا للمسرحية، نتفق مع المؤلف في رأيه الأخير، من احتياج النص إلى بعض التنقيح والتصحيح! فبعض الأحداث تُعتَبَر غيرَ منطقية، ولا مبرِّر لحدوثها، هذا بالإضافة إلى الجهد الذي يبذله القارئ لتفهُّم الأحداث، ومتابعة الحوار؛ وذلك بسبب عدم اهتمام المؤلف بالإرشادات المسرحية التي تجعل القارئ يجسِّد الأحداث في ذهنه … إلخ، هذه الأمور التي تحتاج بالفعل إلى تنقيح وتصحيح، ولكن مات المؤلف دون أن يقوم بذلك. ونحن بدورنا لا نملك هذا الحق!

هذا ما ذكره لطفي جمعة عن هذه المسرحية، وهنا نتوقف قليلًا، أليس من المنطقي أن يُسجِّل لطفي جمعة — في مذكراته — الدافعَ الذي جعله يؤلِّف أول مسرحية له، ويقتحم جنسًا أدبيًّا جديدًا عليه، ألَا وهو المسرح؟! فهل تمر مناسبة كهذه دون ذِكْر لها من قِبَل لطفي جمعة؟! الذي لم يترك شاردةً أو واردة عن أعماله الأدبية إلَّا وقد شرحها وفسَّرَها، وأكَّد عليها، ووثَّقها بكلِّ وسيلة ممكنة، وفي كلِّ مناسبة أيضًا!

إصراري على معرفة الدافع وراء كتابة هذه المسرحية، جعلني أتفحص مخطوطتها بعناية شديدة، فلاحظتُ أن الورقة الأولى منزوعة! وبعد استرجاعها،٢ وجدتُ لطفي جمعة كتب عليها بتاريخ ٣٠ / ١٠ / ١٩٠٩، تحت عنوان «قصة عن تأليف هذه القطعة»: «في مساء ذلك اليوم أعلاه كنتُ على موعد من فتاة فرنسية «أنطونيا شينو» من شوفاي على نهر الصون، ومقيمة في مدينة ليون، فتنزَّهنا وتعشَّيْنا، وعادتْ معي إلى غرفتي بنمرة ١٤ شارع رامبارديني، وهي مسترخية مستعدَّة للغرام، وعند نصف الليل أبَيْتُ أن أُعَاشِرَها وانقطعتُ لتأليف هذه القطعة.»
وإذا عاد القارئ إلى كتاب مذكرات لطفي جمعة «تذكار الصبا»، سيجد لهذه القصة وجهًا آخر! بل سيُلاحظ أن الفتاة اسمها «ماري مادلين» وليست «أنطونيا شينو». والتلاعب بالأسماء الأجنبية شيء اعتاد عليه لطفي جمعة في كتاباته!٣ والدليل على ذلك التفاوُت في الوصْف، بين ما كتبه على الصفحة الأولى من مخطوطة «هرماكيس»، وبين ما سطره بقلمه عن نفس القصة في مذكراته!
قال لطفي جمعة في كتابه «تذكار الصبا»: «… ثم قلتُ لها اسمعي يا مادلين، مستحيل أن تنامي على هذا المقعد، وإذا سمحتِ لي فإنني أضطجع بجانبك! قالت: باختيارك أم تورُّطًا؟ فضحكتُ وقلت: مختارًا راجيًا بإلحاح. وقامتْ فأطفأتِ المصباح ونامتْ … ولكنني أنا لم أنَمْ، وأنا الذي تمنَّيْتُ طولَ الليل وزوال النوم ووقوف الصبح عن الطلوع، وأنا الذي استمتعتُ بجوارها وترديد أنفاسها وعبق عطر الأنوثة منها، وأنا الذي سهرتُ على نومها فلم تأخذني سِنَةٌ، ولا أمِنتُ الظلام عليها، وعجبتُ لاطمئنانها واستسلامها وتقلُّبها، ما أعظم تلك اللذة من كلِّ شيء! أن تَرَى الفاكهة الناضجة وتشمَّها وتضمَّها وتلمسها، ثم تصونها وتكتفي بلونها ورائحتها! ويعزَّ عليك أن تخدشَ قشرتَها بيدك أو أسنانك!»٤

قلب المرأة

مرَّتْ سنوات عديدة، لم يقتَحِم فيها لطفي جمعة التأليف المسرحي، حتى أعاد الكَرَّة مرة أخرى في عام ١٩١٥، عندما كتب مسرحيته «قلب المرأة». وإذا كانت المرأة الغربية كانت الدافع وراء كتابته لهرماكيس، فامرأة غربية أخرى كانت أيضًا وراء مسرحيته «قلب المرأة»، ولكن شتَّان بين هذه وتلك!

فالمرأة الأولى كانت عابرة، لم تترك إلَّا بعض صفحات في مذكراته، أما المرأة الأخرى … فكانت كل المذكرات، وكل الإبداعات، ولولاها ما أنتج لطفي جمعة معظم أعماله الأدبية والإبداعية، ولولا مساعدتُها له ما نجح في أوروبا، ولولا وجودها في حياته ما كان له من وجود أدبي، ولولا شبح هذه المرأة الذي يُطِلُّ علينا في مُجمل إنتاج لطفي جمعة الأدبي ما كان اهتمامنا الآن به ولا بأعماله الأدبية. فهذه المرأة هي الأديبة الروسية «أوجستا دامانسكي فيليبوفنا»، التي قال عنها لطفي جمعة في مذكراته: «أسجِّل فضل الله عليَّ وأحمده على رزق كريم، وقد صادف مجيء هذا الرزق معرفتي بهذه السيدة؛ لأن هذه السيدة أدَّت إليَّ من الفضل والجمائل ما لا يُحصَى، وتحمَّلتْ بسببي آلامًا كثيرة، واستهانتْ في سبيلي بما لا يُستهان به، وأدخلت إلى عقلي وقلبي وروحي خواطر ومبادئ ومشاعر تركتْ فيها آثارًا لا يمحوها الزمن، ولم يكن إليها من سبيل أو ذريعة غيرها، وقد تفتَّحت في ظلِّها كلُّ مواهبي ورغائبي، وتجسَّدت كلُّ حقائق الحياة في نظري بفعلها وقوَّتها وإيمانها، وأرشدتْني إلى مطالعاتٍ ودراسات لم أكن أنالُها بدونها، وأعانتْني في قراءات وتحصيل علومٍ، وسهرتْ عليَّ سهر الشقيقة والزوجة والصديقة والأم الرَّءوم … ولكنها حيالَ هذه النِّعَم كلها أدنتْني بفعلة واحدة من الموت المحقَّق لولا عناية الله ورحمته، فأزهدتْني في الحياة أعوامًا، وأفقدتْ ثقتي في جنس الإنسان، وأخرجتْني من حلم الأديب إلى غيظ المُنتقِم فكتبتُ «قلب المرأة» وبالغتُ في تسويد صحيفتها، وما كان ينبغي لي أن أفعل هذا.»٥

إذن كتب لطفي جمعة مسرحية «قلب المرأة» بدافع الانتقام من هذه السيدة، التي كتبتِ اسمه في سجلِّ الأدباء والموسوعيين بحروف من النور. وإذا كان لطفي جمعة نَدِم على كتابته لهذه المسرحية، بعد أكثر من ثلاثين سنة، إلَّا أننا سنعود بالقارئ إلى هذا الزمن البعيد لنتعرَّف على حقيقة ظهور هذه المسرحية، التي تُعتبَر أولَ مسرحية للطفي جمعة ترى النور، عندما عُرِضت على خشبة المسرح.

بدأت قصة هذه المسرحية في مناخ المسرح المصري، عندما ذكرتْ بعض الصحف، عام ١٩١٥، ما يُفِيد بأن لطفي جمعة كتب مسرحيةً باسم «قلب المرأة». بعد أيام أرسل رئيس جمعية النهضة بالتمثيل، خطابًا٦ إلى لطفي من أجْل قيام الجمعية بتمثيلها، ولكن هذا الأمر لم يتمَّ.

ولعل هذا الخطاب شجَّع لطفي جمعة على الاهتمام بعرض أعماله المسرحية على خشبة المسارح، لما في ذلك من شهرة لاسمه بين الجمهور، ومنفعة مادية أيضًا، فاتَّجه نظرُه نحو جوق أبيض وحجازي، لِما له من صداقة وثيقة بجورج أبيض، وبالفعل تمَّ التعاقُدُ في ٢٩ / ١٠ / ١٩١٥، بين لطفي جمعة وبين جورج أبيض وسلامة حجازي، على تمثيل مسرحية «قلب المرأة».

وبعد الاستعداد التامِّ لعرض المسرحية، انهالت الإعلانات المختلفة في الصحف،٧ وكذلك الملصقات، تدعو الجمهور لحضور عرض مسرحية «قلب المرأة» في الأوبرا السلطانية. وبالفعل عُرضت المسرحية في ٢٥ / ٣ / ١٩١٦، وقام بتمثيل دور لورنزو جورج أبيض، وبوريس كراشوف عبد العزيز خليل، وشارل راسين عمر وصفي، وجودياس محمود رضا، وجوزيف الخادم أحمد ثابت، والمارجراف توفيق ظاظا، وكترين كراشوف ألمظ أستاتي، وألتونيا بلادونا أبريز أستاتي، وكوستيا كراشوف نظلي مزراحي، ومدام راسين أستير شطاح، ومدام جيرمون وردة ميلان، وجانيت ماري كافوري.

وبعد العرض الأول، بأيام قليلة نشرت جريدة «المنبر» سلسلة مقالات طويلة، تحت عنوان «قلب المرأة للكاتب الكبير عباس حافظ». وفي هذه المقالات وجدنا كاتبها ينهال على لطفي جمعة ومسرحيته، بطوفان من النقد اللاذع، وبسيل من الشتم الجارح، واصفًا لطفي جمعة بأنه «من الحشرات الأدبية التي تمتص أفكار المُنتِجين.»

وبعد مقدِّمة طويلة من الشتائم غير اللائقة، وجدنا عباس حافظ ينبش في تاريخ لطفي جمعة، فيُعيد لأذهان القرَّاء كتاب لطفي جمعة «حكم نابليون»، وكتاب «كلمات نابليون» لإبراهيم رمزي، الذي ظهر قبل كتاب جمعة، قاصدًا من ذلك اتِّهام لطفي بالسرقة. ويختتم هذا الموضوع بعبارة «وكانت لهذه المسألة ضجة بين الأدباء والكتاب.»

ثم يتجه عباس حافظ بعد ذلك إلى واقعة مشابهة، قائلًا: «ولم يكتفِ الأستاذ بهذا، بل عمد بعد ذلك إلى مقال طوال في مجلة أدبية كبيرة بقلم كاتب مصري مُفكِّر كان يدور حول نقد كتاب «سرِّ تطور الأمم» لمؤلفه جوستاف لوبون، وعرَّبه الأستاذ فتحي زغلول. فاجترأ على انتحال كلِّ آراء الرجل وأفكاره.»

وبعد هذه المقدمة التشكيكية في قدرات لطفي جمعة الأدبية، واتهامه بالسرقة العلمية، فجَّر عباس حافظ مفاجأته بأن مسرحية «قلب المرأة» ليستْ من بنات أفكار لطفي جمعة، قائلًا: «إن موضوعها لا يمكن أن يكون من ابتكار المؤلف؛ لأن الروح الإفرنجية مطردة في أكثر أجزائها، وأن الأسماء الروسية والإيطالية والفرنسية تدعو إلى الدهشة والاتهام والاسترابة، ولا سيما إذا ذكرنا الحوادث القديمة التي سردناها الآن للناس … وقد عمدنا إلى البحث والتنقيب، فأدركنا أن صاحب رواية اليوم انتحل موضوعها انتحالًا مشوَّهًا من روايتي أوجييه، وهما زواج أولمب وجبريل … وهناك مصادر أخرى في هذا الموضوع بذاته نخصُّ منها روايات بول بورجيه، وهي «قلب المرأة»، و«جريمة حب»، و«تقلُّبات القلب»، ورواية «ليزالتو رجنيف الروسي».»

ويستمر بعد ذلك عباس حافظ في إلقاء اتهاماته على صاحب المسرحية، موجِّهًا سهامه السامة إلى المسرحية وأشخاصها باسم النقد،٨ ذلك النقد الهدَّام. ومن الغريب أن لطفي جمعة لم يردَّ على هذا الكلام، ولم يسجِّل في كلِّ ما كتبه أيَّ شيء حول هذا النقد القاسي، أو حول عباس حافظ نفسه، بل ولم يرفع قضيةً ضدَّه في المحاكم — وهو المحامي الفذُّ — ولا نعلم سببَ هذا الصمتِ المُريب من قِبَل لطفي جمعة نحو عباس حافظ. على الرغم من أن عباس حافظ أرسل رسالةً إلى لطفي جمعة، بعد عام من كتابة هذه المقالات، نشعر منها بأن عباس حافظ نادم أشد الندم على ما كتبه في حقِّ لطفي جمعة، ويُبرِّر ذلك بأنه كان مدفوعًا له.٩
ومن محاسن الصُّدَف أنني وجدتُ سلسلةً أخرى من المقالات،١٠ كتبها محمد الهراوي — الكاتب الأول لدار الكتب السلطانية — في جريدة «الأفكار»، هي في الظاهر نقد لمسرحية «قلب المرأة»، وفي الباطن ردٌّ على مقالات عباس حافظ. وفي هذه المقالات — التي نُشِرت يوميًّا ابتداءً من ٩ / ٤ / ١٩١٦ إلى ١٧ / ٤ / ١٩١٦ — وجدنا الكاتب يؤكِّد على أن المسرحية، نوعٌ جديد في التأليف المصري لم يَسبِق إليه قلم عربي، قائلًا بعد ذلك: «ويصح إذن أن تكون هذه الرواية عَلَمًا على تلك الأطوار المختلفة التي عمد المؤلِّف إلى إظهارها للناس «على المكشوف» وأراد أن يُذيقَهم طعْمَها «بالكأس المُرِّ» وأن يلمسهم وقْعَها «بوخز الإبَر» وتلك خطة فرنسية محضة احتذى فيها المؤلف ديماس الصغير حَذْوَ الكفِّ بالكف.»

أما إيجابيات وسلبيات المسرحية، فيقول عنها الناقد: «فمن مزاياها أن المؤلف، وإنْ رمى فيها إلى غرض مقصود، فإنه لا يتقيَّد أمام الجمهور بهذا الغرض. ومنها أنه يُطلِق للمتفرِّجين مَلَكَة التفكير وقوة الاستنباط وحرية الإرادة. ومنها أن الرواية، أو الحوادث، هي التي تأخذ مجراها في النفوس بطبيعتها فلا تثقل بغرض قد لا تنهض به أو لا يخفُّ هو إذا كانت أشد منه، ومنها … ومنها … وأما مساوئها فمنها أن في كلِّ شيء غرضًا وإذا لم يظهر هذا الغرض فلا معنى لهذا الشيء. ومنها أن صاحب الغرض يجب أن يكون مسئولًا عنه مدافعًا له، وحوادث الرواية هي لسان الدفاع. ومنها أن الجمهور يدخل إلى المسرح وفكره محصور في معرفة غرض الرواية الظاهر منها فإذا خَفِي عليه اضطرب رأيه بتشويش الحوادث.»

ومن الجدير بالذكر أن معرفة الآخرين بأن موضوع مسرحية «قلب المرأة»، هو نفسه موضوع قصة حب لطفي جمعة لأوجستا دامانسكي، التي انتهتْ عام ١٩١٢، ثم كتب عام ١٩٤٧ قصته مع هذه المرأة في مخطوطه «تذكار الصبا». وقد مسَّ محمد الهراوي ذلك عام ١٩١٦، في مقالاته السابقة، قائلًا: «فقلب المرأة عبارة عن مجموعة حوادث بعضها قد يكون وقع بالفعل، وبعضها من ذهن المؤلف الْتمسه الْتماسًا من الخيال بحيث لا يمنعه ذلك إذا وقع، أن يكون مطابقًا لحقيقة الحال. وإن هذه المجموعة يصح أن تكون كلُّ حادثة فيها منفصلة وحدها قائمة بذاتها، وهي لو كانت كذلك؛ أيْ إنها لو لم تكن مرتبطة بأخواتها لكانت أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخيال. ولكن ارتباطها هذا جعل التأليف بينها بعيد التصديق، وإن كان محتمل الوقوع.»

وهذا الأمر وصل إليه أيضًا إبراهيم رمزي — الكاتب المسرحي وأحد الأصدقاء المقرَّبين للطفي جمعة — في نقده للمسرحية، عندما قال: «وكأني بها حادثة شهدها أو لابسها [أي لطفي جمعة] أيام كان يدرس القانون بأوروبا، لولا ما هناك من أعراض لا تحتملها الحقيقة المنطقية.»١١
ومن الملاحظ أن مقالة إبراهيم رمزي كانت في نقدها، وسطًا بين هجوم عباس حافظ، وبين مديح محمد الهراوي. ومهما يكن من قِيمة هذه المقالات في وقتها، إلَّا أنها تدلُّ على أن المسرحية لاقتْ نجاحًا كبيرًا، والدليل على ذلك أن جوق أبيض وحجازي، أعاد عرضها مرَّات عديدة، بعد أيام قليلة من عرضها الأول.١٢
وآخِر عرض لهذه المسرحية، وقفنا عليه، كان في عام ١٩٢٣، عندما قالت جريدة «مصر»، تحت عنوان «حفلة أدبيَّة خيريَّة»: «لمساعدة دار التربية العلمية والأخلاقية يقيم حضرة الفاضل توفيق أفندي عزوز صاحب ومدير مدرسة التربية العلمية والأخلاقية حفلته السنوية بمسرح كازينو البسفور بميدان باب الحديد يوم السبت ١٥ سبتمبر الجاري؛ حيث يمثل أعضاء النهضة التمثيلية رواية «قلب المرأة» لأول مرة، فنرجو أن يكون الإقبال على هذه الحفلة عظيمًا لأن دَخْلَها مخصوص لمساعدة هذه المدرسة المجانية.»١٣

المسرحيات الكوميدية

والمتتبع لإنتاج لطفي جمعة الأدبي — في تلك الفترة — ربما كان يظن أنه سيتَّجِه في تآليفه المسرحية بعد ذلك إلى هذا اللون الاجتماعي النفسي الفلسفي، الذي تميَّزت به مسرحيته «قلب المرأة». ولكن ما حدث كان مخالفًا لكلِّ التوقعات. فقد وجدنا لطفي جمعة يتجه نحو الكتابة المسرحية، مُتخِذًا اللون الكوميدي، وبلغة عامية، وبأسلوب مبتذل. لدرجة أن مَن يقرأ بعض إنتاجه المسرحي بعد قلب المرأة، يُصاب بالتعجُّب ويتساءل: هل مؤلف مسرحية «قلب المرأة»، هو نفسه مؤلف المسرحيات الهزلية «حبيب القلب وحبيب الجيب»، «كانت لقيَّة مقَندلة»، «خضر أرضك» أو «خضر زرعك» … إلخ. هذا اللون، الذي رفضت الرقابة بعضَه من التمثيل؟!١٤

والواقع المجهول، حول هذا التحول الخطير، يتمثَّل في وثيقة غير منشورة، عبارة عن عقد اتفاق بين لطفي جمعة وعزيز عيد، تمَّ في ١١ / ٢ / ١٩١٧. ونص هذا العقد يقول: «اتفق كلٌّ من محمد لطفي أفندي جمعة طرف أول، وعزيز أفندي عيد مدير فرقة الكوميدي العربي في الأبيه دي روز طرف ثاني على ما يأتي: أولًا: يقدِّم محمد أفندي لطفي جمعة الطرف الأول روايتين؛ الأولى ذات فصلين والثانية ذات فصل واحد، وهما مختارتان من الروايات الفرنساوية من نوع الكوميدي، وذلك في ميعاد أقصاه ١٨ فبراير سنة ١٩١٧ لتمثيلهما بواسطة فرقته المسمَّاة فرقة عزيز في تياترو الأبيه دي روز. ثانيًا: يتعهد الفريق الثاني بتمثيل الروايتين بعد خمسة عشر يومًا من تاريخ استلامهما، ويدفع للفريق الأول عشرة فرنكات عن كلِّ يوم يمضي بعد حلول هذا الميعاد إذا لم يمثل الروايتين. ثالثًا: حقوق تأليف الروايتين المذكورتين هو خمسة عشر جنيهًا تُدفَع على قسطين؛ الأول: نصف مجموع إيراد ليلة التمثيل الأولى مخصومًا منها الثلث الذي يتناوله الخواجة روزاتي مؤجِّر التياترو، ولا يُخصَم أيُّ شيء آخر، والبقية من حقوق تأليف الروايتين، يدفعها عزيز أفندي عيد للمؤلِّف بعد شهرين من تاريخ تسليم الروايتين لِيَدِ عزيز أفندي عيد. رابعًا: ليس للفريق الثاني حقُّ رفضِ الروايتين المذكورتين بحال من الأحوال، أو الرجوع في أيِّ بَنْد من بنود هذا الكونتراتو، وإذا حصل منه ذلك يُلزَم بدفع مبلغ ١٥ خمسة عشر جنيهًا من تاريخ ١١ مارس سنة ١٩١٧. خامسًا: لعزيز أفندي عيد حقُّ تمثيل هاتين الروايتين طول حياته، وليس للفريق الأول حق إعطائها لغيره. سادسًا: الروايتان المذكورتان مختارتان من؛ أولًا: رواية «بويوروش» تأليف كورتلين، ثانيًا: من «البورتفويل» تأليف هرفيو. سابعًا: إذا ظهرتْ واحدة من هاتين الروايتين أو الاثنتين معًا بقلم كاتب آخر على مرسح عزيز أفندي عيد وبواسطة فرقته، فعزيز أفندي مُلزَم بدفع ١٥ جنيهًا للفريق الأول. تحريرًا في يوم ١١ فبراير سنة ١٩١٧ بنسختين [توقيع] الفريق الأول: محمد لطفي جمعة، الفريق الثاني: عزيز عيد.»

figure

وإذا علم القارئ أن فرقة عزيز عيد، في تلك الفترة، كانت تُقدِّم المسرحيات الكوميدية الهزلية ذات الطابع المبتذل، واللغة السوقية، سيتضح له لماذا اتجه لطفي جمعة إلى خوض غمار هذه التجربة، التي أساءتْ إلى إنتاجه المسرحي كثيرًا. هذا بالإضافة إلى أن اختيار لطفي جمعة لعناوين مسرحياته، جاء بصورة مقزِّزة، مثل: «خضر أرضك»، «حبيب القلب وحبيب الجيب»، «كانت لقيَّة مقَندلة»! فهذه العناوين ربما كانت من اختيار عزيز عيد، أو أن لطفي جمعة أراد أن يُجارِيه في اللون الذي يقدِّمه؛ لأن عزيز عيد كان دائمًا يتعمَّد إثارة الجمهور ولفْت نظره، بعناوين شاذَّة لعروضه المسرحية، مثل «سَكْرة بنت دين كلب»، «يا ستي ما تمشيش كده عريانة» … إلخ.

figure

وبالرغم من ذلك، فإن التاريخ يُثبِت أن مسرحيات لطفي جمعة هذه لم ترَ النور مطلقًا، ولم تُعرَض على خشبات المسارح. وقد ثبت أيضًا أن العقد الذي تمَّ بينَه وبين عزيز عيد لم يتمَّ تنفيذُه، من قِبَل عزيز عيد، رغم تنفيذه من قبل لطفي جمعة، بدليل وجود مخطوطات هذه المسرحيات إلى وقتنا هذا. والتفسير المُحتمَل لما حدث أن لطفي جمعة كتب المسرحيات المتفق عليها في العقد، بل وأكثر منها، ظنًّا منه أنها ستُمثَّل وستُدِرُّ عليه ربحًا وفيرًا، ولكنَّ مَن يعرف عزيز عيد، يعرف أنه غير مستقرٍّ في فنِّه المسرحي! ففرقته تتكوَّن وما إنْ تبدأ حتى تتوقَّف ويتفرق أعضاؤها.

فإذا كان العقد المُبرَم بين لطفي جمعة وبين عزيز تمَّ في فبراير ١٩١٧، فإن التاريخ يقول إن في مايو عام ١٩١٧، كان عزيز عيد مُمثِّلًا في فرقة نجيب الريحاني.١٥ وهذا يعني أن فرقته قد توقفتْ قبل ذلك، وربما توقَّفت بعد كتابة العقد بأيام قليلة. ومن الطريف أن عزيز عيد لم يلبث ممثِّلًا عند نجيب الريحاني، إلَّا ثلاثة أشهر، انتقل بعدها ممثِّلًا في فرقة جورج أبيض.١٦ وفي العام التالي ١٩١٨، انتقل إلى فرقة منيرة المهدية١٧ … وهكذا.

والسؤال المُلِحُّ الآن … لماذا أقدم لطفي جمعة على خوض هذه التجربة التي أساءتْ إليه وإلى إنتاجه المسرحي؟! الإجابة المحتملة — في ظنِّي — هي الاحتياج المادي. فلطفي جمعة في مذكراته، كان دائمًا يشتكي من ضيق ذات اليد، خصوصًا في هذه الفترة. وعندما أدرَّتْ عليه مسرحيته «قلب المرأة» بعض المال، أراد تكرار التجربة من أجل تكرار إدرار المال عليه، فلم يَجِد أمامه إلَّا عزيز عيد، ونوعيته المسرحية الممقوتة والمُبتذَلة، فسار في هذا الطريق، تحت ضغط الحاجة المادية.

والدليل على ذلك هذا الكم الهائل من المقالات — المتفاوتة في القوة والضعف الفنيَّيْنِ والأدبيين — التي نُشرت في الكثير من الدوريات بقلم لطفي جمعة، والتي تؤكِّد أنه كان يكتبها، بصورة دورية منتظمة، تبعًا لاتفاقٍ بينه وبين أصحاب هذه الدوريات، مقابل مرتبات مادية يَسيرة، ولكنها منتظمة. وإذا قام أحد الباحثين بحصرٍ شامل لهذه المقالات، سيتضح له أن لطفي جمعة كان يكتب في كلِّ دقيقة، وكل ساعة، وكل يوم … في هذه الفترة!١٨

وإحقاقًا للحق؛ فإن لطفي جمعة ندم ندمًا شديدًا؛ لأنه كتب هذه المسرحيات الكوميدية العامية، ودليلنا على ذلك أنه كان يتهرَّب منها، بل وكان يحاول بكلِّ قوة عدم ذِكْرها في كتاباته أو مذكراته، أو الإشارة إلى الدافع الحقيقي لكتابتها، أو أي شيء يدل عليها أو على وجودها كمخطوطات إلا في القليل النادر. والدليل على ذلك أننا فُوجِئنا بها كمخطوطات ما زالت محفوظة حتى الآن!

نيرون

كانت تجربة لطفي جمعة مع عزيز عيد، تجربةً أليمة، ولكنها لم تبعده عن رغبته في كتابة المسرحيات من أجْل عرضِها أمام الجمهور.١٩ ففي ٢٥ / ١١ / ١٩١٨، أرسل عبد الرحمن رشدي المحامي — صاحب إحدى الفرق المسرحية الشهيرة في ذلك الوقت — خطابًا إلى لطفي جمعة، قال فيه: «حضرة المحترم الأستاذ محمد أفندي لطفي جمعة، تحية وتكريمًا، وبعدُ، فقد رأتْ إدارة الفرقة حرصًا على المثابرة في التقدُّم الفني أن تكوِّن لجنةً دائمة تنظر في شئون الفرقة الداخلية والخارجية وتراقب سَيْر العمل، فنرجو تشريفَكم يوم الخميس ٢٨ نوفمبر سنة ١٩١٨ الساعة الرابعة في إدارة الفرقة الكائنة بدار المؤيَّد، شارع محمد على، والشكر نقدِّمه سلفًا. [توقيع] مدير الفرقة عبد الرحمن رشدي المحامي.»
وعلى الرغم من عدم وجود ما يُفيد بحقيقة ما تمَّ في هذا اللقاء، فإننا نجزم بأن لطفي جمعة عرض في هذا الاجتماع، على عبد الرحمن رشدي، مسرحيته «نيرون» التي انتهى من كتابتها في ١١ / ٩ / ١٩١٨. وبناء على هذا العرض، وافق رشدي على تمثيلها من قِبَل فرقته. وهذا الجزم يؤكِّده إعلان جريدة «المقطم» في فبراير ١٩١٩، الذي جاء فيه أن فرقة عبد الرحمن رشدي، ستمثِّل مجموعةً من المسرحيات في الأوبرا في شهر مارس، ومنها: «الأجراس – هنري الثالث – حلاق إشبيلية – نيرون».٢٠
وبالفعل تمَّ تمثيل المسرحية، وقام بأدوارها كلٌّ من: عبد الرحمن رشدي، فاضل أفندي، عمر وصفي، الست ميليا ديان، سليمان، أحمد، فوزي، علي أفندي، الست ليلى، نازلي ميزراحي، شافع الأسمر.٢١ وأعادت الفرقة عرض المسرحية مرة أخرى في يونيو ١٩١٩، في تياترو برنتانيا.٢٢ ورغم إعادة العرض فإننا لم نستطع الحصول على أي نقد لها في تلك الفترة، بعكس ما وجدناه من مقالات نقديَّة كثيرة، لمسرحية «نيرون»، تأليف بترو كوستا تعريب حسن صديق، والتي عرضتْها فرقة يوسف وهبي عام ١٩٢٧.٢٣

في سبيل الهوى

انشغل لطفي جمعة عن الكتابة المسرحية، لمدة ستِّ سنوات؛ لأنه لم يَجِد الحافز للكتابة. ولكن في عام ١٩٢٥ فُوجئنا بأنه ألَّف مسرحية جديدة أَطلَق عليها اسم «في سبيل الهوى». والمفاجأة تمثَّلتْ في أن هذه المسرحية، ما هي إلَّا إعادة صياغة لروايته القديمة «في وادي الهموم» المطبوعة عام ١٩٠٥!٢٤ وتساءلتُ لماذا يُقدِم لطفي جمعة على إعادة صياغة رواية قديمة في ثَوْب مسرحي، وهو الأديب الموسوعي الغزير الإنتاج؟! وما الدافع إلى هذه العجلة؟ ألم يكن أمامه متسع من الوقت ليدبِّج بقلمه موضوعًا مسرحيًّا جديدًا؟!
والإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في سطورِ خطابٍ أرسله لطفي جمعة إلى طلعت حرب عام ١٩٢٥، قال فيه: «حضرة صاحب العزَّة محمد بك طلعت حرب، رئيس شركة ترقية التمثيل العربي، بعد التحية، أتشرف بأن أخبركم بما وصل إلى علمي من أنَّكم تطلبون روايات تمثيلية مصرية تتناول أخلاق هذه الأمة، وتقوِّم المُعوَجَّ منها، وتُصلِح الفاسد من العادات الاجتماعية الشائعة في بلادنا، وعلمتُ أيضًا أنَّ عزَّتَكم تتفضَّلون بمراجعة الروايات التي تُقدَّم لكم بنفسكم لتُبدوا فيها حكمًا عادلًا بما رَكَز في طبعكم من أصول المعرفة بالفنون، لا سيما ولكم قَدَمٌ راسخ في التأليف، وهذه طريقة أفضل من سواها وأضمن. ولما كنتُ شغِفًا بدرس أخلاق أمَّتِنا المصرية، فقد وضعتُ رواية تنطبق على رغبتكم في خمسة فصول، سمَّيْتُها «في سبيل الهوى»، وهي من الروايات الاجتماعية المعروفة بأوروبا بأنها COMEDIE SERIEUSE، فضلًا عن كونها ذات أغراض مبيَّنة في ثنايا مناظرها، فهي في الواقع تجمع بين الحوادث وبين الأغراض الاجتماعية من قبيل PIECES A THESE. وقد سبق لي وضْعُ روايات تمثيليَّة قد مُثِّلتْ فعلًا؛ منها رواية «قلب المرأة» وقد مُثِّلت لأول مرة في تياترو الأوبرا الخديوية بمعرفة فرقة جورج أبيض في مارس سنة ١٩١٦، ثم رواية «نيرون» وقد مُثِّلت في تياترو الأوبرا أيضًا في مارس سنة ١٩١٩، ثم رواية «الوالد والولد» و«خضر أرضك» و«الحب والمجد»، إلى آخره. فتَرَوْن عِزتُكم من هذا أنه قد سبق لي ممارسة هذا الفن الجميل. ولما كنتُ أعلم حقيقةَ أميال الجمهور المصري، فقد جعلتُ في الرواية كثيرًا من مناظرها باللغة العامية، فضلًا عن أنها مكتوبة جميعها بلغة سهلة مفهومة، وجعلتُ حوادثها موزَّعة على الأماكن التي تنطبق على وقائعها وأخلاق أبطالها. فالفصل الأول في ملعب القمار، والثاني في بيت عائلة مصرية شريفة عريقة، والثالث في بيت معشوقة بطل الرواية، والرابع في عيادة طبيب اختصاصي، والخامس في حانة. وتَرَوْن من هذا التقسيم سعة المجال للبحث في أخلاق كثيرة. فإن كنتم تتفضلون بقراءة هذه الرواية ويعوزكم بعض التفسير فأنا مستعدٌّ لإفصاح اللازم، وإن كنتم تُفضِّلون سماع الرواية بواسطة إلقائي على أفراد أو في حضرة مَن تنتَخِبون، فأنا لا أرى بأسًا في ذلك، وعلى أي حال لا أريد غير اتباع العرف المعمول به عندكم بما فيه ضمانة القراءة بشخصكم مباشرة دون سواكم. وإني أعتذر عن طول هذا الخطاب وأنتظر من عزتكم ردًّا عن هذه المسألة. وأرجو أن تتفضلوا في الختام بقبول فائق تحياتي وإخلاصي. [توقيع] محمد لطفي جمعة.»٢٥

إذن الدافع وراء إعادة لطفي جمعة صياغة رواية قديمة في ثوب مسرحي، هو رغبته في عرض إحدى مسرحياته على الجمهور، كما حدث في مسرحيتيه؛ «قلب المرأة»، و«نيرون»، هذا بالإضافة أيضًا إلى المكسب المادي، الذي سيناله من طلعت حرب نظير تمثيل فرقة عكاشة لمسرحية «في سبيل الهوى». وبالرغم من ذلك، فإن التاريخ يُثبِت أن فرقة عكاشة، لم تُمثِّل هذه المسرحية، ولم تمثِّلها أيضًا أية فرقة أخرى.

مسابقة التأليف المسرحي

إذا كان لطفي جمعة، لم يُوفَّق مع طلعت حرب وشركته التمثيليَّة، إلَّا أن السعي وراء ما يدرُّه المسرح على المؤلِّفين، كان يشغل لطفي جمعة بصورة مُلحَّة. ففي ٤ / ٣ / ١٩٢٥، أرسل لطفي جمعة خطابًا إلى عبد الحميد بدوي باشا قال فيه: «حضرة صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا، رئيس لجنة بحث الروايات التمثيليَّة الاستشارية بوزارة الأشغال، تحية وسلامًا وبعدُ، فإني تشرفت بتقديم روايتين تمثيليتين من تأليفي للجنة بحث الروايات التمثيليَّة الاستشارية وهما: (١) قلب المرأة: وقد سبق تقديمها إلى قسم المطبوعات بوزارة الداخلية والتصديق عليها في سنة ١٩١٦، ومثَّلتْها للمرة الأولى بتياترو الأوبرا الملكية في مساء السبت ٢٥ مارس سنة ١٩١٦ فرقة الأستاذَيْنِ أبيض وحجازي. وقد سلمتها لحضرة سكرتير اللجنة وهي في مجلد مؤلَّف من ١٣١ صحيفة من القطع الكبير. (٢) نيرون: وقد سبق تقديمها إلى قسم المطبوعات بوزارة الداخلية والتصديق عليها في سنة ١٩١٨ ومثَّلتْها مساء ٤ مارس سنة ١٩١٩ فرقة الأستاذ عبد الرحمن رشدي المحامي، وقد سلَّمتها لحضرة سكرتير اللجنة وهي مؤلَّفة من جزأين الأول في ١٦٢ صفحة وهو يشمل الفصول الأول والثاني والثالث، والجزء الثاني في ١١٢ صفحة ويشمل الفصلين الرابع والخامس، وإني أحيط سعادتكم علمًا بأن هاتين الروايتين لم تُطبَعا، وهذا الذي ألجأني للاكتفاء بتقديم نسخة واحدة من كلٍّ منهما، وهي النسخة الوحيدة عندي ما عدا النسخة التي يحفظها مدير الفرقة التي مثَّلت الرواية. وتفضلوا بقبول تحياتي. [توقيع] محمد لطفي جمعة المحامي بمصر.»

وهذا الخطاب، يعني أن لطفي جمعة أراد الاشتراك في أول مسابقة حكومية، في الكتابة المسرحية، تُعقَد في مصر عام ١٩٢٥.٢٦ وبالفعل كُلِّلت جهوده بالنجاح وفاز بإحدى جوائز المسابقة،٢٧ والتي تمثَّلت في مبلغ نقدي، هو ٦٥ جنيهًا!
وما كان من صاحب مجلة «المسرح» — محمد عبد المجيد حلمي — إلَّا أنه كتب مقالة قال فيها: «… مضت سنوات طوال على لطفي جمعة، لم يكتب فيها حرفًا واحدًا لا بخير ولا بشر. ومرت الأيام، وتألَّفت في البلد لجنة حكومية لفحص مجهود المؤلفين المسرحيين وتقدير المكافآت لهم، وظهرت نتيجة عمل اللجنة، فإذا الأستاذ لطفي جمعة قد نال الدرجة الثانية ومكافأتها ٦٥ جنيهًا مصريًّا. وكان للجنة فحص الروايات تقرير أصدرتْه فتسلَّمه الأستاذ لطفي جمعة، وصبر عليه أيامًا، فإذا به قد طلع علينا في جريدة المقطم بمقالات ضافية في الصحيفة الأولى ينقد بها تقرير اللجنة، نقدًا أدبيًّا فنيًّا منطقيًّا بسيكلوجيًّا …! أما أنا فقد حمدت الله طويلًا. لقد نطق الأستاذ، وما أنطقه إلَّا اﻟ ٦٥ جنيهًا وتقرير اللجنة … فأنا أدعو الناس أجمعين من أنس وجان إلى تكوين جمعيات تمنح مكافآت، وتصدر تقريرات، حتى يتسع المجال للأستاذ فيكتب. «عرفنا دِيتها» يا أستاذ …!»٢٨

خضر زرعك

بعد خمس سنوات، وتحديدًا في عام ١٩٣٠، أنشأت وزارة الأشغال أول معهد مسرحي حكومي في مصر — وفي الأقطار العربية أيضًا — تحت إدارة زكي طليمات، الذي كان على علاقةٍ ما بلطفي جمعة. وبسبب هذه العلاقة أرسل زكي طليمات رسالةً — بصفة رسمية في ١٨ / ٩ / ١٩٣٠ — إلى لطفي جمعة، قال فيها، تحت عنوان «بشأن الإذن بدراسة رواية «خضر زرعك» في معهد فن التمثيل»: «حضرة الأستاذ محمد لطفي جمعة المحامي. تقضي دراسة فن الإلقاء بمعهد فن التمثيل أن يقوم طلبة المعهد بدراسة وتمثيل أدوار مختلفة من روايات قَيِّمة ممَّا أخرجته الأقلام المصرية في التأليف المسرحي. وقد رأت الوزارة أن تكون روايتكم المذكورة ضمن الروايات التي تدرس بالمعهد. فاقتضى تحريره إلى حضرتكم رجاء التفضل بموافاتنا بصورة منها. هذا مع العلم بأن هذه الرواية لن يُجرَى تمثيلها قبل استئذانكم والحصول على موافقة مدير الفرقة الذي يملك حقَّ تمثيلها. وتفضَّلوا بقبول فائق الاحترام [توقيع] زكي طليمات، والسكرتير العام.»

وعلى الرغم من عدم التأكُّد مما ذُكِر في هذا الخطاب الرسمي، قد تمَّ أو لا، إلَّا أننا نعتقد بأنه لم يتمَّ. والدليل على ذلك أن هذه المسرحية، ألَّفها لطفي جمعة، في فترة كتاباته المسرحية، على غرار ما تُقدِّمه فرقة عزيز عيد، كما بيَّنا فيما سبق. هذا بالإضافة إلى أن لغتها عامية سوقيَّة، ولا يُعقَل أن معهدًا أكاديميًّا يستطيع أن يُقدِم على تدريس هذه المسرحية لطلابه، خصوصًا في مادة «فن الإلقاء»! وأيضًا لا يستطيع أيُّ معهد أن يُقدِم على تمثيل مثل هذه المسرحية — كما جاء في الخطاب — بسبب موضوعها المُبتذِل! وأخيرًا لم نجد أيَّة أخبار تتعلَّق بهذه المسرحية، فيما نشر عن المعهد عامي ١٩٣٠، ١٩٣١ وهي كل فترة وجوده حينئذ.٢٩ وتفسير هذا الخطاب، أن زكي طليمات — من خلال علاقته بلطفي جمعة — أرسل له هذا الخطاب، دون أن يعلم موضوع المسرحية، بل وقبل أن يقرأها، ولكن بعد القراءة — للأسباب السابقة — صرف المعهد نظره عن هذه المسرحية.٣٠

يقظة الضمير

من الجدير بالذكر أن لطفي جمعة كانت تربطه علاقةٌ وثيقة بشاعر القطرين خليل مطران. وفي إحدى الرسائل المتبادَلة بينهما عام ١٩٣٥، قال مطران: «حضرة الأخ العزيز الأديب الكبير والمحامي الشهير الأستاذ محمد لطفي جمعة، بعد التحية والإكرام. تلقَّيت كتابك وتاريخه ٩ / ١٢ / ١٩٣٥ وسُرِرت بمطالعته سروري بكلِّ ما يجيء منك، أمَّا ظنُّك أنني نسيتك فقد أثارني شجنًا، وهل كان لي أن أنساك في مثل ما نِيط بي من الأمر. غير أنني كنت معتقدًا أنك صرفت إحدى قواك الفكرية الكبرى عن هذا الفن الذي نشتغل به [يقصد المسرح] ولعل ذلك تأتَّى من انقطاعي بضع سنين عما كانت تجود به قرائح أكابر كتَّابنا الذين عنوا حينًا بالمسرح، أما عملك وإخلاصك فأنا أعرفُ الناس بهما، ومكاني منك كمكانك مني — فيما طال به العهد بيننا — فوق الزلفى أيًّا كان نوعها وسببها. فرجائي إن اتسع وقتك للقاءٍ أن تُعيِّن لي موعدًا نجتمع فيه، ونتباحث فيما تريد أن تتفضل به من النصرة على هذه الفرقة وأنت مشكور كل الشكر على ما يتيسر لي من تلافي التقصير إن كان قد وقع تقصير، وحيَّاك الله وأبقاك لمحبك المخلص [توقيع] خليل مطران.»

وهذه الرسالة كتبها مطران، وهو مدير الفرقة القومية المسرحية، ولنا عليها عدة ملاحظات؛ أولًا: أنها ردٌّ من مطران على رسالة قد أرسلها لطفي جمعة، وهذا يعني أن ما في الرسالة هو إجابات أو تبريرات لأشياء ذكرها لطفي جمعة في رسالته المُرسَلة في ٩ / ١٢ / ١٩٣٥. ثانيًا: الرسالة تؤكِّد أن خليل مطران كان لا يُراسِل لطفي جمعة لفترة طويلة، لدرجة النسيان … أي إن خليل مطران كاد أن ينسى لطفي جمعة. ثالثًا: تبرير مطران لنسيان جمعة، راجعٌ إلى اعتقاده بأن لطفي جمعة نَسِي المسرح وابتعد عنه وانشغل بأمور أخرى. رابعًا: يطلب مطران من لطفي جمعة موعدًا كي يتباحث معه فيما يريد لطفي أن يخدم وينصر به الفرقة القومية، تبعًا لما كتبه في رسالته لمطران.

وهذه الملاحظات في مُجملها — بالإضافة إلى أسلوب الخطاب — يشتمُّ منها القارئ رائحة تهرُّب مطران من لطفي جمعة! فما الشيء الذي عرَضه لطفي في خطابه على خليل مطران، كي يخدم وينصر به الفرقة القومية؟! من المؤكَّد أنه نصٌّ مسرحي جديد، يريد لطفي من مطران أن يمثِّله من خلال الفرقة القومية … ولماذا لا وخليل مطران هو المدير والصديق القديم للطفي؟! وهكذا بدأت قصة آخر نصٍّ مسرحي متكامل للطفي الجمعة، وهو نص مسرحية «يقظة الضمير».

ولهذه المسرحية قصة طريفة، فقد أعطى لطفي جمعة نصَّ المسرحية إلى مطران في أواخر ١٩٣٥، كي تمثِّلها الفرقة القومية بصورة سريعة، وبالتالي يقبض لطفي الثمن بصورة سريعة أيضًا. ولكن مطران تكاسَل بعض الشيء، أو فلنقُل كان يتهرَّب من لطفي جمعة لمدة سنة كاملة، ممَّا جعل لطفي يطلب استرداد النصِّ مرة أخرى. وبالفعل قام سكرتير الفرقة بتسليم النص إليه، ولم يقم بذلك خليل مطران نفسه. وهذا التصرُّف دليل قاطع على تهرُّب مطران من لطفي بكلِّ وسيلة ممكنة. وهكذا استرد لطفي النص بعد عام تقريبًا — في أواخر ١٩٣٦ — عندما فقد الأمل في تمثيلها.

وفي عام ١٩٣٧ شاهد لطفي جمعة أحد الأفلام السينمائية، وهو فيلم «نشيد الأمل» لأم كلثوم، ففُوجِئ بأن قصة الفيلم، هي نفسها مسرحيته «يقظة الضمير» بكلِّ ما فيها من تفاصيل وشخصيات وأحداث … إلخ. وعندما علم أن أدمون تويما هو كاتبها، وأنه أحد رعايا خليل مطران. هذا بالإضافة إلى أن خليل مطران كانت له يد قوية في شركة فيلم الشرق، التي أنتجت الفيلم! أمام هذه الحقائق كلها اتضحت للطفي جمعة خيوط المؤامرة التي دبَّرها خليل مطران مع أدمون تويما لسرقة موضوع مسرحيته «يقظة الضمير»؛ ممَّا جعل بعض الأصدقاء يشيرون عليه برفع دعوى قضائية على الشركة المُنتِجة للفيلم وأيضًا على الرجلين.٣١
ولحسن الحظ أن لطفي جمعة لم يتبع شيطانه، وتمهَّل في التفكير، فاهتدى إلى طريقة مسالمة، وهي إرسال رسالة عتاب وتوضيح لصديقه مطران، حتى يبرِّر له ما حدث. وبالفعل أرسل هذه الرسالة في ١٥ / ١ / ١٩٣٧، قائلًا فيها: «حضرة أستاذي وأخي عميد الأدب العربي، علم المكارم التي لا تُرام، وفخر مصر والشام، شاعر الأقطار العربية خليل المطران بك حفظه الله … شهدت قصة «نشيد الأمل» … وقد قرأت في البرنامج أن كاتب القصة هو أحد الأدباء من أصدقائك المشمولين بعنايتك، فتأكدت أن الحوادث التي أُفرِغَت في قالب سينمائي ليست مجهولة لديَّ ولا بعيدة عنيَّ، بل وليست مجهولة لديك، فما هي يا سيدي الأستاذ الجليل إلَّا رواية «يقظة الضمير» الدرامية التي تشرَّفتُ بتقديمها إلى شخصك الكريم … وبقيتْ في حراسة عزَّتكم إلى ديسمبر سنة ١٩٣٦ فردَّها إليَّ السكرتير كطلبي … فما أفظع تهكُّم القدر! إن خمسًا وثلاثين سنة تربطنا بمودة أعتقد من جانبي أنها وثيقة، فهل لي أمل بأن أستعين على جلاء هذا الغموض بك؟ وهل تعينني بما هو معهود فيك من الشرف والأمانة والذمة والصدق وحسن النية على اكتشاف سرِّ انتقال قصتي من كُراستي التي كانت في العهدة إلى الشاشة البيضاء؟ وأنت تعلم يا أستاذي ويا أخي أن في حرمان الأديب من ثمرة أدبه، والمُفكِّر من فائدة تفكيره ذهابَ كلِّ نعمة عن الجماعة، وتفرُّق كلِّ كرامة، وإجلاب كلِّ ضرر، وإدبار كلِّ منفعة، والعمل بكلِّ جور وفناء كلِّ حق. فكيف وصلت حوادث هذه القصة إلى غيرنا وكلانا شديد الحرص على هذه الأمانة؟! أنت لأنك تمثل الشرف والأمانة والأدب العربي، وأنا لأني صاحب الرواية ومؤلفها … أعلم يقينًا أنك تغضب للحق وتثور للعدل وتأبى الظلم وتذود عن الكرامة … فهل لك أن تنهض بالعبء هذه المرة صديقًا وفيًّا وقاضيًا عادلًا وحكمًا خبيرًا وأخًا كبيرًا ومجاهدًا كريمًا في سبيل الفن والخلق الكريم … إنني طبعًا لن أفاتح أحدًا في هذا الأمر حتى أرى نتيجة شكواي إليك واستنجادي بك في حلِّ هذا اللغز ورفع الستار عن هذا السرِّ، بما هو معهود فيك من الإيثار والوفاء والعدل وعلو الهمة.»٣٢

وإذا كنا قد اجتزأنا بعض الفقرات من هذه الرسالة المُطوَّلة، فإن الأجزاء الأخرى، ما هي إلَّا عبارات تترادف في معانيها وأحاسيسها للأجزاء المنقولة هنا. وهذه الرسالة يلاحظ القارئ أن أسلوبها بليغ في الحوار، حيث تتمازج كلمات العتاب بكلمات الحب، وكلمات الوفاء بكلمات الغدر … إلخ هذه الأضداد. ولكن فحواها العام يؤكِّد على أن لطفي جمعة كان جادًّا وشرسًا وينوي الانتقام من كلِّ مَن سلبوه حقَّه الأدبي. ذلك الحق الذي جعل له لطفي جمعة لسانًا يصرخ بصرخات عالية من بين سطور الرسالة! ومن الغريب أن لطفي جمعة لم يتحدَّث عن أية حقوق مادية له … فكلُّ ما يهمُّه حقوقه الأدبية، وعدم اغتيال عقله وأفكاره.

ويظن القارئ أن لطفي جمعة بعد ذلك أقام الدنيا وأقعدها في سبيل استرجاع حقِّه الأدبي، وعدم الاستسلام لاغتيال عقله وفكره ومجهوده … إلخ ما عبَّر عنه في خطابه لمطران، ولكن بكل أسف فقد انتهت المشكلة بصورة لا تنمُّ عن عمق المشكلة … وجاءت النهاية من خلال أسطر قليلة في مذكرات لطفي جمعة، قال فيها: «يقظة الضمير تمثيلية مصرية في خمسة فصول اشترتها الفرقة القومية في أكتوبر سنة ١٩٤٠، وكانت أمانة عند خليل مطران وسرق المدعو أدمون تويما الموضوع وجعله باسم «نشيد الأمل» ومثَّلته أم كلثوم سنة ١٩٣٨، ولكنني أخذت ثمن روايتي بعد ذلك بسنتين.»٣٣

وهكذا كانت النهاية، فقد أعطت الفرقة القوميَّة مبلغًا من المال إلى لطفي جمعة، نظير هذه السرقة ولكي يسكت، فرضي لطفي جمعة بهذا المال وسكت … وتنازل عن كافَّة حقوقه الأدبية والمعنوية، وقُبِرَت مسرحيته «يقظة الضمير»، ولكن يشاء القدر أن تظهر للنور وباسمه في هذا الكتاب!

الاحتكاك بالحياة المسرحية

إذا كنا قد تحدَّثنا — فيما سبق — عن ظروف وملابسات جميع مسرحيات لطفي جمعة المخطوطة، والمنشورة في هذا الكتاب، فيجب أن ننبِّه على أن لطفي جمعة بجانب ما ورد، كان محتكًّا بالحياة المسرحية، احتكاكًا كبيرًا؛ فمثلًا في عام ١٩١٥ نجد حسين فتوح — سكرتير جمعية أنصار التمثيل — يرسل له خطابًا من أجل اختياره ليكون من مؤبِّني محمد عبد الرحيم، رئيس الجمعية، وذلك في الاحتفال الخاص بهذا التأبين.

وفي عام ١٩١٦ كان لطفي جمعة أحد أعضاء «جمعية الكُتَّاب التمثيلية»، التي تألَّفت لتعمل على خدمة الفن المسرحي تأليفًا وترجمة. وهذه الجمعية تألفت من: فؤاد سليم، عبد الحليم دلاور، إبراهيم رمزي، صالح جودت، إسماعيل وهبي، ميخائيل بشارة داود، أحمد رأفت، محمد لطفي جمعة، أمين صدقي.٣٤

وفي عام ١٩٣٣ تمَّ اختيار لطفي جمعة ليكون ضمن أعضاء لجنة المؤتمر المسرحي العام، الذي سينظر في علاجٍ ناجح للحالة المسرحية المتردِّية، التي وصل إليها المسرح المصري. وقد أرسل سكرتير اللجنة محمد توفيق المردنلي، خطابًا إلى لطفي جمعة بهذا الشأن.

ومن الجدير بالذكر أن احتكاك لطفي جمعة بالمسرح المصري، لم يقتصر على التأليف أو الاشتراك في اللجان المختلفة، بل كان أيضًا احتكاكًا عمليًّا، من خلال عمله في المحاماة. ففي عام ١٩٢٣ أُثِيرَت ضجة كبيرة حول المُمثِّلة دولت أبيض، التي أنجبت طفلة من جورج أبيض، دون الاقتران به بصورة رسمية.٣٥ ووصل هذا الأمر إلى القضاء، فحاول جورج إصلاح الموقف، ولكن أسرته وقفت أمامه وأمام دولت بالمرصاد. فلم يجد جورج أبيض غير لطفي جمعة كمحامٍ للوقوف بجانب دولت، فأرسل له خطابًا بهذا الشأن.
وفي عام ١٩٢٦، رفع الكاتب والناقد المسرحي محمد أسعد لطفي، قضية ضد فاطمة رشدي، فلجأت إلى لطفي جمعة كمحامٍ لها للدفاع عنها في هذه القضية. وبالفعل حصل لها على البراءة. تلك البراءة التي باركتها واحتفلت بها مجلة «روز اليوسف».٣٦

والآن نترك القارئ ليستمتع بقراءة مخطوطات مسرحيات محمد لطفي جمعة، الأديب الموسوعي … تلك المخطوطات التي تُنشَر لأول مرة وبصورة كاملة … تلك المخطوطات التي بدأ لطفي جمعة في كتابتها منذ عام ١٩٠٩، وحتى عام ١٩٤٥، ولم ترَ النور في مُجمَلها إلَّا على يد حارس الثقافة في مصر «المجلس الأعلى للثقافة».

دكتور
سيد علي إسماعيل
القاهرة في: ٣٠ / ١٢ / ٢٠٠٠
١  محمد لطفي جمعة، «شاهد على العصر»، السابق، ص٢٠٩.
٢  أعاد إليَّ الأستاذ رابح لطفي جمعة، هذه الصفحة المنزوعة، مُفسِّرًا هذا التصرف من قِبَلِه، بأنه انتزعها خشيةَ الإساءة إلى سمعة والده، وخشية تفسير ما فيها من اعتراف تفسيرًا يضرُّ بتاريخ والده.
٣  قال يحيى حقي عن لطفي جمعة: «ولا أنسى ضحكته لي ذات يوم وهو يقول لي: «تصوَّر! نشرتُ في «البلاغ» على التوالي أكثر من خمسين قصة قصيرة، ذكرتُ تحتَ عنوانها أنها مترجمة عن الأدب الروسي، ولم أذكر للمؤلِّف اسمًا، وهي كلُّها من عملي ومن تأليفي. تصوَّر أنني لم أجِد أديبًا واحدًا يُمسِك بتلابيبي، ويقول لي: أدرَكنا خدعتَك؛ فليس في الأدب الروسي كلِّه شيء مما جئتَنا به.» يحيى حقي، «قائمة الترشيح»، جريدة «المساء» في ٢٩ / ٥ / ١٩٧٢، نقلًا عن كتاب: «مؤلفات يحيى حقي: ناس في الظل وشخصيات أخرى»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٤، ص١٥٤-١٥٥. ويوضِّح د. عبد الفتاح الديدي، هذا الأمر، بصورة أخرى، قائلًا: «عندما ظهرت مجلة «الرواية» طلب الزيات من محمد لطفي جمعة ترجمةَ عددٍ من القصص الأجنبية لشغف القراء بالتراجم من الروايات والقصص خاصة، وأن اسم لطفي جمعة لم يشتهر بين القصاصين. فألَّف لطفي جمعة عددًا من القصص تحت أسماء كُتاب روس وأوروبيين، وبدأ نشرها بمجلة «الرواية» تباعًا حتى بلغتِ الخمسين قصة، وكلها من اختراعه بأسمائها وأجوائها الأجنبية، ولا مقابل لها في أعمال هؤلاء المؤلفين.» د. عبد الفتاح الديدي، «ينابيع الفكر المصري المعاصر»، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٨٢، ص١٠٢.
٤  محمد لطفي جمعة، «تذكار الصبا: ذكرى ١٩ مارس»، عالم الكتب، ١٩٩٩، ص٦٨.
٥  «تذكار الصبا»، السابق، ص٢٥، ١٣٤–١٣٧.
٦  ونص الخطاب المؤرَّخ في ٣٠ / ٦ / ١٩١٥، يقول: «حضرة الدكتور محمد لطفي بك جمعة، اطَّلعتُ على إعلان تقويم الشرق فعلِمتُ أنكم ألَّفتُم رواية تمثيليَّة تُسمَّى «قلب المرأة» وبما أني رئيس جمعية النهضة بالتمثيل وممَّن يُعجَبون بقلمكم ومؤلفاتكم فألْتَمِس إعطائي هذه الرواية بعدَ أخذِ الإيصال اللازم لتصفُّحها وتقرير تمثيلها بواسطة الجماعة، ولكم مني وافر الاحترام.»
٧  انظر إعلانات مسرحية «قلب المرأة» في: جريدة «المقطم»، عدد ٨١٨٦، ٢١ / ٢ / ١٩١٦، جريدة «الأخبار»، عدد ٢٦٢، ٢٤ / ٢ / ١٩١٦، جريدة «الأفكار»، ٢١ / ٣ / ١٩١٦، جريدة «المقطم»، عدد ٨٢١٥، ٢٥ / ٣ / ١٩١٦، جريدة «الأفكار»، ٢٦ / ٣ / ١٩١٦.
٨  انظر: جريدة «المنبر»، في ٢٩ / ٣ / ١٩١٦، وفي ٣١ / ٣ / ١٩١٦. ومن الجدير بالذكر أن المقالة الأخيرة قال عباس حافظ في نهايتها: «ونحن عائدون غدًا فموفُّون الكلام على أغراض الرواية والروح الفنية فيها.» ولكننا بكل أسف لم نستطِعِ الحصول على بقية المقالات لفقدان مجلد شهر أبريل الخاص بجريدة «المنبر» من دار الكتب المصرية.
٩  يقول نص الخطاب المؤرَّخ في ٢٣ / ٨ / ١٩١٧: «صديقي الأستاذ لطفي، ستعجب العجب كلَّه إذ تقرأ كتابي هذا، وستندهش كيف اجترأت، ولكنْ أكنتَ تريد أن أعيش وأنا أحمل كرهك وغضبك عليَّ إلى الأبد؟ نعم، أنا أخطأتُ، وما كان خطئي حقدًا، وما كان لؤمًا، ولكنني اندفعتُ مع النَّزَق، وإن كنتُ أخلص الناس قلبًا وأطهرهم روحًا. ولكن ألا تظن أنه قد يأتي الشرُّ في بعض الأحيان من أيدٍ طاهرة لم تُلوَّث من قبلُ بالشر؟ إذن فلندفن ذكرى الماضي في مقبرة النسيان ونجدِّد عَقْد حبٍّ يبقى مع الحياة، ومثلي — لو علمتَ — أحرَصُ الناس على الودِّ. كنتُ أحاول منذ نحو عام أن أعود إليك فأراجعك وتُقِيلني من غضبك، وكنتُ كلما التقيتُ بك جاهدتُ النفس على تحيتك، ولكنني كنتُ أخشى أن يكون غضبك لا يزال على حِدَّتِه فترفض التحية. والآن وقد عَرَض لديَّ عملٌ يختص بك وهو قضية مدنية في المختلط، سألني صاحبُها أن أدلَّه على محامٍ كفء لها، فشِئتُ إلَّا أن أسمِّيَك لكي تكون تلك وسيلة للهجوم عليك بالصلح، ولكي أعود إليك صديقًا مفرطًا في الحب كما أفرطت يومًا في الشرِّ، فهل تراك رافضًا؟ وهل تأبى إلَّا أن تحتفظ بضغنك فتدعني وذنبي نضطجع في قطعة من الناحية السوداء في فؤادك؟ ما أظنك مستطيعًا ذلك بعد أن جئتُك أحمل العلَم الأبيض. إذا كان ما ظننتُ فأنا الآن في انتظار كلمتك، وأنا الآن على مقربة من مكتبك، فإن شئتَ أن تعلم فحوى هذه القضية جئتُك بها في التوِّ والساعة. فقل كلمتُك. والسلام عليك من أخيك عباس حافظ.» محمد لطفي جمعة، «حوار المفكرين»، السابق، ص٤١٠.
١٠  انظر: جريدة «الأفكار»، ابتداءً من ٩ / ٤ / ١٩١٦ إلى ١٧ / ٤ / ١٩١٦.
١١  مجلة «الأدب والتمثيل»، الجزء الثاني، رواية «قلب المرأة»، مايو ١٩١٦.
١٢  انظر إعلانات عرض مسرحية «قلب المرأة» بتياترو برنتانيا في: جريدة «المقطم»، عدد ٨٢٤٩، ٥ / ٥ / ١٩١٦، جريدة «الأفكار»، ٥ / ٥ / ١٩١٦، جريدة «مصر»، ١٤ / ٦ / ١٩١٦، جريدة «الوطن»، ١٤ / ٦ / ١٩١٦، جريدة «الأفكار»، ١٥ / ٦ / ١٩١٦، جريدة «الأخبار»، ٩ / ٨ / ١٩١٦، جريدة «الوطن»، ٩ / ٨ / ١٩١٦.
١٣  جريدة «مصر»، ٥ / ٩ / ١٩٢٣.
١٤  في الصفحة الأولى من مخطوطة مسرحية «كانت لقية مقندلة»، كُتبت تأشيرة الرقابة في ٦ / ٩ / ١٩١٨، وجاءت فيها هذه العبارة «ممنوع تمثيل هذه الرواية.»
١٥  انظر: جريدة «المنبر»، عدد ١١١٨، ٢٨ / ٥ / ١٩١٧.
١٦  انظر: جريدة «المقطم»، عدد ٨٦٣٢، ٢ / ٨ / ١٩١٧.
١٧  انظر: جريدة «المقطم»، عدد ٩٠٣٣، ٢٥ / ١١ / ١٩١٨.
١٨  يقول د. إبراهيم عوض عن لطفي جمعة: «كان كاتبًا متعدِّد الاهتمامات كثير الإنتاج، بل كان رائدًا في بعض مجالات التأليف كالقصة والمسرحية ودراسة الأدب الشعبي. وإن الإنسان ليتساءل: من أين كان له، في زحمة اشتغاله بالمحاماة وبالقضية الوطنية في الداخل والخارج، بالوقت والجهد اللذين يقتضيهما ذلك العدد الكبير من المؤلَّفات التي خلَّفها وراءه مطبوعة ومخطوطة؟!» د. إبراهيم عوض، «كاتب من جيل العمالقة: د. محمد لطفي جمعة: قراءة في فكره الإسلامي»، عالم الكتب ١٩٩٩، المقدمة، ص٥.
١٩  أقام محمد تيمور محاكمةً تخيُّلية كوميدية للطفي جمعة، ونشرها في جريدة «السفور» عام ١٩٢٠، وفي نهاية المحاكمة، جاء هذا الحكم: «حكمنا بما هو آتٍ؛ أولًا: أن يبحث لطفي أفندي جمعة عن جوق جديد يمثِّل له روايته المقبورة في درج مكتبه … وأن يبدأ بتأليف رواية جديدة حالًا …» محمد تيمور، «حياتنا التمثيلية»، الجزء الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٣، ص١٤٢.
٢٠  انظر: جريدة «المقطم»، عدد ٩٠٨٩، ٤ / ٢ / ١٩١٩.
٢١  هذه الأسماء منقولة من صفحة أدوار المسرحية وتوزيع الممثلين الموجودة في مخطوطة المسرحية، وجاءت فيها هذه العبارة «آخر بروفة بدون تأجيل يوم أول مارس.»
٢٢  انظر: جريدة «مصر»، عدد ٦٦٩٥، ٥ / ٦ / ١٩١٩.
٢٣  وللمزيد عن هذا الأمر، انظر: جريدة «كوكب الشرق»، عدد ٧٧٠، ٢ / ٣ / ١٩٢٧، جريدة «السياسة»، ٦ / ٣ / ١٩٢٧، جريدة «المقطم»، ٦ / ٣ / ١٩٢٧، مجلة «المسرح»، عدد ٦٦، ٢٨ / ٣ / ١٩٢٧، جريدة «الوطن»، ٢٩ / ٣ / ١٩٢٧، جريدة «الأخبار»، عدد ١٨٥٩، ٧ / ٤ / ١٩٢٧، جريدة «الأهرام»، ٢٤ / ٧ / ١٩٢٧، مجلة «الناقد»، عدد ١٢، ١٩ / ١٢ / ١٩٢٧.
٢٤  انظر: أحمد حسين الطماوي، «محمد لطفي جمعة في موكب الحياة والأدب»، عالَم الكتب، ١٩٩٣، ص٢٣٦.
٢٥  رابح لطفي جمعة، «حوار المفكرين»، السابق، ص٣١٩-٣٢٠.
٢٦  انظر: مجلة «التياترو»، عدد ٧، أبريل ١٩٢٥، ص٤.
٢٧  جاء ترتيب الفائزين في هذه المسابقة، على النحو التالي: إبراهيم رمزي ٧٠ جنيهًا، عباس علام ٦٥، محمد لطفي جمعة ٦٥، بديع خيري ٤٥، ميخائيل بشارة داود ٤٥، أنطون يزبك ٤٠، أحمد رأفت ٤٠، سليمان نجيب ٤٠، مصطفى ممتاز ٣٠، فرنسيس شفتشي ٣٠، جورج عيد وسيد قدري ٣٠. انظر تفاصيل هذه المسابقة بصورة كاملة في جريدة «الأهرام»، ٢٦ / ٣ / ١٩٢٦.
٢٨  مجلة «المسرح»، عدد ٢٣، ١٢ / ٤ / ١٩٢٦، ص٥.
٢٩  وللمزيد عن بداية ونهاية هذا المعهد، انظر: جريدة مصر، عدد ٩٩٧١، ١٢ / ٨ / ١٩٣٠، ومجلة النهارده، عدد ٥، ١٤ / ٨ / ١٩٣٠، ومجلة المصور، عدد ٣١٤، ١٧ / ١٠ / ١٩٣٠، وجريدة مصر، عدد ١٠٠٥١، ٧ / ١١ / ١٩٣٠، ومجلة المصور، عدد ٣٣٤، ٦ / ٣ / ١٩٣١، وجريدة المقطم، عدد ١٢٩١٤، ٥ / ٨ / ١٩٣١، ومجلة المصور، عدد ٣٥٦، ٧ / ٨ / ١٩٣١، ومجلة روز اليوسف، عدد ٢٠٤، ١١ / ١ / ١٩٣٢، وزكي طليمات، «فن الممثل العربي: دراسة وتأمُّلات في ماضيه وحاضره»، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ١٩٧١، ص١٣٩-١٤٠، وزكي طليمات، «ذكريات ووجوه»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨١، ص٧٨–٨٥، سمير عوض، «معهد التمثيل الحكومي»، مجلة الكواكب، عدد ٢٢٨٢، ٢٥ / ٤ / ١٩٩٥، د. سيد علي إسماعيل، «تاريخ المعهد المسرحي بدولة الكويت ١٩٦٤–١٩٩٩»، دار قرطاس للنشر، ط١، ١٩٩٩.
٣٠  ومن الجدير بالذكر أن ما حدث مع زكي طليمات ومعهده بالنسبة لمسرحية «خضر أرضك»، حدثَ أيضًا — ومن قبل — بالنسبة إلى فرقة يوسف وهبي، عندما أراد لطفي جمعة أن تقوم الفرقة بتمثيلها هي ومسرحية «حبيب القلب وحبيب الجيب». فقد أرسل شقيق يوسف «إسماعيل وهبي» خطابًا إلى لطفي جمعة في ١٠ / ١١ / ١٩٢٤، قال فيه: «حضرة الأستاذ الفاضل محمد بك لطفي جمعة، بعد التحية، نرجو التشريف بمكتب حضرة الأستاذ إسماعيل بك وهبي الكائن بشارع سليمان باشا نمرة ٢٣ وذلك طبقًا لقرار لجنة فحص الروايات للنظر في الروايتين المُقدَّمتين من حضرتكم، وهما «خضر أرضك»، «حبيب القلب حبيب الجيب». وذلك في يوم الجمعة الموافق ١٤ نوفمبر سنة ١٩٢٤ الساعة ٧ أفرنكي مساءً. واقبلوا فائق احتراماتي. سكرتير اللجنة.» ومن الواضح أن هذا اللقاء كان لإخبار لطفي جمعة برفض رواياته، والدليل أن فرقة يوسف وهبي لم تمثِّل هاتين المسرحيتين. وهذا الأمر تكرَّر أيضًا وللمرة الثالثة من قِبَل جمعية أنصار التمثيل، عندما أرسلت خطابًا إلى لطفي جمعة بدون تاريخ، قالت فيه: «لقد أعدنا إحياء جمعية أنصار التمثيل، ونرجو منكم المساعدة كما عوَّدتنا، وأول ما نسألك إيَّاه إحضار رواية «خضر أرضك» التي سبق وقرأتها لي، وإن كان هناك غيرها فلنا الشرف بالاطلاع عليها، وسأمر بمكتبك غدًا مساءً في نحو السابعة، فإذا لم تمكنك الظروف من لقائي فأرجو ترك الرواية بالمكتب؛ لأننا نريد أن نبدأ عملنا قويًّا والسلام.» ومن الثابت تاريخيًّا أيضًا أن هذه الجمعية لم تمثِّل هذه المسرحية. انظر نصَّ الخطابين في كتاب «حوار المفكرين»، السابق، ص٣١٠–٣١٤.
٣١  راجع: محمد لطفي جمعة، «شاهد على العصر»، السابق، ص٥٨٦-٥٨٧.
٣٢  رابح لطفي جمعة، «محمد لطفي جمعة وهؤلاء الأعلام» السابق، ص٤٢٧–٤٣٠.
٣٣  السابق، ص٤٣٢. وللمزيد عن هذا الموضوع، انظر: محمد لطفي جمعة، «شاهد على العصر»، السابق، ص٥٩٢–٥٩٤.
٣٤  راجع: جريدة «الأفكار»، ١٤ / ٤ / ١٩١٦.
٣٥  وللمزيد عن هذا الموضوع، انظر: مجلة «روز اليوسف»، ١ / ٩ / ١٩٢٦، مجلة «المسرح»، عدد ٦٤، ١٤ / ٣ / ١٩٢٧.
٣٦  انظر: مجلة «روز اليوسف»، «قضية الجنحة المباشرة»، عدد ٢٨، ١٢ / ٥ / ١٩٢٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤