الفصل السادس

في مشهوري رجال عصره

نبغ في عصر أبي بكر جمهرة من مشهوري رجال الإسلام في الحرب والعلم والسياسة، أمثال خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وأبي عبيدة، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، والعلاء بن الحضرمي، وأسامة بن زيد، وأُبي بن كعب، وغيرهم من عظماء الصحابة الذين علت أسماؤهم في العصر الصدِّيقي، ونكتفي بترجمة بعضهم، فنذكر:

(١) يزيد بن أبي سفيان

أبو سفيان: هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي، وُلد قبل عام الفيل بعشر سنين (٥٧ق.ﻫ) ومات سنة ٣٣ﻫ، وكان من وجوه قريش جاهًا ومالًا ومكانة، وكان تاجرًا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها، وكان يخرج بنفسه أحيانًا للتجارة، وكان إليه حمل راية الرؤساء، إذا حميت نار الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية — واسمها العقاب — في يده، وكان يُقال: أفضل قريش عقلًا في الجاهلية ثلاثة: أبو جهل، وأبو سفيان، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

كان من رؤساء المشركين يوم الأحزاب، ويوم أُحُد، وقد اختُلف في تاريخ إسلامه، فقال أكثر المؤرخين: إنه أسلم يوم فتح مكة وحسُن إسلامه، وروى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: رأيتُ أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول: يا نصر الله اقترِب، وإنه كان يقف على الكراديس ويقول للناس: الله الله، فإنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار المشركين، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. ويقول بعض المؤرخين: إنه ظل كهفًا للمنافقين منذ أسلم، فكان في الجاهلية يُنسب إلى الزندقة، وإنه دخل على عثمان لما استُخلِف فقال له: قد جاءت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو المُلك ولا أدري ما جنة ولا نار. فصاح به عثمان: قم عني، فعل الله بك ما فعل. ولكن يغلب على ظن المرء أن هذه أحاديث مدسوسة، فإن عليها صبغة الصبغة، والله أعلم.

وكان له من الولد «يزيد» و«معاوية» و«عتبة» وغيرهم.

أما يزيد فكان أفضلهم، وكان يُقال له: يزيد الخير، أسلم يوم فتح مكة، وشهد حُنينًا، وأعطاه الرسول من غنائم حُنين مائة بعير وأربعين أوقية وزَنها له بلال، وكان أبو بكر يحترمه ويُقدِّر جرأته وفضله، أرسله يوم بعث البعوث إلى فلسطين بعد عودته من الحج سنة اثنتي عشرة، فاشترك في فتوح فلسطين. ولما مات أبو بكر واستُخلف عمر أمَّره على فلسطين ونواحيها، ولما مات أبو عبيدة أمير الشام ولَّى عمر مكانه معاذ بن جبل، فلما مات معاذ ولَّى عمر مكانه يزيد بن أبي سفيان، فأحسن تصريف الأمور، وفتح ما بقي من فلسطين، وخصوصًا قيسارية، أحصن مدن الروم. ولما مات يزيد خلفه أخوه معاوية، وكان ذلك سنة ١٩، وكان يزيد من دُهاة العرب وعقلائهم، برزت مواهبه في الفتوح والإدارة، وإليه يرجع الفضل الأكبر في توطيد أركان الأمن في الشام ونشر الإسلام في ربوعه.

(٢) عمرو بن العاص

هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو القرشي السهمي أبو عبد الله، وأمه النابغة سلمى بنت حرملة، وُلد سنة ٥٠ق.ﻫ. وكان أبوه من وُجهاء قريش وأشرافهم وتُجَّارهم ودُهاتهم، فنشأ عمرو على طريقة أبيه في النبل والدهاء، ولما ظهر الإسلام كان من أشد أعدائه الذين أرادوا هدمه والكيد له ونصر الشرك، ثم أسلس قياده وأعلن إسلامه، وقد اختُلِف في الوقت الذي أسلم فيه، فقيل: إنه أسلم في السنة الثامنة للهجرة قبل فتح مكة، وقيل: بل أسلم بين غزوة الحديبية وخيبر، وقيل: بل إنه أسلم في الحبشة، والأشهر أنه أسلم قبل فتح مكة، جاء هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة إلى النبي وهو في المدينة فأعلنوا إسلامهم، فقال الرسول لأصحابه حين نظر إليهم: «قد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها.» وقد أمَّره رسول الله على سرية سيَّرها نحو الشام، وقال له: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك في جيش يسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبةً صالحة، فبعثه إلى أخوال أبيه العاص بن وائل السهمي من بلي القاطنين في مشارف الشام يدعوهم إلى الإسلام، وسار إليهم عمرو، فلما كان في الطريق بأرض جذام (عند ذات السلاسل) رأى أن المشركين قد جمعوا جموعهم عليه، فبعث إلى الرسول يستمدُّه، فأمدَّه بجيش فيه مائتان من المهاجرين والأنصار وأهل الشرف، ومنهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقاتلوا وغنموا ورجعوا، ثم إن رسول الله ولَّاه على عمان، فلم يزل عليها إلى أن قُبض رسول الله، وفي عهد عمر تولى فتوح فلسطين والأردن، وولَّاه عمر إياها بعد موت أميرها يزيد بن أبي سفيان.

ثم إن عُمر جمع بلاد الشام كلها لمعاوية، واستدعى عَمْرًا إلى المدينة، فأخذ عمرو يُحبذ له أن يُسيِّره لفتح مصر، فإن فَتْحها قوة للإسلام لغِناها وخيراتها وضعف أهلها عن المُدافعة، فكره عمر ذلك أول الأمر، وما زال عمرو يكرر له رغبته ويُهوِّن له الأمر حتى أذِن له وعقد له لواءً على ثلاثة آلافٍ وخمسمائة مقاتل، وقال له: سِر على بركة الله، فسار إليها وفتحها في السنة الثامنة عشرة صُلحًا، واستمر واليا عليها طوال عهد عمر، وفي عهد عثمان بقي فيها أربع سنين ثم عُزِل عنها بعبد الله سعد بن أبي سرح العامري، فكان ذلك بدء الشر بين عثمان وعمرو، ولم يقدم عمرو على الحجاز بل قصد فلسطين، وأقام فيها مُعتزلًا، وربما أتى المدينة يثير الناس على عثمان وينفخ في نار الفتنة حتى قُتِل عثمان ووقعت الفتنة، فكتب إليه معاوية يستقدمه، فقدم عليه واتفق معه على الإمام علي، وشهد معركة صفين وكان أحد الحكمَين، وخبره في ذلك معلوم، ولما تم الأمر لمعاوية ولاه مصر، فلم يزل عليها إلى أن مات سنة ٤٣ﻫ، وله نحو نيف وثمانين سنة.

كان عمرو من أذكياء الناس ودُهاتهم وفُصحائهم، وله شعرٌ جيد، وخُطبٌ متوارَثة، روى ابن عبد البر الأندلسي أنه لما حضرته الوفاة بكى، فقال له ابنه عبد الله: لِمَ تبكي! أجزعًا من الموت؟ قال: لا والله، ولكن لما بعده، فقال له: قد كنت على خير، فجعل يُذكِّره صحبته الرسول وفتوحه الشام، فقال له عمرو: تركتَ أفضل من ذلك، شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شيء كافرًا، فكنتُ أشد الناس على رسول الله ، فلو متُّ يومئذٍ وجبت لي النار. فلما بايعت رسول الله كنت أشد الناس حياءً منه، فما ملأتُ عيني من رسول الله حياءً منه، فلو مت يومئذٍ كنت قال الناس: هنيئًا لعمرو، أسلم وكان على خير، ومات على خير أحواله، فتُرجى له الجنة. ثم بُليتُ بعد ذلك بالسلطان وأشياء، فلا أدري أعليَّ أم لي؟ فإذا مت فلا تبكين عليَّ باكية، ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا عليَّ إزاري فإني مخاصَم، وشنوا عليَّ التراب شنًّا، فإن جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة، ولا حجرًا، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قَدر نحر جزور وتقطيعها بينكم أستأنِس بكم١ (ابن عبد البر في الاستيعاب).

(٣) العلاء بن الحضرمي

الحضرمي، واسمه عبد الله بن عماد (وقيل: عمار) الخزرجي، أصله من اليمن من أسرةٍ نبيلةٍ فاضلة، وكان هو على جانبٍ عظيم من حسن الخلق والإقدام والإخلاص، أسلم منذ زمنٍ مبكر، فأعجب النبي بعقله وفطنته وشجاعته، فبعث به إلى المنذر بن ساوى أحد أمراء البحرين في سرية فيها نفر من كبار الصحابة أمثال: خالد بن الوليد، وأمره إن أصابه شيء أن يكون الأمر من بعده لخالد بن الوليد، وأوصاه بوصيةٍ رائعة جمعت آداب الإسلام وتعاليمه وأحكامه وسياسته، وكتب للمنذر بن ساوى كتابًا يقول فيه: «سلامٌ على من اتبع الهدى، أمَّا بعدُ فإني أدعوك إلى الإسلام، أسلِم تسلم، يجعل الله لك ما تحب، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر.» فلما وصله كتاب رسول الله أكرمه وأحسن استقبال البعثة الإسلامية وأعلن إسلامه، وكتب إلى الرسول كتابًا يقول فيه: «أمَّا بعدُ يا رسول الله، فإني قد قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث في ذلك أمرك.»

فكتب إليه رسول الله كتابًا يقول فيه: «أمَّا بعدُ فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يُطِع رُسُلِي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، وإني قد شَفَّعْتُك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقْبَل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية.» ثم بعث إليه بكتابٍ آخر جاء فيه:

«سلام الله عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعدُ فإن كتابك جاءني وسمعت ما فيه، فمن صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا، ومن لم يعقل فعليه دينار من قيمة المعافري، والسلام ورحمة الله، يغفر الله لك ذلك.»

وقد استقر العلاء في بلاد البحرين عاملًا عليها للنبي عند المنذر بن ساوى، فكان المندوب النبوي طوال عهد النبي ، وقد كتب إليه: «إلى العلاء بن الحضرمي: أمَّا بعدُ فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوى من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجِّله بها وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور. والسلام.»،٢ ولما توفي النبي واستُخلِف أبو بكر أقرَّ العلاء في عمله، وفي عهد عمر تولى البصرة، ولكنه مات قبل أن يصل إليها سنة ٢١ (رضي الله عنه ورحمه).

(٤) أُبَيُّ بن كعب

هو أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من بني النجار، كان من العقلاء الأفاضل، اعتنق اليهودية قديمًا وتعمَّق في أخبارها، وعرف أسرارها حتى اعتُبر من أحبارها، كما أنه قرأ كتب الديانات القديمة وعلوم الأولين، ولما ظهر الرسول بالإسلام صدَّقه وآمن به، وشهد العقبة الثانية، وبايع النبي ثم شهد بدرًا وأُحُدًا، والخندق، والمشاهد كلها، واتخذه النبي كاتبًا للوحي، فاعتنى بالقرآن وحِفْظه وقراءته، وكان الرسول الكريم يقول: أقرؤكم أُبي بن كعب.

وروى ابن عبد البر الأندلسي في كتاب الاستيعاب عن أُبي أن النبي قال له: أُمرت أن أقرأ عليك القرآن، فقال: يا رسول الله سماني لك ربك؟ فقال: نعم، فبكى أُبي، وكان أحد فقهاء المدينة، وعلى جانبٍ كبير من الأخلاق الفاضلة والمعلومات الغزيرة، كتب للنبي غير القرآن كثيرًا من الرسائل. قال الواقدي: هو أول من كتب لرسول الله الوحي مقدمه المدينة، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: «وكتب فلان».

وفي عهد عمر رحل في فتوح الشام، وشهد وقعة الجابية مع عمر، وهو الذي كتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس، وقد أمره أبو بكر أن يجمع القرآن الكريم مع جماعة من قُرَّاء الصحابة، فقام بالعمل أحسن قيام، وكان ذلك الجمع أول جمع للقرآن.

وقد اختُلف في سنة موته، والأكثر على أنه مات في خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٩ﻫ، وقيل: بل ظل إلى سنة ٣٢ﻫ، فمات في صدر خلافة عثمان، وله في صحيحَي البخاري ومسلم ١٦٤ حديثًا (رضي الله عنه ورحمه).٣

(٥) أسامة بن زيد

هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي، كان أبوه زيد مولى رسول الله ، وقد أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكم بن حزام لخديجة بنت خويلد، فوهبته للنبي ، ثم إنه تبنَّاه بمكة قبل النبوة وهو ابن ثماني سنين، وكان نظام التبني معروفًا في الجاهلية، فطاف به على حلقات قريش وهو يقول: «هذا ابني وارثًا وموروثًا.» يُشهدهم على ذلك، وصار اسمه: زيد بن محمد، فلما حرَّم الإسلام التبني انتسب إلى أبيه حارثة، وعظُم بلاؤه في الإسلام، وكان الرسول يحبه ويحنو عليه، وقد زوَّجه مولاته أم أيمن فولدت له أسامة، وكان الرسول لا يبعثه في سرية إلا أمَّره عليها، وجعل له الإمارة في غزوة مؤتة، فاستُشهد فيها.

figure
وُلد أسامة في السنة السابعة قبل الهجرة في ولاء النبي ، ونشأ في بيته، فأحبه حبًّا شديدًا، وكان ينظر إليه نظرته إلى سبطيه: الحسن والحسين، فشبَّ في كنف الإسلام ورعايته، ولما هاجر الرسول إلى المدينة هاجر معه، وأمَّره وهو شاب لم يبلغ العشرين في السرية التي بعث بها بعد غزوة مؤتة للانتقام من المشركين الذين قتلوا أباه زيدًا، ولم تفصل السرية بسبب وفاة النبي، فأرسله أبو بكر كما قدَّمنا تفصيل ذلك، ولما رجع منصورًا قرَّبه وأكرمه طوال عهده، ولما فرض عمر بن الخطاب للناس الأموال من بيت المال فرض لأسامة خمسة آلاف، وفرض لابن عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضَّلت عليَّ أسامة وقد شهدتُ ما لم يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه كان أحب لرسول الله من أبيك. ولما وقعت الفتنة بين الإمام علي ومعاوية اعتزل بعد مقتل عثمان إلى أن مات في أواخر أيام معاوية، فترك الحجاز وقصد الشام، وسكن المزة (مزة كلب) من أعمال دمشق، ورجع قبل وفاته ليسكن المدينة، ومات فيها «بالجرف»، وقد اختُلف في سنة وفاته، وصحح ابن عبد البر أنه توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: بل مات سنة ٥٨ أو سنة ٥٩.٤

(٦) خالد بن الوليد

سيف الله خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي القرشي أبو سليمان، وأمه: لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة زوج النبي ، كان أبوه الوليد بن المغيرة من وُجهاء قريش وسراتها، فورث ابنه خالد المجد عن أبيه، وكانت إليه في الجاهلية أعِنَّة الخيل والقبة. قال ابن عبد البر: أما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يُجهِّزون به الجيش، وأما الأعِنَّة فإنه كان يكون على خيل قريش في الحروب. واختُلف في وقت إسلامه وهجرته، فقيل: هاجر بعد الحديبية، وقيل: بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: بل كان سنة خمس بعد فراغ رسول الله من غزوة بني قريظة، وقيل: بل كان إسلامه سنة ثمانٍ مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، والأشهر أنه أسلم بين غزوة الحديبية وخيبر؛ فقد كانت الحديبية في ذي القعدة سنة ٦ﻫ، وكانت خيبر في المحرم وصفر سنة ٧ﻫ، وأن خالدًا وعمرو بن العاص وعثمان قدموا عليه بعد الحديبية إلى المدينة مسلمين، فرحَّب بهم، وقال لصحابته لما رآهم: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها.

ولم يزل خالد من وقت إسلامه إلى أن هلك محاربًا في سبيل الله، مجاهدًا في نصرة الدين، وكان له الفضل الأكبر في القضاء على فتنة الردة وفي فتوح العراق والشام، كما أسلفنا تفصيله. وشهد فتح مكة ويوم حنين، وبعثه النبي إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب «دومة الجندل»، ولما ولي عمر عزله عن قيادة جيوش الشام، وولَّاها أبا عبيدة؛ لأنه كان يأخذ عليه أشياء، منها قتله مالك بن نويرة في حروب الردة، ولما علم خالد بعزله لم يثنِ ذلك عن عزمه في الفتوح، واستمر يقاتل تحت إمرة أبي عبيدة إلى أن أتم الله على يديهما نصر دينه، وفتح هاتيك البلاد.

ومات خالد سنة ٢١ﻫ أو سنة ٢٢ بحمص، وقبره هناك، وقيل: بل مات بالمدينة، وكان خطيبًا فصيحًا يشبه عمر بن الخطاب في خلقه وصفته، وكان أبو بكر يُعجب به جدًّا ويحبه ويقول: إن النساء عجزت أن تلد مثل خالد، رحمه الله ورضي عنه.٥
١  الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: ٢، ٤٣٥.
٢  مجموعة الوثائق السياسية للحيدرآبادي، ص٥٥–٦٢.
٣  راجع الاستيعاب لابن عبد البر: ١، ٢٦-٢٧.
٤  الاستيعاب: ١، ٣٠، والإصابة: ١، ٢٩.
٥  الإصابة: ١، ٤١٣، الاستيعاب: ١، ١٥٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١